الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

معين.

فظهر أنه لما ذكر المسح بالباء ذكر قوله : « إلى الكعبين » إظهارا لغاية الاعتناء بالاستيعاب ، وعدم جعله مثل مسح الرأس ، فتأمّل.

وشغل الذمة بالعبادة التوقيفية أيضا يرشد إليه ، والطريقة المستمرة بين الماسحين في الأعصار والأمصار ربما (١) تعضده ، لأن الوضوء مما تعمّ به البلوى وتكثر الحاجة إليه ، فلو كان الاستيعاب غير واجب لشاع بمقتضى العادة ، لا أنه يكون الأمر على خلافه فتوى من الفقهاء وعملا من المسلمين ، وظاهر أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة عليهم‌السلام أيضا ما كانوا يكتفون بغير الاستيعاب ، فتأمّل.

وأيضا ما ورد من أن أمير المؤمنين عليه‌السلام مسح ولم يستبطن الشراكين (٢) ، وأمثال ذلك ظاهرة في الاستيعاب ، إذ لو لم يكن لازما لما كان لذكرها فائدة ، فتدبر.

ويمكن حمل كلام الشارح على نفي وجوب الاستيعاب العرضي ، فتأمّل.

قوله : وإن ادعى العامّة. ( ١ : ٢٢٠ ).

والمستفاد من مجموع أحاديث أهل البيت حتى صحيحة الأخوين (٣) التي هي مستند العلامة ـ رحمه‌الله ـ تكذيب العامة في دعواهم ، وأن ما‌

__________________

(١) بدلها في « ا » : مما.

(٢) انظر المدارك ١ : ٢١٨.

(٣) في بعض النسخ : الآخرين ، وفي بعضها : الآخرتين ، والصحيح ما أثبتناه ، كما عبر به في المدارك ١ : ٢٢١ ، والمراد صحيحة ابني أعين المذكورة في المدارك ١ : ٢١٧.

٢٨١

ادعوه ليس كعبا أصلا لا أنه أحد المعاني ، والظاهر منها أنه ليس كعبا في العرف واللغة ، بل الظاهر منها أنّ الكعب ليس له إلاّ معنى واحد ، لا أنّ الكعب في الوضوء كذا وإنّ كان في غير الوضوء شيئا آخر ، وهو ظاهر على من له أدنى تأمّل.

ومن التأمّل في ما ذكر هاهنا منضما إلى ما ذكرنا سابقا يتضح غاية الاتضاح أن المفصل في صحيحة الأخوين (١) هو المفصل الشرعي ، مع احتمال توهم منهما أو تجوز ، ولا يخفى على المتأمل المنصف أنّ الأول أظهر ، فتدبر.

قوله : فيه وجهان. ( ١ : ٢٢٠ ).

على تقدير أن يكون الممسوح ظاهره كون المجموع ممسوحا لا شي‌ء منه ، كما هو الحال في اليدين ، فظاهره أيضا الإيصال والاستيعاب ، هذا مضافا إلى ما مر في الحاشية السابقة المكتوبة على قوله : لكنها معارضة بما رواه الشيخ (٢) ، فلاحظ وتأمّل.

قوله : لصحة الخبر وصراحته. ( ١ : ٢٢١ ).

ربما لا يلائم هذا ما ذكره سابقا في بحث مسح الرأس ، من أنه هل يكفي المسمى أم لا بدّ من مقدار ثلاث أصابع ، حيث قال : يجوز حمل المطلق على المقيد ويجوز حمل المقيد على الاستحباب ، ثم رجح الثاني بقوة دلالة المطلق على الاكتفاء بالمسمى (٣) ، وهنا يقول بإجمال دلالته وصراحة دلالة المعارض ، مع أن دلالته ليست إلا بالنهي ، وهو ظاهر في‌

__________________

(١) راجع ص ٢٨١ رقم (٣).

(٢) راجع ص ٢٧٩.

(٣) المدارك ١ : ٢٠٩.

٢٨٢

الحرمة لا صريح فيها ، مع أنّه ورد في أخبار أهل البيت عليهم‌السلام الكراهة إلى حدّ تأمل متأمّل في الحمل على الحرمة ، والتأمّل وإن كان ليس في موضعه ، إلاّ أنّ حصول الوهن في الجملة لا شبهة فيه ، بل نقول استعمال الإجزاء في أقل المستحب أقل من استعمال النهي في الكراهة بمراتب شتّى ، فتأمّل ، هذا مع تأيّد الكراهة بالأصل ، فتأمّل.

قوله : جواز المعية. ( ١ : ٢٢٢ ).

لورود خبر في ذلك ، وهو في الاحتجاج ـ على ما أظن ـ في التوقيعات الواردة عن القائم عليه‌السلام (١).

قوله : في الصحيح. ( ١ : ٢٢٢ ).

حكم في مسح الرأس بحسنه ، وفي المقام بصحته ، ومع ذلك معارض لظاهر الآية والأخبار الكثيرة (٢) الظاهرة في عدم الترتيب ، وبعض الأخبار الصريحة في عدم هذا الترتيب ، ومرّت صحيحة البزنطي (٣) التي هي في غاية الظهور ، فتأمّل.

قال المصنف : وإذا قطع بعض موضع المسح مسح على ما بقي

أقول : لما ورد عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم » (٤) ، وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام : « ما لا يدرك كله لا يترك كله » (٥) ، وعنه عليه‌السلام : « الميسور لا يسقط بالمعسور » (٦) وللأصل (٧).

__________________

(١) الاحتجاج : ٤٩٢ ، الوسائل ١ : ٤٥٠ أبواب الوضوء ب ٣٤ ح ٥.

(٢) انظر الوسائل ١ : ٣٨٧ أبواب الوضوء ب ١٥.

(٣) المدارك : ١ : ٢١٧.

(٤) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٥ ، ٢٠٦ ، ٢٠٧.

(٥) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٥ ، ٢٠٦ ، ٢٠٧.

(٦) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٥ ، ٢٠٦ ، ٢٠٧.

(٧) ليس في « أ » و « و ».

٢٨٣

قوله : قال في التذكرة. ( ١ : ٢٢٣ ).

لا يخفى أنّ أصل الحكم فاسد ، فضلا عن الفرع ، لأنّ مقتضى الآية والأخبار المتواترة كون المسح على الرجل لا على شي‌ء آخر ، والشراك ليس برجل قطعا بل هو شي‌ء آخر ، بلا شبهة. وما ورد في بعض الأخبار من عدم استبطان الشراك لعل المراد إظهار عدم وجوب استيعاب عرض الرجل في المسح ، فإنّ الشراك كما هو حائل في الطول كذلك حائل في العرض أيضا.

ويحتمل أن يكون المراد إظهار عدم وجوب مسح نفس الكعب ، دفعا لتوهم من توهم وجوبه ، أبناء على اعتقاده بدخول الغاية في المغيا ، أو كون « إلى » بمعنى « مع » ، على النحو الذي مرّ في غسل المرفق ، ولا دلالة فيه على أنّه عليه‌السلام مسح على الشراك ، لأنّ النعلين غير الشراك.

مع أنّ الوجوب غير ظاهر ، لاحتمال الاستحباب ، أو الوقوع اتفاقا ، لأنّ تحقق استيعاب المسح بدون مسح الشراك لعله لا يخلو عن صعوبة مّا ، مع أنّه لا شك في كونه أسهل ، فلعله لهذا كان عليه‌السلام يفعل ، لعدم منع أصلا.

وبالجملة : لا دلالة في بعض الاخبار على ما ذكره ، فضلا عن أن يكون مقاوما للآية والأخبار المتواترة ، وخصوصا أن يترجح عليها فيحكم بسببه بتقديمه عليها.

ومما ذكرنا ظهر وجه ما ذكرنا سابقا من أن أمثال هذه الأخبار حجة على العلامة ـ رحمه‌الله ـ وأدلّة ( حقيقة على فساد ) (١) ما ذهب إليه من كون الكعب المفصل ، فتأمّل.

قوله : لا أتقي فيها أحدا. ( ١ : ٢٢٣ ).

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « ج » و « د » : على حقيقة فساد.

٢٨٤

إما أنّه عليه‌السلام ما كان يتقي فيها ، أو أنّ الغالب لا تقية فيها.

قوله : واستدلوا عليه. ( ١ : ٢٢٤ ).

في الفقه الرضوي (١) أيضا ما يوافق هذه الرواية ، وعمل الأصحاب جابر للضعف ، مع أنّ في الطريق من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه (٢) ، مع أنّ أبا الورد لعلّه من الحسان.

قوله : محتمل ، لتعذر. ( ١ : ٢٢٤ ).

لا يخفى أنّ هذا موقوف على ثبوت كبرى كلية لا بدّ من بيانها ، مع أنها لو ثبتت يلزم منها أنّ مقطوع موضع المسح ينتقل إلى التيمم ، لا أنه يكتفي بما بقي ، سيما من قطع من الكعب ، وهو خلاف ما صرح به في المبحث المتقدم ، فتأمّل.

إلاّ أن يقول : الأخبار تدل في أقطع الرجل ، لكن قد عرفت أنها تدل على غسل الرجل المقطوعة ، إلاّ أن يستند إلى الإجماع ، فتأمّل.

قوله : يقتضي الإجزاء. ( ١ : ٢٢٤ ).

إن أراد الأجزاء حال الاضطرار فمسلّم ، وإن أراد حال الاختيار أيضا فالمنع ظاهر.

قوله : فإن ذلك محل النزاع. ( ١ : ٢٢٤ ).

الظاهر مما ذكرت في قول المصنف : ويجب المسح على بشرة القدمين ، وأشرت إليه من الأخبار التي كادت تبلغ حد التواتر عدم صحة هذه الطهارة ، وعدم جوازها لصلاة من الصلوات مثلا ، خرج منها ما أجازوا‌

__________________

(١) فقه الرضا عليه‌السلام : ٦٨ ، مستدرك الوسائل ١ : ٣٣١ أبواب الوضوء ب ٣٣ ح ١.

(٢) وقع في طريق الرواية حماد بن عثمان وفضالة بن أيوب ، والأوّل من أصحاب الإجماع وكذلك الثاني على قول بعضهم ، راجع رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥ و ٨٣٠ / ١٠٥٠.

٢٨٥

للضرورة والاضطرار ، وبقي الباقي ، ولا يظهر مما أجازوا أزيد من حال الاضطرار ، بل ربما كان الظاهر منه الاختصاص بحال الاضطرار.

ومما ذكرنا ظهر ما في قوله : والإعادة على خلاف الأصل ، مضافا إلى أنه لا يقول بحجية الاستصحاب ، فتأمّل.

قوله : والأصل عدمه. ( ١ : ٢٢٨ ).

قد مر أن التكليف إذا كان بالوضوء الذي هو توقيفي يشكل التمسك فيه بالأصل ، فتأمّل.

قوله : والجواب. ( ١ : ٢٢٨ ).

فيه أيضا ما عرفت ، نعم الإجماع المنقول ليس بحجة على من لا يقول به من القدماء ، وأمّا نحن فربما تحصل لنا الريبة بملاحظة كلماتهم وربما لا تحصل ، فيصير من قبيل خبر واحد يعارضه الخبران الصحيحان المتقدمان ، والمعارضة واضحة ، فيترجحان في النظر ، وكذا الكلام في الجواب عن الثاني فتأمّل جدا.

قوله : [ لأن الأخبار الواردة ] (١) إلى قوله : وضوئي. ( ١ : ٢٣٠ ).

يلزم صحة وضوء من غسل وجهه ـ مثلا ـ قبل طلوع الشمس ، ثم جفّفه تجفيفا تاما ، ثم غسل يده اليمنى نصف الليل أو بعد ذلك ، ثم جففها تجفيفا تاما ، ثم غسل اليسرى من الغد أو بعد ذلك ، ما لم يتحقق حدث ، إلاّ أن يقول بالمقدر التقديري ، أو يلتزم صحة ذلك وفيه بعد شديد ، فتأمّل.

قوله : فما ذكره الشهيد. ( ١ : ٢٣٠ ).

إنّ الظاهر أنّه ـ رحمه‌الله ـ فهم من الأخبار أن المضر للوضوء هو‌

__________________

(١) في النسخ : لأن مورد الأخبار.

٢٨٦

الجفاف ، وليس ببعيد ، فتأمّل مجموع الأخبار الواردة في بطلان الوضوء عند جفاف الجميع.

قوله : لعدم المطابقة. ( ١ : ٢٣١ ).

أي عدم المطابقة بين نيته وفعله ، وكان الذي فعل فعل بغير نية ، ونيته تحققت بغير فعل.

لكن لا يخفى ما فيه ، إذ مجرّد أن لا يفعل التتابع لا يقتضي أن يكون فعله بغير نية ، إذ لو كان كذلك لزم بطلان صلاة من نوى الفريضة الكاملة أي المستجمعة لجميع المستحبات المعروفة إذا نسي المستحبات أو شيئا منها ولو كان واحدا ، وهو فاسد قطعا.

بل نقول : لو ترك كل المستحبات عمدا كانت صلاته صحيحة بلا شبهة ، لأنه وإن كان قصد حين الدخول الإتيان بالكاملة ، إلاّ أنه بدا له ، وهذا غير مضر بلا تأمّل ، فكذلك الحال في صورة النذر ، لأن الوضوء المتتابع لا يصير منذورا إلا أن يكون في نفسه مع قطع النظر عن النذر راجحا شرعا ، إذ لو لم يكن راجحا لم ينعقد نذره ، فبمجرد الإخلال بالتتابع لا يخرج عن الرجحان النفسي ، وكذا مع قصد المتتابع ، والإخلال به عمدا أو سهوا لا يخرج عن الرجحان ، ولا يكون بلا نية ، لأن المعتبر منها قصد التقرب والتعيين ، والأول موجود قطعا ، وكذا الثاني ، لأنه ترك شيئا من المعين لا يضر تركه ولا يضر صيرورته بسبب ذلك فردا آخر ، كما هو الحال في مستحبات الفرائض ، فتأمّل جدا.

قوله : ونقل عليه ابن إدريس الإجماع. ( ١ : ٢٣١ ).

وكذا يظهر من المرتضى في الانتصار (١) ، وابن زهرة أيضا (٢) ، وخروج‌

__________________

(١) الانتصار : ٢٨.

(٢) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٤.

٢٨٧

معلوم النسب غير مضر للإجماع عندنا ، فلا يضر الإجماع المنقول بخبر الواحد ، فعلى تقدير حجيته لا إشكال ولا كلام.

وعلى تقدير القول بعدم حجيته نقول : لا تأمل في كونه مشهورا ، كما قال الشارح ـ رحمه‌الله ـ وغيره : إنه قول معظم الأصحاب ، والشهرة تجبر عدم صحة الأخبار الكثيرة الصريحة الدلالة في الاستحباب ، أو الواضحة الدلالة ، وسنذكر كثيرا منها ، مع انجبار تلك الأخبار بأمور أخر أيضا ، منها موافقتها لظواهر الصحاح ، ( ومنها كثرتها وتعاضد بعضها ببعض ، ومنها استبعاد كون جزء العبادة متصفا بالإباحة ) (١) ومنها قوة السند في كثير منها من الجهات التي تظهر على من لاحظ وتأمّل ، سيما على (٢) من لا حظ ما كتبناه في علم الرجال ، ومنها موافقتها للأخبار الكثيرة الواردة في أن الوضوء بمدّ والغسل بصاع (٣) ، وتلك الأخبار متفق عليها عند جميع الفقهاء والمحدثين ، ومنها ورود مضمونها في كتب العامة ، رووه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) ، وإن اتفقوا على ترك العمل به لأنهم ينكرون أخبار التثنية ، ولعلهم لا ينكرون أخبار الوحدة حملا لها على الفريضة.

ومن هذا ظهر فساد الحمل على التقية ، كما احتمله بعض (٥) ، بناء على أنّ العامة يروون وإن كانوا متفقين على الرد ، كيف والعامّة ذكروا الروايات الدالة على حقية ما هو مذهب الشيعة أصولا وفروعا ، إلى أن لا يكاد يتحقق مذهب منهم إلاّ وحقيته مروية في كتبهم ، ومع ذلك كان اللازم على الشيعة‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ا ».

(٢) أثبتناه من « و ».

(٣) انظر الوسائل ١ : ٤٨١ أبواب الوضوء ب ٥.

(٤) صحيح البخاري ١ : ٦٢.

(٥) راجع منتقى الجمان ١ : ١٤٨.

٢٨٨

التقية منهم ، وكانوا يتقون البتة ، فكيف يكون الأمر بالعكس؟!

هذا مضافا إلى [ أنّ ] (١) الأخبار الدالة على التقية أكثرها في غاية الظهور في خلاف التقية ، كما لا يخفى على المتأمّل ، هذا وأمّا الأخبار التي تعارضها فمتفقة في ( عدم الصحة و) (٢) عدم الصراحة وعدم وضوح الدلالة ، لأن كون وضوء رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ مرة مرة كيف يقاوم تصريحهم باستحباب الزيادة بالنسبة إلينا أو وضوح الدلالة ، بل ويظهر من بعضها أن التثنية بالنسبة إلى غيرهم عليهم‌السلام ، كما ستعرف ، مضافا إلى ما ستعرف ، فتأمّل.

هذا مع المضعفات الأخر التي تظهر مما ذكرنا وسنذكر ، فتأمّل.

ومن المقويات للاستحباب والمضعفات لعدمه ما ذكرناه في صدر الكتاب في إثبات التسامح في أدلة السنن ، فلاحظ ، بل بملاحظته يتعين ما ذكرنا.

قوله : هذا وضوء من لم يحدث حدثا. ( ١ : ٢٣٢ ).

لا يخفى أن الوضوء لما كان من الفرائض كان كثيرا ما يطلق ويراد منه ما هو الفرض ، إذ المراد من الحدث خصوص بدع العامة ، لا أنّه لا يجوز التعدي عن الكيفية التي فعلها أصلا ، بأن لا يتمضمض ، ولا يستنشق ، ولا يقول بسم الله وغيرها من الأدعية ، ولا يصب غرفتين أصلا ، ولا يغسل عضوا بعنوان التبعض وغير ذلك.

وبالجملة : لا يعارض ذلك ما ذكرناه وما سنذكره.

ويظهر من كثير من الأخبار أنّ المضمضة والاستنشاق من الوضوء ،

__________________

(١) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٢) ما بين القوسين لا يوجد في « د ».

٢٨٩

فمعارضها محمول على أنهما ليسا من فرائضه ، لعين ما ذكرنا ، فتأمّل.

قوله : وعندي في هذا الجمع نظر. ( ١ : ٢٣٣ ).

ستعرف دفع النظر ، مضافا إلى أن الإمام ربما كان يترك المستحب لغرض ، كما ورد في صوم يوم عرفة (١).

قوله : أخذ بأحوطهما. ( ١ : ٢٣٣ ).

هذا مخالف لما يظهر من أحواله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عباداته ودعواته وغيرها ، بل كان كثيرا ما يقتصر على الواجبات توسعة أو لغرض آخر ، وإن كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جميع أوقاته مستغرقا في ذكره تعالى ومحبته وشوقه.

قوله : قال الصدوق. ( ١ : ٢٣٣ ).

وصرح في الأمالي بجواز المرتين ، ونسبه إلى عقائد الإمامية (٢) ، فما نسب إليه من القول بالمنع فاسد (٣).

قوله ( ٤ ) : ومقتضى كلام. ( ١ : ٢٣٣ ).

فظهر من كلام هؤلاء أيضا كون الثانية غير حرام إن كانت جزءا للوضوء وغير خارجة عنه ، فيقتضي كونها مستحبة ، إذ لا معنى لكون جزء (٤) العبادة جائزا ، كما ستعرف ، فظهر من اتفاق الجميع على عدم الحرمة ، ومما ذكرنا عن الأمالي ، ومن الأخبار الكثيرة التي سنذكرها ، ومما أشرنا في الحاشية السابقة الطويلة ، والإجماعات عدم إمكان حمل أخبار التثنية على التقية.

قوله : وعلى هذا فيمكن. ( ١ : ٢٣٣ ).

__________________

(١) انظر الوسائل ١٠ : ٤٦٤ أبواب الصوم المندوب ب ٢٣.

(٢) أمالي الصدوق : ٥١٥.

(٣) نسبه إليه في السرائر ١ : ١٠٠.

(٤) هذه الحاشية ليست في « د ».

٢٩٠

فيه نظر من وجوه :

الأول : أن الحمل إنما هو بعد مقاومة المعارض بحسب السند ، وهي مفقودة ، لأن النصوص التي ذكرها ليس فيها صحيح يقاوم أحد الصحاح ، فكيف يقاوم الصحاح ، سيما على طريقته ـ رحمه‌الله ـ؟!

الثاني : أنّ في بعضها : « الوضوء مثنى مثنى ، من زاد لم يؤجر عليه ».

وقال ابن أبي عقيل : السنة إتيان الماء على الأعضاء مرتين ، الفرض من ذلك مرة ، والاثنتان سنة ، ولئلا يكون قد قصر ( المتوضئ في المرة ، فيكون يأتي (١) على تقصيره ، فإن تعدى المرتين لا يؤجر على ذلك ، بذلك ( جاء التوقيع ) (٢) عنهم عليهم‌السلام ، وصرح بمضمون فتواه ابن الجنيد والمفيد (٣).

وسند الحديث وإن كان فيه القاسم بن عروة إلا أنه يجبره ما ذكرناه ، مضافا إلى أن حديث القاسم قوي ، كما حققناه في الرجال (٤) ، مع أنك قد عرفت أن المعارض ليس بصحيح ، وتلك الزيادة لا تلائم ما ذكره من الحمل ، مضافا إلى بعده في نفسه ، بل ومستبعد جدّا بملاحظة أن جزء العبادة كيف يتصف بالإباحة؟! إذ المقصود أن الغسل الثاني جزء للوضوء ويفعل بقصد الوضوء لا بقصد عدم الوضوء بل للاستبراد أو لغوا أو غير ذلك ، إذ مع كون ذلك غير مورد المسألة لا مانع فيه أصلا وإن زاد على المرتين عندهم ( سوى كون المسح بغير نداوة الوضوء وهو مشترك بين المرتين ـ لو‌

__________________

(١) في « ب » و « ج » و « د » : الثاني.

(٢) في « ا » : جاء التوقيف ، وفي « و » : جاز التوقيف.

(٣) انظر المختلف ١ : ١١٨ ، والمقنعة : ٤٨.

(٤) انظر تعليقات الوحيد على منهج المقال : ٢٦٣.

٢٩١

كان إحداهما خارجة ـ وما زاد عن المرتين ) (١).

والخبر المذكور محمول على أن الزيادة عن الاثنين خارجة عن الوضوء البتة ، ولذا ورد أيضا أنها بدعة ، ويصدق عليها أنها لا يؤجر عليها ، بل عدم الأجر في العبادة كناية عن البدعة ، إذ العبادة لا تخلو عن الأجر كما نبهنا.

وأيضا : الغسل الثاني لا بدّ أن يكون بقصد القربة والامتثال وهو فرع الرجحان ، أو هوي النفس فلا يلائمه قوله تعالى ( وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ ) (٢) الآية ، وغير ذلك من الأدلة.

وأمّا مرسلة ابن أبي عمير فمحمولة على ما ذكره الشارح ، لما ذكره ، وأما مع عدم استيقان أن الواحدة تجزي فلعله يحبط أجره ، لا أنه ليس بمستحب ، كيف والمفهوم يدل على أن مع الاستيقان يؤجر دلالة لائحة غير خفية على الفطن ، وهذا من جملة ما يدل على صحة الحمل المشهور ، واستحباب الغسل الثاني.

ويدل عليها أيضا ما ورد من أن المرتين إسباغ (٣) ، ويظهر من الأخبار رجحان الإسباغ (٤) ، ويدل أيضا دلالة صريحة الروايتان اللتان ذكرناهما في مبحث كون المسح بنداوة الوضوء (٥).

وفي عيون أخبار الرضا عليه‌السلام في ما كتبه من محض الإسلام :

__________________

(١) ما بين القوسين أثبتناه من « أ » و « و ».

(٢) البينة : ٥.

(٣) انظر الوسائل ١ : ٤٣٩ ، ٤٤٠ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ٢٠ و ٢٣.

(٤) انظر الوسائل ١ : ٤٨٧ أبواب الوضوء ب ٥٤.

(٥) راجع ص ٢٦٤ ، ٢٦٥.

٢٩٢

« الوضوء مرة مرة فريضة واثنتان إسباغ » (١) ، وما كتبه عليه‌السلام كله محض الحق.

وفي رجال الكشي في داود بن زربي : قال : قلت للصادق عليه‌السلام : كم عدة الطهارة؟ قال عليه‌السلام : « ما أوجبه الله تعالى فواحدة ، وأضاف إليها رسول الله أخرى لضعف الناس ، ومن توضأ ثلاثا فلا صلاة له » ـ إلى أن قال ـ : « يا داود توضأ مثنى مثنى ، ولا تزيدن (٢) عليه » (٣).

وفي ما كتب القائم عليه‌السلام إلى العريضي من أولاد الصادق عليه‌السلام : الوضوء كما أمر الله تعالى غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين واحد ، واثنان إسباغ الوضوء ، وإن زاد على الاثنين أثم (٤).

( وفي ما كتب الرضا عليه‌السلام إلى المأمون : واحد فريضة والثاني استحباب ، ومن زاد على الاثنين أثم ) (٥).

ومما ذكرناه عن الكشي يظهر وجه الجمع بين ما ورد من أن وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين عليه‌السلام كان واحدة واحدة ، وبين ما دل على أنّ المرتين مستحب ، وفيه إشارة إلى ما ذكره ابن أبي عقيل : ولئلا يكون قد قصر. فإنهما عليهما‌السلام كانا منزهين عن الضعف والتقصير ، وإن احتمل أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربما توضأ مرتين مرتين‌

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ٢ : ١٢٥ / ٢ ، الوسائل ١ : ٤٤٠ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ٢٣.

(٢) في النسخ : ولا تزدنّ ، والصحيح ما أثبتناه من المصدر.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٠٠ / ٥٦٤ ، الوسائل ١ : ٤٤٣ أبواب الوضوء ب ٣٢ ح ٢.

(٤) لم نعثر عليه.

(٥) انظر تحف العقول : ٣١١. وما بين القوسين ليس في « ج » و « د ».

٢٩٣

لاقتداء الناس ، لما رواه عمرو بن أبي المقدام عن الصادق عليه‌السلام : « إني لأعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنين اثنين » (١).

وحمل الصدوق ـ رحمه‌الله ـ هذه على التجديد بعيد لا يلائمه تكرر لفظ اثنين ، وسيما مرتين ، مع أن كون التجديد منحصرا في مرة واحدة خلاف ما يظهر من الأخبار ، مع أن المقام ليس مقام التوجه إلى ذكر الانحصار ، مع أن الراغب عن التجديد غير مأنوس من ملاحظة الأخبار ، وما ورد من أن وضوءه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان إلا مرة مرة لعله محمول على عادته الجارية في وضوئه ، وهذه الرواية على أنه توضأ نادرا لأجل ترغيب الناس وعدم تنفرهم ، على ما يومئ إليه لفظة الماضي المؤكدة بلفظ « قد » ، فتفطن.

وممّا يدل أيضا على مذهب المشهور وحملهم : ما رواه الصدوق ـ رحمه‌الله ـ في الفقيه عن الصادق عليه‌السلام : « فرض الله الوضوء واحدة واحدة ، ووضع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للناس اثنتين اثنتين » (٢) ، وحمل الصدوق على الإنكار فاسد.

وهذا الخبر يشير إلى أن الخبر المتقدم وارد في تكرار الغسل لا في التجديد ، وهذا الخبر مضمونه مضمون ما رويناه عن الكشي ، وقال في الفقيه : وروي في المرتين أنه إسباغ (٣) ، وفي التهذيب في الصحيح عن الصادق عليه‌السلام : « أسبغ الوضوء إن وجدت ماء » (٤).

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥ / ٨٠ ، الوسائل ١ : ٤٣٩ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ١٦.

(٢) الفقيه ١ : ٢٥ / ٧٧ ، الوسائل ١ : ٤٣٩ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ١٥.

(٣) الفقيه ١ : ٢٥ / ٨٠ ، الوسائل ١ : ٤٣٩ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ٢٠.

(٤) التهذيب ١ : ١٣٨ / ٣٨٨ ، الوسائل ١ : ٤٨٥ أبواب الوضوء ب ٥٢ ح ٤.

٢٩٤

هذا كله مضافا إلى ما ذكرناه في الحواشي السابقة.

قوله : ويشهد له صحيحة زرارة. ( ١ : ٢٣٣ ).

هذا الاستشهاد لا يخلو من غرابة سيما بعد ملاحظة ما سنذكره من عدم تحريم الغرفة الثانية ، وأن المحرم هو الغسلة الثالثة.

قوله : والأخبار إنما تدل. ( ١ : ٢٣٤ ).

فيه تأمل ظاهر على من لاحظ الأخبار وتأمل فيها ، سيما التي ذكرناها في الحاشية.

قوله : من لم يستيقن. ( ١ : ٢٣٤ ).

فيه دلالة على استحباب الثانية ، كما نبهنا.

قوله : ولا ريب في تحريم الغسلة الثالثة. ( ١ : ٢٣٤ ).

هذا الحكم على طريقة الشارح ـ رحمه‌الله ـ لا يخلو عن إشكال ، لورود ما ذكره في العنوان السابق فيه وهو صدق الامتثال مع عدم دليل على الحرمة على طريقته ، ويظهر من طريقته في العنوان أن حال المرتين حال الثالثة ، فتأمّل.

وبالجملة : هو لا يعمل بالأخبار المرسلة وغير الصحيحة ، ولا يعتمد على أمثال هذه الاتفاقات من الفقهاء ، وتحقق الامتثال بالمرة يقتضي كون الثانية أيضا بدعة ، ولم يظهر خلاف ذلك منه في العنوان السابق ، فتأمّل فيه.

ونقل في المختلف عن ابن الجنيد وابن ابي عقيل والمفيد ـ رحمهم‌الله ـ تجويز الثالثة وعدم كونها بدعة ، وعن المشهور كونها بدعة ، وعن أبي الصلاح بطلان الوضوء أيضا ، واستقربه (١) ، وهو جيد يظهر وجهه من ملاحظة ما ذكرناه في الحاشية السابقة الطويلة ، فراجع.

__________________

(١) المختلف ١ : ١١٨ ، وانظر المقنعة : ٤٨ ـ ٤٩ ، والكافي في الفقه : ١٣٣.

٢٩٥

قوله : تمسكا بالإطلاق. ( ١ : ٢٣٥ ).

هذا مناف لما ذكره سابقا من أن نهاية الجواز الغرفة الثانية ، واختياره في الجمع بين الأخبار.

قوله : أجمع. ( ١ : ٢٣٥ ).

لولا الإجماع لكان ذلك محل تأمّل ، لعموم ما دل على التكرار ، لكن ما ورد في أنه إسباغ ، وأنه زيد لضعف الناس وأمثالهما يشعر بكون المراد الغسل ، لأن المطلوب في المسح تقليل الماء مع عدم الاستيعاب ( فيه ، فتأمّل.

مع أن ما ذكرناه في كون المسح بنداوة الوضوء في غاية الظهور في عدم التكرار في المسح ، وكون هذا مستند الإجماع يكفي ، سيما مع الإشعار الواضح ، بل الظاهر الدلالة ، بل لو لم يكن الإجماع أيضا يكفي ) (١).

قوله : وقد يقال : إنه لا مانع. ( ١ : ٢٣٥ ).

إن أراد أنه لا مانع من أن يقال : لا يجب تحقق الغسل في الوضوء ، بل يكفي المسح في المغسول والممسوح جميعا فلا يخلو عن غرابة ، لمخالفته للإجماع ، بل والضرورة وكذا مخالفته للمستفاد من الأخبار المتواترة بعد الآية ، سيما ما ورد من أن الوضوء مسحتان وغسلتان.

وإن أراد أن الغسل لا يحتاج في تحققه إلى جريان بل يكفي في تحققه إمرار اليد برطوبة مّا فهو أيضا غريب ، لأن الغسل عرفا ولغة لا يتحقق بغير جريان مّا.

وأعجب من ذلك أن الشارح ـ رحمه‌الله ـ تأمل في تحقق الغسل‌

__________________

(١) ما بين القوسين أثبتناه من « و ».

٢٩٦

العرفي بجريان مّا ، فكيف إذ لم يتحقق جريان أصلا ، مع أنه على هذا لا يتحقق فرق بين الغسل والمسح ، وهو مخالف لما ذكرناه من الإجماع والآية والأخبار.

وبالجملة : حمل هذه الأخبار على ما ذكره جده ـ قدس‌سره ـ من كونه على جهة المجاز مبالغة في الاجتزاء بالجريان القليل متعين.

قوله : وتشهد له. ( ١ : ٢٣٦ ).

هذا لا يخلو من غرابة ، إذ لا شهادة فيها أصلا ، مضافا إلى دلالة الأخبار المعتبرة على أفضلية الإسباغ.

قوله : وهو ضعيف. ( ١ : ٢٣٧ ).

فيه تأمّل ، فتأمّل ، وإن كان الأحوط إزالته.

قوله : استظهارا للعبادة. ( ١ : ٢٣٧ ).

إن لم يحصل العلم بالوصول فلا بدّ من التحريك أو النزع تحصيلا للعلم بالامتثال والبراءة اليقينية ، لعدم ثبوت حجية الظن في هذا الموضع مع تيسر العلم وحصوله بلا حرج ، وإن حصل العلم فكيف يتأتى الاستظهار. إلاّ أن يقال : مرتبة العلم متفاوتة ، وحصول الأقوى أولى لكونه أوثق وأحوط ، لكن هذا لا يلائم طريقة الشارح ـ رحمه‌الله ـ لأنّه لا يجوّز التسامح في أدلة السنن ، ولا يجعل نفس الاحتياط دليلا شرعيا ، فضلا من الأحوطية ، فضلا عن مثل هذه ، فتأمّل.

قوله : ويدل عليه (١).

وفي الصحيح عن كليب الأسدي ، عن الصادق عليه‌السلام : عن الرجل‌

__________________

(١) لم نعثر على هذه العبارة في المدارك ، ولعلّها عبارة أخرى عن قوله : وقد ورد بذلك روايات ١ : ٢٣٧.

٢٩٧

إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟ قال : « إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل » (١) ، وحمل هذه على الاستحباب بعيد جدا.

وكذا حسنة الوشاء ، عن أبي الحسن عليه‌السلام : إذا كان الدواء على يدي الرجل أيجزيه أن يمسح عليه؟ قال : « نعم يجزيه أن يمسح عليه » (٢) ، والإجزاء ظاهر في الوجوب.

وعن عبد الأعلى ، عن الصادق عليه‌السلام : انقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة ، فقال عليه‌السلام : « ( ما جَعَلَ ) الله ( عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ، امسح عليه » (٣).

وأما صحيحة ابن الحجاج فلا تدل إلاّ على أنه لا يجب غسل ما لا يستطيع غسله ، لا أنّه لا يجب مسحه أيضا ، وإن كان ظاهرها ذلك ، إلاّ أنّ هذا الظاهر يكون مقاوما للأدلة الدالة على الوجوب المعتضدة بفتاوى الأصحاب لا يخلو عن الإشكال ، بل الظاهر عدم المقاومة والرجحان. وعلى تقدير عدم الإجماع أيضا يكون الأمر كما ذكرنا. مع أنّ القول بالاستحباب لا وجه له إلاّ بعد دعوى الإجماع على عدم الفرق بين القرحة وغيرها ، ولعله لا يعرف إلاّ من فتاوى الفقهاء بوجوب غسل ما حولهما ، والمسح على جبيرتهما ، ( وفيه ما فيه ) (٤) ، فتأمّل.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣٦٣ / ١١٠٠ ، الوسائل ١ : ٤٦٥ أبواب الوضوء ب ٣٩ ح ٨.

(٢) التهذيب ١ : ٣٦٤ / ١١٠٥ ، الوسائل ١ : ٤٦٥ أبواب الوضوء ب ٣٩ ح ٩ ، بتفاوت يسير.

(٣) الكافي ٣ : ٣٣ / ٤ ، التهذيب ١ : ٣٦٣ / ١٠٩٧ ، الاستبصار ١ : ٧٧ / ٢٤٠ ، الوسائل ١ : ٤٦٤ أبواب الوضوء ب ٣٩ ح ٥.

(٤) ما بين القوسين أثبتناه من « و ».

٢٩٨

و (١) يعضد الإجماع وفتاوى الأصحاب والتصريح بالوجوب في الأخبار الكثيرة ما ورد عن علي عليه‌السلام : « ما لا يدرك كله لا يترك كله » و « الميسور لا يسقط بالمعسور » (٢) ، وعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم » (٣).

بل احتمل العلامة في النهاية وجوب أقلّ مسمى الغسل في المسح (٤) ، بل ربما كان هذا هو الظاهر من الأخبار ، بل وكلام الفقهاء أيضا ، لأنّ المسح هو إمرار اليد مع الرطوبة من غير قيد عدم الجريان ولو خفيفا ، كما مر من أنّ بين الغسل والمسح عموما من وجه ، سيما المسح الوارد في هذه الأخبار ، إذ الظاهر أنّ مراد المعصوم عليه‌السلام أنّه إن لم يمكنه إمرار اليد حال الغسل على ما تحت الجبيرة يمرّ يده على ما فوقها دفعا للحرج ، لا أنّه تجفف كفّه الماسحة حتى لا يتحقق جريان أصلا.

نعم ، لو كان الجريان يضرّه يجفّف من هذه الجهة ، وهذا أمر يظهر من الخارج لا من الأخبار.

ومما ذكر ارتفع التعارض بين صحيحة عبد الرحمن وما ذكرنا من الأخبار ، لجواز أن يكون المراد من قوله عليه‌السلام : « ما وصل إليه الغسل » أعمّ من البشرة وما فوق الجبيرة ، بل هذا أنسب إلى كلمة « ما » المفيدة للعموم بلا تأمّل ، بل وأنسب إلى قوله : « وصل اليه الغسل » ، إذ لو كان المراد ما ذكره الشارح كان يقول : يغسل ما حولها ، فالعدول منه إلى ما ذكر ظاهر في ما‌

__________________

(١) من هنا إلى آخر هذه الحاشية أثبتناه من « و ».

(٢) انظر عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٧ ، ٢٠٥.

(٣) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٦ ، سنن البيهقي ١ : ٢١٥ ، بتفاوت في العبارة.

(٤) نهاية الأحكام ١ : ٦٥.

٢٩٩

ذكر ، يعني أنّ كلّ شي‌ء يصل إليه ماء الغسل عند إمراره يده عليه على طريقة غسله المتعارف من صبّ الماء وإمرار اليد على الباقي يجب غسله بصب الماء وإمرار اليد على البشرة ، وعلى الجبيرة موضع البشرة ، فتأمّل.

قوله : واعلم أنّ في كلام الأصحاب. ( ١ : ٢٣٨ ).

ربما يظهر من كلامهم في مبحث التيمم أنه طهارة اضطرارية لا يصح ولا يتحقق إلاّ بعد العجز عن الطهارة المائية ، فإذا ظهر من كلامهم في المقام بل وتصريحهم أنّ الوضوء بغسل ما حول الجبيرة والمسح عليها صحيح قطعا ، بل ويظهر منهم فيه وجوبه وتعيينه يظهر من ذلك أنّ ما ذكروه في باب التيمم إنّما هو بعد العجز عن هذا الوضوء الصحيح ، بل الواجب والمعين ، فتأمّل.

قوله : أو بالتخيير. ( ١ : ٢٣٩ ).

في البناء على التخيير إشكال ، لأنّ شغل الذمة اليقيني يستدعي (١) البراءة اليقينية ، أو الظنية المعتبرة الاجتهادية ، وشي‌ء من ذلك غير متحقق بمجرد الاحتمال ، ولو قلنا بأنّه غير مرجوح بل مساو. مع الإشكال فيه أيضا ، لما ذكرنا في صدر الكتاب في مسألة تيمم الجنب للخروج عن المسجدين من أنّ التيمم بدل اضطراري عن الطهارة المائية (٢) ، فحيث ثبت من الأخبار وكلام الأصحاب ( ووفاقهم ) (٣) صحة الطهارة المائية قطعا ، بل ووجوبها عينا ـ على الظاهر منها ـ يكون ذلك قرينة واضحة على الجمع الأول وتعيينه (٤) ، فتدبر.

__________________

(١) في « أ » و « و » : يقتضي.

(٢) راجع ص ١٥.

(٣) بدل ما بين القوسين في « ب » : وورد.

(٤) في « ب » و « ج » و « د » : بعينه.

٣٠٠