الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

عليه‌السلام : « الصلاة ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود » (١) وأنّه ورد الأجر العظيم في فعلها حتى في قطرات مائها وبقاء بللها وغير ذلك ، وسنذكر بعضا ، فتأمّل.

ومما يشهد أيضا أنه إذا دخل الوقت وجب الطهور ، مع أنّه قبل الوقت صحيح وسنة ، فظهر أنّ وجوبها ليس بمحض تحقق الصلاة عقيبها ، فتأمّل.

قوله : ملتبس جدا. ( ١ : ١٨٥ ).

قد ذكرنا فرقا ونذكر أيضا فرقا آخر ، وهو أنّ العبادة لا بدّ فيها من قصد الفعل للمعبود المعين المعلوم ، وإلاّ لم تكن عبادة له ، ووقع الإجماع على وجوب النية في العبادات ، والأخبار كثيرة في لزوم فعلها لله تعالى ، والإخلاص وترك الشرك بالله وحرمة الرياء ، والقرآن أيضا دالّ ، ولذا لم يتأمّل أحد في الوجوب للصلاة ونظائرها.

وكون الوضوء عبادة يظهر من الحديث ، مثل قول الرضا عليه‌السلام حين منع من صب الماء : « تؤجر أنت وأوزر أنا » (٢). واستشهد بقوله تعالى : ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (٣) ، لكن فيه تأمّل ، إذ ربما يظهر منه خلاف ذلك ، فلاحظ وتأمّل.

ومما يفرق أيضا الإجماع في إزالة النجاسة بعدم اشتراط النية بالتقريب الذي مر في الحاشية ، والإجماع في الطهارات بالاشتراط لما‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٢٧٣ / ٨ ، التهذيب ٢ : ١٤٠ / ٥٤٤ ، الفقيه ١ : ٢٢ / ٦٦ ، الوسائل ٦ : ٣١٠ أبواب الركوع ب ٩ ح ١.

(٢) الكافي ٣ : ٦٩ / ١ ، التهذيب ١ : ٣٦٥ / ١١٠٧ ، الوسائل ١ : ٤٧٧ أبواب الوضوء ب ٤٧ ح ١.

(٣) الكهف : ١١٠.

٢٤١

نقلنا. مضافا إلى عمل المسلمين في الأعصار والأمصار ، فليتأمّل.

قوله : وأنّ المعتبر فيها تخيل المنوي. ( ١ : ١٨٥ ).

إن أراد مجرد تخيل المنوي فهو مناف لما سيذكره من اعتبار قصد القربة والإخلاص ، وإن أراد مع قصدها ففي الحكم بسهولة الخطب مطلقا تأمّل لا يخفى على من لاحظ الأخبار وكلام المحققين في مقام تخليص العمل عن الرياء وغيرها من الدواعي المنافية للإخلاص.

وما ذكره بعض الفضلاء ليس هذه النية قطعا ، لأنه لا يمكن التكليف به كما اعترف به ، وهذه النية واجبة يمكن (١) تخلّفها قطعا ، بل وربما يكون من أصعب الواجبات والتكليفات كما أشرنا. فتأمّل.

قوله : على أن الأمر المذكور. ( ١ : ١٨٧ ).

أي مضافا إلى الاستصحاب ، إذ لم يثبت نسخ الجميع ، بل نسخ البعض ، بل الثابت عدم نسخ الجميع لما يظهر من الآيات والأخبار : منها هذه الآية ، ومنها ما يدل على متابعة ملة إبراهيم وبقائها في الجملة ، ومنها ما ذكر في الأمم السابقة مدحا وترغيبا لهذه الأمّة ، ومنها ما يدلّ على أنّ بعض الأفعال في نفسه حسن ممدوح لا دخل للزمان وغيره فيه ، فتأمّل جدّا بعد ملاحظة المآخذ.

قوله : فهذا الاستدلال لا محصّل له. ( ١ : ١٨٨ ).

ولا يخفى أنّ قوله في ما سبق : لا يتم إلاّ بذلك ، إشارة إلى أنّ قصد الوجوب أو الندب مقدمة لحصول المطلوب الشرعي الذي هو عبادة وتوقيفية ، فلعل قصد التعيين شطره أو شرطه شرعا ، والواجب علينا أن نأتي بالفعل على الوجه المطلوب ولا يتم ذلك إلاّ بقصده ، إذ بدون ذلك لا يعلم‌

__________________

(١) في غير « أ » : لا يمكن.

٢٤٢

حصول المطلوب ، إذ ليس هو أمرا عقليا أو عرفيا أو أمثال ذلك ، حتى يرجع إليها في معرفته.

وأمّا الشرع فلا إجماع ولا نص ينفع ، إذ مثل قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ). (١) لم يذكر فيه إلاّ نفس الأجزاء المختصة بالوضوء ، أمّا الكيفية المخصوصة والأمور العامة المشتركة بينه وبين جميع العبادات سواء أنّها أيضا أجزاؤه أو شروطه مثل النية والإيمان وعدم الغصب وغير ذلك فلم يذكر فيه ، بل لم يرد في نص من النصوص الواردة في بيان كيفية عبادة من العبادات ذكر أمر من الأمور العامة ، بل تلك الأمور ثابتة في مقام آخر بعنوان الضابطة الكلية والقاعدة العامة من غير خصوصية بمكان دون مكان.

ولذا قدماؤنا أيضا لم يذكروا في عبادة من العبادات أمرا من الأمور العامة لما أثبتوها في موضعه المختص به. وأمّا المتأخرون فهم أيضا لم يذكروا سوى النية ، وربما يذكر بعض منهم بعضا آخر مثل عدم الغصبيّة.

ومعلوم أن النزاع في كيفية النية بعد فرض وجوب أصلها وتسليمه ، فعلى هذا نقول : كيف يثبت من مجرد قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ ) ـ الآية ـ مثلا عدم دخول قصد الوجوب والندب في النية التي هي من الأمور العامة جزما ، وغير مختصة بالوضوء أصلا ، وثابتة من الدليل الخارج قطعا سيما ومن أدلتها « لا عمل إلاّ بنية » (٢) ، وأمثالها الدالة على اشتراط مطلق النية ، والشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط. مع أنّ من الأدلة قوله عليه‌السلام : « إنما لكل امرئ ما نوى » (٣) وربما يظهر منه أن ما لم ينو ليس له ، فتأمّل ، إلاّ أن يثبت الشارح‌

__________________

(١) المائدة : ٦.

(٢) انظر الوسائل ١ : ٤٦ أبواب مقدمة العبادات ب ٥.

(٣) أمالي الطوسي : ٦٢٩ ، الوسائل ١ : ٤٨ أبواب مقدمة العبادات ب ٥ ح ١٠.

٢٤٣

عدم الدخول وعدم الحاجة إلى المقدمة لتحصيل العلم بالبراءة بالأصل ، وجريانه في العبادات معركة لآراء الفقهاء.

ومع ذلك ، الشارح أيضا ربما لا يعتدّ بالأصل في العبادات ولا يثبت كيفيتها به ، إلاّ أن يثبت أنّ النية خارجة عن ماهية العبادات ، وهو خلاف المشهور ، ويثبت أيضا أنّ معرفة ماهية النية من باب معرفة غير العبادات.

ومع ذلك لما كان الشارح من المنكرين للحقيقة الشرعية وبمجرد الصارف عن المعنى اللغوي لا يكتفي بالرجوع إلى الحقيقة عند المتشرعة ربما يشكل الأمر بالنسبة إليه من هذه الجهة أيضا.

ومع ذلك قوله : هذا الاستدلال لا محصل له ، فيه ما فيه ، لأنّه تمام على قاعدة جماعة كثيرة من الفقهاء. فتأمّل.

ويمكن أن يقال : إنّ النية من الأمور التي يعم بها البلوى ويكثر إليها الحاجة وتشتد ، لأنّ أقسام العبادات من الواجبات والمستحبات بالأصالة أو بالعرض في غاية الكثرة ، وجميع المكلفين يحتاجون ، والاحتياج في غاية الكثرة ، بل في اليوم مرات كثيرة بالنسبة إلى مثل مستحبات الخلاء والوضوء ومستحباته ، والصلاة من الأذان إلى آخرها ، والتعقيبات وأدعية الساعات ، وقراءة القرآن إلى غير ذلك ، فلو كان قصد الوجوب أو الندب معتبرا فيها لأكثر الشارع من الأمر بالعمل والتعليم والتعلم ( وكثر العمل والتعليم والتعلم ) (١) ، وشاع في الأعصار والأمصار ، واشتهر غاية الشهرة ، ومع ذلك لم يصل خبر ولا أثر ، بل وربما وصل ما يفيد خلاف ذلك ، مثل أنهم صلوات الله عليهم ربما أمروا بفعل أمور بعضها واجب وبعضها مستحب ، مثل كبّر سبع‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « و » و « ج » و « د ».

٢٤٤

تكبيرات ، وسبّح ثلاث تسبيحات (١) وغير ذلك ( ولم يأمروا بقصد التعيين.

ويؤيده أيضا أنهم كثيرا ما أمروا الواجب والمستحب بلفظ افعل ، وما ورد من أنّ غسل الجمعة يصير عوضا عن غسل الجنابة في ناسي غسلها في الصوم الواجب (٢).

ويؤيده أيضا الأدلة الدالة على أصالة البراءة ما لم يثبت التكليف.

ويؤيده عدم إشارة إلى أنّ المكلف في صورة لم يعلم خصوص الوجوب أو الندب ما ذا يصنع.

نعم ، ببالي أنّه ورد في بعض الأخبار ما يشير إلى اعتبار قصد الوجوب أو الندب مثل من دخل في الصلاة وشكّ أنّه هل نوى النافلة أو الفريضة (٣) وغير ذلك ) (٤) وسيجي‌ء من الشارح ما يظهر منه أنّه أيضا اعتبر في أمثال المقامات ، لكن ربما كان جميع ذلك منحصرا في صورة يكون كل واحد من الوجوب والندب من مشخصات الفعل ومميزاته ، ويكون حينئذ اعتبارهما من جهة لزوم قصد التعيين لتحقق الإطاعة والامتثال كما مر ، وسيجي‌ء في الحاشية الآتية أيضا.

والاتفاق واقع في لزوم قصد التعيين مضافا إلى الأدلة التي مرت الإشارة إليها ، مثل عمل كافة المسلمين في الأعصار والأمصار ، وأن كلّ أحد يعلم أنّه لا بدّ من الإطاعة ، وأنّها لا تتحقق إلاّ بقصد المطلوب ، وأنّ المكلّف أمر ولأجله أفعل ، وغير ذلك مما مر وسيجي‌ء.

__________________

(١) انظر الوسائل ٦ : ٢٠ أبواب تكبيرة الإحرام ب و: ٢٩٩ أبواب الركوع ب ٤.

(٢) الوسائل ١٠ : ٢٣٨ أبواب من يصح منه الصوم ب ٣٠ ح ٢.

(٣) الوسائل ٦ : ٦ أبواب النية ب ٢.

(٤) ما بين القوسين ليس في « ه‍ ».

٢٤٥

ولكن الأحوط قصد الوجوب أو الندب أيضا ، لما مر وسيجي‌ء ، وإن كان الظاهر عدم الوجوب ، لكن الاحتياط في موضع يعلم الوجوب أو الاستحباب ، أمّا إذا لم يعلم مثل الوضوء في الوقت المشكوك فيه وغسل الجمعة بالنسبة إلى من لم يعلم الوجوب أو الاستحباب ومتحيّر فيهما فلا حاجة إلى الاحتياط أيضا ، نعم لعلّ الأحوط قصدهما حينئذ على سبيل الترديد.

ومع ذلك (١) يكفي قصد الوجوب الوصفي والقيدي ولا يحتاج إلى قصد التعليل بأن يقول : لوجوبه ، إلاّ أن يريد الاحتياط عما ذكره العدلية في كتبهم الكلامية (٢) ، فتدبر. والله أعلم بحقائق أحكامه.

هذا ، ويمكن أن يجعل مراد المستدل أنّ العبادة تقع على وجوه متعددة : الوجوب ، والندب ، والكراهة ، والحرمة ، فإن قصد وجها معيّنا وكان هو المطلوب ثبت المطلوب ، وإن كان غيره لم يتحقق الامتثال ، لأنّه الإتيان بالمطلوب ، وإن قصد غير المعيّن لم يتحقّق الامتثال أيضا ، لأنّ غير المعيّن يتحقّق في ضمن كلّ فرد ، وجميع الأفراد متساوية فيه ، فلا خصوصية له بالمطلوب ، وحينئذ يكون الفرق بين هذا الدليل والدليل الثاني أنّه أعمّ منه.

قوله : كما ذكره المتأخرون. ( ١ : ١٨٨ ).

يمكن أن يكون مراده أنّه يمكن للمكلف أن يوقع الفعل على وجه الوجوب تارة وعلى الندب أخرى ، بأنّه عنده كذلك وإن لم يكن في الواقع ، إذ لا بدّ أن يمتثل هو ويعلم أنه ممتثل ، ولو لم يعلم لم يكن بعد ممتثلا عرفا لأنه اعتقد أنّه غير ممتثل ولا يريد الامتثال ولم يقصد إتيان ما طلب منه ،

__________________

(١) في « و » : بل ومع ذلك.

(٢) انظر الاقتصاد : ١٠٩ ( للشيخ الطوسي ) ، وكشف المراد : ٤٠٧.

٢٤٦

فكيف يكون ممتثلا؟! فإذا علم أنّه عبادة والعبادة لا تخلو عن الرجحان وتوهم أنه على قسمين أو جاز ذلك عنده فلا بدّ أن يأتي بالمميز.

هذا حال الجاهل أو المتوقف في عدم جواز الاجتماع كالشارح ، وأمّا المعتقد له لتمكنه أن يقصد مستحبا في مقام الواجب وبالعكس ـ وإن لم يكن مشروعا كقصد الرياء والتبريد محضا وأمثالهما ـ فيجب عليه عدم قصد المخالف للحق ، لما عرفت.

وقصد التعيين واجب قطعا ، لأنّه يكون به ممتثلا كما عرفت ، وهو إمّا قصد الوجوب أو الندب أو قصد الوضوء الذي ذمتي مشغولة بما يتوقف عليه أو فارغة عنه وهما يستلزمان الوجوب والندب عادة ، بل ربما كانا رجعا إليهما في المعنى.

نعم إن نوى ما أراده الشارع منه ، بعد أن يعتقد أنه ليس إلاّ واحدا معينا ، ولم يتذكر أيهما هو فالظاهر أنّه يكفي ، لكن لعله من الفروض النادرة ، فتأمّل.

قوله : لكن امتثال الأوامر. ( ١ : ١٨٨ ).

لا يخفى أن الإطاعة لا تتحقق عرفا إلا بقصد تعيين المطلوب فيما إذا كان المطلوب أمرين متغايرين يتميز أحدهما عن الآخر في نظر المأمور أيضا ، فإذا أتى بأحدهما فلا بدّ من تعيينه بملاحظة ما به الامتياز.

مثلا : عند الصبح مكلف بركعتين فريضة ، وركعتين نافلة ، فلا بدّ للمكلف من أن يعين أحدهما حتى يكون ممتثلا ، سيما إذا أراد امتثال أحدهما معينا ، فلو صلى ركعتين من دون تعيين كونهما فريضة أو نافلة لا يعد ممتثلا ، لا بالنسبة إلى الفريضة ، ولا بالنسبة إلى النافلة.

نعم ، إذا تميز الفريضة عن النافلة بالماهية أو بلازم آخر سوى الوجوب أمكن الاكتفاء بقصد الماهية أو اللازم الآخر ، ومعلوم أنّ ما نحن فيه ليس‌

٢٤٧

كذلك.

مع أنّ الحكم بوجوب الطهور إذا دخل الوقت لا بدّ له من ثمر يثمر بالنسبة إلى المكلف ، إذ بمجرد دخول الوقت لا يترتب العقاب على تركه ، والصحة والمشروعية كانت حاصلة قبل الوقت أيضا ، وكونها شرطا لصحة الصلاة لا دخل له في دخول الوقت ، فضلا عن الوجوب ، للإجماع على صحّة الصلاة بالوضوء المندوب مثلا ، والحاصل قبل دخول الوقت ، واشتراطها للصلاة لا يفهم من هذا الخبر ، بل لا بدّ من أن يكون مفهوما من الخارج ، وكونها واجبة بالأصالة بعد دخول الوقت باطل قطعا ، ومرّ أنّ ثمرة النزاع في الوجوب للغير والوجوب للنفس تظهر في نية الوجوب والاستحباب ، فتأمّل.

ويؤيده ما ذكره العدلية في كتبهم الكلامية من أنه يشترط في استحقاق الثواب على فعل الواجب أن يوقع بوجوبه أو وجه وجوبه ، وفي المندوب أيضا كذلك.

قوله : ولم تكن النية. ( ١ : ١٨٩ ).

لا شبهة في أنّ الناوي كذلك مخطئ على أي حال ، بل وفاعل حرام لو قصد كونه كذلك شرعا أو اعتقد ، إنّما الكلام في أنّه هل يؤثّر في قبح الفعل أم لا ، فإذا سلّم أن له حقيقة فلا وجه لتأمّله في قبح وضوئه ودعوى كونه مخطئا في نيته فقط ، فتأمّل.

قوله : في غاية الجودة. ( ١ : ١٨٩ ).

جيّد في صورة نوى الذي أراده الله تعالى منه في الوقت الذي يفعله ، وكان ما أراده واحدا معينا ، وأمّا إذا كان متعدّدا متميزا وما به التمييز خصوص الوجوب والندب فقد عرفت حاله ، وكذا إذا لم يكن متعددا لكن المكلّف يزعم التعدد ونوى غير الذي أراده الله تعالى منه ، فهو بالنسبة إلى المجتهد‌

٢٤٨

يمكن أن يكون حكما ظاهريا صحيحا بالنسبة إلى ما يزعم تحققه لا بالنسبة إلى المتحقق ، فتأمّل.

وكذا يشكل الحكم في غير المجتهد ، لأنّ خطاءه غير معذور ولا معفوّ عنه ، فتأمّل جدا.

وبالجملة : يكون ممتثلا إذا نوى الذي أراده الله تعالى وعيّنه بوجه من الوجوه ، فلا يضرّ خطاؤه في اعتقاده باتصافه بالصفة التي ليست فيه ، بل ويكون ضدّها فيه.

قوله : واحتج عليه المشترط. ( ١ : ١٨٩ ).

استدلاله ليس كذلك ، بل قال : إنّ المفهوم وجوب إيقاع الغسل والمسح لأجل الصلاة ، ولا معنى لهذا إلاّ أنّه لأجل أن يبيح له فعل الصلاة ، كما أنّ المفهوم في المثالين كذلك.

ولذا لو قال المولى لعبده : إذا لقيت الأمير فخذ أهبتك ، فأخذ العبد الأهبة لا لأجل لقاء الأمير بل وصرّح العبد بأنّي لم آخذ تهيأ للقاء الأمير بل لأمر آخر لا يكون ممتثلا ومطيعا للمولى في ما أمره به ، سيما إذا صرّح العبد بأنّه لو لا الأمر الآخر ما كنت آخذ الأهبة أبدا.

وكذا الحال في قوله لعبده : أعط الحاجب درهما ليأذن لك ، إذ لم يجوّز تحصيل إذنه بغير الدرهم ، حتى يصير شرطا شرعيا ، وأمّا إذا كان مراده تحصيله كيف كان ـ والدرهم مقدمة عقلية كما هو الظاهر من القرينة ـ فلا دخل له في ما نحن فيه ، ولذا لو رضي الحاجب بغير درهم يكون العبد ممتثلا وإن لم يعط درهما أصلا ، بل ربما كان عاصيا إن اعطى.

وكذلك الحال في المثالين الآخرين لو ادعى قرينة على مراد المولى ، بأنّ مراده كون العبد مع الهبة أو السلاح حين اللقاء كيف كان ، نظير طهارة الثوب والبدن للصلاة.

٢٤٩

وبالجملة : فرق بين أن يقال : لا بدّ من الوضوء حين الصلاة وأمثال هذه العبارة وأن يقال : اغسل وجهك للصلاة ، ولذا لم يستدل المستدل بمثل : « لا صلاة إلا بطهور » (١) مع صراحة دلالته على الاشتراط.

ومما ذكرنا يشكل ورود الإيراد الذي أورد في الذخيرة على المستدل : بأنّ غاية ما يلزم من الدليل كون الوجوب لأجل الصلاة على أن يكون الظرف قيدا للوجوب لا وجوب الوضوء لأجل الصلاة على أن يكون قيدا للوضوء. انتهى (٢).

وذلك لأنّه إن أراد الوجوب الشرطي ففيه أنّه معنى مجازي للأمر ، وإن أراد الشرعي فعلى تقدير تصحيح خلو الظرف عن الوضوء الذي هو غسل الوجه. يتم دليل المستدل أيضا ، كما ذكره ، فتأمّل جدّا.

قوله : لا يقتضي وجوب إحضار النية. ( ١ : ١٨٩ ).

فيه : أنّ الأدلة التي استدل بها على وجوب نية القربة لا تدل على وجوب إحضارها عند فعلها ، وبالجملة كون النية هي المخطر بالبال أو الداعي على الفعل كلام آخر ليس المقام مقامه ، فتأمّل.

قوله : فإنّه يكفي إعطاؤه. ( ١ : ١٨٩ ).

فيه اعتراف بأنّ وجوب الإعطاء توصلي لا شرط شرعي ، فلا وجه لتمسّكه به وجعله مماثلا لوجوب الغسل والمسح الذي هو عبارة عن وجوب الوضوء ، فتأمّل.

قوله : لعدم الأولويّة. ( ١ : ١٩١ ).

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤٩ / ١٤٤ ، الاستبصار ١ : ٥٥ / ١٦٠ ، الوسائل ١ : ٣٦٥ أبواب الوضوء ب ١ ح ١.

(٢) ذخيرة المعاد : ٢٤.

٢٥٠

لو كان كل واحد منهما علة مستقلة للفعل وتداخل لأمكن القول بالصحة ، أما لو كان جزء العلة له وكان لو لم ينضم الآخر لما فعل لبطل كما قال ، لكن يشكل الأمر في ضم الراجح أيضا ، فإن من صام شهر رمضان بضم الحمية بحيث لو لم يكن الحمية لما صام لا يعد ممتثلا لصوم شهر رمضان ومطيعا لله تعالى في ذلك عرفا ، فتأمّل.

قوله : ومتى أخلّ بالاستدامة. ( ١ : ١٩٢ ).

لا يخفى أنّ النية على المشهور هي صورة مخطرة بالبال ، لأنها الداعية على الفعل ، فلا بدّ أن تكون موجودة في الذهن بحيث تؤثر في الإيجاد ، فلو لم تكن موجودة لا تؤثر قطعا ، فكذا لو كانت في الحافظة ، إذ حال النسيان لا تؤثر قطعا.

والذي دعاهم إلى ذلك ما عهد من حصر القوى الباطنة في الخمسة المشهورة المعهودة ، ولهذا شرطوا المقارنة للوضوء والصلاة وغيرهما ، لتحقق مفاد التلبس المستفاد من الأدلّة.

وكذا اعتبروا الاستدامة الحكمية دون الفعلية لتحقق الحرج مطلقا والتعذر في بعض الأحيان ، إذ ( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) ، فإذا توجه إلى إحضار الصورة فكيف يتأتى أن يتوجه إلى إصدار الفعل.

والحق أنّ المؤثر غير منحصر في المخطر على ما نشاهد في وجداننا ، فإنّا كثيرا ما نفعل الأفعال الاختيارية من غير إخطار ، بل ومع غاية توغل النفس في الأفكار ، أو المكالمات والمخاصمات ، أو الصناعات والحرف ، أو المشي ، أو غير ذلك.

ولذا بعد الصلاة بلا فصل نشتغل بالأوراد والأدعية والقرآن ، سيما وكل واحد واحد مغاير للآخر غاية المغايرة نأتي بالكل من دون إخطار أصلا بالنسبة إلى كل واحد واحد ، ولا بالنسبة إلى المجموع ، بل والفكر في غاية التوغل‌

٢٥١

في أمور أخر ، كما هو حال صلاتنا ، مع أنّ كل واحد واحد من أفعال الصلاة يصدر عنا ، سيما مع مضادّتها وكمال مغايرتها مع الآخر. ومن البديهيات أنّ الفعل الاختياري لا يمكن صدوره من غير قصد وداع.

فالحق ما قاله الشهيد من اعتبار الاستدامة الفعلية ، لأنّ العدم لا يؤثر قطعا ، ونحن نركع ونسجد مثلا على قياس ما نقرأ الدعاء في التعقيب والأوراد من دون تفاوت أصلا ، وحكاية انحصار القوى غير مضرّة ، إذ لا شكّ في أنّ مراتب القوة الحافظة ودرجاتها متفاوتة ، فلعل أوائل الحافظة تكون بحيث تؤثر ، بل المدرك بالوجدان أنّ الأمر كذلك ، فتدبر.

قوله : وفي البناء نظر. ( ١ : ١٩٢ ).

لجواز التمسك بمجرد الاستدامة الحكمية من دون اعتبار لفعلية النية في الاستدراك ، فتأمّل.

قوله : لكن تحققه مشكل. ( ١ : ١٩٢ ).

إذ كيف يفعل البعض بقصد القربة مع عدم انضمام البعض الآخر ، وعدم اعتباره وملاحظته ، مع أنّه ليس بعبادة إلاّ بانضمامه واعتباره معه ، فتأمّل.

قوله : هو بعينه معنى الاستدامة الفعلية. ( ١ : ١٩٣ ).

فإنّه ـ رحمه‌الله ـ قال : مقتضى الدليل الاستدامة ، لكن لمّا تعسّر ذلك أو تعذّر اكتفى بالاستدامة الحكمية ، ثم فسرها بالبقاء على حكمها والعزم على مقتضاها ، والذي نفاه أوّلا هو الأمر الذي تعذّر أو تعسّر استدامته ، كما صرّح به ، وهو مركّب من صور متعددة مترتبة ، كل واحدة منها مخطرة بالبال ، والذي أثبته هو الأمر البسيط الإجمالي ، وهو مجرد العزم على ما قصد أوّلا.

ولعلّ مراده أنّه ليس مخطرا بالبال ، لأنّ استدامة إخطاره متعذّر أو متعسّر أيضا ، بل هو في أوائل الحافظة ، كما أشرنا ، فبين المنفي والمثبت‌

٢٥٢

فرق من وجهين : الإجمال والتفصيل ، والمخطرية وعدمها ، بل وكون المنفي العزم على نفس العبادة ، والمثبت العزم على ما عزم به أوّلا ، فتأمّل.

واعترض عليه بأنّه لا دليل على الاستدامة الفعلية ، إذ القدر الثابت أنّ العبادة لا بدّ أن تكون متلبسة بالنية في الجملة (١).

وهذا الاعتراض في غاية السخافة ، إذ لا شبهة في أنّ مقتضى الأدلّة كون العمل بجميع أجزائه لا بدّ وأن يكون خالصا لله ، وأن يكون بالنية ، وأن يكون المكلف ممتثلا فيه.

لكن يرد عليه أنّ مقتضى الدليل إن كان مراعاة الاستدامة الفعلية ، فإذا تعذرت أو تعسرت فأيّ دليل يدل على الاكتفاء بالحكمية ومراعاتها ووجوب اعتبارها؟ إلاّ أن يقال : المرتبة الإجمالية جزء المرتبة التفصيلية ، أو يتحقق فيها ما هو جزؤها ، و « الميسور لا يسقط بالمعسور » (٢) و « ما لا يدرك كله لا يترك كله » (٣) ، وهما مرويّان عن علي عليه‌السلام ، وللاستصحاب ، فتأمّل.

نعم يتوجه عليه أنّه لا وجه لجعل النية خصوص المركب التفصيلي دون البسيط الإجمالي ، إذ لا دليل على وجوب التفصيل وتعين هذا الوجودي دون الوجودي الآخر ، وجعل الوجودي بدلا اضطراريّا.

واعلم أنّ بين المخطر بالبال والداعي على الفعل عموما من وجه ، إذ ربما يكون الداعي سوى ما يخطر صورته غفلة.

__________________

(١) ذخيرة المعاد : ٢٥.

(٢) انظر عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٥ و ٢٠٧.

(٣) انظر عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٥ و ٢٠٧.

٢٥٣

قوله : عبادة الذاهل. ( ١ : ١٩٣ ).

إن أراد الذهول عن صورة العزم ونقشه فليس ذلك بمقتض لبطلان عبادة هذا الذاهل قطعا ، وإن أراد عدم عزمه لفعل ما بقي لله تعالى ولم يفعل الباقي بقصد القربة والإخلاص وعزم الامتثال ، فدعوى قطعية البطلان باطلة ، سيما بملاحظة ما ذكره ابن زهرة من أنّ الفرض الثالث استمرار حكم النية إلى حين الفراغ ، وذلك بأن يكون ذاكرا لها غير فاعل لنية تخالفها ، بالإجماع (١). انتهى.

قوله : الثالث أنّ ما ذكره. ( ١ : ١٩٣ ).

لم أفهم كلام الشهيد ـ رحمه‌الله ـ بأن مراده من الباقي والمؤثر ما ذا ، والاحتياج في أي شي‌ء حتى أفهم اعتراض الشارح ، وأنه وارد عليه أم لا.

والذي يظهر من كلامه أن مراده من الباقي هو أجزاء العبادة التي يريد المكلف أن يأتي بها بعد النية ، ومراده من المؤثر هو النية التي هي علة غائية في وجودها.

وهو في غاية الفساد ، لأنّ الأجزاء لم تكن موجودة ولا تكون باقية بالبديهة ، وما ادّعى أحد ولا توهم متوهم ولا يمكن أن يتوهم ، لأنّها معدومة حال النية بالبديهة ، تحدث شيئا فشيئا بعد النية وتخرج من العدم إلى الوجود ، وبعد الوجود تعدم ولم يكن لها بقاء أصلا حتى يقال : إنّها في حال الوجود يحتاج إلى المؤثر دون حال البقاء ، فتأمّل.

والأظهر أنّ مراده من الباقي أثر النية أعني الصحة. وفيه : أنّه لم يظهر بعد (٢) نفس الأثر فكيف بقاؤه ، مع أنّه ـ رحمه‌الله ـ اعترف بأنّ مقتضى الدليل اعتبار الاستدامة الفعلية ، وهذا يقتضي أن يكون بدونها غير‌

__________________

(١) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٣.

(٢) ليس في « ه‍ ».

٢٥٤

صحيحة ، فتأمّل.

قوله : والوجه فيه صدق الامتثال. ( ١ : ١٩٣ ).

فيه تأمّل ، لأنّ مقتضى الدليل أنّ كلا من [ الأحداث ] (١) علّة مستقلة ، وأهل العرف لا يفهمون من مثل هذا كون المعلول واحدا إذا وقع عقيب علل متعددة حتى يحكم بتحقق الامتثال عندهم ، بل لا يبعد أن يقال : إنّ الظاهر عندهم التعدد إلاّ أن يصرح الآمر بكفاية الواحد ، وإن شئت معرفة صدق ما قلناه بدّل الحدث والوضوء بأمر عرفي ثم تأمّل.

نعم ، المتشرعة يفهمون كما ذكره ، بل ويوجبون كون الوضوء واحدا ولا يرضون بالوضوء لكل حدث على حدة ، وليس ذلك إلاّ من وقوع الإجماع كذلك ، بخلاف الغسل كما سنذكر ، مع أن مفهوم العبارة بحسب العرف في الوضوء والغسل واحد ، بل وغيرهما من الأمور التي لا تأمل لأحد في ظهور التعدد ، فتأمّل.

قوله : إلى صدق الامتثال. ( ١ : ١٩٤ ).

فيه ـ مضافا إلى ما سبق ـ : أن التداخل عبارة عن صيرورة شي‌ء أو أشياء شيئا واحدا ، أو كفاية شي‌ء عن شيئين أو عن أشياء ، ولا شك في كون هذا خلاف الأصل ، فلا يمكن أن يقال به إلاّ بدليل ، وصدق الامتثال العرفي كيف يجوز أن يصير دليلا؟ لأن أهل العرف كيف يمكنهم أن يحكموا بصيرورة شيئين شرعيين شيئا واحدا وكفاية واحد شرعي عن متعدد شرعي؟! إلاّ أن يريد من التداخل كون المكلف به شيئا واحدا لا تعدد فيه أصلا وإن كانت أسبابه متعددة ، لأنها من قبيل الأمارات والمعرّفات ، لكن قد عرفت أن الظاهر من الأدلة تعدد المسببات وإن كانت من قبيل المعرفات‌

__________________

(١) في النسخ : الحدث ، والأنسب ما أثبتناه.

٢٥٥

يجوز اجتماعها على معلول واحد ، لأن الجواز لا كلام فيه ، وإنما الكلام في الظهور ، إذ لا نسلم الظهور في الواحد بل ندعي الظهور في التعدد كما مر.

بل الأخبار التي يستدل بها هاهنا أيضا ظاهرة في التعدد ، حيث قال : « إذا اجتمعت عليك حقوق » فإن الحقوق ظاهر بل صريح في التعدد ، وكذا قوله عليه‌السلام : « أجزأك عنها » لأنه صريح في الكفاية عن المتعدد ، لا أنه لا تعدد أصلا ، فإن حجة الإسلام مثلا تكليف واحد لا يمكن أن يقال يجزئ عن حجتين للإسلام أو ثلاث حجج ، إذ لا تعدد في حجة الإسلام أصلا.

وأيضا : غسل الجنابة له ثواب خاص ، وهو من الفرائض ويرفع الحدث الأكبر والأصغر قطعا ولا يجوز معه الوضوء ، وغسل مس الميت له ثواب خاص ، ووجوبه من السنة ، وغير معلوم أنه يرفع الحدث الأصغر ، بل الشارح ـ رحمه‌الله ـ ادعى أن مسّ الميت ليس بحدث أصلا (١) ، ومع ذلك يجوز معه الوضوء ، بل ويجب الوضوء مع غسل الحيض ومعه أيضا.

فكيف يمكن أن يقال : جميع الأغسال الواجبة شخص واحد لا تعدد فيه أصلا ، وأنّ المكلف لا يثاب إلا بثواب شخص واحد؟ إذ لا شك في بطلانه إذ مع التداخل أيضا يثاب المكلف بثواب الأغسال التي كانت عليه.

ودعوى اتحاد الأغسال المستحبة أظهر فسادا منها ، وأظهر فسادا منهما دعوى اتحاد الواجب والمستحب سيما الواجبات والمستحبات.

وهذا أيضا ينافي استشكاله في صورتي التعيين وتفريقه بين صورتي التعيين وبين غيرهما ، بل يلزم منه عدم التفاوت أصلا بين من قصد امتثال جميع الأغسال وبين من لم يقصد امتثال الجميع ومن قصد عدم الامتثال بالنسبة إلى بعضها ، بل ومن بنى على العصيان بالنسبة إلى البعض ، فتأمّل.

__________________

(١) انظر مدارك الأحكام ١ : ١٦.

٢٥٦

قوله : والأظهر التداخل. ( ١ : ١٩٤ ).

الامتثال إذا تحقق في عبادة اقتضى استحقاق ثوابها والاستئهال له ، فإذا لم يكن مقصود المكلف الإتيان بتلك العبادة أصلا ولم يرد إطاعة الله فيها مطلقا بل وربما أعرض عنها صفحا كيف يكون مستحقا لثوابها؟ بل قد مرّ أن الامتثال في العبادات يتوقف على قصد التعيين والإطاعة ، وغير العبادة لا يتوقف ، ومن جملته الواجبات الشرطية التي ليست بعبادة ، وبعض الأغسال وإن كان شرطا للعبادة إلاّ أنه في نفسه عبادة.

فعلى هذا نقول : الغسل من حيث هو هو ليس بمستحب ، بل إنما استحب لفعل خاص أو زمان خاص أو مكان خاص عيّنه الشارع ، فلو لم يقصد سوى الغسل من حيث هو هو كيف يكون آتيا بالمستحب؟.

اللهمّ إلاّ أن ينوي الغسل الذي أراده الشارع أي بهذا العنوان ، وهذا على صور ثلاث : قصد العموم ، والخصوص ، ولا هذا ولا ذاك ، والأولى صحيحة مجزية للامتثال ، ومثلها قصد التداخل شرعا ، والثانية صحيحة بالنسبة إلى الخاص المعين دون غيره ، لعدم إرادة إتيانه وامتثاله ، أو لإرادة عدم إتيانه وإطاعته ، والثالثة صحتها لا تخلو عن الإشكال ، لاشتراط قصد التعيين في الامتثال ، كما قلنا.

ثم إن استحباب الغسل لفعل أو زمان أو مكان ورد في الأخبار على صورتين : الأولى : الأمر بفعله له ، وهذه حكمها مر. والثانية : افعل ذلك الفعل وأنت على غسل ، أو ذلك الفعل شرطه أن يكون مع الغسل ، وأمثال هذين ، وهذه يتحقق الامتثال فيها بتحقق الفعل مع الغسل مطلقا ، سواء قصد حين الاغتسال أم لا.

نعم ، لا بدّ أن يكون الغسل في نفسه متحققا بإحدى الصور الصحيحة التي أشرنا إليها ، مضافا إلى أن فاعل ذلك لا بدّ أن يكون عالما‌

٢٥٧

بالمسألة وعالما بأنه على غسل ، على الرأي المشهور من عدم صحة عبادة الجاهل وإن وافقت الواقع ، وسيجي‌ء الكلام فيه إن شاء الله ، وقس على الفعل حال الزمان والمكان ، وعلى الأغسال المستحبة الأغسال الواجبة ، أو التي بعضها واجب وبعضها مستحب.

فإن قلت : الإمام عليه‌السلام لم يتوجه في الأخبار الدالة على التداخل إلى قصد التعيين مطلقا.

قلت : لم يتوجه في تكليف من التكاليف إليه ولا إلى قصد الامتثال والقربة ، فالدليل المقتضي لاعتبارهما يشمل ما نحن فيه ، فتأمّل.

ثم اعلم أن ما ذكرناه إنما هو بالقياس إلى حصول الثواب ، وأما استباحة الفعل المشروط بالغسل ، فهي حاصلة وإن لم يقصد إلاّ رفع بعض الأحداث ، بناء على أن الحدث معنى واحد ، بل وإن لم يقصد الرفع ولا الاستباحة ، بناء على عدم وجوب قصدهما ، ويظهر ذلك من الأخبار ، مثل مرسلة جميل (١) وما رواه ( الصدوق في ) (٢) الفقيه (٣) وغيرهما ، وفي دلالة المرسلة إشكال ، وإذا قصد رفع بعض وعدم رفع بعض فمشكل صحة مثله.

ثم اعلم أيضا أن المطابق لقواعدهم أنه إن قصد الجنابة لا يتوضأ مع الغسل ، وإن قصد الحيض يتوضأ ، وإن قصدهما لا يتوضأ ، والأحوط والأولى قصد الجميع ، إلاّ أن يكون غافلا أو جاهلا ويكون بحيث لو لم يكن غافلا أو جاهلا لأتى بما غفل عنه أو جهله ، فلا يبعد أن يقال : إنه تعالى يعطيه ثوابه أيضا ، ويكون داخلا في التداخل ، فتأمّل.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤١ / ٢ ، الوسائل ٢ : ٢٦٣ أبواب الجنابة ب ٤٣ ح ٢.

(٢) بدل ما بين القوسين في « ج » و « د » : في الكافي و.

(٣) الفقيه ١ : ٤٤ / ١٧٣ ، و: ٩٣ / ٢٥.

٢٥٨

قوله : وقد ذكر في أوّل الكتاب. ( ١ : ١٩٧ ).

لا يخفى أنّ الحديث الغير الصحيح ليس بحجة عند الشارح وإن انجبر بفتوى الأصحاب ، ويقول : فتاويهم إن وصلت إلى حدّ الإجماع فهي حجة ولا حاجة إلى الخبر (١) ، وإلا فلا فائدة. فكيف يكتفي بفتوى واحد منهم ، فإذا اجتمع فتاوى سائر الفقهاء مع فتواه يخرج عن الاعتداد جميعها ، وإن انفرد فتواه ولم يوافقه سائر الفقهاء يصير حجة ومفيدا؟! وهذا من العجائب.

( مع أن انجبار الحديث بفتاوى الأصحاب أمر ظاهر ، لأنه نوع من التبين المأمور به في الآية بالنسبة إلى خبر الفاسق ، بل أقوى أنواعه ، بل به يتبين حقية خبره ، لأن التبيّن تجسّس الأمر إلى ظهور الحال ، مع أن الظن كما يكفي في العدالة المعتبرة كذا يكفي في التبين ، لاتحاد الحال ووحدة المقتضي والمانع فيهما ) (٢).

( هذا مع أن البقاء على الجنابة عمدا غير مضر عند الصدوق (٣) ، وأما باقي الفقهاء فلا يضر عندهم البقاء على الجنابة نسيانا ، بل المضر هو البقاء عمدا ) (٤).

قوله : إن زاد عليه. ( ١ : ١٩٧ ).

أي بغير قصد التشريع.

قوله : وإن نقص منه أثم. ( ١ : ١٩٧ ).

اي وإن كان باطلا أيضا.

__________________

(١) في « ج » و « د » : الجبر.

(٢) ما بين القوسين ليس في « ب » و « ج » و « د ».

(٣) انظر المقنع : ٦٠ ، وفي « و » و « ه‍ » زيادة : على ما مضى.

(٤) ما بين القوسين ليس في « ا ».

٢٥٩

قوله : أنه لا إجمال. ( ١ : ٢٠٠ ).

لم يرد أنه بيان للغسل ، بل أراد أنه بيان للوضوء ، ولا شك في أنه مجمل في أعلى درجات الإجمال ، لأنه عبادة توقيفية ، ووظيفة الشارع بيانها ، لأنها كيفية استحدثها الشارع.

إلا أن يدعي الشارح أنه لم يقع التكليف بالوضوء إلاّ من قوله تعالى : ( إِذا قُمْتُمْ ). وإن ثبت بعض الأجزاء الأخر وبعض واجباته من دليل آخر ، مثل الترتيب والموالاة وغيرهما. لكن هذا محل نظر ، لأنّ الوضوء كان واجبا قبل نزول هذه الآية في أول بعثته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والآية نزلت في آخر عمره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا يمكن أن يدعى أن هذه الآية بيان للوضوء. مع أن البيان يستوفي جميع ما هو جزء وداخل في الكيفية ، والآية ليست كذلك.

وأيضا زرارة ونظراؤه كانوا من الفقهاء والعارفين بمدلول عبارات الآية ، فلو كان الأمر على ما ذكرت فلم كانوا يسألون عن وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون أمير المؤمنين أو غيره من الأئمة عليهم‌السلام ، ولم أجيبوا بالإتيان بجميع الواجبات دون المستحبات مثل المضمضة والاستنشاق وغيرهما؟! فتأمّل.

ومما ذكر ظهر أنّه يمكن الاستدلال على الوجوب أيضا بتوقف حصول الامتثال العرفي على الغسل من الأعلى ، وبأن شغل الذمة يقيني وهو مستصحب حتى يثبت خلافه وهو البراءة ، ولقوله عليه‌السلام : « لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله » (١) وقوله عليه‌السلام « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » (٢).

__________________

(١) ورد مؤداه في التهذيب ١ : ٨ / ١١ ، الوسائل ١ : ٢٤٥ أبواب نواقض الوضوء ب ١ ح ١.

(٢) جوامع الجامع ١ : ١٣ ، الوسائل ٢٧ : ١٦٧ أبواب صفات القاضي ب ١٢ ح ٤٣.

٢٦٠