الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

المصباح المنير : استنجيت : غسلت موضع النجو ، أو مسحته بحجر أو مدر ، والأول مأخوذ من استنجيت الشجر ، إذا قطعته من أصله ، لأن الغسل يزيل الأثر ، والثاني مأخوذ من استنجيت النخلة ، إذا التقطت رطبها ، لأن المسح لا يقطع النجاسة بل يبقي أثرها (١). انتهى.

وبالجملة : المراد بالأثر الأجزاء اللطيفة العالقة بالمحل التي لا تزول إلا بالماء ، كما قيل (٢). وهو موافق لما نقله الشارح ، كما لا يخفى ، فتدبر.

ووضوح إرادة ذلك أيضا غير خفي ، لأنهم إذا قالوا في المقام : بقي أثره ، أو لم يذهب أثره بالمرة ، يريدون هذا. مع أن صحة المأخذ وظهور الحكم قرينة واضحة على الإرادة ، كما أن ذلك قرينة في سائر كلماتهم في الفقه ، فتأمّل.

ثم إن سلار قال : حد الاستنجاء حصول الصرير في الموضع (٣) ، والظاهر أن مراده أن حصول النقاء في الاستنجاء حده الصرير ، فإن كان نظره إلى الغالب فالأمر كما ذكره ، وإن كان مراده أنه مطلقا حده كذا فمحل نظر ظاهر ، لاختلاف المياه والفصول وحال الموضع في حصول الصرير ، فربما يحصل قبل النقاء ، وربما يحصل بعده ، وربما لا يحصل ، فتأمّل.

قوله : إن كان محلها. ( ١ : ١٦٦ ).

وإن لم يعلم شي‌ء من الأمرين كما هو الغالب والمتعارف فالأصل الطهارة وبراءة الذمة ، ولعله لهذا ورد النص والفتوى بالعفو مطلقا ، سيما بعد ما مضى من أنّه لا يجب تحصيل معرفة حصول النجاسة والتجسس عن‌

__________________

(١) المصباح المنير : ٥٩٥.

(٢) انظر المسالك ١ : ٥.

(٣) حكاه عنه في المعتبر ١ : ١٢٩.

٢٢١

استكشافه (١) ، بل ورد في بعض الأخبار المنع عنه (٢) ، فتدبر.

قوله : إشعار بذلك. ( ١ : ١٦٧ ).

يدل على ذلك بعض الاخبار ، مثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « مري نساء المؤمنين أن يستنجين بالماء ، فإنه مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير » (٣).

وفي بعض الأخبار أيضا أن الله تعالى قد أكثر الثناء على الأنصار بسبب استنجائهم بالماء (٤) ، وليس متن الحديث ببالي. وكذا ورد أن الاستنجاء بالماء خلق كريم فأمر به رسول الله عليه وآله ، وأنزل فيه آية ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (٥).

قوله : فإن أريد. ( ١ : ١٦٧ ).

لعله يقول بأن قيد الحيثية مأخوذ في التعاريف ، وهاهنا اجتمع تكليفان متغايران لكل منهما حكم في نفسه ، فمن حيث الاستنجاء العيني يجوز تركه لا إلى بدل ، وإن كان من حيث الوجوب لا يجوز تركه كذلك.

قوله : وصحيحة زرارة. ( ١ : ١٦٩ ).

في الاستدلال بها نظر ، إذ لا دلالة فيها على أنه كيف كان يتمسح ،

__________________

(١) راجع ص ٢١٧.

(٢) انظر الوسائل ٢٤ : ٧٠ أبواب الذبائح ب ٢٩ ح ١ ، ٢٤ : ١٦١ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٢٥ ح ١ ، ٢٤ : ١٧٩ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٣٣ ح ١.

(٣) الكافي ٣ : ١٨ / ١٢ ، الفقيه ١ : ٢١ / ٦٢ ، علل الشرائع : ٢٨٦ / ٢ ، التهذيب ١ : ٤٤ / ١٢٥ ، الاستبصار ١ : ٥١ / ١٤٧ ، الوسائل ١ : ٣١٦ أبواب الاستنجاء ب ٩ ح ٣ وفي المصادر :. أن يستنجين بالماء ويبالغن.

(٤) الوسائل ١ : ٣٥٤ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٤ ، الآية : البقرة : ٢٢٢.

(٥) الوسائل ١ : ٣٥٤ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٤ ، الآية : البقرة : ٢٢٢.

٢٢٢

فضلا عن أن يكون اكتفى بأقل من الثلاثة ، سيما بعد ما ذكر من أن الثلاثة محمولة على أن الغالب لا يحصل النقاء بأقل منها ، بل (١) وما ذكر من الحمل على الاستحباب.

قوله : ويمكن. ( ١ : ١٦٩ ).

هذا الحمل بعيد جدا ، إذ يوجب صرف الحديث إلى الفروض النادرة ، إذ غالبا لا يتحقق النقاء بأقل من ثلاثة حتى يحمل الثلاثة على الاستحباب.

فالأولى الحمل الثاني ، لكن يخدشه أن كيفية المسح متفاوتة في حصول النقاء تفاوتا فاحشا ، بالزيادة والنقصان من جهة الحجر ، وقدر استعماله ، والقوة في وضعه على الموضع ، وغمضه ، وخشونة الحجر وملاسته ، والمبالغة في أخذ النجاسة به والمسامحة فيه ، والاحتياط وعدمه حال إدارته ، ولزوجة النجاسة وعدمها ، وغلظتها وعدمها ، والمسارعة إلى الرفع وعدمها ، ومقدار الممسوح ، سيما على ما اختاره المصنف من إجزاء التوزيع ، وكذا حال كيفية شرح الدبر بحسب العكنة (٢) والخشانة والملاسة.

وربما يؤيد ذلك ما رواه العامة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يستنجي أحدكم دون ثلاثة أحجار » (٣) ، فتأمّل.

إلاّ أن يقال : المراد أنه في تحقق المبالغة بالمسح يكفي ثلاثة أحجار غالبا ، ولا يحتاج إلى أزيد منها ، بأن بالثلاثة يذهب عين القذر ورطوبته ، ويظهر نقاء المحل في الثالث ، أو أن أواسط الأمور المذكورة هو الفرد الشائع‌

__________________

(١) ليس في « ب » و « ج » و « د ».

(٢) العكنة : بالضمّ والسكون : الطيّ في البطن من السمن ، مجمع البحرين ٦ : ٢٨٢.

(٣) سنن النسائي ١ : ٤٤ ، سنن البيهقي ١ : ١٠٣.

٢٢٣

الغالب ، وأنه يحصل النقاء بثلاثة أحجار ، لكن لا بدّ من ملاحظة ما ذكروا والتأمّل فيه.

ويمكن أن يقال : المطهر هو النقاء واقعا ، إلاّ أنه لا يمكن العلم به عادة ، بل غاية ما يحصل الظن بتحققه ، لأنه لا يمكن للمكلف أن يرى مقعده ، نعم يرى الحجر نقيا ليس عليه شي‌ء من أجزاء النجاسة ، ولا يحصل من هذا قطعه بزوال النجاسة بالمرة وحصول النقاء ، إذ لعله يكون بعد متلوثا يابسا ، ولعل الشارع لا يرضى بكل ظن يكون ، بل بالظن الحاصل بعد الأحجار ، كما أنه لا يرضى في كثير من المواضع إلاّ بشهادة عدلين مثلا ، فتأمّل. وحسنة ابن المغيرة سيجي‌ء الجواب عنها وطريق حملها.

قوله : أنّها واردة في صورة. ( ١ : ١٦٩ ).

فيه : أنه لا قائل بالفصل ، وطريقة الشارح دائما التمسك بعدم القول بالفصل في نظائر ما نحن فيه ، فتأمّل.

مع أن ازالة النجاسة حكم شرعي يتوقف على الثبوت ، ولم يثبت فيما دون الثلاثة ، فلو استند في ذلك إلى العموم يلزم جواز ذلك في الحجر أيضا ، وإخراج الحجر من العموم يوجب صرف الحديث إلى الفرد الغير الغالب ، لأن الغالب هو استعمال الحجر ، إذ هو أغلب استعمالا من الثوب.

مع إمكان الجمع بحمل الحسنة على الاستنجاء بالماء. هذا على تقدير معارضة الحسن للصحيح ومقاومته له. ويقرب الجمع المذكور أن الراوي سأل عن حال بقاء الريح مع أنه أقل ما يبقى الريح ، ويصعب الاطلاع عليه ويسهل الإشكال فيه.

بل لعله لا يبقى إشكال بعد حكمه أن حد الاستنجاء أن ينقى ما ثمة ، إذ الظاهر أن المراد نقاء العين ، بل الراوي أيضا فهم كذلك حيث قال : فإنه ينقى ما ثمّة ويبقى الريح ، ومع جميع ذلك سأل عن حال الريح ولم يسأل‌

٢٢٤

عن حال بقاء الأجزاء اللطيفة العالقة التي لا شك في بقائها غالبا ، لو لم نقل : كليا ، ويطلع عليه البتة بالعرق ووصول الماء إليه ، ويصعب الإشكال فيه ، لأنّه من تتمة العين ، فلم يتحقق النقاء من العين والأثر بالمرة وحقيقة.

مع أنّ الاطلاع بالنقاء على سبيل العلم صعب ، بل غاية ما يكون خروج الحجر نقيا ، فكيف يحكم بالنقاء ويستشكل الأمر في بقاء الريح ، ولا يسأل عن أن مجرد خروج الحجر نقيّا يستلزم نقاء الموضع واقعا أم لا ، مع أنّه في مقام السؤال عن حد الاستنجاء؟ فتأمّل.

وأمّا موثقة يونس فالموثق عند الشارح ـ رحمه‌الله ـ ليس بحجة فضلا عن أن يقاوم ويرجح عليه ، مع أنّ دلالة الموثقة ليست بمرتبة دلالة الصحيحة ، فضلا عن أن ترجح عليها ، فتأمّل.

وكيف كان فالأحوط والأولى عدم الاكتفاء بأقل من ثلاثة ، حجرا كان أم غيره ، سيما بعد ملاحظة بقاء الأثر جزما ، فكيف يكتفى لعفوه بدليل مشوب بالشبهة؟! مضافا إلى بقاء النجاسة شرعا إلى أن يثبت خلافه ، ( وأنّ استعمال الحجر ومثله مخالف للأصل ، ورخصة ، فيقتصر على مورد الثبوت. فتأمّل ) (١).

قوله : إلاّ بعد قطعه. ( ١ : ١٦٩ ).

الفرق بين الثوب المتصل والحجر المتصل في الاستبعاد المذكور مستبعد جدا ، مع أنه في المقام بصدد إثبات عدم الحاجة إلى تثليث المسحات مطلقا ، لا أنّه يكفي ذو الجهات ، فتأمّل.

هذا مع أن الحجر مع ما فيه من الصلاة إذا كان لا يكفي للتطهير حتى‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ا ».

٢٢٥

يتحقق ثلاث مسحات فكيف يكفي أقل من ثلاثة في مثل الثوب مع ما فيه من الرخاوة؟! فتأمّل.

ويؤيده ما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأمر بثلاث مسحات (١).

قوله : إذ لا دليل. ( ١ : ١٧٠ ).

لا يخفى أنه على تقدير العمل بروايات الأحجار الثلاثة ، والبناء على الوجوب ، ظاهرها استيعاب المحل بالنحو المتعارف ، والتوزيع المذكور لا شك في أنه من الأفراد النادرة ، بل الأمور المفروضة للفقهاء ، وحمل الأخبار على ذلك فيه ما فيه. نعم على القول بمجرد النقاء يكفي ذلك ، لكن لا فرق حينئذ بين ما إذا كان الحجر ثلاثا أو أزيد أو أنقص.

قوله : قد عرفت. ( ١ : ١٧٠ ).

قد عرفت أن المراد من الأثر ما ذا ، وأنه يكفي حينئذ زوال العين دون الأثر.

قوله : والغالب. ( ١ : ١٧٢ ).

ربما يخدشه ما اختاره الشارح في مبحث التراوح وغيره ، فلاحظ وتأمّل.

قوله : على المشهور. ( ١ : ١٧٢ ).

فيه تنبيه على أن منشأ الإشكال في كفاية ذي الجهات هو هذا ، ولولاه لأمكن دعوى العلم بعدم الفرق بين المتصل والمنفصل ، فيكون هذا قرينة على أن المراد ثلاث مسحات مطابقا لظاهر الحديث النبوي ويصير موافقا لما شبه به من عشرة أسواط ، لكن هذا حق لو قيل بأن وجوب الإكمال لأجل‌

__________________

(١) عوالي اللآلي ٢ : ١٨٥ / ٥٩ ، مجمع الزوائد ١ : ٢١١.

٢٢٦

حصول الطهارة في الواقع ، أما لو قيل بأنه لأجل حصول الظن المعتبر شرعا فلا يمكن التوجيه ، وكيف كان ، الأحوط عدم الاكتفاء.

ونظير ذي الجهات ما لو استعمل حجرا ثم كسر ما نجس منه أو حكّه. أما لو استجمر ثم كسر ثم استجمر ثم كسر ثم استجمر بحيث خرج الحجر عن اسم الواحد ودخل في الثلاث فالظاهر الاكتفاء ، مع احتمال احتياط فيه أيضا.

قوله : تمسكا بالعموم. ( ١ : ١٧٢ ).

فيه ما مر ، فتذكر.

قوله : بل الأظهر. ( ١ : ١٧٢ ).

إذا تحقق عدد الثلاثة على الرأي المشهور ، ومطلقا على الرأي الآخر.

قوله : إذا كان طاهرا. ( ١ : ١٧٢ ).

واشترط العلامة في كتبه جفاف الحجر وإدارته كي لا تتعدى النجاسة من موضع إلى موضع ، وعدم وضع الحجر على النجاسة ، بل يوضع في محل طاهر قريبا من النجس ، ثم ذكر كيفية الإدارة وجعلها أحسن وأحوط (١).

ولم نجد شيئا من ذلك في شي‌ء من النصوص ، بل هي ـ على ما ترى ـ مطلقة ، وشي‌ء من هذه القيود ليس مما يتيسر للعالم أن يتفطن له ، فضلا عن العوام ، فضلا عن الأعراب وأهل البوادي ، وفضلا عن النساء وغيرهم ممن كلف بالمسح بالأحجار.

نعم ، إذا كان البلل كثيرا يمكن الاستشكال في المطهرية ، لعدم كونه من الأفراد الشائعة ، ولانفعال القليل بالملاقاة ، ولعدم الاطمئنان بإزالة النجاسة ، بل ربما يوجب زيادة التلويث والانتشار ، والله يعلم.

__________________

(١) انظر نهاية الإحكام ١ : ٨٨ ، ٩٢ ، والتذكرة ١ : ١٣٠.

٢٢٧

قوله : ويدل عليه. ( ١ : ١٧٢ ).

في الدلالة تأمّل ، سيما على رأي القائل بكفاية مجرد النقاء ، مثل الشارح ـ رحمه‌الله ـ وخصوصا على القول بجواز المستعمل الطاهر. إلاّ أن يدعى تبادر الطاهر من لفظ البكر ، فتأمّل.

قوله : بملاقاة الحجر. ( ١ : ١٧٢ ).

لعل مستنده الإجماع ويمكن أن يقال أيضا : إنّ التطهير حكم شرعي يتوقف على الثبوت ، ولا يثبت من الإطلاقات جواز النجس أيضا ، لعدم انصراف الذهن إليه ، فتأمّل.

وعلى تقدير الاستعمال ففي حكم المحل احتمالات :

أحدها : تحتم الماء ، والثاني بقاء المحل على حاله ، والثالث إذا كان النجاسة بغير الغائط تعين الماء ، وإلاّ فلا ، قال بكل قائل (١).

ووجّه الأول بأن الاستجمار رخصة فلا يتعدى عن مورد النص. ووجه الثاني أن (٢) النجس لا يتأثر بالنجاسة. ووجه الثالث ظاهر.

لكن الإشكال في ما وجه به الأول ، لأن القائل بعدم تحتم الماء يقول بالدخول تحت مورد النص ، ولعل المراد أنه ليس من الأفراد الشائعة ، ويجب قصر النص عليها.

ومما ذكر ظهر حال عروض النجاسة للمحل مطلقا بحيث لا يتعداه ، وإن كان دم القروح والبواسير. إلاّ أن يدعى الدخول تحت الأفراد الشائعة بالنسبة إلى البواسير ، لكن لا بدّ من تأمّل ، فتأمّل.

__________________

(١) قال بالأول الشهيد في الذكرى : ٢١ ، واحتمل الثاني العلامة في النهاية ١ : ٨٨ ، وقال بالثالث في القواعد ١ : ٤.

(٢) في « ا » : بأن.

٢٢٨

قوله : ولا الروث. ( ١ : ١٧٢ ).

الظاهر من العبارة أنه يكفي ويجوز كل شي‌ء يزيل النجاسة سوى ما استثني ، وهو رأي الشيخ ومن تبعه ، وادعى في الخلاف الإجماع عليه (١) ، وكذا ابن زهرة (٢) ، والمحكي عن سلار أنه لا يجزئ إلاّ ما كان أصله الأرض (٣).

وعن ابن الجنيد : إن لم يحضر الأحجار يمسح بالكرسف وما قام مقامه ، ثم قال : ولا اختار الاستطابة بالآجرّ والخزف إلاّ إذا لابسه طين أو تراب يابس (٤). ولعل نظره إلى قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا » (٥).

وعن المرتضى ـ رحمه‌الله ـ أنه جوز بالأحجار وما قام مقامها من المدر والخزف (٦). ولعل نظره إلى أن الوارد في الأخبار هو هذه الثلاثة.

ومستند المشهور بعد الإجماع المنقول من الفقيهين موثقة يونس بن يعقوب ، ورواية ليث المرادي ، لأنه قال عليه‌السلام : « وأما العظم والروث فطعام الجن » ، إذ لو كان منحصرا في الشرع في الحجر والكرسف والمدر لما أجاب بما أجاب.

قوله : بما يحصل النقاء. ( ١ : ١٧٣ ).

__________________

(١) الخلاف ١ : ١٠٦.

(٢) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٤٩.

(٣) المراسم : ٣٢.

(٤) انظر الذكرى : ٢١ ، والذخيرة : ١٨.

(٥) عوالي اللآلي ٢ : ١٣ / ٢٦ و ٢٠٨ / ١٣٠ ، المعتبر ٢ : ١١٦ ، الوسائل ٥ : ١١٨ أبواب مكان المصلي ب ١ ح ٥ ، المستدرك ٢ : ٥٣٠ أبواب التيمّم ب ٥ ح ٨.

(٦) حكاه عنه في المعتبر ١ : ١٣١ ، وفيه وفي « ا » : « الخرق » بدل « الخزف ».

٢٢٩

هذه العبارة تشعر بأن مراده حسنة ابن المغيرة ، وفي دلالتها نظر ، لمكان كلمة « حتّى » فتدبر.

نعم ، ظاهر موثقة يونس ذلك حيث اكتفى فيها بإذهاب الغائط مطلقا ، إن لم يناقش بأنها محمولة على الأفراد الشائعة ، لكن ظاهر رواية ليث المرادي حصول الطهارة ، لأنه علل فيها بكونهما طعام الجن ، وأنه لذاك لا يصلح ، فلو كانا غير مطهرين شرعا لكان التعليل بعدم التطهير أولى.

وبالجملة : لما لم يظهر عدم التطهير وعلل بما علل يظهر في النظر ما ذكرناه ، فتأمّل.

إلاّ أن ابن زهرة ادعى الإجماع على عدم إجزاء العظم والروث والمطعوم ، فلعل الأحوط عدم الاكتفاء.

وأما الصيقل فلو اتفق حصول النقاء به يطهر ، لأن المانع لم يكن إلا عدم الإذهاب والإنقاء ، وهو العلة في المنع ، فتأمّل.

قوله : قال في المعتبر. ( ١ : ١٧٤ ).

علل في المعتبر تقديم اليمنى في دخول المسجد واليسرى في الخروج بأن اليمنى أشرف فيدخل بها إلى المواضع الشريفة ، وبعكسه اليسرى ، وربما علل بعض ما نحن فيه بكونه عكس المسجد.

قوله : والأصح اختصاصه. ( ١ : ١٧٥ ).

وأثبته جماعة للأنثى (١) ، فتستبرء عرضا ، ونفاه العلامة للأصل (٢) ، فلا‌

__________________

(١) أثبت ابن الجنيد التنحنح للأنثى ، على ما حكاه عنه في الذكرى : ٢٠ ، ونسب في كشف اللثام ١ : ٢٢ تعميم الاستبراء لها إلى العلامة في المنتهى ١ : ٤٢ ، ونهاية الإحكام ١ : ٨١.

(٢) انظر القواعد ١ : ٤ ، والتحرير ١ : ٧.

٢٣٠

حكم للخارج المشتبه منها ، للأصل ، وتأمل في ذلك بعض المحققين (١) ، ولعل تأمّله ليس في موضعه ، لأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يحصل العلم ، فمع الاشتباه لا يحصل البتة ، وقياسها على الرجل لعله قياس مع الفارق. مع أنّ الأمر عام البلوى ، فالسكوت عنه بالمرة يؤيد ذلك ويشير إليه ، فتأمّل.

قوله : واتباع الأصحاب. ( ١ : ١٧٥ ).

هذا يخالف طريقته ، إلاّ أن [ يكون ] (٢) مراده متابعتهم بحسب الفعل والعمل لا الفتوى ، ويكون مراده من الحسن الحسن العقلي لا الشرعي ويبنى على انفكاك العقلي عن الشرعي في أمثال المقام. ولا يخفى التكلف. فالأظهر المسامحة في أدلة السنن ، كما هو المشهور ، وقد سبق في أول الكتاب الكلام في ذلك (٣) ، فراجع.

قوله : لأن المرفوعة. ( ١ : ١٧٦ ).

فيه تنبيه على أن الكراهة إذا كان الموضع مملوكا أو مباحا لا ملكا لغيره ، فإنه لا يجوز بغير إذنه ، ومع الإذن يكون مكروها أيضا ، وهذا بالنسبة إلى جميع المواضع المكروهة.

لكن لا يخفى أن الأخبار التي استدلوا بها على الكراهة ظاهرها الحرمة ، للفظ النهي ، والجملة الخبرية ، ولفظ الأمر. ولعل حملهم على الكراهة للإجماع. لكن الصدوق قال : لا يجوز التغوط في في‌ء النزال ، وتحت الأشجار المثمرة (٤) ، ويؤيد الحرمة أن ذلك أذية للمؤمنين ، فتأمّل.

__________________

(١) الذخيرة : ٢١.

(٢) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٣) راجع ص ٢٠.

(٤) الهداية : ١٥.

٢٣١

إلاّ أن يقال : ليس بأذية بالفعل والنية ، بل ربما يكون أذية ، وأنه لهذا حمل الأصحاب على الكراهة ( لكن لا بدّ من تأمّل ) (١).

قوله : مواضع اللعن. ( ١ : ١٧٦ ).

لعل المراد لعن أصحاب الدور ، لا لعن الملائكة أو الله تعالى أيضا ، لأنه دليل على الحرمة البتة ، فتأمّل.

قوله : بل من شأنها ذلك. ( ١ : ١٧٦ ).

لا يخفى أنه ما علل بذلك فقط ، بل قال : لإطلاق الخبر ، ولأن المشتق. ، ولا يتمسك بالإطلاق إلاّ بالنسبة إلى الافراد الحقيقة ، والمشتق في ما سيأتي مجاز اتفاقا.

وأشار بإطلاق الخبر إلى ما ورد في بعض الأخبار من النهي عن تحت الأشجار المثمرة (٢) ، وهذا عند الشيعة والمعتزلة شامل لما أثمرت في الماضي ، وما يكون الثمر فيها بالفعل فقط ، على ما صرحوا في علم الأصول حين ضربوا المثل بهذا الخبر ، بل التعليل بذلك أيضا شاهد ، لقوله : بقاء أصله ، لأن البقاء لا يتحقق ما لم يتحقق المبدء. ولأن التعليل ورد لصدقه على الماضي خاصة ، كما في علم الأصول ، ولا شك في أنّ ما ذكره في المقام إشارة إلى ما ذكروه في الأصول.

وما ذكره من أن مقتضى هذه. ، فيه : أنّ مفهوم الوصف ليس بحجة عند المشهور ، وعلى تقدير الحجية فمعارضتها للمنطوق محل إشكال. إلاّ أن يقال : يكون مثل هذا المفهوم أقوى من مثل ذلك المنطوق ، فتأمّل.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ه‍ ».

(٢) الفقيه ٤ : ٢ / ١ ، أمالي الصدوق : ٣٤٤ / ١ ، الوسائل ١ : ٣٢٧ أبواب أحكام الخلوة ب ١٥ ح ١٠.

٢٣٢

وبالجملة : عموم الكراهة محتمل ، بل ومتعين على طريقة الشارح وغيره من المتأخرين من أن الخبر غير الصحيح لا يعارض الصحيح ، وسيما على طريقة الشارح من عدم التسامح في أدلة السنن والكراهة ، إذ خبر عاصم بن حميد صحيح ، ومضمونه المنع من تحت الأشجار المثمرة ، فتأمّل.

قوله : ويشهد أيضا ما رواه الصدوق. ( ١ : ١٧٧ ).

هذا بعد ما قال : إنّه لا يجوز التغوط في في‌ء النزال وتحت الأشجار المثمرة ، ولعل مراده من عدم الجواز ما يشمل الكراهة ، فتأمّل.

قوله : ويمكن أن يراد. ( ١ : ١٧٧ ).

بأن يكون ذكر أبواب الدور على سبيل المثال ، وربما وقع نظير ذلك في الأخبار.

قوله : واستقبال الشمس. ( ١ : ١٧٨ ).

المفيد في المقنعة قال : لا يجوز استقبال قرصيهما في بول ولا غائط (١).

قوله : بالنسبة إلى الحدثين وإلى. ( ١ : ١٧٩ ).

موافقا لما صرح به غيره (٢) ، وفي الفقيه : وسئل الحسن عليه‌السلام : ما حد الغائط؟ فقال : « لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها » ، وفي خبر آخر قال : « ولا تستقبل الهلال ولا تستدبره » (٣).

ويؤيده المساواة في عدم الاحترام لو فعل ، والاحترام لو لم يفعل ،

__________________

(١) المقنعة : ٤٢.

(٢) كالشهيد الثاني في الروضة ١ : ٨٥.

(٣) الفقيه ١ : ١٨ / ٤٧ ، ٤٨ ، الوسائل ١ : ٣٠١ أبواب أحكام الخلوة ب ٢ ح ٢.

٢٣٣

( ولذا احتمل الشهيدان كراهة استدبارها أيضا (١) ، إلاّ أن يقال : الاستدبار في البول لا ينافي الاحترام ) (٢) ، ولذا لم يرد في خبر ، فليتأمّل ، لأن المراد بالغائط في خبر الحسن بن علي أعم من البول والغائط ، على حسب ما يقول به الشارح وفهمه الأصحاب ، حيث حكموا بكراهة البول مستقبل الريح ، والظاهر أن مستندهم هو هذا الخبر ، ولأن (٣) المنع عن استقبال الريح يناسب البول غالبا ، فتدبر.

قوله : تعمد إلى مكان مرتفع. ( ١ : ١٧٩ ).

لعل ارتفاعه قليل حتى لا ينافي ما ورد من النهي عن تطميح البول.

قوله : ولأنه لا يؤمن. ( ١ : ١٧٩ ).

هذه العلة تقتضي المنع عن التغوط أيضا.

قوله : فقد حكي. ( ١ : ١٧٩ ).

تفريعه (٤) على ما تقدم لا يخلو من تأمّل ، فلعل المراد ما يشمل الجن الذي يظهر في صورة حيوان ، ولذا قيل : إنها مساكن الجن (٥) ، فتأمّل.

قوله : أن سعد بن عبادة. ( ١ : ١٧٩ ).

هذا من الشارح عجيب ، حيث اعتقد بهذه الحكاية ، حتى أنه ذكرها في المقام ، ولا شك في كذب الحكاية ، وأنها مجعولة ممن قتل سعدا بتحريك بعض حتى يهدر دمه ولا يتحقق فتنة ، حتى ابن ابي الحديد أيضا صرح بأن قاتله لم يكن من الجن ، بل كان من الإنس ، وأنّ الحكاية لا أصل‌

__________________

(١) الذكرى : ٢٠ ، روض الجنان : ٢٦.

(٢) ما بين القوسين لا يوجد في « ا ».

(٣) كما في « أ » ، وفي غيره : لأن.

(٤) الموجود في النسخ : في تفريعه.

(٥) قاله من العامة ابن قدامة في المغني ١ : ١٨٨.

٢٣٤

لها (١).

وبالجملة : ما ذكرناه محقق في موضعه ، فليلاحظ.

قوله : لورود النهي عنه. ( ١ : ١٨٠ ).

وعن ظاهر علي بن بابويه عدم الكراهة في غير الراكد (٢) ، وورد في كثير من الاخبار عدم البأس مع البأس في الراكد (٣) ، لكن ورد في الجاري أيضا النهي عن البول فيه إلاّ لضرورة ، معللا بأن للماء أهلا.

قوله : بأن للماء أهلا. ( ١ : ١٨٠ ).

ربما يقتضي هذا التعليل النهي عن التغوط أيضا ، كما قال به بعض الأصحاب ، واستدل بأن النهي عن البول يقتضي النهي عن الغائط بطريق أولى (٤) ، وفيه تأمّل. وربما يتوهم عدم الكراهة إذا بال الإنسان في ظرف ثم يصب في الماء ، وفيه إشكال ، فتدبر.

فرع : في بعض الروايات ورد المنع عن البول قائما ، وفي بعض آخر المنع من تطميح البول من السطح ، أو من الشي‌ء المرتفع (٥) ، وفي بعض آخر التغوط في أفنية المساجد ، بل وربما يعم البول أيضا (٦) ، وبعض الأصحاب كره أفنية الدور (٧).

__________________

(١) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢ : ٥٤٠ ، الجزء ١٠.

(٢) حكاه عنه في الذكرى : ٢٠.

(٣) الوسائل ١ : ١٤٣ أبواب الماء المطلق ب ٥ ح.

(٤) الذكرى : ٢٠.

(٥) الوسائل ١ : ٣٥١ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٣.

(٦) الكافي ٣ : ١٦ / ٥ ، الوسائل ١ : ٣٢٤ أبواب أحكام الخلوة ب ١٥ ح ٢.

(٧) المفيد في المقنعة : ٤١.

٢٣٥

قوله : لآكلها إذا خرجت. ( ١ : ١٨٠ ).

ربما يظهر منه الكراهة في بيت الخلاء مطلقا ، فتأمّل.

قوله : السواك على الخلاء. ( ١ : ١٨١ ).

ربما يظهر منه حال الجلوس على الخلاء ، فتأمّل.

قوله : ولا يدخل المخرج. ( ١ : ١٨١ ).

قال الصدوق ـ رحمه‌الله ـ : ولا يجوز أن يدخل الخلاء ومعه خاتم عليه اسم الله أو مصحف فيه القرآن (١).

قوله : وهو حسن. ( ١ : ١٨١ ).

لكن في بعض الأخبار كراهة الدخول وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى ، وعدم الكراهة إذا كان اسم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) ، فتدبر.

واعلم أنه يكره طول الجلوس في الخلاء ، وورد أنه يورث الباسور (٣).

قوله : الأول النية. ( ١ : ١٨٤ ).

ادعى الشيخ في الخلاف الإجماع ، وكذا العلامة في التذكرة ، وابن زهرة في الغنية (٤).

قوله : ولم أعرف لقدمائنا. ( ١ : ١٨٤ ).

قاعدتهم أنّهم يذكرون لزوم النية ووجوب كون العمل لله تعالى خالصا‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٠.

(٢) التهذيب ١ : ٣٢ / ٨٤ ، الاستبصار ١ : ٤٨ / ١٣٥ ، الوسائل ١ : ٣٣٢ أبواب أحكام الخلوة ب ١٧ ح ٦.

(٣) الوسائل ١ : ٣٣٦ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٠.

(٤) الخلاف ١ : ٧١ ، التذكرة ١ : ١٣٩ ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٢.

٢٣٦

في موضع واحد على سبيل القاعدة الكلية ، وبالنسبة إلى جميع الأعمال ، لا إلى كل عمل عمل.

قوله (١) : إنّما الأعمال بالنيات. ( ١ : ١٨٤ ).

فإن قيل : كما يمكن حمل النفي على نفي الصحة لأنه أقرب إلى الحقيقة ، كذا يمكن الحمل على نفي الكمال ، والأول وإن كان أقرب المجازات إلاّ أنّه يوجب التخصيص في الأعمال ، وبقاء العام على العموم الذي هو حقيقته أولى من ارتكاب أقرب المجازات.

قلت : ( قوله عليه‌السلام في تلك الرواية : ولا عمل إلاّ بإصابة السنة يمنع من الحمل على نفي الكمال ، وأيضا ) (٢) لما كان الكلام من الشارع عرفنا أن مراده نفي الحكم الشرعي والأمر الشرعي ، فالظاهر منه نفي حقيقة ذلك الحكم والأمر ، أي الأمر الذي هو منصب الشرع ووظيفته ، وهذا في النظر مرجح للتخصيص في الأعمال ، لأنه قرينة مخصصة ، سيما مع شيوع التخصيص إلى أن قيل : ما من عام إلاّ وقد خص.

مضافا إلى أن التخصيص ضروري وقطعي عند آحاد المخاطبين ، سيما المخاطبين بتلك الأخبار ، فكان حاضرا لديهم عند سماعهم الأخبار ، فلا حاجة إلى العناية في تقدير القرينة.

وأيضا هذه العبارة وأمثالها من الشارع شائعة في نفي الحكم الشرعي رأسا ، وهي أيضا من المرجحات ، ولعله لهذا فهم الفقهاء نفي الصحة ، ولم يتفطن أحد إلى هذا الاحتمال ، سيما وأن يجعله مساويا ، وخصوصا أن يجعله أولى. نعم بعض المحققين ممن قارب عصرنا أتى بهذه الشبهة (٣).

__________________

(١) الظاهر أنّ هذه الحاشية متعلقة بقوله : « لا عمل إلاّ بنيّة ».

(٢) ما بين القوسين لا يوجد في « ا ».

(٣) انظر الذخيرة : ٢٣.

٢٣٧

ومما يقرب ما ذكرنا أيضا أن العبادة لا شبهة في احتياجها إلى النية وتوقفها عليها كما ستعرف ، ومعلوم أن العبادات في الشرع في غاية الكثيرة.

وبالجملة : احتمال نفي الكمال مما لا يتفطن به أهل العرف والفقهاء ، ولا يخطر بخاطر إلا بعد الاطلاع بما ذكره ، فتأمّل.

هذا كله على القول بأن لفظ العبادة اسم للأعم من الصحيحة ، أما على القول بأنه اسم لخصوص الصحيحة فلا وجه للإيراد المذكور أصلا ، كما لا يخفى.

قوله : واعلم أن الفرق. ( ١ : ١٨٤ ).

لا يخفى أن الواجب ما يكون على تركه العقاب ، فإن كان عبادة فيكون على فعله الثواب أيضا ، وإلا فلا. والعبادة إما أن تكون بالذات عبادة أو بواسطة النية.

والأول مثل الصلاة والصوم ، والعبادة في اصطلاح الفقهاء عبارة عن هذا القسم ، وربما يعرفونه بالذي لا يصح فعله بغير النية ، وهذا لا تعرف ماهيته إلا من الشرع ، كما لا تعرف شرائطه وأحكامه الشرعية إلا منه ، وكذا لا تعرف المصلحة في إيجابه بصورته المخصوصة وشرائطه المخصوصة.

والقسم الثاني مثل إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق ونظائرهما من الواجبات العينية أو الكفائية ، ومن الواجبات العينية والكفائية في هذا القسم الصناعات والتجارات والزراعات ونظائرها مما يتوقف عليه انتظام العالم ، وربما صارت عينية أيضا ، وربما كان واجبا للغير مثل قطع الطريق للحج ، سواء قلنا بوجوبه شرعا أو عقلا ، ومثل غسل النجاسات من الظروف والثياب وغيرهما للإجماع على عدم الوجوب لنفسه ، بل للصلاة والأكل وغيرهما.

وهذا القسم لا يتوقف صحته على النية ، نعم صيرورته عبادة تتوقف عليها ، إذ لو أخرج الغريق أو أنقذ لا لقصد الامتثال بل لأنه ابنه أو غريمه أو غير‌

٢٣٨

ذلك ، من دون نية إطاعة الله تعالى أصلا ورأسا ، يكون صحيحا مؤديا للواجب خارجا عن العهدة ، ولا يجب عليه أن يغرقه ثانيا لأن ينقذه لله تعالى ، بل هو حرام.

بل لو أنقذ لقصد حرام أو وجه حرام مع التمكن من غيره لكان صحيحا أيضا وإن كان معاقبا من جهة الحرام. وهذا يجتمع فيه الأمر والنهي عند المعتزلة والشيعة أيضا ، لأنّ إيجابه ليس إلاّ للتوصل إلى مصلحة مسببة عنه كقطع المسافة للحج على القول بوجوب مقدمة الواجب ، للاتفاق على عدم وجوب الإعادة لو وقع بوجه منهي عنه.

والفرق أن الأمر تعلق بنفس الإنقاذ ، وفي الحج تعلق بالحج وبمقدمته للتوصل إليه ، وهذا بخلاف القسم الأول فإن إيجابه ليس بمحض التوصل إلى مصلحة مسببة بل لكونه في نفسه مطلوبا محبوبا ، والمصلحة تكون فيه.

وظاهر أنّ الأمر بإزالة النجاسة من القسم الثاني من قبيل قول الشارع : اقطع الطريق حتى تصل إلى الحج ، إذ مع قطع النظر عن الإجماع وعمل المسلمين في الأعصار والأمصار نقول : إذا قال : أزل النجاسة ، نعرف معناها جزما ، لأن الإزالة معناها معلوم لغة وعرفا ، فنحكم بكفاية المعنى العرفي ، فإن شرط شرطا نحكم باعتباره شرعا ، وإن لم يشترط نحكم بعدم اعتباره.

ثم إن الإجماع واقع على عدم وجوبها لنفسها ، بل كونه لغيرها مثل الصلاة ، وبعد ما لاحظنا الصلاة نجد أنّ المعتبر فيها أن لا تكون نجاسة معلومة للمصلي حال الصلاة ، علمنا من ملاحظة المجموع أن إيجاب الإزالة ليس إلاّ للتوصل إلى مصلحة هي انعدام النجاسة المعلومة في الواقع أعمّ من أن يكون ذلك الانعدام من جهة صاحب الثوب المصلي أو غيره ، حتى أنّه لو انعدم بالمطر أو لوقوعه في الكر أو الجاري من غير مباشرة أحد لكفى.

٢٣٩

وأمّا الوضوء والغسل والتيمم فهي عندهم من القسم الأوّل تحتاج إلى النيّة ، لعدم معلومية الماهية إلاّ من الشرع ، وعدم معرفة المصلحة في الإيجاب بالخصوصية المعلومة ، وعدم ظهور كون الإيجاب لمحض التوصل إلى أمر معلوم ، إذ لا نعرف أنّ الحدث ما ذا؟ وأنّ الرفع بأيّ نحو؟ وماهية الرافع ما هي؟ فضلا عن شرائطه. بل ظاهر الأمر أنّه واجب شرعا وإن كان الواجب لغيره ، فالمطلوبية والمصلحة إنما تتحققان فيه نفسه وإن كانتا للغير.

وفرق بين هذا وبين ما لو علم أن وجوبه لمحض التوصل إلى مصلحة خارجة ، وهذا حاله حال مثل الصلاة والصوم ، وإن الفارق بينهما هو الوجوب للنفس والوجوب للغير ، لكن كلا الوجوبين شرعيان ، فتأمّل جدا.

والله تعالى أوجب علينا إطاعته وإطاعة رسوله ، والإطاعة الواجبة هي امتثال الأمر ، والمرجع في هذا اللفظ العرف كسائر الألفاظ ، فما يكون في العرف امتثالا يكون الواجب هو لا غير ، والامتثال العرفي لا يتحقق إلاّ بقصد ما هو مطلوب للآمر وارتكابه لأجل أن الآمر أمر ، لا بشهوة نفسه أو شهوة غير الآمر.

مثلا : لو أمر السيد عبده بإتيان أمر ، وقال آخر للعبد : لو أتيت بمطلوب سيدك لقتلت سيدك ، فأتى العبد ذلك المطلوب لا لأجل أن السيّد طلب بل لأجل أنّ السيّد يقتل لا شك في كونه عاصيا وإن أتى بما هو مطلوب السيّد ، وكذا لو أتى به بشهوة نفسه لا لشهوة سيده. والبيان الوارد في الطهارات مثل البيان الوارد في الصلاة لا يظهر كونه بيانا لتمام ماهيتها وشرائطها ، بل الظاهر خلاف ذلك ، ولا ينفع التمسك بالأصل بعد العلم بوجوب الإطاعة والامتثال.

ومما يدل على كون الطهارة مثل الصلاة في كونها في نفسها عبادة قوله‌

٢٤٠