الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

ويمكن الاستدلال أيضا بأنه ثبت وجوب البدأة من الأعلى في اليد ، كما ستعرف ، فكذا الوجه ، لعدم القول بالفصل ، ويؤيده الشهرة العظيمة ، بل ربما صار شعارا للشيعة ، كما أنّ المنكوس صار شعارا للعامّة ، فربما يشمله العمومات الدالة على الأخذ بما خالفهم ، وأن الرشد في خلافهم ، وغير ذلك ، فتأمّل.

قوله : مع أن أكثر الأخبار. ( ١ : ٢٠٠ ).

لا يخفى أن عدم الذكر في بعضها لا يعارض الذكر في بعضها ، وإن أراد أن هذا مشعر بعدم فهم راوي البعض الوجوب أو كونه أمرا لا يهم به ففيه أيضا نظر ، لأن المقامات مختلفة.

قوله : فمرسل. ( ١ : ٢٠٠ ).

لكن نقله الصدوق في الفقيه مع أنه قال في أوّل الفقيه ما قال ، وربما يظهر من الشارح الاعتماد عليه ، منه ما مرّ في بحث التداخل في الأغسال (١) ، مع أن موافقته لما اشتهر بين الأصحاب يكفي لانجباره ، فتأمّل.

قوله : والمستند في ذلك. ( ١ : ٢٠٢ ).

فيه : أن الغرفة الواحدة تجزي للغسل في غسل الرأس فكيف لا تجزئ في الوضوء؟! والأولى الاستدلال عوض هذا بصدق الامتثال العرفي ، وأصالة عدم زيادة التكليف.

وفي كشف الغمة في ما كتب الكاظم عليه‌السلام إلى علي بن يقطين اتقاء : « اغسل وجهك وخلل شعر لحيتك. » ، ثم كتب إليه : « توضأ كما أمر الله : اغسل وجهك مرة فريضة واخرى إسباغا » إلى أن قال : « فقد زال ما‌

__________________

(١) المدارك ١ : ١٩٧.

٢٦١

كنا نخاف عليك » (١) ، ولم يتعرض في هذه المرتبة إلى تخليل الشعر ، وفيه شهادة على كونه من بدع العامة.

قوله : نظرا إلى أن المواجهة. ( ١ : ٢٠٣ ).

لم أفهم هذا ولا اعتراض الشارح ، فتأمّل.

قوله : وأيديكم إلى المرافق. ( ١ : ٢٠٣ ).

ذكر الشيخ في الخلاف أنه ثبت عن أهل البيت أن « إلى » بمعنى « مع » هنا (٢).

قوله : وهو مذهب أهل البيت. ( ١ : ٢٠٤ ).

ويظهر من العلامة في المنتهى أن وجوب غسله بالأصالة إجماعي عند الشيعة ، وما نقله الشارح من المنتهى خلاف ما في المنتهى (٣) ، فلاحظ.

قوله : توفيقا بين الآية والأخبار. ( ١ : ٢٠٤ ).

في كشف الغمة عن الكاظم عليه‌السلام : « الوضوء كما أمر الله تعالى : اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى إسباغا ويديك من المرفقين كذلك » (٤) الحديث ، وورد أيضا أن الآية هكذا ، أي من المرافق (٥) ، وضعف السند غير مضر بعد عمل الأصحاب بمضمونه ، مع أن ما في كشف الغمة لا تأمّل في صحته ، فتأمّل.

قوله : للأصل. ( ١ : ٢٠٥ ).

__________________

(١) إرشاد المفيد ٢ : ٢٢٧ ، كشف الغمة ٢ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧ ، الوسائل ١ : ٤٤٤ أبواب الوضوء ب ٣٢ ح ٣.

(٢) الخلاف ١ : ٧٨.

(٣) قال في المنتهى ( ١ : ٥٨ ) : يجب غسل اليدين بالإجماع والنص ، وأكثر أهل العلم على وجوب إدخال المرفقين في الغسل ، خلافا لبعض أصحاب مالك ، وابن داود ، وزفر.

(٤) كشف الغمة ٢ : ٢٢٦.

(٥) الكافي ٣ : ٢٨ / ٥ ، الوسائل ١ : ٤٠٥ أبواب الوضوء ب ١٩ ح ١.

٢٦٢

لعل مراده من الأصل القاعدة الناشئة من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم » (١) ، وقول علي عليه‌السلام : « الميسور لا يسقط بالمعسور » (٢) ، وقوله : « ما لا يدرك كله لا يترك كله » (٣).

ورواية رفاعة مع عدم الصحة لا دلالة لها على ما نحن فيه ، بل ظاهرها أن من قطعت يده من المفصل أو رجله من الكعب يغسل موضع القطع ، وهو مذهب الشافعي ، ولعله للتقية قال : يغسل ذلك المكان. مع احتمال أنه عليه‌السلام ما أجاب عن المسح بل بنى الأمر على المعلومية بالمقايسة.

وأما رواية ابن مسلم فمع الضعف قال : « يغسلهما » ، وهو في غاية الوضوح في وجوب غسل موضع المسح ، ففي الاستدلال به إشكال واضح ، وإن كان الضعف منجبرا بعمل الأصحاب ، فالدليل في الحقيقة هو الإجماع ، والاستصحاب والقاعدة.

قوله : وهو حسن. ( ١ : ٢٠٦ ).

لعل تحسينه بناء على عدم ظهور الوجوب ، وفيه تأمّل ، وإنما قلنا ذلك لبعد ذلك من طريقة الشارح.

وبالجملة : لا تأمّل في أن الاحتياط غسله ، بل يشكل الاكتفاء بغير غسله.

قوله : وفي الثالث إلى قوله : يسقط غسله. ( ١ : ٢٠٦ ).

هذا على تفسيره المرفق بما فسره مشكل ، ولعل حكم المصنف بسقوط فرض غسلها بناء على هذا.

نعم ، لا إشكال فيه على التفسير الآخر ، وهو أنه العظمان المتداخلان ، فظاهر أن المراد رأسهما ، فإذا ذهب أحدهما وجب غسل‌

__________________

(١) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٦ ، ٢٠٥ ، ٢٠٧.

(٢) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٦ ، ٢٠٥ ، ٢٠٧.

(٣) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٦ ، ٢٠٥ ، ٢٠٧.

٢٦٣

الآخر ، لما ذكر في غسل بعض يد الأقطع.

قوله : لأنه كالجزء من اليد. ( ١ : ٢٠٦ ).

لعل مراده أنّ تحت هذه الأشياء أجزاء من اليد يجب غسل ظواهرها ، وظاهرها صارت الآن ظواهر هذه الأشياء.

قوله : لم يجب غسلها قطعا. ( ١ : ٢٠٧ ).

لأن ما أمر الله بوجوب غسله من الأيدي هو الذي يكون له مرفق ، ووجوب غسل اليد الأصلية وان لم يكن لها مرفق إنما هو بالإجماع ، فتأمّل.

قوله : احتج العلامة في المختلف. ( ١ : ٢٠٨ ).

وفي الكشي ، في ترجمة حريز بن عبد الله ـ في الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن ـ قال : قلت لحريز يوما : يا أبا عبد الله كم يجزيك أن تمسح من شعر رأسك في وضوئك؟ قال : بقدر ثلاث أصابع ، وأومأ بالسبابة والوسطى والثالثة (١).

قوله : واحتجوا عليه. ( ١ : ٢١٠ ).

الحديث في الكافي في باب علة الأذان حديث صحيح طويل في آخره : « ثم أوحى الله تعالى إليّ : يا محمّد ، ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك ، فدنى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من صاد ، وهو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن » إلى أن قال : « ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يديك من الماء ، ورجليك إلى كعبيك » (٢).

وفي كشف الغمة أن الكاظم عليه‌السلام كتب إلى علي بن يقطين :

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٦٢٧ / ٦١٦ ، المستدرك ١ : ٣١٦ أبواب الوضوء ب ٢٢ ح ١.

(٢) الكافي ٣ : ٤٨٢ / ١ ، الوسائل ١ : ٣٩٠ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٥.

٢٦٤

« توضأ ثلاثا ثلاثا » ، ثم كتب إليه : « توضأ كما أمر الله ، اغسل وجهك واحدة فريضة واخرى إسباغا ، وكذلك المرفقين ، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك فقد زال ما كنا نخاف عليك » (١).

وفيه أيضا عنه عليه‌السلام : أنّه كتب إليه أن أصحابنا اختلفوا في مسح الرجل ، بعضهم روى أنه من الأصابع إلى الكعب ، وبعضهم روى بالعكس ، فكتب عليه‌السلام إليه : « توضأ كما أمر الله ، اغسل وجهك مرة فريضة واخرى إسباغا ، ويديك من المرفقين كذلك ، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك بنداوة وضوئك » (٢).

وفي الفقه الرضوي : « وروي أن جبرئيل عليه‌السلام هبط إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغسلتين ومسحتين : غسل الوجه والذراعين بكف كف ، ومسح الرأس والرجلين بفضل النداوة التي بقيت في يديك من وضوئك » (٣).

وتدل على ذلك أيضا رواية مالك بن أعين عن الصادق عليه‌السلام : « من نسي مسح رأسه ثم ذكر ، إن كان في لحيته بلل فليأخذ ويمسح به ، وإلاّ فلينصرف وليعد الوضوء » (٤) إذ الظاهر منها أنه لو لم يكن بلل يأخذ ويمسح به يعيد الوضوء ، أعم من أن لا يكون بلل أصلا ، أو يكون لكن ليس بحيث يؤخذ ويمسح به الرأس والرجلان.

وتدل عليه أيضا مرسلة خلف بن حماد عن الصادق عليه‌السلام :

__________________

(١) راجع ص ٢٦١.

(٢) راجع ص ٢٦١.

(٣) فقه الرضا : ٨٠ ، المستدرك ١ : ٣٠٢ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٢.

(٤) التهذيب ٢ : ٢٠١ / ٧٨٨ ، الوسائل ١ : ٤٠٩ أبواب الوضوء ب ٢١ ح ٧ ، بتفاوت في العبارة.

٢٦٥

الرجل ينسى مسح رأسه وهو في الصلاة ، قال : « إن كان في لحيته بلل فليمسح به » قلت : فإن لم يكن له لحيته ، قال : « يمسح من حاجبيه ، أو من أشفار عينيه » (١) فإن الظاهر منها انحصار وجوب المسح ببقية البلل ، والظاهر منها أنه لو لم يكن بلل يعيد ، فلا ينفعه هذا الوضوء ، فلو جاز المسح بالجديد لنبّه عليه‌السلام على ذلك.

وتدل عليه أيضا رواية زرارة القوية عن الصادق عليه‌السلام في نسيان مسح الرأس : أنه إن كان في لحيته بلل فليفعل (٢).

ورواية أبي بصير عنه عليه‌السلام في ذلك : أنه عليه‌السلام أمر بالمسح من بلّة لحيته (٣).

وما رواه في الفقيه مرسلا عنه عليه‌السلام (٤) ، وهي صريحة ، فلاحظ وتأمّل.

قوله : إذ من الجائز. ( ١ : ٢١٠ ).

لعلّه لا يخلو عن بعد ذكرنا وجهه في حاشيتنا على الذخيرة ، فليلاحظ ، مضافا إلى أن العبادات توقيفية لا يمكن الاكتفاء فيها بليت ولعل ، بل لا بدّ فيها من الاقتصار على المنقول من فعله ، كما سيصرح به الشارح مرارا. مع أن البيان القولي مفقود ، كما عرفت ، فانحصر في الفعلي. مع أن جميع المواضع التي اعترف الشارح بوجوب الاقتصار فيها على المنقول من‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٥٩ / ١٦٥ ، الاستبصار ١ : ٥٩ / ١٧٥ ، الوسائل ١ : ٤٠٧ أبواب الوضوء ب ٢١ ح ١.

(٢) التهذيب ١ : ٨٩ / ٢٣٥ ، الوسائل ١ : ٤٠٨ أبواب الوضوء ب ٢١ ح ٣.

(٣) الفقيه ١ : ٣٦ / ١٣٥ ، الوسائل ١ : ٤١٠ أبواب الوضوء ب ٢١ ح ٩.

(٤) الفقيه ١ : ٣٦ / ١٣٤ ، الوسائل ١ : ٤٠٩ أبواب الوضوء ب ٢١ ح ٨.

٢٦٦

فعله وردت فيها إطلاقات ، مثل « كبّر » في تكبيرة الإحرام ، وغير ذلك.

قوله : فإن الجملة الخبرية. ( ١ : ٢١١ ).

فيه نظر ، لأن الظاهر أن قوله : « وتمسح » عطف على « ثلاث غرفات » ومثل هذا العطف شائع. وكونه أمرا عطفا على الخبر بعيد ، كما لا يخفى ، وكذا كون الواو للاستئناف. مع أنه يلزم أن يكون من واجبات الوضوء المسح ببقية بلة اليمنى باليمنى ، واليسرى باليسرى ، ولم يظهر فتاويلهم بذلك ، سيما الشارح لكن تقدير « أن » مخالف للأصل ، وكذا كون الواو بمعنى « مع » وعطفا فاسد ، ومع قطع النظر عن المعية يفسد المعنى ، لأن قوله : « فقد يجزيك » متفرع على كون الله وترا يحب الوتر ، وكون المسح ببقية البلة كيف يتفرع على كون الله وترا يحب الوتر ، مع أن الإجزاء يستعمل في أقل الواجب ، ويشعر بأن غيره أولى ، وليس كذلك عند ابن الجنيد ، بل ظاهر كلامه كون الأمر بالعكس ، فتأمّل ) (١).

قوله : إنهم معترفون بصحة. ( ١ : ٢١٢ ).

ويمكن أن يكون مراد المعصوم عليه‌السلام من إشارته أن لا يسأل الراوي أمثال هذه السؤالات ، لكون المقام مقام التقية ، فلم يتفطن الراوي ، وتوهم أن المراد النهي عن المسح ببقية البلل ، فسأل ثانيا ما سأل فأجاب عليه‌السلام : « نعم » ، لكونه مناسبا لمذهبهم ، فتأمّل.

قوله (٢) : للأصل. ( ١ : ٢١٢ ).

الأصل لا يجري في ماهية العبادات ، لكونها توقيفية موقوفة على النص لا على الأصول والأدلة ، وهو ظاهر ، وحققناه في الفوائد الحائرية (٣) ،

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ا ».

(٢) هذه الحاشية والتي بعدها ليست في « ا ».

(٣) مخطوطة.

٢٦٧

والإطلاقات تنصرف إلى المتبادر الشائع الغالب المطابق لأصل العدم.

مع أن الأمر إنما هو بالمسح ببقية البلل ، والمتبادر البقية خاصة لا ممزوجة ، كقول المولى : ائتني بالعسل ، فالمتبادر منه غير الممزوج بالخل أو غيره ، فلا يتحقق الامتثال بالسكنجبين ، فلذا لو مزج ماء الوضوء بالماء الجديد لا يكون ممتثلا بلا تأمّل ، ولو تحقق به الامتثال لصح مسح العامة لأنهم يصبون على أيديهم الماء الجديد ، وأيديهم لا تنفك عن ماء الوضوء ، وإن كان الغالب الماء الجديد ، بل هذا أولى مما ذكره من المسح على الرجلين وهو في الماء.

قوله : وفيه منع. ( ١ : ٢١٣ ).

مرادهما أن المسح بالممزوج بالماء الجديد ، وبقية البلل غير الممزوج مع الجديد ، لأن المركب من الداخل والخارج خارج ، كالعسل والسكنجبين ، وبقية البلل غير الممزوج من البقية والجديد ، وفرق بين المسح ببقية البلل والمسح بشي‌ء فيه بقية البلل.

هذا ، ويحتمل أن يكون مرادهما أنه يصدق عليه المسح بماء جديد كما يصدق عليه المسح بالبقية من غير ترجيح ، فالحكم بأنه مسح بالبقية وليس مسحا بالماء الجديد تحكم ، بل المركب من الداخل والخارج خارج ، ومسح العامة كذلك.

قوله : وهو حسن. ( ١ : ٢١٣ ).

والأحوط الاجتناب مطلقا ، إلاّ أن يكون مجرد نداوة لا يتحقق الامتزاج بسببها ( لأن الغلبة تفيد الصدق المجازي ، إلاّ أنّ مراده الاستهلاك ، لتحقق الصدق الحقيقي العرفي ) (١) فتأمل.

__________________

(١) ما بين القوسين لا يوجد في « ا ».

٢٦٨

قوله : غير واضح. ( ١ : ٢١٣ ).

لا يخلو عن إشكال ، لأن مجرد الغمس يتحقق بسببه الغسل من غير توقف على الخروج ، بل والبقاء بعده آنا ما ، فربما يصدق عرفا أنه مسح بماء غير ماء الغسل ، فتأمّل.

قوله : والتعليق. ( ١ : ٢١٣ ).

ظاهر التعليق عدم كونه لأجل الخروج مخرج الغالب ، كما اقتضاه دليلهم وطريقتهم ، مع أنه لا معنى للخروج مخرج الغالب في المقام إذا كان الأخذ مطلقا جائزا ، والرخصة من الشرع حاصلة كذلك ، فتأمّل جدا.

قوله (١) : مخرج الغالب. ( ١ : ٢١٣ ).

هؤلاء ليس عادتهم نقل متون الأخبار ، بل التحقيق والإفتاء بما حققوا ، فلو كان الظاهر عليهم عدم اشتراط الجفاف لصرحوا بذلك وأفتوا كذلك ، لا أن تكون عبارتهم صريحة في الاشتراط ، سيما في العبادات التوقيفية ، لتوقفها على بيان الشارع ، فإن كان بيانه بما ذكره من الأدلة على وجوب كون المسح ببقية البلة لتعين وجوب كون المسح بخصوص ما بقي في اليد لا غير ، وما دل على الأخذ من مثل اللحية مشروط بالجفاف ، فلا وجه لما ذكره من الخروج مخرج الغالب ، وكذلك الحال في أكثر ما ذكرنا من الأخبار ، نعم في نادر منها المسح بنداوة الوضوء ، وكيف يغلب الغالب مع كونه مطلقا والغالب مقيدا.

على أنه كما يجوز ما ذكره كذا يجوز ما ذكرنا ، ومجرد الاحتمال لا يكفي في بيان ماهية العبادة ، فكيف تحكم بما ذكرت في عبارات الأصحاب مع ما عرفت من الأدلة والأخبار أيضا.

__________________

(١) هذه الحاشية ليست في « ا ».

٢٦٩

قوله : لا بأس. ( ١ : ٢١٤ ).

ربما تكون هذه الرواية متحدة مع الرواية الآتية في مسح الرجلين عن حماد بن عثمان (١) ، فتأمّل جدا.

قوله : وهو ضعيف. ( ١ : ٢١٤ ).

فيه : أنّ حال المقام حال وجوب البدأة بالأعلى والمرفق في الغسل وأنه لا ضعف أصلا في ما ذكراه ، لأنّ الامتثال هو الإتيان بما أمر به ولا يتحقق إلاّ أن يعلم أنه أتى به ، وللاستصحاب ، وقولهم عليهم‌السلام : لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله (٢) ، وغير ذلك ، والعلم لا يتحقق في موضع الخلاف ، ومعلوم بالضرورة أنه لا يوجد نص يبين مجموع ماهية الوضوء ، وماهية العبادة توقيفية ، وكون ماهية المسح معلومة لا يكفي لمعلومية ماهية الوضوء ، كما أنّ معلومية ماهية الغسل لا يكفي ، ومن قال بوجوب البدأة لا يقول بأنه داخل في ماهية الغسل والمسح ، بل يقول : داخل في الوضوء ، كالترتيب وغيره ، والتمسك بأصل العدم موقوف على حجية الاستصحاب ، لأنه نوع منه ، والشارح لا يقول به. ومع ذلك جريانه في ماهية العبادات خلاف ما حقق في محله.

قوله (٣) : لا نفس الخلاف. ( ١ : ٢١٤ ).

نعم ، الخلاف يورث شبهة ، والتجنب عن الشبهة مستحب ، وارتكابها مرجوح.

قوله : والأظهر. ( ١ : ٢١٥ ).

فيه إشكال يظهر على من لاحظ الأخبار ، وكلام الأصحاب ، والنزاع‌

__________________

(١) انظر المدارك ١ : ٢٢١.

(٢) التهذيب ١ : ٨ / ١١ ، الوسائل ١ : ٢٤٥ أبواب نواقض الوضوء ب ١ ح ١ ، بتفاوت.

(٣) هذه الحاشية أثبتناها من « ه‍ ».

٢٧٠

العظيم الذي بينهم وبين العامة.

ويظهر من بعض الأخبار أن من غسل رجله وأضمر أنه مفروض لم يقبل وضوؤه (١) ، يظهر منه فساد وضوئه لو قصد وجوب الغسل ، ويظهر من مفهومه أنه لو قصد أن الغسل غير واجب وتحقق المسح يكون وضوؤه صحيحا.

وهذا يصحح التعليل الذي ذكره الشهيد ـ رحمه‌الله ـ أخيرا ، مع صحته في نفسه ، لأن الأعمال بالنيات ، فإذا لم يكن الغسل مقصودا بل يكون المقصود هو المسح فلا مانع من الصحة ، كما إذا مسح ببقية النداوة القليلة الغير الجارية أصلا إلاّ أنه يمطر على الموضع مطر أو يصل ماء من الخارج من غير أن يقصد الإيصال والإجراء على الموضع.

كما أن المسح في الغالب يدخل في غسل الأعضاء ، للاستعانة في الجريان من غير قصد كونه معتبرا (٢) أو داخلا في الوضوء وجزءا منه ، فلو نوى المكلف كونه جزءا ، بأن المطلوب في غسل الوجه ـ مثلا ـ الغسل والمسح معا أثم ، وإن نوى أن المطلوب هو الغسل خاصة امتثل ، فتأمّل جدا.

فهذا يؤكد التباين ويصححه لا العموم من وجه ، فتأمّل.

قوله : ونقل عليه المرتضى. ( ١ : ٢١٦ ).

وهكذا نقل الإجماع الشيخ الطبرسي (٣) وابن زهرة (٤) ، وأسند ذلك ابن‌

__________________

(١) انظر الكافي ٣ : ٣١ / ٨ ، التهذيب ١ : ٦٥ / ١٨٦ ، الوسائل ١ : ٤٢٠ أبواب الوضوء ب ٢٥ ح ١٢.

(٢) في « ه‍ » : معتبرا في غسل الأعضاء وداخلا.

(٣) مجمع البيان : ٢ : ١٦٧.

(٤) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٣.

٢٧١

الأثير إلى الشيعة (١) ، وكذا غيره من العامة (٢) ، والعلامة ـ رحمه‌الله ـ أيضا في المنتهى فسّره كذلك ناقلا اتفاق الأصحاب عليه (٣).

قوله : والظاهر أنه رحمه‌الله. ( ١ : ٢١٧ ).

لا يخفى بعده ، بل الظاهر أنه فهم منه ما نسبه إلى فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام ، لا ما يخالف مذهبهم ، كما أنّ الشيخ ـ رحمه‌الله ـ أيضا فهم كذلك (٤) ، وكذا الشهيد في الذكرى (٥) ، وقال ابن أبي جمهور في كتاب الغوالي عند ذكر هذا الحديث : وهذا يدل على أن الكعب هو مفصل القدم الذي عند وسطه في قبة القدم (٦). انتهى.

بل وربما كان غيرهم أيضا فهم كذلك. والذي يشهد على صحة فهمهم أن قول الراويين : دون عظم الساق ، بعد قولهما : يعني المفصل ، شاهد واضح على أن المراد من المفصل ليس المفصل بين الساق والقدم إذ عظم الساق متصل بنفس القدم من غير أن يكون بينهما واسطة وحيلولة وامتداد ، فمفصل العظم وسطحه المتصل بالقدم ليس بينهما مغايرة وتفاوت بحيث يكون الإشارة إلى أحدهما دون الإشارة إلى الآخر في مثل المقام حتى يقول : الكعب ليس سطح العظم بل مفصل ذلك السطح عن القدم ، مع أنه إذا بلغ المسح إلى المفصل فقد بلغ إلى عظم الساق قطعا ، والمطلوب أن حد المسح إلى أين؟.

__________________

(١) النهاية ٤ : ١٨٧.

(٢) كالفيومي في المصباح المنير : ٥٣٥.

(٣) المنتهى ١ : ٦٤.

(٤) انظر الخلاف ١ : ٩٢.

(٥) الذكرى : ٨٨.

(٦) عوالي اللآلي ٢ : ١٩٦.

٢٧٢

ومما يشهد على ما ذكرناه أيضا أن في الكافي بعد هذا الكلام قال عليه‌السلام : « والكعب أسفل من ذلك » قال هذا عقيب قوله : « هذا عظم الساق » (١) جوابا عن سؤالهما عنه ، فعلى هذا لعل مرادهما من المفصل المفصل الشرعي الذي منه يقطع السارق.

وروى الشيخ في التهذيب والكليني في الكافي بسندهما عن سماعة عن الصادق عليه‌السلام : « إذا أخذ السارق قطعت يده من وسط الكف ، فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم» (٢).

وفي الفقيه بسنده الصحيح عن زرارة عن الباقر عليه‌السلام قال : « كان أمير المؤمنين عليه‌السلام إذا قطع اليد قطعها دون المفصل ، وإذا قطع الرجل قطعها من الكعب » (٣).

وفي الكافي ، والفقيه ، والتهذيب بسندهم عن الصادق عليه‌السلام : قلت له أخبرني إلى أن قال : وكيف يقوم وقد قطعت رجليه؟ فقال عليه‌السلام : « إن القطع ليس من حيث رأيت ، إنما يقطع الرجل من الكعب ، ويترك له من قدمه ما يقوم عليه يصلي ويعبد الله » (٤) الحديث.

وفي الفقه الرضوي : « يقطع من المفصل ويترك العقب يطأ عليه » (٥).

__________________

(١) الكافي ٣ : ٢٥ / ٥ ، التهذيب ١ : ٧٦ / ١٩١ ، الوسائل ١ : ٣٨٨ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٣.

(٢) الكافي ٧ : ٢٢٣ / ٨ ، التهذيب ١٠ : ١٠٣ / ٤٠٠ ، الوسائل ٢٨ : ٢٥٢ أبواب حد السرقة ب ٤ ح ٣.

(٣) الفقيه ٤ : ٤٦ / ١٥٧ ، الوسائل ٢٨ : ٢٥٤ أبواب حد السرقة ب ٤ ح ٨.

(٤) الكافي ٧ : ٢٢٥ / ١٧ ، الفقيه ٤ : ٤٩ / ١٧١ ، التهذيب ١٠ : ١٠٣ / ٤٠١ ، الوسائل ٢٨ : ٢٥٧ أبواب حد السرقة ب ٥ ح ٨.

(٥) لم نعثر عليه في الفقه الرضوي ، ورواه في البحار ٧٦ : ١٩٢ عن نوادر الحسين بن سعيد عن أبي عبد الله عليه‌السلام.

٢٧٣

وقال الشيخ في المبسوط والخلاف : القطع عندنا في الرجل من معقد الشراك من عند الناتئ على ظهر القدم ويترك ما يمشي عليه ، وعندهم المفصل الذي بين الساق والقدم (١).

وقال المرتضى : يقطع من صدر القدم ويبقى له العقب ، وخالف باقي الفقهاء (٢).

وقال أبو الصلاح : يقطع مشط رجله من المفصل دون مؤخر القدم والعقب (٣).

وقال ابن حمزة : من الناتئ في ظهر القدم ويترك العقب (٤).

ويظهر من الشيخ في الاستبصار أيضا عدم الخلاف في هذه المسألة (٥) أي مسألة قطع الرجل ، وكذا يظهر من غير واحد من المتأخرين ، فما يظهر من الشيخ وشيخه المفيد ـ رحمهما الله ـ في بعض كتبهما (٦) من أنه يقطع من أصل الساق ويترك العقب لعله محمول على ما يوافق ما ذكرناه ، فتأمّل.

وحكي عن صدر الأفاضل من العامة : الكعب في رواية هشام ، عن محمّد هو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك (٧).

__________________

(١) المبسوط ٨ : ٣٥ ، الخلاف ٢ : ٤٦٩.

(٢) الانتصار : ٢٦٢.

(٣) الكافي في الفقه : ٤١١.

(٤) الوسيلة : ٤٢٠.

(٥) لأنّه ألّف الاستبصار في ما اختلف من الأخبار ، ولم يذكرها فيه.

(٦) الشيخ في النهاية : ٧١٧ ، والمفيد في المقنعة : ٨٠٢.

(٧) انظر الذخيرة : ٣٢.

٢٧٤

وربما يؤكد ما ذكرناه الإجماعات التي ذكرها الشارح ـ رحمه‌الله ـ وذكرناها أيضا ، وكذا اتفاق سائر أحاديث أهل البيت على ما يظهر منه أنه العظم الناتئ في وسط القدم ، والتأويلان الآتيان عن الشارح ـ رحمه‌الله ـ بعيدان ، فتدبر.

ومما يؤكد ، ( بل ويعين ) (١) ، قوله عليه‌السلام : « والكعب أسفل من ذلك » لأن مفصل عظم الساق الذي يمسح عليه ليس بأسفل قطعا ، بل هو أعلى ، كما لا يخفى.

وبالجملة : إن أريد من المفصل خصوص القدر الذي في وسط القدم ومن عظم الساق خصوص الظنبوب فمع أنه خلاف مقتضى إطلاق اللفظين لا يلائمه ما ذكرنا من قوله : « والكعب أسفل منه » وإن أريد منهما مقتضى إطلاق لفظهما لا تلائمه الإشارة إلى أحدهما دون الآخر ، وجعل حكمهما متعددا ، سيما وأن يكون نزاعا عظيما بين الخاصة والعامة ، فتأمّل.

وجعل النزاع خصوص الاكتفاء في المسح بالوصول إلى جزء الكعب الذي هو في ظهر القدم لا النزاع في نفس الكعب ، فمع فساده لا يلائمه ظاهر الروايتين.

ومما يؤيد ما ذكر أن أهل اللغة والعرف لا يقولون بكون هذا المفصل كعبا ، وسيجي‌ء اعتراف العلامة ـ رحمه‌الله ـ بالنسبة إلى اللغة ، بل والعرف أيضا ، وما قيل من أن أهل اللغة ذكروا إطلاق الكعب على المفصل فمدخول ، يظهر ذلك بمطالعة الذخيرة وشرح الدروس للمحقق الخونساري (٢).

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « ب » : ويبين.

(٢) الذخيرة : ٣٢ ، مشارق الشموس : ١١٩.

٢٧٥

قوله : بما رواه الشيخ. ( ١ : ٢١٧ ).

وجه دلالة الصحيحة أن الغاية خارجة عن المغيّا ، كما حقق في محله وظاهر من العبارة ، مع أن التعبير عن المفصل بظهر القدم فيه ما فيه ، سيما وأن يكون هو ظهرا دون الظنبوب ، إذ لا فرق بينهما في الظهرية وعدمها. مع أنّه إذا وصل المسح إلى المفصل فقد وصل إلى الظنبوب قطعا على تقدير الاستيعاب العرضي ، إذ في هذه الرواية عقيب ما ذكر : قلت : جعلت فداك ، لو أنّ رجلا قال : بإصبعين من أصابعه هكذا؟ قال : « لا إلاّ بكفه » وعلى تقدير عدم الاستيعاب العرضي أيضا ظاهر أن المفصل ليس خصوص القدر الذي في الفوق دون القدر الذي في الجانبين.

ووجه دلالة الحسنة ظهر مما ذكر.

مضافا إلى أن كلمة « في » ظرفية ، فيظهر منه كون ظهر القدم محيطا بالكعب وهو في وسطه ، وظاهر أن المفصل خارج عن القدم ، لأنه موصل القدم بالساق ، ولهذا لا خصوصية له بالقدم ، ونسبته إليه وإلى الساق على سواء ، ومع ذلك لا خصوصية بالظهر دون الجانبين والخلف.

ومما ذكر ظهرت دلالة الرواية الأخرى ، فإن التصريح بالفرق بينه وبين الظنبوب وكونه أسفل العرقوب صريح في أن الكعب ليس إلا ظهر القدم لا منتهى القدم ، ومع ذلك لا خصوصية للمفصل بالظهر ، ومع ذلك لا فرق بين المفصل والظنبوب في الظهرية وعدمها ، إلى غير ذلك مما عرفت.

قوله : ويؤيده الأخبار. ( ١ : ٢١٨ ).

بل هي أدلة حقيقة ، لما ستعرف من ظهور وجوب الاستيعاب الطولي ، وعلى تقدير عدم الظهور فالتأييد أيضا محل مناقشة ، إلاّ أن يقال : العلاّمة ـ رحمه‌الله ـ قائل بوجوب الاستيعاب ، ويستثني الشراكين وهو بعيد ، فتأمّل.

قوله : وذهب العلاّمة ـ رحمه‌الله. ( ١ : ٢١٨ ).

٢٧٦

قال ـ رحمه‌الله ـ فيه : والمراد من الكعبين هنا المفصل بين الساق والقدم (١) ، تنبيها على أن الكعب في الوضوء غير الكعب في غيره ، وهو خلاف ما ثبت من الأخبار ، كما لا يخفى.

قوله : وهو المفصل الذي قدام العرقوب. ( ١ : ٢١٨ ).

قيل : هذه العبارة صريحة في مدعى العلامة ـ رحمه‌الله ـ (٢).

وفيه تأمّل ، إذ جعل الضمير راجعا إلى الكعب لا يلائم ما ذكره من أنه في ظهر القدم ، لأنه إن أراد أنه في ظهره لا في طرفه ـ كما يقول العامة ـ فلا يناسب تحديده بأنه قدام العرقوب ، لأن الذي في الطرفين قدّام العرقوب قطعا ، وخصوص مفصلهما ـ أي الذي تحتهما ـ ليس كعبا قطعا ، ولا في ظهر القدم البتة ، وإن أراد مجموع المفصل ـ أي من الظهر إي تمام ما تحت الناشزين في الطرفين الذين هما الكعب عند العامة ـ فلا وجه لجعل المجموع في ظهر القدم ، مع أن العظم في الطرفين ، إذ من ابتداء العرقوب إلى ابتداء ظهر القدم من كل طرف ما هو أكثر منه مما هو في الظهر.

ومع ذلك ، الحكم بكون المجموع كعبا ـ أي حتى إلى العرقوب ـ لعله يرفع النزاع بين العامة والخاصة ، إذ بالوصول إلى مفصل الناشزين يتحقق الوصول إليهما البتة ، سواء كان من التحت أو من طرف الظهر ، إلاّ أن يقال : نزاعهم في الاكتفاء بجزء المفصل الذي هو في وسط الظهر خاصة ، وهو بعيد.

ففي العبارة المذكورة حزازة ، ولعلّ لفظ « المفصل » سهو من قلم‌

__________________

(١) المختلف ١ : ١٢٥.

(٢) انظر الحبل المتين : ١٩ ، ومشارق الشموس : ١٢٢.

٢٧٧

العلامة ـ رحمه‌الله ـ أو من النساخ ، لأن العلامة ـ رحمه‌الله ـ أتى بعبارته في جملة العبارات التي هي ظاهرة في خلاف مطلوبه ، ومفيدة للاشتباه على غير المحصل في ظنه ، ولذا وجد أثر النسخة ورمزها عليه. ويمكن أن يكون الضمير راجعا إلى عظم الساق بضرب من التجوز ، ذكره تنبيها على أن المراد من عظم الساق الرأس المتصل بالمفصل ، فتأمّل.

وقيل : إن قوله : وهو المفصل من كلام المصنف لا أنه تتمة ، ولذا لم يذكره الشهيد (١). وهو أيضا بعيد ، إلاّ أنه لعله أولى من جعله تتمة ، والأظهر أن العبارة لا تخلو عن سقم.

قوله : ويمكن حمل. ( ١ : ٢١٩ ).

لا يقال : كما يمكن حمل ذلك كذا يمكن حمل مستند المشهور.

لأنا نقول : ليس كذلك ، لأن مستندهم راجح بكثرة العدد ، وعلو السند ، وقوة الدلالة ، والشهرة بين الأصحاب ـ لو لم نقل بالإجماع ـ والموافقة لقول اللغويين ، وغير ذلك ، فتعين أن يكون حجة ، وانحصرت الحجية فيه ، لأن : الطرف المقابل يصير مرجوحا ، والمرجوح موهوم ، فلا يمكن أن يصير حجة ، وفي الحمل يجب إرجاع ما ليس بحجة إلى ما هو حجة لا العكس ، إذ لا شك في حرمته وعدم جوازه.

ومن مضعفات الذي فهم العلامة والشارح ـ رحمهما الله ـ من رواية زرارة أن الباقر عليه‌السلام أشار حيث قال : « هاهنا » ، فلعلّ الراوي توهّم لأنّ الإشارة إلى أمرين متقاربين جدا كثيرا ما يصير موردا للتوهم.

وأيضا الأقل متيقن ، والزائد مشكوك فيه فيجب نفيه بالأصل ، فتأمّل.

__________________

(١) الذخيرة : ٣٢.

٢٧٨

وصرح ابن أبي جمهور في الغوالي بأن المفصل الذي ذكر في رواية ابن بكير هو مفصل القدم الذي عند وسطه في قبة القدم.

قوله : بالمنع من دلالتها (١). ( ١ : ٢١٩ ).

في صحيحة زرارة في نسيان المسح : « فإن أصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه ، وعلى ظهر قدميك » (٢) فتأمّل. وفي صحيحة زرارة أيضا :

« وتمسح ببلة يمناك رأسك ، وما بقي ظهر قدمك اليمنى ، وببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى » (٣).

قوله : ومع التعارض. ( ١ : ٢١٩ ).

لا يخفى أن جعله معارضا بعيد جدا ، إذ غاية الأمر عدم ظهور الاستيعاب لا ظهور العدم ، بل الظاهر الاستيعاب ، كما لا يخفى على المتأمّل ، إذ على تقدير أن لا يكون كلمة « ما » بدلا عن « شي‌ء » يكون ظاهرا أيضا في الاستيعاب ، لأن التعرض له في الرجلين مع عدم التعرض لمثله في الرأس قرينة على ما ذكرنا ، إذ المعنى : شي‌ء من رأسك أيّ شي‌ء يكون أو شي‌ء من قدميك لكن لا مطلقا بل ما يكون بين الكعبين إلى أطراف الأصابع ، وعبّر بلفظ : « إلى » ولم يقل أطراف أصابعك ، مع أن الرأس أولى بذكر موضع مسحه ، لظهور الخلاف من العامّة ، ووقوع الإشكال عند الشيعة بسببه ، كما يظهر من سؤالاتهم.

__________________

(١) في نسخة في « و » : لكنها معارضة.

(٢) الكافي ٣ : ٣٣ / ٢ ، التهذيب ١ : ١٠٠ / ٢٦١ ، الوسائل ١ : ٤٦٩ أبواب الوضوء ب ٤٢ ح ١.

(٣) الكافي ٣ : ٢٥ / ٤ ، الوسائل ١ : ٣٨٧ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٢ ، بتفاوت.

٢٧٩

على أنّه في المقام في مقام ذكر الاكتفاء بشي‌ء في المسح ، فلم يكن المقام مقام الذكر إلى الكعبين ، بل لا يناسب ، لأنه يوهم خلاف المقصود.

وبالجملة : يظهر مما ذكرنا أن « ما بين. » قيد للمسح لا (١) للممسوح إظهارا للفائدة.

وفي حسنة ابن أذينة ـ رواها الكليني في علة الأذان ، بل (٢) وهي صحيحة عند الشارح ـ قال : « ثم امسح بفضل ما بقي في يديك من الماء رأسك ورجليك إلى الكعبين » (٣) الحديث.

وصحيحة ابن أبي نصر المذكورة أيضا ظاهرة في الاستيعاب ، إلاّ أن يقال : تتمة الصحيحة محمولة على الاستحباب ، وهي الأمر بمسح كلّ الكف ، ومرّ الكلام في نظيره مرارا ، فتأمّل ، وسيجي‌ء عن الشارح ما يشير إلى الالتزام به ، بل إلى القول بوجوبه.

هذا ، والعلامة ـ رحمه‌الله ـ ادعى الإجماع على الاستيعاب الطولي (٤) ، والمحقق نسبه إلى فتوى الأصحاب (٥).

بل مما ذكرنا ظهر أنّ الآية الشريفة أيضا ظاهرة ، بل وبعيد غاية البعد أنه تعالى يتعرض لذكر أحد حدّي مسح موضع الرجل ولم يتعرض للحدّ الآخر ، ولم يتعرض لحدّ موضع مسح الرأس أصلا وقطعا ، مع أن موضعه أيضا محدود‌

__________________

(١) كما في « أ » و « و » ، وفي سائر النسخ : « أو » بدل « لا ».

(٢) بدلها في « أ » و « و » : قيل.

(٣) الكافي ٣ : ٤٨٢ / ١ ، الوسائل ١ : ٣٩٠ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٥ ، بتفاوت يسير.

(٤) المنتهى ١ : ٥٦٣.

(٥) المعتبر ١ : ١٥٠.

٢٨٠