الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

قوله : في ضمن من لا يعلم. ( ١ : ١٣٦ ).

عد من لا يعلم حالها في جملة غير المأمونة ربما يكون محل تأمل بملاحظة طريقة الشرع ، فتأمّل.

قوله : نحن نطالبهم. ( ١ : ١٣٦ ).

قد مرّ ما يتعلق بالمقام (١).

قوله : فانضحه بالماء. ( ١ : ١٣٧ ).

ربما يظهر منه الكراهة لا أقل ، وأمّا النجاسة فلا ، لمعارضة أخبار أخر دالة على الطهارة.

قوله : والأظهر عدم الكراهة. ( ١ : ١٣٧ ).

هذا مخالف لما اختاره من أن السؤر بقية المشروب ، ومع ذلك ما سيجي‌ء منه في العقرب والوزغ ، مع أن الكراهة من حيث الطب ربما تدل على كراهة سؤر الحية أيضا ، سيما إذا كان المراد من السؤر البقية.

ومستند الشيخ وأتباعه رواية أبي بصير : عن حية دخلت حبّا فيه ماء فخرجت منه ، قال : « إن وجد ماء غيره فليهرقه » (٢) ، ومثل هذا الحديث حجة عندهم سيما مع تسامحهم في أدلة السنن ، فتأمّل.

قوله : بكراهة سؤرها. ( ١ : ١٣٨ ).

أقول : المعنى بذلك والمنصوص هو ما مات فيه أحدهما ، وهو غير السؤر قطعا ، وإن قلنا بأن السؤر ما باشره جسم حيوان ، لأن الموت فيه أمر زائد على ذلك.

__________________

(١) راجع ص ١٩٥.

(٢) الكافي ٣ : ٧٣ / ١٥ ، التهذيب ١ : ٤١٣ / ١٣٠٢ ، الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٣ ، الوسائل ١ : ٢٣٩ أبواب الأسآر ب ٩ ح ٣ ، باختلاف يسير.

٢٠١

ومن ذلك ظهر أنه لا معارضة بين ما ورد من النهي منه وصحيحة على ابن جعفر ، بل ربما يشعر بأن حالة الموت غير حالة الحياة ، حيث قيد مثل علي بن جعفر الفقيه بعدم الموت وأقرّه المعصوم عليه‌السلام ، ولم يقل : لا فرق بين ما قيدته وغيره ، فإنهم ربما يعتبرون مفهوم مثل هذا ، مثل ما رواه علي بن جعفر في العصير الزبيبي الذي غلى حتى ذهب ثلثاه (١) ، فتأمّل.

قوله : موضع وفاق. ( ١ : ١٣٨ ).

أقول : في هذا الكلام أيضا إشعار بأن الشارح نسب ابن أبي عقيل إلى مخالفة الإجماع ، كما مر في بحث أنّ القليل ينفعل بالملاقاة (٢) ، فتأمّل.

قوله : لا يكاد يدركه. ( ١ : ١٣٩ ).

أقول : حمل كلام الشيخ والرواية على ذلك على تقدير شمولها لا يخلو من إشكال ، لأن الظاهر منها عدم الدرك مطلقا ، فلعله يصل من غاية الصغر إلى حد لم يدركه البصر في الماء ، وإن كان له لون.

هذا مع أن مفروض المسألة أن الطرف لم يدركه مع العلم بالدخول في الماء ، وان كان الفرض في غاية البعد ، فتأمّل.

قوله : كما في الإنائين المشتبهين. ( ١ : ١٤٠ ).

لا يخفى أن منشأ وجوب اجتناب الإنائين هو القطع بوجوب اجتناب أحدهما ، وانه لا يتم إلاّ باجتنابهما معا ، بالتقرير الذي مر ، وما نحن فيه غير معلوم أنّه من قبيل الإنائين ، لأن نجاسة الظرف ووجوب اجتنابه قطعي على‌

__________________

(١) الكافي ٦ : ٤٢١ / ١٠ ، الوسائل ٢٥ : ٢٩٥ أبواب الأشربة المحرمة ب ٨ ح ٢.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ٣٨.

٢٠٢

أيّ تقدير ، فوجوب اجتنابه بخصوصه قطعي ، والتكليف به يقيني ، والأصل عدم زيادة التكليف. وغير معلوم أن بعد تحقق هذا التكليف اليقيني يبقى تكليف آخر غيره ويكون زائدا عنه ، حتى يقال إنّه لا يتم هذا التكليف الزائد إلاّ باجتناب الماء والإناء معا ، فيكون هناك ثلاثة تكاليف : أحدها بالأصالة وبالخصوص ، والثاني بالأصالة لا بالخصوص ، والثالث من باب المقدمة ، فتدبر.

قوله : لما لم يكن. ( ١ : ١٤٠ ).

أقول : يعني أن السائل لم يسأل إلاّ عن العلم بالوصول إلى الإناء ، أعني القدر المشترك بين الوصول إلى الماء والظرف ، أما العلم بالوصول إلى خصوص الماء فلم يتعرض له أصلا ، فالجواب إنّما هو بالنسبة إلى الذي سأل الراوي لا الذي لم يسأل ، مع أن الأصل عدمه.

وجواب المعصوم وإن كان مطلقا ، والمطلق يرجع في الأحكام الشرعية إلى العموم ، والعبرة بعموم اللفظ لا خصوص المحل ، إلاّ أن المطلق ينصرف إلى الغالب الشائع المتعارف ، والغالب أنّه إذا وقع الدم في الماء يدركه البصر ، وإذا لم يدركه لم يكن واقعا في الماء ، لشدة حمرة الدم وصفاء لون الماء ، والدم الذي يعلم وقوعه في الماء ولا يدركه البصر على فرض وجوده يكون نادرا ، وحمل المطلق وصرفه إلى ما يعم الفروض النادرة فيه ما فيه.

ومما ذكرنا ظهر ما في قول الشارح : ولقائل أن يقول.

قوله : ولقائل أن يقول. ( ١ : ١٤٠ ).

أقول : لو تم ما ذكره أوّلا لم يبق لهذا القول مجال ، وإلاّ فلا وجه للجواب الأول ، والحق أنه بملاحظة الأخبار الدالة على انفعال القليل‌

٢٠٣

بالملاقاة ، والأخبار الدالة على نجاسة النجاسات ومنجسيتها من دون فرق بين الصغيرة والكبيرة ، وكذا أقوال الفقهاء وطريقة الشرع في عدم القول بالفصل في أمثال المقام جميعا غير هذا الموضع ، يترجح ما قال أولا ، ويبعد ما قال ثانيا.

وبالجملة : ليس دلالتها على حسب ما ذكره بحيث يقاوم ما أشرنا إليه ويغلب عليه ، فالأقوى القول بالنجاسة ، كما هو أحوط. هذا على تسليم دلالتها ، وقد عرفت الكلام فيها.

قوله : ومقتضى الرواية أن الريح. ( ١ : ١٤٢ ).

أقول : يمكن أن تكون محمولة على الوسواس ، بقرينة الرواية السابقة وغيرها ، وأفهام الفقهاء والإجماع الظاهر من كلامهم وفتاويهم وعدم نقل خلاف أصلا. مع غاية ظهور الأخبار في العموم ، منه رواية زرارة الصحيحة التي سنذكرها في بحث ناقضية النوم (١) ، والرواية التي سنذكرها عن العلل في بحث ناقضية الجنون والسكر (٢) ، فتدبر.

مع أن القيدين ربما واردين مورد الغالب وخارجين مخرجه ، فلا عبرة بمفهومهما. أو يكون الفائدة ثبوت خروج الريح وتيقنه وعدم كفاية المظنة في المقام. مع أن الشارح لا يقول بحجية مفهوم القيد حتى يتحقق المعارضة بين هذه الرواية وغيرها من العمومات والإطلاقات. مع أنه على تقدير حجية مثل هذا المفهوم ففي مقاومته للمنطوقات من العمومات والإطلاقات المطابقة لفتاوى الأصحاب نظر. وكون ما نحن فيه مفهوم الحصر محل نظر بعد ملاحظة ما ذكرناه ، فتأمّل.

__________________

(١) انظر ص ٢٠٧.

(٢) انظر ص ٢٠٩.

٢٠٤

مع أن الأحوط مراعاة فتوى الأصحاب إلاّ في صورة عدم وجدان الطهور.

وفي الفقه الرضوي : « فإن شككت في ريح أنها خرجت منك فلا تنقض من أجلها الوضوء ، إلاّ أن تسمع صوتها أو نجد ريحها ، وإن استيقنت أنها خرجت منك فأعد الوضوء سمعت وقعها أو لم تسمع ، وشممت ريحها أو لم تشم » (١). انتهى ، وهذه مع قوتها في نفسها ومطابقتها لفتاوى الأصحاب والعمومات والإطلاقات صريحة الدلالة ، فلا يعارضها الروايتان ، لاحتمال ما ذكرناه ، أو أن المراد ما من شأنه أن يسمع ويشم ، للعلة المذكورة ، فتأمّل.

قوله : بإطلاقها. ( ١ : ١٤٤ ).

أقول : الاعتماد إنما هو على الوفاق ، وإلاّ فالإطلاق محمول على الشائع المتعارف ، كما صرح به مرارا ، فتدبر.

قوله : وفيه نظر. ( ١ : ١٤٥ ).

وسيجي‌ء منا كلام ، فلاحظ.

قوله : ونقل عن أبيه. ( ١ : ١٤٥ ).

لكن ( الشيخ ادعى في التهذيب إجماع المسلمين على ناقضية النوم في الجملة (٢) ، والصدوق (٣) ذكر في الأمالي (٤) : أن من دين الإمامية الإقرار بأنه لا ينقض الوضوء إلاّ ما خرج من الطرفين من بول أو غائط أو ريح أو مني ، والنوم الغالب على الحاستين : السمع والبصر ، ومزيل العقل (٥) ، انتهى.

__________________

(١) فقه الرضا « ع » : ٦٧ ، المستدرك ١ : ٢٢٧ أبواب نواقض الوضوء ب ١ ح ٢.

(٢) التهذيب ١ : ٥.

(٣) ما بين القوسين ليس في « ب » و « ج » و « د ».

(٤) كما في « ه‍ » ، وفي سائر النسخ : الخصال.

(٥) أمالي الصدوق : ٥١٤.

٢٠٥

ومنه يظهر عدم الخلاف منه ولا من أبيه ، كما لا يخفى على من لاحظ ما ذكره في الأمالي (١) وما ذكره في ديباجة الفقيه (٢) ، واعتقاده بالنسبة إلى فتاوى أبيه.

( وينادي لما ذكرنا من أن الصدوق ـ رحمه‌الله ـ معتقد بأن النوم المذهب للعقل ناقض أنه قال في الفقيه أيضا : باب ما ينقض الوضوء : سأل زرارة أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما‌السلام عما ينقض الوضوء ـ إلى أن قال ـ : « والنوم حتى يذهب العقل » ثم قال بلا فصل : « ولا ينقض الوضوء ما سوى ذلك من القي‌ء » (٣) ، إلى آخر ما قال ، ثم ذكر الخبرين المذكورين ، فغاية ما يظهر منه أنه جعل مضمونها من جملة ما سوى ذلك ، نظير القي‌ء والقلس وغيره ) (٤).

وربما يظهر منه الخلاف في كون السمع أعم الحواس ، مع تأمّل فيه أيضا ، إذ ربما يعتقد أن السمع حينئذ يكون باقيا ، وعلى تقدير التسليم لا يكون الخلاف حينئذ منحصرا فيه ، بل الشارح أيضا مخالف ، وكذا غيره ممن اعتبر ذهاب العقل وعبر الناقض بمذهب العقل ، منهم الشيخ ، فإنّه حمل الخبرين على نوم لا يغلب العقل ، ونفى عنه البعد في الذخيرة (٥) ، لأنّه الغالب في حال القعود. واستشهد الشيخ لحمله بما رواه عن الكناني عن الصادق عليه‌السلام : الرجل يخفق في الصلاة ، فقال : « إن كان لا يحفظ حدثا منه ـ إن كان ـ فعليه الوضوء وإعادة الصلاة ، وان كان يستيقن أنه لم يحدث‌

__________________

(١) في النسخ : الخصال ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) الفقيه ١ : ٣.

(٣) الفقيه ١ : ٣٧.

(٤) ما بين القوسين ليس في « ب » و « ج » و « د ».

(٥) الذخيرة : ١٤.

٢٠٦

فليس عليه الوضوء والإعادة » (١) ، لكن الحمل على التقية لعله أولى.

والظاهر عدم الخلاف بين من جعل الحد ذهاب العقل ، ومن جعله ذهاب السمع والبصر ، كما سنذكر ، فتأمّل.

قوله : لجواز أن يراد بعضها. ( ١ : ١٤٧ ).

إن أراد بعضها بعنوان الخصوص فهو خلاف ما يظهر من الخبر ، كما سيعترف به ، وإن أراد لا بالخصوص فهو متحقق في النوم.

والحاصل : كما أن الحدث طبيعة كلية كذلك فرد من الحدث أيضا طبيعة كلية ، والمستفاد من الخبر هو هذا ، وهذا ربما يرجع إلى المحصورة بنوع من الاعتبار ، ويصير قضية كلية ، فيرجع إلى ما ذكره الشارح بقوله :

ويمكن أن يقال. ، وربما لا يرجع إلى المحصورة ، بل يقال : إنّ المستفاد أن الناقض وما هو سبب النقض كونه فردا من الحدث ، وهذا موجود في النوم أيضا ، إذ خصوصيات الأفراد ليست فردا من الحدث ، فلا مدخل لها في العلة ، لأصالة عدم مدخليتها. مع أن الحكم المعلق على الفرد ربما كان من جهة الطبيعة من حيث هي ، فيرجع إلى ما ذكره العلامة ـ رحمه‌الله ـ بنوع من التوجيه ، فتأمّل.

قوله : واعلم أن المستفاد. ( ١ : ١٤٨ ).

فيه : أن المستفاد من معتبرة اخرى تعليق الحكم بذهاب السمع ، مثل صحيحة معمر بن خلاد الآتية ، وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ، قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : ما ينقض الوضوء؟ فقال : « ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر والدبر من الغائط والبول أو مني أو ريح ، والنوم‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٧ / ٨ ، الاستبصار ٨٠ / ٢٥٠ ، الوسائل ١ : ٢٥٣ أبواب نواقض الوضوء ب ٣ ح ٦. بتفاوت يسير.

٢٠٧

حتى يذهب العقل ، وكل النوم يكره إلاّ أن يكون يسمع الصوت » (١).

ومنه يظهر وجه الجمع أيضا ، فإن ذهاب العقل يظهر من ذهاب السمع ، مضافا إلى أن ذهاب العقل يحتاج معرفته إلى معرف عند عامة الناس.

ومما يدل على اعتبار ذهاب السمع الموثق كالصحيح عن ابن بكير ، وهذا هو الذي احتج به الشارح في المقام ، إذ في آخره : قلت : ينقض النوم الوضوء؟ قال : « نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت ».

وما رواه الكليني ـ رحمه‌الله ـ بسنده الصحيح عنده ، والضعيف عند المشهور ، عن سعد ، عن الصادق عليه‌السلام : قال : « أذنان وعينان ، تنام العينان ولا تنام الأذنان ، وذلك لا ينقض الوضوء ، فإذا نامت العينان والأذنان انتقض الوضوء » (٢).

وفي الصحيح عن زرارة ، قال : « يا زرارة ، قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن ، فإذا نامت العين والأذن والقلب وجب الوضوء » (٣) ، وفي قوله : « قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن » شهادة واضحة على أن الأذن والقلب متلازمان. ثم قال : قلت : فإن حرك شي‌ء على جنبه ولم يعلم به؟ قال : « لا حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجي‌ء من ذلك أمر بين ، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين بالشك ، ولكنه ينقضه بيقين آخر » ، وفيه دلالة على ما سينقله عن التذكرة ، ويدل عليه أخبار أخر أيضا.

ويدل على تعليق الحكم بالسمع الإجماع الذي ظهر من كلام‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٩ / ١٥ ، الوسائل ١ : ٢٤٩ أبواب نواقض الوضوء ب ٢ ح ٢. وفيهما عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام وبتفاوت يسير.

(٢) الكافي ٣ : ٣٧ / ١٦ ، الوسائل ١ : ٢٤٧ أبواب نواقض الوضوء ب ١ ح ٨.

(٣) التهذيب ١ : ٨ / ١١ ، الوسائل ١ : ٢٤٥ أبواب نواقض الوضوء ب ١ ح ١.

٢٠٨

الصدوق ـ رحمه‌الله ـ في أماليه ، كما مر (١). وأما ذكر الفقهاء البصر أيضا فلبنائه على أن النوم أولا وبالذات يتعلق بالبصر فيصير مقهورا بأدنى نوم ، فالمعتبر هو السمع ، لأن النوم بغير مغلوبية البصر لا يتحقق ، فتدبر.

قوله : بالإغماء والسكر بطريق أولى. ( ١ : ١٤٩ ).

أقول : الظاهر أن مستنده واعتماده على فتاوى الأصحاب والإجماع المنقول ، وما مر عن الصدوق في كتاب الأمالي أن من دين الإمامية أن مذهب العقل ناقض مطلقا ، وإلاّ فمثل هذا القياس بطريق أولى غير حجة عند غيره فضلا عنه ، إذ الظاهر منه ومن غيره ومن الأخبار أن النوم في نفسه حدث لا من جهة احتمال الحدث ، مع أن احتمال الحدث غير ناقض بالوفاق والنصوص ، ومنها ما مر في خصوص النوم ، مع أن الأولوية أيضا موضع نظر ظاهر ، سيما بالنسبة إلى كثير من أفراد السكر بل أكثرها وبعض أفراد الإغماء.

نعم ، روي في عيون أخبار الرضا عليه‌السلام في جملة علل الفضل : فإن قال : فلم وجب الوضوء ممّا خرج من الطرفين خاصة ومن النوم دون سائر الأشياء ، قيل ـ إلى أن قال : ـ وأمّا النوم فإن النائم إذا غلب عليه النوم ينفتح كل شي‌ء منه ، وكان أغلب الأشياء في الخروج عنه الريح ، فيجب عليه الوضوء لهذه العلة (٢) ، ويؤيده رواية الكناني التي ذكرناها عند قول المصنف : والنوم الغالب على الحاستين (٣) ، وكذا ما ورد في الأخبار من قولهم عليهم‌السلام :

__________________

(١) راجع ص ٢٠٥.

(٢) عيون أخبار الرضا « ع » ٢ : ١٠٣ ، الوسائل ١ : ٢٥٥ أبواب نواقض الوضوء ب ٣ ح ١٣ ، بتفاوت يسير.

(٣) راجع ص ٢٠٥ ، ٢٠٥.

٢٠٩

« والنوم حتى يذهب العقل » وما يؤدي مؤدّاه ) مما مر ، فتأمّل. ويمكن أن يكون استدلال الشارح (١) أيضا راجعا إلى هذا ، فتأمّل.

قوله : ومن المذي. ( ١ : ١٥١ ).

أقول : قال ابن الجنيد : المذي على قسمين قسم بحسب الخلقة ، وقسم عقيب الشهوة (٢).

قوله : فأمرني بالوضوء. ( ١ : ١٥١ ).

أقول : هذه الرواية بحسب ظاهرها تشير إلى عدم اشتراط قصد الوجوب أو الندب ، أو أنه لا يضر إتيان المستحب بقصد الوجوب. ويمكن أن يكون المراد من الوضوء معناه اللغوي ، فلا يكون فيه إشارة ، لكن فيه بعد.

قوله : يحكم على المطلق. ( ١ : ١٥٢ ).

أقول : فيه : أن تحقق المذي من غير شهوة غير ظاهر ، وعلى تسليمه ففي غاية الندرة ، وحمل المطلقات الكثيرة المخالفة لمذهب العامة (٣) على الفروض النادرة فيه ما فيه ، سيما مثل هذا الخبر الموافق لمذهب العامة. مع أن الراوي علي بن يقطين ، والمناسب بالنسبة إليه الاتقاء.

مع أن روايات الكاظم عليه‌السلام أقرب إلى التقية من روايات الباقر والصادق عليهما‌السلام ، كما حققنا ، وسيجي‌ء في بحث الجهر والإخفات في القراءة وغيره (٤) ، بل ومثل الرضا عليه‌السلام ومن بعده أيضا.

__________________

(١) كما في « و » ، وفي سائر النسخ : الشيخ.

(٢) حكاه عنه في المختلف ١ : ٣٠٤.

(٣) انظر المغني والشرح الكبير ١ : ١٩١ ، ١٩٤ ، ونيل الأوطار ١ : ٦٢.

(٤) يأتي في ج ٣ : ٥٣ ـ ٥٧.

٢١٠

مع أن المطلقات أوفق للإطلاقات والعمومات ، مع أن رواية ابن أبي عمير عندنا صحيحة ، سيما مثل هذه ، بل وأصح من كثير من الصحاح ، لأنها أقوى منها بمراتب. والاعتماد عندي وعند المتأخرين والقدماء على الاعتداد والاعتماد والوثوق ، كما أثبتناه في تعليقاتنا على رجال الميرزا (١).

نعم ، العدالة عندهم طريقة اعتماد على سبيل القاعدة.

هذا مع ما عرفت من فتاوى الأصحاب ، ونقل عليه الإجماع.

وحمل هذه الأخبار على الشهوة الزائدة يوجب الخروج عن ظاهرها ، وظاهرها هو الحجة ، مع أن ابن الجنيد لا يقول بهذا ، كما أشرنا ، فتأمّل.

وفي صحيحة يعقوب بن يقطين عن الكاظم عليه‌السلام : « أن المذي منه الوضوء ، خرج بشهوة أو غير شهوة (٢) ، وحمل على الاستحباب أو التقية أو التعجب ، وخيرها أوسطها.

قوله : وهو غير ناقض. ( ١ : ١٥٢ ).

إذا حصل قبل الوضوء استبراء ، جمعا بين هذه الروايات وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه‌السلام : « إنّ الودي منه الوضوء لأنه يخرج من دريرة البول ، والمذي ليس فيه وضوء ، إنّما هو بمنزلة النخامة » (٣) ، وغيرها من الأخبار المروية في الاستبراء وحكمه (٤) ، وسيجي‌ء تمام الكلام فيه‌

__________________

(١) انظر تعليقات الوحيد على منهج المقال : ٢٧٥.

(٢) التهذيب ١ : ٢١ / ٥٣ ، الاستبصار ١ : ٩٥ / ٣٠٦ ، الوسائل ١ : ٢٨١ أبواب نواقض الوضوء ، ب ١٢ ح ١٦ ، بتفاوت في العبارة.

(٣) التهذيب ١ : ٢٠ / ٤٩ ، الاستبصار ١ : ٩٤ / ٣٠٢ ، الوسائل ١ : ٢٨١ أبواب نواقض الوضوء ، ب ١٢ ح ١٤ ، بتفاوت يسير.

(٤) انظر الوسائل ١ : ٢٨٢ أبواب نواقض الوضوء ب ١٣ و ١ : ٣٢٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١١.

٢١١

فانتظر.

قوله (١) : برواية أبي بصير. ( ١ : ١٥٤ ).

هذه الرواية لا تصير مستندهما ، لأن مقتضاها أن مس الفرج ناقض لا باطن الفرج ، نعم موثقة عمار الساباطي صريحة في مس باطن الفرجين ، فقوله : وقريب منها رواية عمار ، فيه ما فيه ، فتأمّل.

قوله : العورة عورتان. ( ١ : ١٥٦ ).

نعم ، ورد في بعض الأخبار (٢) أنهم عليهم‌السلام كانوا يستترون من السرة إلى الركبة في الحمام وحال التنوّر ، وأمروا الراوي أن يفعل كذلك ، وحمل على الاستحباب ، ولا شك في أولويته ، لأنه أقرب إلى الحياء ، بل والمروءة أيضا.

قوله : وهذه الأخبار كلها. ( ١ : ١٥٨ ).

هذا الإيراد غير متوجه على القدماء ، لأنّ الصحيح عندهم ليس هو الصحيح عند المتأخرين ، فأما المتأخرون فالظاهر منهم اشتهار الفتوى بالتحريم بين الفقهاء ، والشهرة عندهم جابرة للضعف ، مع أن الشارح لا يتسامح في أدلة السنن والمكروهات ، فلا وجه للحمل عنده أيضا.

وأما إشعار الروايتين ففيه أيضا إشكال ، لأن ذكر الواجب في جملة المستحبات ، والمكروه في المحرمات ، في الآيات والأخبار من الشيوع بمكان لعله لا يكاد يقبل الإحصاء ، مثل ما ورد في تكبيرات الصلاة ، وذكر الركوع والسجود. وكذا بالنسبة إلى باقي أفعال الصلاة ، وكذا الزكاة والصوم‌

__________________

(١) هذه الحاشية ليست في « أ » و « ب » و « ج » و « د ».

(٢) الكافي ٦ : ٥٠١ / ٢٢ ، الوسائل ٢ : ٣٥ أبواب آداب الحمام ب ٥ ح ١ ، و ٢ : ٦٧ أبواب آداب الحمام ب ٣١ ح ١.

٢١٢

والحج والغسل وغير ذلك ، بل كثيرا ما ورد الواجب والمستحب بلفظ واحد ، مثل : « كبر سبع تكبيرات » (١) ، و « سبح ثلاث تسبيحات » (٢) ، و « صلّوا كما رأيتموني أصلي » (٣) ، وغير ذلك ، فتأمّل.

وبالجملة : هذا الإشعار الذي ادعاه والذي ذكره بعد ذلك كونهما بحيث يفيان بحمل ما هو حقيقة في الوجوب والحرمة على خلافه محل نظر ، وقد تقدم الكلام فيه.

مع أن تخصيص ذكر الثواب بمن بال ناسيا ربما يكون فيه إيماء إلى أن فعل ذلك لا ينبغي أن ينسب إلى عامد ، تفخيما لقبحه ، فتأمّل.

قوله : من غير انحراف. ( ١ : ١٥٩ ).

وإن كان مشعرا بذلك لكن لا يكفي ذلك لتخصيص العمومات ، مع أن قوله عليه‌السلام : إذا دخلت المخرج في الرواية الأولى التي هي الأصل في هذا الباب ظاهر في البنيان.

مع أن في الإشعار المذكور إشكالا من حيث إنّهم عليهم‌السلام حثوا ما حثوا وأكدوا ما أكدوا في تعظيم القبلة في غير المقام فضلا عن المقام ، حتى منعوا من لبس السراويل (٤) ، والجماع (٥) الذي هو من المستحبات الأكيدة وغير ذلك (٦) ، وفي المقام أكدوا في حال النسيان أيضا ، سيما بالنحو‌

__________________

(١) انظر الوسائل ٦ : ٢٠ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٧.

(٢) الوسائل ٦ : ٢٩٩ أبواب الركوع ب ٤.

(٣) عوالي اللآلي ١ : ١٩٧ / ٨ ، صحيح البخاري ١ : ١٦٢.

(٤) مكارم الأخلاق ١ : ٢٢٦ / ٦٦٣ ، الوسائل ٥ : ١٠٩ أبواب أحكام الملابس ، ب ٦٨ ح ٤.

(٥) الوسائل ٢٠ : ١٣٧ أبواب مقدمات النكاح ب ٦٩.

(٦) مثل ما روي في حديث الأربعمائة : « لا يتفل المؤمن في القبلة » الخصال : ٦١٣ ، الوسائل ٦ : ٣٥٢ أبواب السجود ب ٧ ح ٩.

٢١٣

الذي نبهنا عليه ، وكذا في حال الاستنجاء أيضا ، فكيف مع جميع ذلك كانوا يبولون ويتغوطون هم وجميع أهاليهم وخدمهم وحشمهم مواجهين للقبلة دائما على طريقة الاستمرار.

وحاشاهم من أن يأمروا الناس بالبر ويفعلوا خلاف ذلك ، سيّما وأن يأمروا كذلك ويفعلوا كذلك ، وكيف كانوا يقولون ما لا يفعلون؟! إلى غير ذلك من التهديدات والتشنيعات الكثيرة الواردة عن الله تعالى وعنهم عليهم‌السلام.

ولعل المنزل لم يكن منهم عليهم‌السلام ، بل كان نازلا فيه من جديد في سفر أو غيره ، مثل سفر خراسان ، ويشعر لفظ المنزل بذلك. وربما كان محمّد بن إسماعيل متوهما ، والله يعلم.

قوله : في جميع أبواب الفقه. ( ١ : ١٥٩ ).

يظهر من الأخبار أن عدم الاستقبال والاستدبار إنما هو تعظيما للقبلة ، فكل ما ينافيه لعله داخل ، فلو كان مستقبل الشرق أو الغرب بالبدن لكن يبول أو يتغوط إلى سمت القبلة لعله منافاة التعظيم فيه تكون أزيد. مع أن قوله عليه‌السلام : ولا تستقبل القبلة بغائط ولا بول في تلك الرواية ربما يكون ظاهرا في ما ذكره ، فتدبر. ولعل الأولى أن لا يواجه القبلة بالبدن ، ولا بالعورة ، ولا برأس الذكر حال التخلي ، والله أعلم.

قوله : فلقصور الرواية. ( ١ : ١٦٠ ).

لا يخفى أنّه لا وقع لهذا الطعن بعد ما طعن به أوّلا ، لأن الكلام مبني على حجية هذا الخبر ، وأنّه إذا كان حجة يكون مقتضاه وجوب التشريق والتغريب أيضا (١) ، لا الفرق بين الأمرين وتخصيص التحريم بالاستقبال‌

__________________

(١) ليس في « ج » و « د » و « ه‍ ».

٢١٤

والاستدبار ، دون عدم الكون على المشرق والمغرب ، مع أنّك عرفت أن هذا الخبر حجة عندهم بسبب الاشتهار المذكور ، والمفيد قد أفتى بمضمون هذا الخبر جزما (١) ، وإن لم يعلم أن بناءه على الحرمة أو الكراهة ، ولعل هذا القدر كاف عند هذا المحقق ، أو اعتقد أن فتواه بعنوان الحرمة ، وعبارته قابلة.

ونسب إلى المفيد القول بالتحريم بسبب هذه العبارة العلامة في المنتهى والتذكرة ، والمحقق في المعتبر ، والشهيد في الدروس (٢) ، فتأمّل.

على أنّه سيجي‌ء في كتاب الصلاة في مسألة فاقد العلم والظن بالقبلة ما يظهر أن اتساع القبلة يصل إلى ربع الدائرة وأزيد عند الفقهاء ، وهو الظاهر من الخبر المعمول به عندهم أيضا ، فإذا كان استقبال القبلة واستدبارها حراما يلزم منه وجوب استقبال جهة المشرق والمغرب ، فإن اتساع هاتين الجهتين يكون أيضا إلى ربع الدائرة ، لعدم الفرق ، والجهات عندهم أربع ، والظاهر من كلام هذا المحقق أن مراده هو هذا.

على أنّه سيجي‌ء من الشارح القول بأن اتساعها هو ما بين المشرق والمغرب (٣).

فقوله : وأمّا ثالثا. فيه ما فيه.

مضافا إلى أنّ الرواية لا تأمل في صحتها ، لأن الصدوق ـ رحمه‌الله ـ رواها بطريق صحيح (٤).

__________________

(١) المقنعة : ٣٩.

(٢) المنتهى ١ : ٣٩ ، التذكرة ١ : ١١٨ ، المعتبر ١ : ١٢٢ ، الدروس ١ : ٨٨.

(٣) انظر المدارك ٣ : ١٣٧.

(٤) يعني رواية : ما بين المشرق والمغرب قبلة.

٢١٥

وقوله في الرواية : « ولكن شرقوا أو غربوا » بلفظ « لكن » الظاهر في الاستدراك يشعر بما ذكره هذا المحقق من أن المنهي عنه هو استقبال القبلة المتسعة التي إذا انحرف عنها يصير الإنسان مواجها للمشرق والمغرب ، فتأمّل.

وبالجملة : لا شك في أن الأحوط هو ما ذكره هذا المحقق ، والله يعلم.

قوله : وهو قريب. ( ١ : ١٦٠ ).

فيه تأمّل ظاهر.

قوله : أجمع علماؤنا. ( ١ : ١٦١ ).

سواء قلنا بأن الغسل منحصر بالماء ، كما هو المشهور ، أو أنه يتحقق بالماء المضاف أيضا ، كما هو رأي السيد. هذا وما ذكره بعد ذلك بقوله : إذ الإجماع منعقد على عدم طهارة المحل ، ربما يفيد أن السيد ـ رحمه‌الله ـ في هذا المقام يقول بعدم إجزاء غير الماء ، لكن ما تقدم في باب المضاف يدل على خلاف ذلك (١) ، وأنّه يكتفي بالمضاف مطلقا. وعلى هذا رواية بريد ابن معاوية وغيرها حجة عليه. وقد أشرنا إلى هذا في ذلك الباب ، فتأمّل.

ويمكن أن يكون مراده أن السيد خارج عن الإجماع ، لكنه بعيد.

قوله : أو أن المراد نفي كون. ( ١ : ١٦٢ ).

لا يخفى أنه إن وقع الاستبراء فلا يكون ناقضا مطلقا ، فلا حاجة إلى مسح الذكر بالريق ، ولا قول : إنّ هذا من ذاك ، وإن لم يقع الاستبراء فلا ينفع المسح والقول ، بل لا بدّ من الأمر بالاستبراء ، كما يظهر من التأمّل في‌

__________________

(١) انظر المدارك ١ : ١١٢.

٢١٦

الأخبار الواردة في الاستبراء (١) ، وفتاوي الفقهاء فيه. وكيف كان ، كان الأولى أن يأمره بالاستبراء بدلا عن المسح والقول.

على أنّه لو كان مجرد المسح كافيا عن الاستبراء ويكون البناء على التخيير بينهما لكان في صورة وجود الماء وغسل المحل لا حاجة إلى الاستبراء أصلا ، ولا إعادة الوضوء ، ولا غسل المحل مطلقا ، إذ يكفي أن يقول : هذا من ذاك. والبناء على أنه في صورة الغسل لا يكفي ، وفي صورة عدم الغسل يكفي الرطوبة بدلا عن الاستبراء ، فيه ما فيه. مع أن التخيير خلاف فتوى جميع (٢) الفقهاء.

والظاهر أنّ المراد مسح غير مخرج البول بالريق ، حتى لو أحس ببلل يقول : هذا من ذاك ، لأن الرطوبة الخارجة من الإحليل ينجس البدن والثوب ، فيشتد ذلك على الرجل ، فتأمّل.

والرواية دالة على أن المتنجس ينجس ، وأن الريق لا يطهر النجاسة ، وأن غير الماء أيضا لا يطهرها ، وأنّه لا يحصل التكليف بالتجسس في استكشاف تحقق النجاسة بوجود أمارة مورثة للتهمة واحتمال تحققها فيدل على عدم وجوب معرفة حصول النجاسة والبحث والفحص عنه ، وجواز الحيلة في منع ظهورها على المكلف.

ومما ذكر ظهر أنّ الحمل على التقية أيضا غير جيد.

قوله : إلى ما ذكره. ( ١ : ١٦٢ ).

ربما يظهر ذلك من كلام الشيخين أيضا (٣).

__________________

(١) الوسائل ١ : ٢٨٢ أبواب نواقض الوضوء ب ١٣ و ١ : ٣٢٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١١.

(٢) لا توجد في « و ».

(٣) المقنعة : ٦١ ، التهذيب ١ : ٤٨ ، المبسوط ١ : ١٧.

٢١٧

قوله : وتخفيف النجاسة. ( ١ : ١٦٢ ).

نعم ، لو كان عدم التخفيف والتجفيف موجبا لنجاسة المواضع الطاهرة أمكن الحكم بالوجوب من هذه الجهة.

ونظر المحقق إلى ما روي عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم » (١).

وعن علي عليه‌السلام : « الميسور لا يسقط بالمعسور » (٢) ، و « ما لا يدرك كله لا يترك كله » (٣). وهي منجبرة بالشهرة وتلقي الفحول بالقبول ، لكن الشأن في دخول المقام فيها ، فتأمّل.

قوله : واختلف الأصحاب. ( ١ : ١٦٣ ).

فيه إشعار بأن هذه الرواية معمول بها عندهم ، فيكون ضعفها منجبرا بهذا.

قوله : مع أن راوي هذه الرواية. ( ١ : ١٦٣ ).

يعني أنه على تقدير ان يكون المراد بالغسل بالمثلين الغسل مرتين ـ كما ادعاه هذا القائل ـ يتحقق التعارض بين روايتيه ، وإلا فالظاهر أن الغسل بالمثل لا يتحقق كما ذكره ، فيتعين التأويل في هذه الرواية (٤).

فيمكن أن يكون وقع الاشتباه للكتّاب بخفاء مركز الياء ، وكتبوه كذا سهوا من قلمهم ، أو أن المراد عدم الحاجة إلى الدلك وغيره ، بل يكفي صب الماء ، لأن البول ماء ، كما ورد هذا المضمون في بعض الأخبار ، حيث سأله‌

__________________

(١) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٦ ، سنن البيهقي ١ : ٢١٥ ، بتفاوت يسير.

(٢) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٥ ، وفيه : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يترك الميسور بالمعسور ».

(٣) عوالي اللآلي ٤ : ٥٨ / ٢٠٧.

(٤) في هامش « ه‍ » : أي الرواية الثانية.

٢١٨

عليه‌السلام عن البول يصيب الجسد ، فقال : « صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء » (١).

أو أنه رفع توهم وجوب الجمع بين الماء والأحجار مثلا ، أو توهم انحصار الفضل في الجمع ، بل يجزي في الفضل أن يغسل بالماء خاصة.

أو أنّه سقط كلمة « لا » بأنه كان « لا يجزئ » موافقا لما في روايته الأولى ، ومثله غير عزيز في الأخبار ، منه ما مر في كراهة سؤر الحائض (٢) ، أو أنه استفهام إنكاري ، أو أنّ المراد بالمثل ما يقاربه في المقدار ، وهو أقل ما يتحقق به الجريان والاستيعاب ، والله يعلم.

قوله : والخروج من الخلاف. ( ١ : ١٦٤ ).

ولما ورد في غسل البول من الجسد أنّه يصبّ عليه الماء مرّتين.

والظاهر من المصنف نقل الإجماع على ذلك ، كما سيجي‌ء في مبحث النجاسات (٣) ، ولعدم قوة دلالة الإطلاقات ، ولا حسنة ابن المغيرة ، لأن فيها بعد ما ذكره الشارح منها : قلت : فإنه ينقى ما ثمة ويبقى الريح ، قال : « الريح لا ينظر إليها » إذ بملاحظته ربما لا يبقى وثوق بشموله للبول ، مضافا إلى أن الاستنجاء لغة تطهير مخرج النجو ، ويظهر ذلك من النص أيضا ، مثل صحيحة زرارة السابقة (٤) ، ولذلك قال الشارح : ويشهد له إطلاق.

قوله : لا يوجد. ( ١ : ١٦٥ ).

كلام حق لا غبار عليه.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٥٥ / ١ ، التهذيب ١ : ٢٤٩ / ٧١٤ ، الوسائل ٣ : ٣٩٥ أبواب النجاسات ب ١ ح ٤.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ١٣٤.

(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٣٣٦.

(٤) راجع ص ١٨٩.

٢١٩

قوله : لم يشترط الفصل قطعا. ( ١ : ١٦٥ ).

ووجهه أنّه إذا كان عوض الفصل الذي هو عدم الغسل غسلا فلا معنى لأن يكون الغسل سببا لعدم طهارة المغسول ، وعدم الغسل يصير سببا للطهارة ، إذ غاية الأمر مساواة الغسل وعدمه في الحكم.

قوله : دليل على وجود العين. ( ١ : ١٦٥ ).

غاية ما يثبت مما ذكرت وجود الأجزاء الجوهرية ، ولا يلزم منه وجود العين يعني الغائط ، إذ لا نسلم أن كل جزء جوهري حكمي يكون مسمّى بالغائط لغة وعرفا ، بل لا نسلم كونه في الحقيقة غائطا ، فتأمّل.

قوله : كما في الرائحة. ( ١ : ١٦٥ ).

وهم يقولون بذلك بالنسبة إليها.

قوله : وهو غير واضح. ( ١ : ١٦٥ ).

ما ذكره ـ رحمه‌الله ـ غير واضح ، لأن الاعتبار شاهد على أن المسح والتنشيف وإن بولغ فيه غاية المبالغة يبقى بعد ذلك أثر لو غسل بعد ذلك بالماء يعلم بقاء هذا الأثر فيه غالبا ، ولا أقل في بعض الموارد والأوقات في الخلل والفرج. ومعلوم من عدم وجوب الغسل على التعيين ، وكون البناء على التخيير مطلقا ، أن بقاء هذا الأثر عند المسح معفو عنه مطلقا ، وأنه لو اختار الغسل لا يكفي للطهارة ذهاب القدر الذي يذهب بالمسح مع بقاء الأثر أي القدر الذي لا يذهب بالمسح أصلا ، بل ولا بدّ من ذهاب الجميع حتى يحصل نقاء ما ثمة عرفا وعندهم ، يشير إلى ذلك ما سنذكره من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « مري نساء المؤمنين يستنجين بالماء فإنه مطهرة للحواشي » (١).

ومما ذكر ظهر أن مرادهم من الأثر هو هذا المعنى لا غير. وفي‌

__________________

(١) انظر ص ١٠٩.

٢٢٠