الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

فالأولى أن يقول : « تغسل يدك » مبني على الاستحباب قطعا ، فلا يبقى وثوق في الدلالة على الوجوب في قوله : « وتبول. » ، والأخبار المتضمنة للإعادة تدل على الاستحباب أيضا ، وكذا ما رواه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأخبار الواردة في بيان الغسل مؤيدة ، فتأمّل.

قوله (١) : وهو اختيار المصنف في النافع. ( ١ : ٣٠٠ ).

ووافقهما على ذلك ابن بابويه ، وابن زهرة ، وابن حمزة ، وابن إدريس ، والمفيد إلاّ أنه قال : تمسح مرة أو مرتين أو ثلاثا (٢).

وقال في الذخيرة : إن ما ذكره في المبسوط أيضا قريب مما ذكره في النهاية (٣).

أقول : الظاهر عدم المخالفة بين ما ذكره القدماء والمتأخرون ، لأن مرادهم إخراج بقية البول بمسح ما بين المقعدة إلى الذكر ثلاثا ، ومن أول الذكر إلى آخره ثلاثا ، والمتقدمون جعلوا الغاية داخلة في المغيا ، فيصير المسح ستا ، والمتأخرون جعلوها خارجة ، فيصير تسعا ، وهذا القدر من التفاوت لعله سهل. مع أن طريقة المتأخرين أسهل ، وغرض الكل إخراج البول من الذكر.

ويمكن أن يكون مراد المرتضى أيضا ذلك ، بأن جعل أصل الذكر من المقعدة إلى الأنثيين ، كما يومئ إلى ذلك كلام ابن زهرة ، وحديث ابن مسلم بالنحو الذي رواه في التهذيب والاستبصار ، من جهة أن الغرض إخراج بقية‌

__________________

(١) هذه الحاشية ليست في « ا ».

(٢) انظر الهداية : ١٦ ، والغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٤٩ ، والوسيلة : ٤٧ ، والسرائر ١ : ٩٦ ، والمقنعة : ٤٠ ، وفي نسخة منها : مرتين أو ثلاثا.

(٣) الذخيرة : ٢٠.

٣٤١

البول مهما أمكن ، وهو لا يتحقق إلاّ بمسح ما بين المقعدة إلى الأنثيين أيضا ، لأنّه من قبيل القضيب المدور المجوف يخرج منه البول والمني ، وهو ممرّهما ، وكثيرا ما يبقيان فيه وبأدنى حركة يخرج قطعا ، ولذا ورد في الأخبار صريحا خرط بين المقعدة والأنثيين ، والأصحاب اتفقوا على الفتوى به :

فقد روي في الصحيح عن ابن أبي عمير ـ وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، وممن لا يروي إلاّ عن الثقة ـ عن جميل بن صالح ، عن عبد الملك بن عمرو ، عن الصادق عليه‌السلام : في الرجل يبول ، ثم يستنجي ، ثم يجد بللا بعد ذلك ، فقال : « إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأنثيين ثلاثا ، وغمز ما بينهما ، ثم استنجى ، فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي » (١).

والشيخ روى حسنة ابن مسلم في التهذيب والاستبصار كما ذكره الشارح ، وهذه أيضا ظاهرة في ما ذكرنا ، ومعلوم قطعا أن الغرض ليس جمع الماء في الإحليل وجرّه مما بين المقعدة والإحليل ، وإبقاؤه في الإحليل ، بل لا شك في لزوم الإخراج ، للقطع بأن الغرض إخراج بقية البول ثم الاستنجاء ، لا الجمع في الإحليل ثم الاستنجاء ، لأنّه حينئذ يكون أسرع خروجا ، وعدم الخرط يكون أولى.

فيكون المراد من قوله عليه‌السلام : « إلى [ طرف ] (٢) ذكره » تمام ذكره ، بجعل الغاية داخلة في المغيا ، كما هو أحد الأقوال ، أو مجازا على القول بعدم الدخول ، لعدم النزاع في تحقق الاستعمال ، مضافا إلى القرينة التي أشرنا‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٠ / ٥٠ ، الاستبصار ١ : ٩٤ / ٣٠٣ ، الوسائل ١ : ٢٨٢ أبواب نواقض الوضوء ب ١٣ ح ٢.

(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من التهذيب وفي الاستبصار : رأس.

٣٤٢

إليها.

ولقوله عليه‌السلام بعد ذلك : « وينتر طرفه » ، ولعل المراد النتر ثلاثا ، ولم يقيد به اكتفاء بقرينة المقايسة (١) ، لأن الغرض ليس إلاّ الإخراج ، ولا فرق بين الإخراج من الطرف والإخراج من الأصل.

ولقوله عليه‌السلام في صحيحة حفص : « ينتره ثلاثا » ، ولا شك في دخول الرأس فيه. والحمل على التخيير فاسد قطعا ، لأن الغرض إخراج البقية قطعا ، فلا معنى له.

وقس على ما ذكرناه في الحسنة رواية عبد الملك ، فإن المراد مما بينهما هو الذكر ، وهو مجموعه من حيث المجموع ، ولم يصرح باسمه لقبح ذكره بالاسم. مع أن التأسيس هو الأصل والتأكيد خلافه ، لما عرفت من أنّه لا معنى لجمع الماء في الإحليل في مقام تحصيل القطع بأن الغرض إخراجه لا إبقاؤه وجعله في معرض الخروج ، إذ هو ضد الغرض قطعا. وكذا الكلام في كون المراد ثلاث غمزات.

على أنا نقول : الأخبار متعارضة ، والجمع بينهما ممكن ، ووجه الجمع أيضا ظاهر ، والبناء على التخيير مقطوع بفساده ، وجل الأحكام الفقهية من الجمع بين الأخبار ، ورواية عبد الملك غير قاصرة عن أكثر الصحاح عند الفقهاء المشهورين ، كما حققناه في موضعه ، وكذا حسنة ابن مسلم. على أن الغرض لما كان إخراج البقية قطعا أخذ الفقهاء جميع ما ورد في الأخبار مما هو سبب للإخراج ، فحكموا به ، سيما والمقام مقام الاستحباب ، والأخذ بما هو أكمل ، فتأمّل.

قوله : وما رواه الكليني. ( ١ : ٣٠١ ).

__________________

(١) في « ج » و « د » : المقام.

٣٤٣

جعله دليلا للسيد محل نظر.

قوله : البيان المنافي للإجمال. ( ١ : ٣٠١ ).

فيه ـ مضافا إلى ما عرفته ـ : أن الحسن لا يقاوم الصحيح عندك. مع ذلك ، التخيير أيضا مناف للتعيين ، وما ورد في مقام البيان هو المعين ، والجواب بعدم الضرر فيه إذا كان لمصلحة مشترك. مع أنك قد عرفت فساد التخيير في هذا المقام.

قوله : لما فيه من المبالغة. ( ١ : ٣٠١ ).

جعله دليلا لخصوص التسع محل نظر وتأمّل ، ولا إجماع على عدم الزيادة ، للقول بالتنحنح مطلقا أو ثلاثا عن سلار ، والعلاّمة ، والشهيد ، والصبر هنيئة عن العلاّمة (١).

قوله : وهو جيد. ( ١ : ٣٠٥ ).

على تقدير الصحة أيضا مشكل ، للمخالفة للقاعدة الشرعية الثابتة من الأدلة الكثيرة الموافقة لطريقة المسلمين في الأعصار والأمصار ، فتأمّل ، ولمخالفتها للأخبار الصحيحة الكثيرة التي أفتى الفقهاء بمضمونها ، ولأخبار كثيرة لم يفتوا بمضمونها.

قوله : بإطلاق روايتي. ( ١ : ٣٠٥ ).

إطلاق هذه وما وافقها غير نافع ، لأن الظاهر منها عدم الاستبراء أيضا ، إذ لو كان استبراء لكان يذكر عند السؤال ، لأنه أوقعه من جهة إخراج البقية ، فكيف لا يذكره في هذا المقام ويكتفي بذكر أن يبول خاصة؟!

مضافا إلى أن الأصل العدم ، نعم صحيحة ابن مسلم نافعة ، لأن‌

__________________

(١) المراسم : ٣٢ ، التذكرة ١ : ١٣١ ، الدروس ١ : ٨٩.

٣٤٤

الظاهر منها الحصر ، فتأمّل.

قوله : وهذه الرواية. ( ١ : ٣٠٦ ).

نعم ، تدل عليه رواية أخرى ، وهي ما رواه أحمد بن هلال : قال سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول؟ ، فكتب : « إن الغسل بعد البول ، إلاّ أن يكون ناسيا ، فلا يعيد منه الغسل » (١) ، رواها الشيخ أيضا.

قوله : وهو مجهول. ( ١ : ٣٠٦ ).

أقول : بل هو ثقة ـ على ما حقق ـ فالأولى أن يقال : ( إنّ هذه الأخبار لا تعارض الأخبار الصحيحة من جهة قبول الفقهاء أو المشهور منهم ، وكثرتها مع الصحة ، وموافقتها للإجماع المنقول ، ولأخبار أخر قوية ومعتبرة.

قوله : في حسنة حفص. ( ١ : ٣٠٦ ).

أقول : هو سهو ، لأنّها صحيحة قطعا ، كما نقلها سابقا (٢) ، ودلالتها على ما نحن فيه محل تأمّل.

قوله : أما وجوب الإتمام فلأن. ( ١ : ٣٠٧ ).

فيه : أن هذا إنما يتم لو ثبت من الأدلة وجود غسل للجنابة يرفع الأكبر دون الأصغر ، وأن غسل الجنابة على ضربين : ضرب يرفع الأكبر والأصغر معا بدون وضوء ، بل وانضمام الوضوء معه حرام ، وضرب يرفع الأكبر خاصة ، وانضمام الوضوء معه ليس بحرام ، بل واجب لرفع الأصغر.

وثبوت ما ذكر من الأدلة لا يخلو من الإشكال ، إذ المستفاد من الأدلة والظاهر منها أن غسل الجنابة يرفع الحدثين من دون حاجة إلى الوضوء ، بل‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ١٤٥ / ٤١٠ ، الاستبصار ١ : ١٢٠ / ٤٠٧ ، الوسائل ٢ : ٢٥٢ أبواب الجنابة ب ١٢٣٦.

(٢) انظر المدارك ١ : ٣٠٠.

٣٤٥

ومع المنع منه. فلو بني على أن الإطلاق والعموم منصرفان إلى المتبادر ـ وهو ما إذا لم يقع في الأثناء حدث ، وأمّا إذا وقع فيه الحدث فغير ظاهر حكمه منهما ـ ففيه : أنّ جميع الإطلاقات الواردة حكمها كذلك ، فمن أين أثبت وجود غسل يرفع الأكبر خاصة؟.

فعلى هذا نقول : القدر الذي فعله من الغسل قبل الحدث لا يرفع الجنابة قطعا ، والجنابة باقية محتاجة إلى رافع البتة ، فالرافع للأكبر إن كان رافعا للأصغر فالأمر كما اختاره ابن إدريس ومن وافقه ، وإلا فالحكم برفع الأكبر يحتاج إلى دليل يطمئن إليه النفس ، وما ذكر ذلك الدليل ولا أشار إليه.

ولا يخفى أن الحكم برفع الحدثين على وجه يطمئن به النفس إنما يتحقق بإعادة الغسل ، وضم الوضوء معه لحصول الشك في وجود غسل جنابة يرفع الأكبر خاصة ، والشك في وجود جزء غسل للجنابة يرفع الحدثين معا ، والشك في أن الغسل الذي وقع في أثنائه الحدث يرفع شيئا من الحدثين بدون الإعادة ، كما سنشير ، فتأمّل.

قوله : ليس موجبا للغسل. ( ١ : ٣٠٧ ).

لم يدّع أحد أنّه موجب للغسل ، بل يدّعون أنّه مبطل له ، ودعوى القطع بعدم الإبطال فاسد قطعا. والاستناد إلى أصالة العدم ـ مع أنّها ظنية ـ موقوفة على جريانها في ماهية العبادات أيضا ، ومع ذلك يعارضها أصالة عدم رفع الحدث بمثل هذا الغسل ، وأصالة بقاء الجنابة ، وأصالة عدم زيادة التكليف بالوضوء.

قوله : وهو إما الغسل بتمامه. ( ١ : ٣٠٧ ).

هذا الحصر مصادرة ، فإن بنى على أنّ القدر الثابت هو أحد الأمرين خاصة وغيرهما لم يثبت ، ففيه : أنّ القدر الثابت هو رفع الأكبر بغسل لم يقع في أثنائه حدث ، وإن استند إلى العموم والإطلاق في الأخبار ففيه : أن الظاهر‌

٣٤٦

منها عدم الحاجة إلى الوضوء أصلا ، والبناء على عدم العموم من هذه الجهة والعموم من تلك الجهة فيه ما فيه.

ويمكن أن يستدل لعدم وجوب الإعادة بما ورد في الأخبار الواردة في كيفية الغسل : « ما جرى عليه الماء فقد طهر » (١) ، وما ورد : « كل شي‌ء أمسسته الماء فقد أنقيته » (٢) ، وأن يستدل لخصوص قول ابن إدريس ومن وافقه بإطلاق ما ورد في جواز تفريق أجزاء الغسل وعدم موالاتها (٣) ، فلاحظ وتأمّل ، إلاّ أن الأحوط ما ذكرناه ، لما مرو يأتي ، فتأمّل.

قوله : وهو باطل. ( ١ : ٣٠٨ ).

الحكم به إن كان من جهة الإجماع ، ففيه : أنّه لا إجماع ، وإن كان من جهة الأخبار ، ففيه : أنّه لا فرق بين القليل والكثير بالنسبة إليها ، وإن كان من جهة العقل ، ففيه : أنّه لا طريق للعقل إلى أمثال هذه التعبديات ، كيف والعبادات توقيفية ووظيفة الشرع وفاقا ، فتأمّل.

قوله (٤) : ففساده ظاهر. ( ١ : ٣٠٨ ).

فيه : أن المستدل استدل بالأولوية ، ومنعها مكابرة ، لأنّه يلزم أن يكون من يغسل من رأسه في غسله مقدار شعرة فقط من أول عمره ، ولم يغسل الباقي إلى آخر عمره ويصدر منه الأحداث التي لا تعد ولا تحصى في هذه المدة ، أن لا يرفع جميع هذه الأحداث أثر ذلك المقدار القليل غاية القلة ، ثم بعد إتمام غسله يصدر منه مقدار رأس شعرة ريح أو بول فيبطل أثر الجميع‌

__________________

(١) الوسائل ٢ : ٢٢٩ أبواب الجنابة ب ٢٦ ح ١ ، وتقدم في المدارك ١ : ٢٩١ و ٢٩٣.

(٢) الوسائل ٢ : ٢٣٠ أبواب الجنابة ب ٢٦ ح ٥.

(٣) الوسائل ٢ : ٢٣٧ أبواب الجنابة ب ٢٩.

(٤) هذه الحاشية ليست في « أ ».

٣٤٧

في استباحة الصلاة وأمثالها ، ورفع الحدث منها.

فكيف يكون جميع الأحداث التي لا تحصى لا ترفع أثر مقدار شعرة من الغسل ، ويكون مقدار رأس شعرة من الريح مثلا يرفع أثر جميع هذه الغسلات التي هي بالنسبة إلى مقدار شعرة من قبيل القطرة بالنسبة إلى البحار؟!

ولو لم يف مجموع الأحداث التي لا تحصى لرفع أثر شعرة من الغسل فكيف يفي شعرة من الحدث لرفع أثر مجموع الشعرات من الغسل التي لا يمكن عدها ولا يحصيها إلاّ الله تعالى؟! مع أنّ البعض أضعف من الكلّ ، سيما في المقام ، لعدم استحالة رفع أثر البعض من الحدث في الأثناء ، بحيث يعود إلى الجنابة فيحتاج إلى إعادة الغسل ، كما اختاره جماعة ، بل الأكثر ، بل المشهور ، كما قاله المحقق الشيخ علي في شرح الألفية (١) ، وورد في الخبرين ، واقتضاه الأصل والقاعدة من بقاء الجنابة حتى يثبت الرافع ، واقتضاه الأولوية المذكورة وغير ذلك ، ولا كذلك الحدث الواقع بعد كمال الغسل ، للقطع برفع الجنابة بالمرة إلاّ أنّه يرتفع خصوص الاستباحة ، وليس ذلك إلاّ من جهة أن الجزء والبعض أضعف من الجميع بالبديهة.

بل الجماعة الذين يقولون بوجوب الوضوء يكون الجزء عندهم أضعف من الكل بالبديهة ، لقطعهم بارتفاع حدث الجنابة والحدث الأصغر جميعا بالمرة بالغسل من دون وضوء ، وارتفاع الاستباحة بالمرة بالحدث الواقع بعد الغسل ، وظنهم ببقاء الحدث الأصغر وارتفاع الأكبر بالحدث في الأثناء وأنّه ما لم يتوضأ لم يرتفع الأصغر.

بل عند ابن إدريس ومن وافقه أيضا لا يكون الجزء بقوة الكل ، إذ‌

__________________

(١) شرح الألفية ( رسائل المحقق الكركي ٣ ) : ٢٠٣.

٣٤٨

بمجموع الغسل وكماله يحصل القطع عندهم أيضا بارتفاع الأكبر والأصغر إلى أن يحدث الأصغر ، فيحصل المنع من جهته بما هو مقتضاه ، وأما إذا حصل الجزء فلا يحصل الرفع والاستباحة يقينا ، بل له مدخلية فيهما ، وأين المدخلية من التمام والكمال! ومع ذلك ليس إلاّ بظن اجتهادي ، فعلى هذا إذا ارتفع أثر المجموع والأقوى في الاستباحة فارتفاع الأضعف بطريق أولى.

هذا ، مع أنّ الرفع والاستباحة موقوفان على الكمال ، وقبله لم يتحققا ، وعدم تحققهما مستصحب حتى يثبت خلافه ، وثبوته من الوضوء بعد إتمام الغسل ـ كما قال السيد رضي‌الله‌عنه ـ غير ظاهر ، لعدم الدليل ، بل ظهور العدم ، إذ ظهر ارتفاع الاستباحة مما تقدم على الحدث فلا عبرة به شرعا ولا يرتفع الحدث من الجنابة ولا يحصل الاستباحة من جهتها إلاّ بالغسل جزما ، والأجزاء السابقة يسقط اعتبارها شرعا من الأصل والقاعدة والقياس (١) بطريق أولى.

فالعبرة بما تأخر عن الحدث بحسب الشرع ، فلا بدّ من الإعادة ، فابتداء الغسل من الشروع في الإعادة ، والعبرة به شرعا لا يكون إلاّ بما أعاده ، فهو الغسل الرافع للجنابة ، فلا يجوز معه الوضوء ، لورود النهي في الأخبار (٢) ، وللإجماع ، وهو موافق لمضمون الخبرين ، ويجبر سندهما ـ مضافا إلى الشهرة وغيرها ـ بما تقدم.

قوله : لمنع كونه ناقضا. ( ١ : ٣٠٨ ).

لا يخفى أن مجرد المنع لا يكفي لحصول الطهارة حتى يثبت بدليل ، فإن كان استناده إلى العموم والإطلاق فقد أشرنا إلى ما فيهما ، فتأمّل ، سيما‌

__________________

(١) ليس في « و ».

(٢) الوسائل ٢ : ٢٤٦ أبواب الجنابة ب ٣٤.

٣٤٩

مع وجود مثل هذه الرواية التي اعتمد عليها جماعة من فحول الفقهاء الماهرين في معرفة الأحاديث ، فتأمّل.

قوله (١) : إلى أن يتّضح السند. ( ١ : ٣٠٨ ).

لا يخفى أنها منجبرة بأمور : منها الأوفقية إلى القاعدة الشرعية ، كما عرفت. ومنها الموافقة للفقه الرضوي (٢) ، فإنّه أيضا صريح في ذلك ، وقد عرفت اعتباره في الجملة. ومنها الموافقة للشهرة ، فإن المحقق الشيخ علي ادعى الشهرة في هذا (٣). ومنها الموافقة لما ذكر من أنّ ناقض المجموع ناقض للأبعاض بطريق أولى ، بل المجموع ليس إلاّ كل واحد واحد من الأبعاض ، إلاّ أنّه إذا خلا عن الجنابة بالمرة يجب الوضوء ، وأمّا مع بقاء الجنابة البتة فحينئذ يكون الوضوء رافعا غير ظاهر ، مع ما عرفت من الحاشية الأولى ، وما ورد في الأخبار أن من لم يتمكن من الغسل وهو متمكن من الوضوء لا يتوضأ ، لأن الله جعل عليه نصف الوضوء ، يعني التيمم (٤) ، فتأمّل.

قوله : ويتصور ذلك في غسل الارتماس. ( ١ : ٣٠٩ ).

لا مدخلية للنية هنا ، لأن الحدث لو تحقق بينها وبين الغسل تجب إعادتها ، لوجوب المقارنة عندهم ، ولا ربط لهذا النزاع به ، بل ليس إلاّ في وقوع الحدث في أثناء غسل الأعضاء ، فتأمّل.

فعلى هذا نقول : إن وقع في الارتماس امتداد ـ بناء على ما ذكره من أن الارتماس شمول الماء للبدن دفعة بالدفعة العرفية ـ وتخلل الحدث بين

__________________

(١) هذه الحاشية ليست في « ا ».

(٢) فقه الرضا عليه‌السلام : ٨٥ ، المستدرك ١ : ٤٧٤ أبواب الجنابة ب ٢١ ح ١.

(٣) راجع ص ٣٤٨.

(٤) الوسائل ٣ : ٣٨٦ أبواب التيمم ب ٢٤ ح ١.

٣٥٠

غسل الأعضاء ، فربما يخدش هذا صدق الوحدة العرفية ، إذ يصدق عرفا أن بعض غسل الأعضاء قبل الحدث وبعض آخر بعده ، فوقع بينهما ترتيب عرفي ، فهو ينافي الدفعة المعتبرة ، فتأمّل.

وإن لم يقع فيه امتداد ، كما هو الظاهر من الشهيد ـ رحمه‌الله ـ فلا يتحقق حينئذ وقوع الحدث في الأثناء.

مع أن ما اختاره الشارح أشد إشكالا من جهة أنّه لم يرد الغسل الارتماسي إلاّ في حديثين متضمنين إجزاءه عن الغسل ، فإن هذا الغسل إن كان يجزئ عن الوضوء فالحق مع ابن إدريس.

وإن بنى على أنّه لا عموم فيهما يشمل محل النزاع فمن أين يثبت كون محل النزاع داخلا في الارتماسي ومجزيا؟ سيما وتحقق الارتماسي الذي هو محل النزاع في غاية الندرة ، بل لا يكاد يتحقق ، وعلى تقدير إمكان التحقق فجعله داخلا في إطلاق الحديثين غير داخل فيه أشد فسادا.

وإن كان هذا الغسل لا يجزئ عن الوضوء يلزم صرف الحديث عن الفروض المتعارفة الشائعة إلى الفرض النادر ، سيما مثل هذه الندرة ، وفيه ما فيه ، والظاهر المتبادر أنّه مجز عن الغسل المتعارف الغالب ، وأنّه لا يحتاج معه إلى وضوء للصلاة ، فتأمّل.

قوله : الحكمي القصدي. ( ١ : ٣٠٩ ).

إن أراد أنه يقصد أولا رأسه ثم بعده يمينه ثم بعده يساره فما ذكره صحيح ، لكن حمل كلامه ـ رحمه‌الله ـ عليه بعيد ، بل ربما يكون هذا ترتيبا فعليا ، وإن أراد ما هو الظاهر من كلامه ففيه نظر ، فتدبر.

قوله : اطرد الخلاف وإلاّ تعين إتمامه. ( ١ : ٣٠٩ ).

فيه تأمل ، لجريان كلام القائل بالإعادة هنا أيضا من دون تفاوت ، نعم القول بالاكتفاء بمجرد الإتمام لا يجزئ هنا ، بل معلوم أنّه غير قائل هنا ،

٣٥١

لصراحة كلامه ودليله في أنّه في خصوص غسل الجنابة.

قوله : فالحيض هو الدم. ( ١ : ٣١١ ).

لا يخفى أن دم الحيض ليس من الأمور التي بمحض اعتبار الشرع وإحداثه ، بل هو من الأمور العادية الواقعية ، مثل البول والغائط والمني ، خلقه الله تعالى في المرأة عند بلوغها أو بعده ، لأجل تكوّن الولد كالمني ، بل تكوّنه من الحيض أكثر منه بمراتب.

وشي‌ء منه يصير لبنا وغذاء له ، وشي‌ء منه يجتمع في الرحم حول الولد يصير حاميا له من ملاقاة المصادمات.

وهو يجتمع في الرحم شيئا فشيئا ، ثم تعتاد قذفه في كل شهر غالبا.

وله أقل معروف وأكثر معروف عند الأطباء أيضا ، وإن وقع الاختلاف بينهم.

وليس كل دم في المرأة فيه تلك الخواص ، أو خاصية واحدة منها. وفساده يداوي عند الأطباء ، ويحصل منه المفاسد ، وهو عيب يوجب الرد شرعا.

والشارع اعتبر له أحكاما كثيرة : منها ما ذكر في هذا الباب ، ومنها ما سيجي‌ء في كتاب النكاح والطلاق ، مثل أنّه سبب براءة الرحم ، وموجب لانقضاء العدة إلى غير ذلك ، مثل ما سيجي‌ء في مبحث النجاسات من عدم العفو عنه ، وفي باب الصيام والصلاة وغيرهما.

وكل لغة تعبر عنه بلفظ ، فالعرب بلفظ دم الطمث والقرء والحيض ، أما الأولان فلا شك فيهما ، وأمّا الأخير فبملاحظة العرف العام واللغة أيضا :

ففي المجمل : الحيض حيض المرأة (١). وفي المغرب : حاضت المرأة حيضا ومحيضا خرج الدم من رحمها (٢). وفي القاموس : حاضت المرأة‌

__________________

(١) المجمل ٢ : ١٢٧.

(٢) المغرب ١ : ١٤٥.

٣٥٢

إذا سال دمها (١). وقال الجوهري : حاضت المرأة تحيض حيضا (٢).

والظاهر أن لفظ الطمث والقرء والحيض حقيقة في خروج هذا الدم عرفا ولغة ، أما العرف فغير خفي ، وأما اللغة فيظهر بالتأمّل في ما أشرنا وما ذكروا ، وإن كان أكثر اللغات مجازات ، فتأمّل.

وكيف كان فلا شك في أن الوارد في عبارة الشارع والفقهاء ليس إلاّ هذا المعنى. ولذا متى قال الشارع : لا تجامعوا الحائض ، والحائض لا تصلي ولا تصوم ولا تدخل المساجد والمسجدين ، إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة الصادرة عنه فيها ، كان الرواة والسامعون لهذه الأحكام يعرفون المراد من الحيض والحائض بلا تأمّل وريبة ، وما كانوا يسألون أبدا أن الحيض ما ذا؟ والحائض من هي؟ وأن الحيض بأي كيفية؟ كما كانوا لا يسألون عن المني والبول وغيرهما عند استماع الأحكام الواردة فيها بأن المراد من البول والمني مثلا ما ذا؟ وأنهما بأي شي‌ء يتحققان أو يعرفان.

نعم ، ربما يحصل الاشتباه مثلا بسبب التعدي عن الأحكام المعهودة المعتادة أو غير ذلك ، فكانت النساء يسألن عن علاج الاشتباه شرعا فأجبن بما أجبن ، فكنّ يقلن : لو كان امرأة ما زاد على هذا ، أو يقلن : أفرأيت كان امرأة مرّة ، أو غير ذلك ، فهذه صريحة في أنهن كن عارفات بالحيض وصفاته ، فالصفات معتبرة في حالة الاشتباه كاعتبار صفات المني حالة الاشتباه ، والبول بالاستبراء وعدمه ، كما مرّ في الجنابة والبول ، فتأمّل.

ومما ينبه إلى ما أشرنا أن اليهود يعتزلون الحائض بالمرة ، والنصارى يباشرونهن ويجامعونهن ، والمجوس يفعلون ما هو المعهود منهم من ترك‌

__________________

(١) القاموس ٢ : ٣٤١.

(٢) الصحاح ٣ : ١٠٧٣.

٣٥٣

الاشتغال وغير ذلك حال حيض نسائهم ، فتأمّل.

قوله : لأن الحمرة. ( ١ : ٣١٢ ).

الإتيان بلفظ التعليل يوهم انحصار فائدة القيد في ما ذكره ، وليس كذلك ، كما لا يخفى على المتأمّل في ما سيجي‌ء ، مضافا إلى ما ذكرناه في الحاشية السابقة ، فتأمّل.

قوله : أن هذه الأوصاف. ( ١ : ٣١٣ ).

فيه تأمّل من وجوه :

الأول : أن الروايات المذكورة في الأوصاف مختلفة جدا ، فبعضها اكتفي فيه بالحرارة ، وبعضها الحرارة والحرقة ، وبعضها اللون أيضا ، وفي بعضها السواد ، وفي بعضها الحمرة ، إلى غير ذلك من الاختلاف ، فليلاحظ الكل ، وليتأمّل فيها. والبناء على تقييد كل واحد بالآخر في غاية البعد ، بل لعله لا يمكن ، والبناء على أن كل واحد من الأوصاف يستلزم الآخر ، فلأجل هذا اقتصر في البعض بذكر البعض واكتفي بواحد بدلا عن الآخر ، ففيه : أنّه على هذا لم تكن الصفات خاصة مركبة ، مضافا إلى أنّ في بعضها تضادّا ، وأنّ الظاهر عدم التلازم أيضا.

الثاني : الخاصة عبارة عن صفة واقعية مختصة غير مشتركة ، وغير خفي أن الصفات يتحقق في غير الحيض كثيرا ، مثل دم النفاس والقروح والجروح ، وما تراه قبل التسع وبعد اليأس ، وما تراه أقل من ثلاثة وأكثر من عشرة ، وما ليس بينه وبين الحيض أقل الطهر ، وما خرج من الجانب الأيمن أو الأيسر على الخلاف ، وفي حال الحمل على الخلاف ، ودم العذرة وغير ذلك.

وأيضا : إذا كانت خاصة شاملة فلا وجه لتخلفه ، وإذا كانت غير شاملة فلا وجه للحكم بأنّه متى وجدت حكم بكونه حيضا إلاّ أن يمنع مانع.

٣٥٤

وبالجملة : المستفاد من الأدلة أن الصفات ليست بصفات الحيض إلاّ بشروط كثيرة ، مثل كونه بعد التسع وقبل اليأس ، ولا يكون في أيام العادة ولا في أيام النفاس ، ولا أقل من ثلاثة ، إلى غير ذلك مما يظهر مما أشرنا ، فكيف يعبر عنها بالخاصة ، سيما والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط ، بل الأصل العدم إذا كان الشرط من الأمور الحادثة ، فتدبر.

الثالث : إن قلت : إنّ الحيض أمر واقعي والصفات صفاته في الواقع ففيه ـ مضافا إلى ما مر ـ : أن معرفة أيام الحيض والعادة وضبطها كيف يصير منشأ لتحقق الحيض بغير الصفات ، وعدم المعرفة والضبط منشأ لعدم تحققه بغير الصفات واقعا؟ وقس على الوقوع في أيام العادة وعدمه حال غيره وتأمّل جدا ، وإن أردت أن الحيض أمر اعتبره الشارع ، فلذا جعل لما اعتبره قاعدة أنه كذا وكذا إلاّ ما أخرجه دليله ، فقد عرفت في الحاشية السابقة فساد ذلك.

ويزيده بيانا : أنّ الظاهر من قوله عليه‌السلام : « أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة » أن أقل الحيض واقعا ثلاثة ، وأكثره واقعا عشرة ، لا أنه وإن أمكن أنه أقل من ثلاثة واقعا إلاّ أني لا اعتبره حتى يكون ثلاثة.

وكذا الحال في الأكثر من عشرة ، حتى أنّه عليه‌السلام صرح بأن ما زاد عن العشرة أو عن أيام العادة فهو من عرق ، أو من آفة أو من قرح أو من ركضة الشيطان ، وليس بحيض.

وكذا يدل عليه قوله عليه‌السلام : « دم الحيض ليس به خفاء » ، وقوله عليه‌السلام : « الحيض والاستحاضة ليس يخرجان من مكان واحد » ، إلى غير ذلك مما يحصل من تتبع الأخبار.

وأيضا : الظاهر من قوله عليه‌السلام : « قبل التسع لا ترى الحيض ، وكذا بعد اليأس » أنّه ليس بحيض واقعا ، لا أنّي لا اعتبره حيضا ، إلى غير ذلك ، فتتبع وتأمّل.

٣٥٥

وبالجملة : الأمور التوقيفية على الشرع إما نفس الأحكام الشرعية أو موضوعاتها إذا كانت عبادة ، وأمّا غيرها فليس بتوقيفي ، بل يرجع فيه إلى اللغة أو العرف أو غيرهما ، إلاّ أن يقع من العرف اشتباه أو شبهة أو اختلاف ، فيرفع الشرع جميع ذلك.

ومعلوم أن الحيض ليس بحكم شرعي ولا من العبادات ، بل من القسم الثالث ، والشرع لرفع الاختلاف مثلا قال : أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، ولرفع الشبهة والاشتباه قال : دم الحيض ليس به خفاء ، هو دم حارّ. ، على أن غالب الحيض لما كان بالصفات المتلازمة بعضها مع بعض ـ إلا ما شذّ وندر ـ اعتبرها ، لأن الغلبة مظنة وأمارة مرجحة ، وكم من أمارات ظنية اعتبرها الشرع في أبواب الفقه ، ومنها وقوع الدم في أيام العادة وإن كان أصفر باردا ، بل وكدرة ، فإن المظنون كونه حيضا ، بل هو أقوى من الصفات في الاعتبار والشرع ، كما سيجي‌ء.

ومنها خروجه من الجانب الأيسر ، على الأظهر كما ستعرف ، بل لعل الغالب والراجح والظاهر أنّ المرأة التي بلغت مبلغ النساء في الحيض وشرعت في رؤية الدم أنّه حيض ، لأنه الأمر العادي الخلقي الغالب في النساء ، وأما الدماء الأخر فهي على خلاف ذلك ، بل وموقوفة على حوادث ، والأصل عدمها ، إلاّ أن تكون أمارة دالة عليها.

ولعله لما ذكرنا ذهب الأصحاب إلى أن ما أمكن أن يكون حيضا فهو حيض وادعوا الإجماع. ويؤيده ملاحظة كثير من الأخبار حيث رجح الشارع طرف الحيض في ما احتمله وغيره ، ولم يكن أمارة على غيره. بل وربما يعلل للحكم بكون الدم حيضا باحتمال التقدم والتأخر ، كما سنشير.

ولعله لما ذكرنا أيضا ما اعتبروا هذه الصفات إلا فيما إذا استمر الدم ، إذ لا يمكن الحكم بأن المجموع حيض.

٣٥٦

قوله : ومتى انتفت انتفى. ( ١ : ٣١٣ ).

هذا فرع عموم المفهوم ، والشارح لا يقول به ، مع أنّه لا يقول بحجية مفهوم الوصف ، فكيف يتمسك به ثم بعمومه؟! فتدبر.

قوله : إلا بدليل. ( ١ : ٣١٣ ).

فيه ـ مضافا إلى ما سبق : ـ أن الشارع قال : دم الحيض حارّ أسود مثلا ، ولم يقل : إنّ كل دم حارّ أسود فهو حيض.

فإن قلت : اعتبرت الصفات لأجل التميز.

قلت : نعم اعتبرها لأجل التميز بينه وبين خصوص الاستحاضة فيما إذا دار الاحتمال بينهما خاصة ، ولذا في كل حديث قال ذلك ضم إليه قوله :

« ودم الاستحاضة بارد » أو قوله : « ليس يخرجان من مكان واحد » مثلا.

وبالجملة : لا يخفى ذلك على من أمعن النظر في الأخبار وتحقق ذلك أيضا أن كل موضع وقع الالتباس بين الحيض وغير الاستحاضة مثل القرحة والعذرة لم يعتبر الصفات أصلا ، بل اعتبر مميزا آخر ، لو كان ، والأغلب جانب الحيض ، كما لا يخفى على من أمعن النظر ، فتأمّل جدا.

فاللام في قوله : « فإذا كان للدم حرارة » لم يثبت إفادته العموم ، لأنه يفيد حيث لا عهد ، وظاهر أن المراد الدم المسؤول عنه ، فتأمّل.

قوله : لاعتبار سند الخبرين. ( ١ : ٣١٤ ).

هذا التعليل لا يخفى ما فيه ، وكذا قوله : ومطابقتهما. ، فإن بنى على أنّ الظاهر من السائل التردد في كون الدم المسؤول عنه عذرة أو حيضا فقط من دون احتمال مثل القرحة أيضا ، فمثل هذا لا بدّ أن يكون بصفة الحيض ، وإلا فلا وجه لاحتمال كونه حيضا ، ولا لانحصار الاحتمال فيه وفي العذرة فقط ، ففيه ما لا يخفى.

مع أنّ مقتضى الروايات أن دم الحيض حارّ أسود ، ودم الاستحاضة‌

٣٥٧

بارد ، فعند الاشتباه والتردد في كونه حيضا أو استحاضة وعدم أمارة أحدهما وخاصة يعتبر التميز ، لا أنّ كل دم تراه المرأة ويكون حارّا أسود فهو حيض البتة ، مع أنّه خلاف الواقع جزما. مضافا إلى أنه لا وجه حينئذ للحكم باعتبار القطنة ، وأنّها لو خرجت مطوقة فهو من العذرة ، وكذا فيما لو خرج من الجانب الأيمن ، إلى غير ذلك مما أشرنا ، فتأمّل.

مع أنّه على هذا يظهر الجواب عن اعتراضه ، إذ لعله ـ رحمه‌الله ـ فرض المسألة أعم من مورد الحديثين ، كما سنشير ، فتأمّل.

قوله : لا عبرة بلونه. ( ١ : ٣١٤ ).

لا يخفى أن الجمع بين هذا الاعتراض والاعتراض الأول غير جيد ، لأنّه لو كان رأيه أن ما يمكن أن يكون حيضا فهو حيض فلا وجه للاعتراض الأول ، وإلاّ فلا وجه لهذا الاعتراض ، بل المتعين هو هذا الاعتراض ، لكن قوله رحمه‌الله : ما لم يعلم أنّه لقرح يكشف عن أن المسألة مفروضة عنده أعم من مورد الحديثين ، إذ ظاهرهما عدم التردد في كونه دم قرحة ، بل وانحصار التردد في الحيض والعذرة ، كما مرت الإشارة إليه ، ودأب الفقيه وطريقته تعميم المسألة ، وعدم الاقتصار على مورد الحديث غالبا ، فتأمّل.

على أنا قد أشرنا سابقا أن الشارع يغلب جانب الحيض غالبا فيما إذا لم يمكن استعلام كونه غير الحيض من أماراته ، فلا حاجة إلى دعوى كون مورد الحديثين ما إذا كان الدم بصفة الحيض مع ما فيها من العناية ، وكذا دعوى انحصار تردد السائل في الحيض والعذرة فقط ، فتأمّل.

فلعلّ مراد المحقق أن الاستنقاع ليس من صفات الحيض ولا خصوصية له به ، ولم يعدّ أحد من الفقهاء ذلك من جملة صفاته ، حتى أن منهم من ذكر الخروج من الأيسر من صفاته ، ولم يذكر أحد الاستنقاع منها ، وإن كان في مقام إمكان كونه حيضا يحكم بكونه حيضا من هذه الجهة لا من‌

٣٥٨

جهة الاستنقاع ، فعدم تعرضه لحكم الاستنقاع في هذا الكتاب وفي النافع من هذه الجهة لا من جهة توقفه كما ذكره ، فإن حكم الاستنقاع داخل تحت القاعدة لا حاجة إلى ذكره هنا ، وإنما المحتاج ذكر حكم التطوق ، لأنه مخالف للقاعدة.

وأمّا كلامه في المعتبر فمراده منه أن التطوق دليل على كونه من العذرة في الواقع بخلاف الاستنقاع ، لعدم دلالته على الحيضية أصلا ، كما أشرنا ، بل يعد في مقام الاحتمال ، نعم للاحتمال حكم شرعي وقاعدة شرعية سيذكر ، فتأمّل.

قوله : إذ المفروض. ( ١ : ٣١٤ ).

فيه ما عرفت من أن المفروض ليس عدم العلم بكونه قرحة ، بل يحتمل أن يكون ذكرهما على سبيل المثال ، وإلاّ فربما يعلم أنه استحاضة مثل أن تراه في حال اليأس أو الحمل على الأظهر عنده ، أو لم يكن بينه وبين الحيض أقل الطهر ، أو غير ذلك ، فتأمّل ، وليس عندي عبارته حتى ألاحظ ، فلاحظ.

قوله : وأجيب عنه. ( ١ : ٣١٦ ).

هذا الإشكال ينحل على طريقة المشهور ، لأن ما يمكن أن يكون حيضا فهو حيض عندهم ، وأمّا على طريقة الشارح ـ رحمه‌الله ـ فالانحلال لا يخلو عن إشكال ، لأن ما تراه قبل التسع ليس بحيض لا قبل ثبوت التسع ، فتأمّل.

قوله : وكذا قيل في ما يخرج. ( ١ : ٣١٦ ).

في الفقه الرضوي : « فإن اشتبه عليها الحيض ودم القرحة فعليها أن تستلقي على قفاها وتدخل أصابعها ، فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو‌

٣٥٩

من القرحة ، وإن خرج من الأيسر فهو من الحيض » (١).

والظاهر أن الصدوق ـ رحمه‌الله ـ حكم بمضمون الفقه الرضوي ، كما هو طريقته غالبا ، وأمّا الشيخ وأتباعه فموافقتهم له ليست من جهة الفقه الرضوي ، كما لا يخفى على المطلع ، بل من جهة الحديث الذي رواه سيما كتابه النهاية ، فإن فتاويه فيه على طبق أحاديث التهذيب ، كما لا يخفى على المطلع ، فهذا دليل على أن نسخة التهذيب ليست على ما ذكره الشهيد وابن طاوس ، ويظهر من كلام الشارح أن نسخ التهذيب الموجودة الآن على وفق ما نقله ، ولعله كذلك ، فهو دليل آخر على ما ذكرنا ، وكذا كون الرواية في الفقه الرضوي كذلك من الأمارات والأدلة ، وكذا اتفاق من تأخر عنه على الفتوى كذلك ، مع وجود الرواية في الكافي على خلافه ، وكذا فتوى ابن الجنيد ، وكذا ما ذكره ابن طاوس وغيره ، فإنه أيضا من الأدلة والأمارات ، مع أن المشتهر عند النساء أيضا أنه كذلك ، وسألت أنا عن المتدينة منهن عن ذلك فصرحت بأنه كذلك ، فاسأل واستعلم.

ومما يؤيد أيضا أن ابن طاوس لم ينقل عنه مخالفة المشهور وموافقة ابن الجنيد ، وأمّا الشهيد فتصنيفه البيان متأخر عن الدروس والذكرى ، وهو دليل رجوعه ، وهو دليل على ظهور الأمر عليه ، فتأمّل.

قوله : في كثير من نسخ التهذيب. ( ١ : ٣١٨ ).

لكن اتفاق نسخ التهذيب على خلاف ذلك على ما نجد الآن ، وكونه هو الظاهر من غيره من الفقهاء ، كما لا يخفى على المتأمّل المطلع ، يبعّد ما ذكره ، بل ربما يأبى عنه.

__________________

(١) فقه الرضا عليه‌السلام : ١٩٣ ، المستدرك ٢ : ١٤ أبواب الحيض ب ١٤ ح ١.

٣٦٠