الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

على القول الآخر.

فالأول لا شك في اعتباره ، والثاني من المجتهد إما مطلقا أو إذا كان عليه بخصوصه دليل شرعي. وأما الثالث فلا مانع له من مجرد القول مطلقا ، وأما العمل فلا مانع منه إذا كان احتياطا ، ولا شك في حسنه عقلا ونقلا ، فظهر وجه تسامح القوم في السنة والمكروه.

مضافا إلى حديث : « من بلغه شي‌ء من الثواب على عمل ، فعمل ذلك التماس الثواب ، أوتيه وإن لم يكن الحديث على ما بلغه » (١).

لا يقال : ما ذكر أوّلا يتم في محتمل الضرر مثل الوجوب والحرمة ، لا ما يفيد الاستحباب أو الكراهة ، والحديث غاية ما يثبت مجرد الثواب لا الاستحباب.

لأنا نقول : الاحتياط يتحقق عقلا وعرفا في جانب المنفعة أيضا.

مضافا إلى أنّ ( الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ).

مع أنّ ثواب الله أعظم من الدرهم والدينار ، ويتحقق فيهما أيضا.

بل من بذل جهده في جميع ما هو مطلوب السيد ، حتى المحتمل كونه مطلوبه ، فإنه عند العقل والعرف ـ بل لعله عند الشرع أيضا ـ ليست مرتبته مساوية لمرتبة المقتصر على القدر الثابت. وهذا أيضا طريق آخر للمسامحة.

بل من ارتكب مباحا من حيث إنّ السيد أباحه ، وانه مباحه ، لعله يصير حسنا عند السيد ، ووسيلة لقربه ، جالبا لمحبته ، فإذا كان ما هو مقطوع عدم رجحانه كذلك فما ظنك بما نحن فيه. وهذا أيضا طريق آخر.

وأيضا ربما يرتكب من حيث إنه نسب إلى السيد أنه يحبه ويستحسنه.

__________________

(١) انظر الوسائل ١ : ٨٠ أبواب مقدمة العبادات ب ١٨.

٢١

وهذا أيضا طريق آخر.

وأما الجواب للحديث فبأن الطريقة المسلمة المعهودة المقررة أنّهم يحكمون باستحباب الفعل بمجرد أن يرد من الشرع بإزائه ثواب. وذلك إما لأنهم يريدون من المستحب ما يكون بإزائه ثواب ، والثواب الذي فيه يكفي لرجحانه ، أو لأن الثواب عندهم لا يكون إلاّ برجحان فيه ، فلا يكون بغير رجحان ، لمنافاته الحكمة ، ولزوم الترجيح بلا مرجح ، والمرجح ربما كان وجوها واعتبارات يمكن أن يكون مما أشرنا اليه أو غيره ، مما يمكن أو لا يمكن دركه.

واعترض أيضا أن المراد من العمل هو الراجح شرعا ، وعدم اشتراط صدق الحديث إنما هو لحكاية الثواب خاصة (١).

وفيه : أنّه تقييد من غير دليل.

واعترض أيضا بأن بينه وبين آية ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ). (٢) تعارضا من وجه ، ويمكن تخصيص كل واحد بالآخر (٣).

ويمكن الجواب بأن ظاهر الحديث أنه تعالى يعطي الثواب بمجرد أن ينسب إليه أنه يعطي ، كما هو شأن الكريم البالغ في الكرم ، ولا عناية له في صدق النسبة ، بل صريح كلامه عدم اعتبار الصدق ، ومقتضى الآية العناية في صدق النبإ بكونه عن غير الفاسق ، ويشهد له قوله ( أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ) (٤).

وبالجملة : اشتراط عدم الفسق لا وجه له بعد التصريح بأنه يعطي وإن‌

__________________

(١) مشارق الشموس : ٣٤.

(٢) الحجرات ٤٩ : ٦.

(٣) مشارق الشموس : ٣٤.

(٤) الحجرات ٤٩ : ٦.

٢٢

كان الحديث كذبا ولا أصل له مطلقا ، مع أن المستفاد من الآية كون اشتراط العدالة لأجل عدم الكذب.

سلمنا ، لكن الأظهر تقييدها به ، كما لا يخفى. ولذا فهم الأصحاب كذلك ، ولا يتبادر إلى الذهن إلا ذلك. بل لو لم يسمع هذا الاعتراض لم يلتفت الذهن إلى الاحتمال أبدا.

سلمنا ، لكن بمجرد جواز تخصيص كل بالآخر لا يثبت اشتراط العدالة بالنسبة إلى أدلة السنن ، وهذا القدر يكفي. وليس دليل حجية خبر الواحد هذه الآية فقط ، بل لعلها ليست دليلا أصلا. نعم هي دليل اشتراط العدالة ، وقد عرفت أنه في الجملة.

ومما ذكر ظهر شمول الحديث للثواب الصريحي والالتزامي في المستحب والواجب. نعم الواجب لا يصير بمجرد الحديث الضعيف واجبا ، وإن كان ينزل منزلة المستحب. وهذا هو مرادهم من قولهم : لضعف السند يحمل على الاستحباب.

ومما يؤيد الاستحباب (١) ما ورد عنهم : « شهر رمضان فريضة من فرائض الله تعالى ، لا تؤدوه بالتظني » (٢) ، وغير ذلك.

فإن قلت : الوضوء عبادة ، فيحتمل التشريع.

قلت : بسبب أنه يفعل للاحتياط لا يتأتى التشريع ، وإلا لينسد بابه جلاّ ، لو لم نقل : كلاّ. بل ربما يتأتى تشريعان أو أكثر لو كان الاحتياط تشريعا.

__________________

(١) في « ب » و « ه‍ » و « و » : الأصحاب.

(٢) التهذيب ٤ : ١٦٠ / ٤٥١ ، الوسائل ١٠ : ٢٨٩ أبواب أحكام شهر رمضان ب ١١ ح ١٠. بتفاوت يسير.

٢٣

فإن قلت : منع الشرع من الاعتداد بخبر الفاسق ، والاحتياط نوع اعتداد به.

قلت : لم يثبت المنع إلى هذا الحد. ولذا لو أخبر فاسق بأن في الطريق أسدا يقتل ويهلك ، أو قطاع الطريق ، أو أعداء يقتلون وينهبون ، لزم عقلا عدم السفر إلى هذا الطريق مهما أمكن ، بل الشرع أيضا منع.

والأمر بالتبين في الآية ليس مجرد تعبد ، بل لعلّة ظاهرة غير منافية للاحتياط ، لأنها فيما إذا كان في العمل ندم وخطر ، ولا شك في أنه ربما كان في ترك العمل ذلك الندم والخطر قطعا أو ظنا ، بل لا نسلم ذلك فيما إذا ساوى الفعل والترك فيهما ، وانسد باب التبين.

مع أن القدماء والوسائط لعلهم تبينوا ، بل هذا هو الظاهر منهم ، فعلى تقدير أن لا ينفعنا تبينهم في إثبات التكليف لا تأمل في حسن الاحتياط منه.

ودخول مثل هذه الأخبار في الآية محل تأمّل ، فتأمّل.

قوله : كقوله عليه‌السلام في صحيحة. ( ١ : ١٤ ).

لعلّ وجه الاستدلال أنّ المستفاد منها ناقضيّة الحدث للوضوء ، فلا يجتمع معه.

وفيه : أنّه لا نزاع في النقض ، بل في أنّ الوضوء المشروع (١) هل يستلزم رفع الحالة المانعة من الصلاة أم لا؟ لا الحدث الصادر ، والحدث مشترك لفظا بين المعنيين. ومع ذلك كونه أمرا واحدا في الصلاة وغيرها محتاج إلى الثبوت. إلاّ أن يدّعى التلازم بين المعنيين ، وهذا أول الكلام.

أو أنّ الظاهر من قوله : « لا ينقضه إلاّ حدث » أنّه لا يحتاج إلى وضوء آخر ، كما أنّ لازم قوله : ناقض أنّه يحتاج إلى وضوء ، وهذا أيضا محل‌

__________________

(١) في « ج » و « د » : المشروط.

٢٤

تأمّل.

قوله : ويؤيده. ( ١ : ١٤ ).

يمكن المناقشة بأنّ الحديث لم يبق على ظاهره على ما ذكره ، لاستحباب التجديد وغيره ، فلعلّ المراد المنع عن نقض السابق اليقيني بالشك اللاحق ، وإحداث الوضوء من هذه الجهة ، كما يشعر به قوله عليه‌السلام : « حتى تستيقن. » ، بل وقوله : « إذا استيقنت » سيما العدول عن عبارة : محدث بلفظ « أحدثت » ، فربما ظهر أو احتمل أن يكون المراد أنه متى حصل اليقين يستصحب إلى حصول اليقين ، كما ورد في الأخبار (١).

ويمكن الاستدلال بالإطلاقات ـ فلا تتقيد إلاّ بدليل ـ وأصالة عدم زيادة التكليف ، وأصالة البراءة ، على تقدير جريانهما (٢) في العبادات ، والظاهر جريانهما (٣) هاهنا ، لأنّ الوضوء صحيح خارج عن الصلاة جزما. وتمام التحقيق في مبحث نية الوضوء.

قوله : بإطلاق الروايات. ( ١ : ١٥ ).

شمول الإطلاق لها مع عدم صدق الحائض عليها لغة وعرفا فاسد ، لأنّ الظاهر منه ما دامت حائضا. إلاّ أن يكون المستدلّ قائلا بالحقيقة الشرعيّة ( على وجه يشملها وإن كان من جهة عدم اشتراط بقاء المبدأ ، ولا بدّ من التأمّل.

قوله : وقوّى بعض. ( ١ : ١٥ ).

مبناه على عدم حجية الاستصحاب ، وعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة (٤) بالنسبة إلى الحائض.

__________________

(١) الوسائل ١ : ٢٤٥ أبواب نواقض الوضوء ب ١.

(٢) في « ج » و « د » : جريانها.

(٣) في « ج » و « د » : جريانها.

(٤) ما بين القوسين ليس في « ا ».

٢٥

قوله : لانتفاء التسمية. ( ١ : ١٥ ).

ويقربه أنّ الغسل ورفع الحدث به أمران شرعيان ، فلا وجه لاعتبارهما في اصطلاحهما.

قوله : إلاّ أنّ المشهور. ( ١ : ١٦ ).

لعل وجه أقربيته ثبوت الحقيقة الشرعية عنده فيه ، أو أنّه يظهر من الأخبار أنّ منع دخولها من جهة حدثها ـ كما هو الحال بالنسبة إلى الجنب ـ لا من الدم.

قوله : قولان. ( ١ : ١٦ ).

منشؤهما أنه حدث يرتفع بالطهارة فلا تكون مطهّرة ، وأنّ المحدث بالأصغر يحرم عليه ، فبالأكبر بطريق أولى ، ومن أنّ الحدث بالنسبة إلى الصلاة والطواف لا يستلزم أن يكون حدثا بالنسبة إلى غيرهما.

قوله : ما يقتضي اشتراطه. ( ١ : ١٦ ).

والأحوط مراعاته ، لما مرت الإشارة إليه عند احتجاج الشارح ـ رحمه‌الله ـ لوجوب الوضوء لنفسه. مضافا إلى التأمّل في موجبات الوضوء والغسل الذي هو شرط للصلاة ، وكذا التأمّل في ما سنذكره هاهنا.

قوله : ولا مانع. ( ١ : ١٦ ).

كون جميع إطلاقات أوامر الوضوء والأغسال والتيمم وغسل الثياب والبدن وغيرها محمولا على الوجوب للغير ـ على حسب ما مر ـ واستثناء خصوص ما ورد في المس من بين الجميع ، وإلحاقه بغسل الجمعة والإحرام المستحب بمقتضى الأدلة والمعروف بين الأصحاب ـ وإن سلّم وجود قول شاذّ ـ محل تأمّل.

مع أنّ غسلهما لتحصيل الطهارة فيهما ، وهما وقتان معينان يفوت الواجب بفوتهما ، بخلاف هذا الغسل ، فإنّه ليس بطهارة عنده ، لما مرّ ، ولا‌

٢٦

وقت معين له.

مع أنّ المسّ لو لم يكن حدثا كيف يكون موجبا للطهارة ، سيما في وقت غير معيّن؟!.

إلاّ أنّ يقال بعدم كونه طهارة أصلا ، بأنّ الغرض إمساس الجسد بالماء ، من غير أن يكون المقصود منه حصول طهارة ونظافة بوجه من الوجوه.

أو أنّه طهارة من خباثة غير منافية للصلاة ولا غيرها ، بل ولا يستحبّ رفعها لهما (١) ، بل ولا اهتمام في المسارعة في رفعها كالحدث الأصغر والأكبر ، ومع ذلك يجب رفعها في أيّام الحياة.

والاحتمالان لا يخلوان عن غرابة.

ومع ذلك يتوجّه ما قلناه في الوضوء من أنّه لو كان واجبا لنفسه لزم تحقق واجبات لا تحصى بعقاب واحد ، في فرض نادر ، بل وأندر ( بل وخلاف العادة ) (٢) ، وحمل المطلقات عليه ، مع لزوم الحمل على الشائع ، وعدم التنبيه في ما ورد في الاحتضار وغسل الميت ، وغير ذلك مما مر.

مع أنّ المفسدة هنا أشدّ ، إذ لا وجوب عند تضيق وقت العبادة هنا.

ولأنّ التمكّن من الغسل حين ظنّ الموت أندر وأندر ، بل وخلاف العادة ، فتدبّر.

قوله : نعم إن ثبت. ( ١ : ١٦ ).

لأنّه على هذا حدث ، إذ لا ينقض الوضوء إلاّ الحدث ، وليس من موجبات الوضوء على ما يظهر من الأخبار والفقهاء ، ورفعه واجب للأمور.

فظهر أنّ الغسل الوارد في الاخبار يكون طهورا ، أو أنّه لو توضأ من غير‌

__________________

(١) في « ج » و « د » : لها.

(٢) ما بين القوسين ليس في « ب » و « ج » و « د ».

٢٧

غسل فهو محدث أيضا ، إذ لا يتأتّى الصلاة بغير طهارة ، وهذا الوضوء لا ينفعه ، لأنه حين الاغتسال يجب عليه الوضوء على ما سيجي‌ء ، وهو دليل كونه محدثا ، إذ متى شرع الوضوء كان رافعا للحدث ، على حسب ما مر ، فتأمّل.

قوله : مع عدم صحّة سنده. ( ١ : ١٦ ).

السند لا يقصر عن الصحة ، كما بيناه في الرجال (١) ، ومن المسلمات أيضا أنّ مراسيل ابن أبي عمير حكمه حكم المسانيد ، ويظهر وجهه من الرجال. مضافا إلى الشهرة بين الأصحاب هنا.

قوله : غير صريح. ( ١ : ١٦ ).

فيه : أنه يكفي الظهور ، والظاهر ظهور القدر المشترك بين الوجوب الاصطلاحي والشرطي ، وهو يكفي للمستدل. مع أنه ليس بظاهر في الندب أيضا ، ولعله يكفي للاستدلال ، لمنعهم إحداث الوضوء إلاّ مع تيقّن الحدث (٢) ، فأمرهم بالوضوء دليل التيقن ، خرج ما خرج بالدليل ، فتأمّل.

ويشهد لما ذكرناه ما ورد من أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام اغتسل حين غسل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معلّلا بجريان السنة ، وإلاّ فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان طاهرا مطهرا (٣) ، إذ فيه إشارة إلى كون المس حدثا يحتاج إلى المطهر ، لا أنّ الغسل له مجرد تعبد.

ويظهر من الفقه الرضوي أنّ الوضوء الذي يكون قبل كل غسل إنّما‌

__________________

(١) انظر تعليقات الوحيد على منهج المقال : ٢٧٥.

(٢) الكافي ٣ : ٣٣ / ١ ، التهذيب ١ : ١٠٢ / ٢٦٨ ، الوسائل ١ : ٢٤٧ أبواب نواقض الوضوء ب ١ ح ٧.

(٣) التهذيب ١ : ٤٦٩ / ١٥٤١ ، الاستبصار ١ : ٩٩ / ٣٢٣ ، الوسائل ٣ : ٢٩١ أبواب غسل المس ب ١ ح ٧.

٢٨

هو لأجل الصلاة (١) ، كما هو المشهور عند فقهائنا ، فيلزم أن يكون الغسل أيضا كذلك ، والاحتياط واضح.

قوله : ومعارض بما هو أصحّ. ( ١ : ١٦ ).

فيه : أنّ المعارض يتضمن عبارة ، وهي « أيّ وضوء أطهر من الغسل » ، أو « أنقى من الغسل » (٢) ، ومقتضى ظاهرها أنه لو كان وضوء مع الغسل لكان منحصرا في أنه لتحصيل الطهارة ، مع أنها حاصلة بالغسل ، بل أكمل وأشمل ، فمن هذه الجهة لا حاجة إلى الوضوء ، لا أنّ المغتسل قبل اغتساله طاهر في نفسه لا حاجة له إلى المطهر ، والأمر بالغسل محض تعبّد ، كما يقول به الشارح. مع أنّ جلّ الأغسال الواجبة ومعظمها لأجل التطهير قطعا ، فكيف يكون محض تعبد؟! فحينئذ الغسل نائب عن الوضوء وأقوى منه وأشمل ، والمس يحتاج إلى الطهور الذي يرفع ما يرفعه الوضوء وما يرفعه الغسل ، ولا يكفي الوضوء ، فضلا عن أن لا يحتاج إلى رافع.

على أنّه مر عن الشارح ـ رحمه‌الله ـ أنه متى حصل وضوء لا يجامع الحدث الأكبر يترتب عليه جميع آثاره إلى أن يتيقّن الحدث ، فما ظنك بالمتطهر بالوضوء إذا عرض له المس.

فإذا كان هذا الغسل طهارة لكان داخلا في عموم قوله : « إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة » (٣) ، ويكون مثل سائر الطهارات بالنسبة إلى قوله : « لا صلاة إلا بطهور » (٤) ، وغير ذلك ، فإذن لا يكون تفاوت بينه وبينها ،

__________________

(١) فقه الرضا : ٨٢ «. فإن اغتسلت ونسيت الوضوء فتوضأ وأعد الصلاة » ، المستدرك ١ : ٤٧٦ أبواب الجنابة ب ٢٦ ح ١.

(٢) الوسائل ٢ : ٢٤٤ أبواب الجنابة ب ٣٣ وفي ٢ : ٢٤٧ ب ٣٤ ح ٤.

(٣) الفقيه ١ : ٢٢ / ٦٧ ، التهذيب ٢ : ١٤٠ / ٥٤٦ ، الوسائل ١ : ٣٧٢ أبواب الوضوء ب ٤ ح ١.

(٤) الفقيه ١ : ٢٢ / ٦٧ ، التهذيب ٢ : ١٤٠ / ٥٤٦ ، الوسائل ١ : ٣٧٢ أبواب الوضوء ب ٤ ح ١.

٢٩

فتأمّل جدّا.

مع أنّ هذه الطهارة طهارة الحدث لا الخبث قطعا ، والحدث ليس إلاّ الحالة المانعة من الصلاة مثلا. وباقي الكلام يأتي إن شاء الله تعالى.

قوله (١) : وكأنّه أراد. ( ١ : ١٧ ).

لا شك في أنه أراد الوجوب الاصطلاحي ، وعبارته في غاية الصراحة والإصرار.

قوله : وإلاّ فالوجوب بالمعنى المصطلح منتف. ( ١ :١٧ ).

لا يخفى أنه ظهر ممّا ذكره المعاصر ـ رحمه‌الله ـ عدم الانتفاء.

فإن كان منشأ قطعه ما ذكره سابقا من أنه لا يتصور وجوب الشرط لمشروط غير واجب ، ففيه : أن المشروط واجب وإن لم يكن الآن واجبا ، ويكفي هذا ، وإلاّ لم يتصور وجوبه في المضيق الذي ذكره المصنف ـ رحمه‌الله ـ أيضا.

فإن قال بأن الظن حاصل بالإدراك حينئذ ، ففيه : أنّ ظن الإدراك غير وجوب المشروط. مع أنه حاصل من أول الليل أيضا ، ولا دليل على أن المعتبر هو الأقوى ، سيما وأن يكون بحيث يعارض إطلاقات الأخبار وغيرها بل ويترجح عليها ، على أنه ربما يكون الظن في أول الليل أقوى.

فإن قيل : كيف يكون واجبا ولا عقاب على تركه في هذا الوقت؟

قلت : الواجب الموسع كله كذلك ، والاتصاف بالوجوب حينئذ لتحقق امتثال الواجب فيه ، والوجوب للغير غير مضرّ بعد كفاية ظنّ الإدراك ، فإن أدرك انكشف الوجوب واقعا ، وإلا انكشف عدمه.

__________________

(١) هذه الحاشية ليست في « ا ».

٣٠

نعم ، لو أراد الجنابة بعد الغسل أو حصل ظنه بها لا يتأتى منه نية الوجوب ، لا للغير ولا للنفس ، وعدم التأتي في الثاني أظهر ، لأنّ الوجوب النفسي عند القائل به تكليف واحد شخصي موسع إلى ظنّ الموت ، كما أشرنا سابقا.

وأما الطهور للصلاة فبعد دخول الوقت يجب بالنص وإن لم يقصد به فعل الصلاة ، عند القائل بعدم وجوبه لنفسه على ما هو المعروف منه ، بأن يقول : بعد دخول الوقت يجب الشرط والمشروط معا وجوبا موسعا ، ولا يسقط وجوب الشرط عند عدم قصد إيقاع المشروط به ، فإذا تحقق المشروط بهذا الطهور فقد تحقق الشرط الواجب ، وإن تحقق بغيره فهو أيضا متصف بالوجوب.

ولا مانع من تحقق واجبات للغير يجوز تركها ، لأنّ الواجب للغير لا يكون عقاب على ترك نفسه ، بل العقاب على ترك ذلك الغير الذي هو مشروطه ، على قياس أجزاء الواجب ، فإنّ الجزء واجب لغيره وهو الكل والمجموع ، وليس على تركه عقاب ، بل العقاب على ترك الكل.

مثلا : لا نزاع في وجوب الركوع للصلاة ، ومعنى وجوبه أنه لو تركه لم تتحقق الصلاة ، فيعاقب بترك الصلاة لا بتركه ، وإلاّ لزم أن يعاقب تارك الصلاة بعقابات لا تحصى ، كل عقاب يكون على حدة ، مثل أن يعاقب بترك النية عقابا ، وبترك الألف في تكبيرة الإحرام عقابا آخر ، وبترك اللام الأول فيها عقابا آخر ، وبترك اللام الثاني عقابا آخر ، وهكذا إلى آخر الصلاة ، حتى أنه بإزاء كل جزء لا يتجزّأ من أجزاء حركاتها وسكناتها يكون عقاب على حدة ، وهكذا الحال بالنسبة إلى شروطها وترتيباتها وصفات الأجزاء.

وبالجملة : لا تأمّل عندهم في أن الواجب للغير لا يكون عقاب على‌

٣١

ترك نفسه ، بل يكون على ترك ذلك الغير ، فتأمّل.

قوله : بجهالة المكتوب إليه. ( ١ : ٢٠ ).

مثل علي بن مهزيار الوكيل الذي هو في غاية مرتبة من الوثاقة والجلالة لا يكاتب غير المعصوم عليه‌السلام ، ولعل طعنه بعنوان الجدل ، إذ يصرح كثيرا بعدم ضرر الإضمار في أمثال هذه الأخبار.

قوله : بمخالفتها. ( ١ : ٢٠ ).

من عمل بها بناؤه على أنّ الخلل في جزء حديث لا يخرجه عن الحجية بالنسبة إلى الجزء الذي لا خلل فيه ، كما هو طريقة جماعة.

على أنّ أكثر الأخبار المعمول بها يحتاج إلى توجيه البتة ، مثل التخصيص وغيره ، وإرادة خلاف الحقيقة أو الظاهر من غير قرينة خلل ، وظهورها من دليل آخر لا يرفع الخلل عن نفس هذا الحديث. نعم مراتب التوجيه متفاوتة قربا وبعدا. ومن أسباب الخلل وهم أحد الرواة أو النساخ أو غير ذلك ، مما أشرنا إليه في رسالتنا في الاجتهاد والأخبار وغيرها.

فعلى هذا ربما يكون زيادة « ولا » وهما ، أو يكون « ولاء » أي متتابعا ، كما قرئ. ويقربه ما في مكاتبة الصفار من أنه يقضي عشرة أيام ولاء (١) ، والتقييد به رد على من زعم أنّ قضاء الصوم يفرق فرقا بينه وبين الأداء ، أو يجمع ستا ويفرق الباقي ، أو غيرهما مما يظهر من الأخبار (٢).

والحديث مكاتبة ، فلعله كتب تحت قوله : « صومها » « تقضي صومها ولاء » وقوله : « صلاتها » « تقضي صلاتها ».

__________________

(١) الكافي ٤ : ١٢٤ / ٥ ، الفقيه ٢ : ٩٨ / ٤٤١ ، الوسائل ١٠ : ٣٤٠ أبواب أحكام شهر رمضان ب ٢٦ ح ١.

(٢) انظر الوسائل ١٠ : ٣٤٠ أبواب أحكام شهر رمضان ب ٢٦.

٣٢

وأما المحقّق والشارح ومن وافقهما عندهم أنّ أمثال هذه الخلل ترفع الوثوق عن الحديث بالمرة ، فالمذاق مختلف.

قوله : بأنّ فيه جمعا. ( ١ : ٢١ ).

أورد عليه بأنّه اعتراف منه باقتضاء صحيحة أبي حمزة العموم ، فلا يبقى حينئذ تمكن شرعي لاستعمال الماء ، فالشرط متحقّق (١).

وفيه : أن مراده من الجمع الجمع بالإطلاق والتقييد ، لأن المطلق في نفسه ـ من دون ملاحظة أمر خارج ـ يقتضي العموم ، وبعد ملاحظة ما دل على اشتراط عدم التمكن من المائية يترجح في الظن تقييده. بل وانّ الملاحظة المذكورة ترجح كون الإطلاق مبنيا على الغالب.

ألا ترى أنه لما ورد أن التيمم للصلاة في صورة عدم التمكن ، فمتى لاحظنا موضعا أمروا فيه بالتيمم مطلقا للصلاة يترجح في فهمنا أنه مبني على عدم التمكن ، إذ من هذا الأمر يفهم كون التيمم في هذا الموضع صحيحا ، ومن الأول كبرى كلية ، والشكل بديهي الإنتاج. وليس كل موضع أمروا فيه بالتيمم قيدوه بعدم التمكن من المائية ، بل جل المواضع غير مقيد ، مع أنه لا تأمل في التقييد ، فتأمّل جدا.

قوله : فإنّا لم نقف. ( ١ : ٢١ ).

مراد جده ـ رحمه‌الله ـ من عدم الماء عدم التمكن من استعمال الماء.

ولعل كون الأصل في التيمم أنه طهارة اضطرارية يظهر من التأمل في الأدلة.

ومقتضى كلام الشارح جوازه مع التمكن من الماء في الطواف والمس وغيرهما ، وأنه مخير بينه وبين الماء فيهما ، وأنه عند عدم التمكن من التيمم والتمكن من الماء يخرج بغير غسل أيضا ، ولا يخلو جميع ذلك من غرابة ،

__________________

(١) ذخيرة المعاد : ١١.

٣٣

سيما الأخير ، بعد اعترافه بعموم تحريم الكون.

والقول بأن الغسل مشروط بعدم التمكن من التيمم غريب أيضا ، بل أشد غرابة.

قوله : وأيضا فقد ثبت. ( ١ : ٢١ ).

لم نجد ما ذكره أصلا ، بل الموجود تحريم الدخول والكون اختيارا.وادعاء الإطلاق هنا ومنع الاشتراط السابق لا يخلو من تعجب بالنظر إلى الأدلة.

سلمنا الإطلاق ، لكنه منصرف إلى الافراد الشائعة ، على ما سيصرح به مرارا ، سيما والنادر يشبه أن يكون مجرد فرض.

على أن مقتضى عموم تحريم الكون لزوم رفع الجنابة البتة ، لا استباحة المرور جنبا ، وكون الثاني هو المقتضى دون الأول خلاف ما عليه الأصحاب ، وليس عليه دليل ، كما سيجي‌ء.

مع أن إيجاب التيمم لرفع الحدث لعله يقتضي إيجاب الغسل لذلك بطريق أولى ، لأن المكث بقدر فعل التيمم لا بدّ منه ، فلو لم يزد مكث الغسل ولا يلزم مانع آخر أيضا فالغسل أرفع للحدث ، فلو زاد قدر التيمم عليه فالحال أظهر ، فتأمّل.

قوله : بالنص. ( ١ : ٢١ ).

كونه نصا بالقياس إلى الفروض النادرة التي لا ينساق الذهن إليها ـ سيما مثل هذا الفرض ـ فيه ما فيه.

قوله : وكما جاز. ( ١ : ٢١ ).

مجرد الاحتمال يضر العموم ، لعدم ما يدل عليه بالوضع حتى يقال : الأصل أن يكون مستعملا فيه حتى يثبت خلافه ، فمجرد الاحتمال غير كاف.

٣٤

مع أنه يتأمّل في هذا أيضا ، بناء على أن المدار في الألفاظ التبادر والظهور ، لا هذا ، فإذا كان حال الوضع كذلك فما ظنك بما ليس موضوعا للعموم ، والأصل فيه عدمه ، وصرفه إليه لعله يتوقف على سد باب هذه الاحتمالات.

مع أن هذا الاحتمال لعله أرجح ، لمكان بداهة التعذر غالبا المستلزم لعدم التكليف كذلك ، وعند التعذر الرجوع إلى التيمم ظاهر أيضا ، لعموم المنع من الكون جنبا ، وعموم بدلية التيمم.

مع أنّ الاحتمال الآخر أيضا يرجع إلى التعذر ، لأنه سبب للتعذر ، وهو سبب للتيمم ، فما هو بلا واسطة أقرب. مع أنه خلاف الأصل والظاهر ، لعدم الثبوت شرعا ، فظهر ما في قوله : وقد أطلق.

مع أنّ شمول إطلاقهم لما نحن فيه أيضا محل تأمّل.

قوله : مورد الخبر. ( ١ : ٢١ ).

عموم تحريم الكون يقتضي رفع الحدث مطلقا ، إما بالغسل ثم التيمم ، أو التيمم على ما ذكره ، ويعضد الإطلاق أنّ من قال بوجوب التيمم قال مطلقا ، ومن أنكر فكذلك.

وربما يرجح كون التيمم ليس لخصوصية الاحتلام بملاحظة العمومات المانعة من الدخول ، وخصوص هذا النص مع فتوى الفقهاء ، وما يشعر به في النص من قوله : « فأصابته جنابة » بعد قوله : « فاحتلم » ثم التفريع بقوله : « فليتيمم » وإلحاق الحائض في المرفوعة ، مع ظهور اتحاد الروايتين ، وأنه في كثير من أمثال المقام يتعدون من باب تنقيح المناط ، حتى الشارح أيضا ، فتأمّل.

قوله : قيل الحائض. ( ١ : ٢٢ ).

المراد أنها في الحيض ، أما بعد انقطاع الدم فحكمها حكم الجنب‌

٣٥

بغير احتلام. وقوله : لا سبيل. ، تأييد لضعف الاحتجاج.

قوله : نعم إن لم يكن. ( ١ : ٢٢ ).

فيه : أن الترابية متعينة عندك ، فكيف يتأتّى التمكن من المائية حال التيمم؟! فإن قلت : مقتضى العمومات صحة الغسل حينئذ أيضا ، نعم هو مكلف بالتيمم للخروج ، والأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضده.

قلت : إنما يتمشى ذلك إذا كان المفسدة في ترك المأمور به خاصة دون فعل الضد ، بل لا بدّ أن تكون فيه مصلحة ، كالغسل عند اشتغال الذمة بالدين مثلا.

وكون ما نحن فيه من هذا القبيل محل تأمل ، إذ لعل المصلحة في فعل الضد ، إذ كون الجنب في المسجد حرام مطلقا ، والغسل لو لم يكن فيه مفسدة ومانع شرعا لرفع الجنابة ، ولو لم يرفع لم يكن متمكنا من استعماله ، لأن التمكن فرع صحته ، ولو كان صحيحا لما عين الشارع عليه التيمم لحصول الإباحة للخروج بالغسل أيضا.

مع أنه رافع للحدث جزما مطلقا ، بخلاف التيمم ، فإن إباحته لخصوص المرور الفوري ، وعلى تقدير الرفع فيرفع في الجملة وفي حال الاضطرار ، فلا جرم يكون في الغسل مفسدة.

على أنا نمنع أن يكون التمكن على تقدير فعل الحرام منشأ لفساد هذا التيمم الصحيح للصلاة ، فتأمّل.

قوله : والاستحباب فيه أولى. ( ١ : ٢٣ ).

لا يخلو من إشكال ، لاستلزامه زيادة الكون غالبا. إلاّ أن يريد الفرد النادر.

قوله : لانتفاء الدليل. ( ١ : ٢٣ ).

٣٦

يمكن أن يقال : إضافة المنزلة إلى الماء في الحديث الآتي تفيد‌ العموم. إلا أن يقال : المعهود حكاية الطهورية ، لكن لا بدّ من تأمّل. ولو ثبت لوجب لمثل مس الميت مما ليس طهورا ، كما مال إليه الشارح في المس ، فتأمّل.

قوله : مطلق الطهارة. ( ١ : ٢٤ ).

إن أراد الأعم من الترابية ففيه ما فيه ، وإن أراد الطبيعة اللابشرط ففيه : أنا لم نقف على ما ذكرت ، فإن الصلاة تتوقف على الوضوء في صورة ، وعلى الغسل في صورة أخرى ، وعلى كليهما في صورة أخرى على المشهور ، والمراد من قوله : « لا صلاة إلاّ بطهور » ليس توقفها عليه من دون خصوصية.

وقوله : وما ثبت. ، فيه : أن النوع الخاص طهارة أيضا ، لتوقف صحة الصوم عليه ، كما صرح به ، بل صرح بأنه طهارة حيث جعله نوعا منها ، والخصوصية لا تخرجه عن كونه فردا للطهارة ، وهو ـ رحمه‌الله ـ يوجب التيمم للخروج من المسجدين ، كما ورد النص به ، بل ويوجبه لدخول المساجد عموما ، كما سيجي‌ء في مبحث التيمم (١) ، بل ولعموم ما يستبيحه المائيّة لذلك.

قوله : أن ينذر الطهارة. ( ١ : ٢٤ ).

النذر إنما يتعلق بالمراد من اللفظ ، والناذر أعرف به. ولعل مراده أن ينذر معنى لفظ الطهارة على الإطلاق من غير قرينة ، والأصل فيه الحقيقة ، وأن الصيغة شرط في صحته ، وهي تؤثر بالقياس إلى المستفاد من اللفظ إذا كان مقصودا.

فلو كان مما لا يدل عليه لم يصح نذره ـ والمراد هنا الصحيح ـ كما لو‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ٢ : ٢٤٩.

٣٧

نذر وقف حمار ، مريدا به بليدا من العبيد مثلا لم يصح مطلقا ، أو من حيث إنّه لم يأت بقرينة في الصيغة ، لكن على هذا لم يستقم قوله : فإن قصد المعنى الشرعي. ، لأن الناذر من المتشرعة ، ومدلول كلامه ليس إلا المعنى العرفي ، وإطلاقه لا ينصرف إلا إليه.

وإن بنى على أنّه أيّ معنى حقيقي مخصوص يريد من اللفظ يصح وإن لم يأت بقرينة ، بناء على أن الشرط مجرد لفظ ، ففيه ـ بعد تسليم ذلك ـ يتعين مراده ، فلا وجه لما ذكره بقوله : والواجب. ، مع أنه لا نزاع في ثبوت المعنى الشرعي ، فإن اللفظ صار حقيقة فيه على أي حال ، لكن النزاع في كونه حقيقة عند الشارع.

وإذا بنى على أنّه يصح إذا أراد معنى حقيقيا ـ أيّ حقيقي يكون ـ وإن كان لم يأت بقرينة على هذه الإرادة ، ففيه ـ بعد تسليم صحته وتسليم عدم صحة إرادة المعنى المجازي ـ : أنه لا ينحصر الحقيقة في ما ذكره ، وأنّه ربما كان اللفظ حقيقة في معنى باصطلاح ، مجازا فيه باصطلاح ، بل لا شك في أن لفظ الطهارة كذلك.

وأيضا لا يستقيم قوله : فعلى الأولين يتخير. ، إذ على تقدير الاشتراك لا يتعين المنذور ، فيبطل النذر. إلاّ أن يريد ما يطلق عليه اللفظ حقيقة ، فهو حينئذ معنى مجازي ، ومع ذلك يرجع إلى التواطؤ أو التشكيك.

على أن التعيين حينئذ بيد الناذر ، فلا وجه للبناء على محل النزاع ، وكذا قوله : إذ الأصل.

وإن أراد أن الناذر إذا أراد من لفظ الطهارة ما يطلق عليه هذا اللفظ حقيقة في المحاورات ـ أي محاورة كانت ـ يكون كذا وكذا ، لا أن يريد منه معناه في صيغة نذره.

ففيه : أنّه ـ مع ما فيه من الحزازة الظاهرة ـ كيف جعل نذر الطهارة على‌

٣٨

الوجه الكلي منحصرا في هذا الشكل الغريب ، حيث لم يرد من لفظ صيغته معناه الحقيقي في اصطلاحه ، بل يريد أي حقيقة تكون في أي محاورة ، ثم عين خصوص محاورة الشرع أو العرف ، من دون معرفته بثبوت الاصطلاح في الأول ولا بتعينه ، ولا معرفته بالتعين في الثاني ، حتى يبني نذره على الخلافات والترجيح بالأدلة الأصولية مع عدم ترجيح تحقق مع معرفة الرجحان بأي معنى يكون.

قوله : إذ الأصل. ( ١ : ٢٤ ).

فيه. أنّه أمارة ظنية للظن بما في الضمير ، والناذر يعلم ما فيه ، ولا وجه للتمسك بالظني إلاّ على التوجيه الأخير.

على أنّ الناذر من المتشرعة ، واستعمل اللفظ مجردا ، فالأصل أن يكون في معناه الاصطلاحي عنده ، فتأمّل.

قوله : في الماء المطلق. ( ١ : ٢٦ ).

المطلق العرفي أعم من ان يكون ماء بحتا أو ممزوجا بالمضاف ، بحيث لا يخرجه عن الإطلاق.

ولو كان عديم الصفات ، كماء الورد المنقطع الرائحة ، فهل المعتبر أكثرية الماء ، ومع التساوي المنع ، أو الجواز ، أو الإطلاق العرفي ، أو تقدير الصفة والبناء عليه؟ قال بكل قائل.

وإذا لم يكف الماء فهل يجب مزج مضاف لا يخرجه ويحصل الكفاية أم يجوز؟ مقتضى الأدلة الأوّل وقال الشيخ بالثاني (١).

قوله : أو كان ماء بحر. ( ١ : ٢٦ ).

__________________

(١) المبسوط ١ : ٩. وفي « ج » و « د » زيادة : وفيه ما فيه.

٣٩

الظاهر أن الشارح لم يعتن بخلاف نادر (١) من العامة (٢).

قوله : ويدل عليه. ( ١ : ٢٧ ).

الأجود الاستدلال بالأخبار ، لظهور الدلالة فيها.

مثل ما ورد : « إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا » (٣) ، وغير ذلك.

وما ورد أن بني إسرائيل كانوا يقرضون النجاسة ، وأنّ الله جعل الماء طهورا لكم ، قد وسع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض (٤).

وورد : ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا (٥).

وقوله تعالى ( لِيُطَهِّرَكُمْ ) الظاهر منه ـ سيما بملاحظة شأن نزول الآية ـ المطهرية الشرعية ، ويصلح أن يكون قرينة للآية الثانية.

مع أنّها على القول بثبوت الحقيقة الشرعية تدل على الطهارة بالمطابقة ، وعلى القول بالعدم بالالتزام ، لأن إظهار الانعام والامتنان يدل على جواز الانتفاع غالبا ، والنجاسة تقتضي المنع غالبا.

قوله : على وجهين. ( ١ : ٢٧ ).

في القاموس جعل له معنى ثالثا ، وهو الطاهر المطهر (٦). وكثير من‌

__________________

(١) في « ج » و « د » : ما ورد.

(٢) نقله في المغني والشرح الكبير ( ١ : ٣٦ ) وأحكام القرآن لابن العربي ( ٣ : ١٤٢٥ ) عن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو العاص.

(٣) الفقيه ١ : ٦٠ / ٢٢٣ ، التهذيب ١ : ٤٠٤ / ١٢٦٤ ، الوسائل ١ : ١٣٣ أبواب الماء المطلق ب ١ ح ١.

(٤) الفقيه ١ : ٩ / ١٣ ، التهذيب ١ : ٣٥٦ / ١٠٦٤ ، الوسائل ١ : ١٣٣ أبواب الماء المطلق ب ١ ح ٤.

(٥) الكافي ٣ : ١٤ / ١ ، الوسائل ١ : ١٥٠ أبواب الماء المطلق ب ٧ ح ٧.

(٦) القاموس ٢ : ٨٢.

٤٠