الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

قوله : بدخولها. ( ١ : ٦٩ ).

لا يخفى أنهم ما عملوا بهذه الصحيحة ، ولهذا ألحقه بما لا نص فيه.

قوله : فيبقى الباقي. ( ١ : ٧٠ ).

أي استثنيا من هذا الحكم الإبل والثور ، ويريد (١) مع ذلك الفأرة والكلب والطير أيضا ، بدليل من كلام أو قرينة ذهبت من تقطيع الأحاديث أو غيره من السوانح ، والمعارض كاشف عنه ، أو ما كان مقام السؤال مقام الحاجة.

والمراد من قوله : أيضا المساواة. ، أنهما سوّيا بين ما ذكر بإرادة نزح مطلق الدلاء بالنسبة إلى هؤلاء الرواة ووقت سؤالهم ، بناء على أنه كان وقت الحاجة لهم ، إلا أنهم كانوا يريدون الكثرة بالنسبة إلى بعض ما سأل عنه ، والقلة بالنسبة إلى بعض آخر ، لكن ما بينوا لهم وقت سؤالهم ، لوجود مصلحة ، وبينوا بعد ذلك لهم أو لغيرهم ، فكان الحكم الظاهري في حقهم وحق من لم يطلع على البيانات التسوية ، والحكم الواقعي في حق المطلع التفصيل. فالمراد بالإرادة الأولى إرادة الحكم الظاهري ، والثانية الحكم الواقعي ( أو لم يكن المقام مقام الحاجة ، أو ذهبت القرينة ) (٢) ، وقد عرفت أن الوجوه الثلاثة هي الوجوه في اختلاف الأخبار ، والمصحح للجمع بينها ، فتدبر.

قوله : لا يقال. ( ١ : ٧٠ ).

دفع إيراد لأجل تصحيح معنى الحديث بحسب الواقع لا بحسب تمحله الذي ارتكبه ، لأن إرادة الكر من الدلاء يوجب كون المراد من الدلاء معنى مجازيا ، فكيف يتحقق الجمع بين الحقيقة والمجاز؟! وتخصيص‌

__________________

(١) في « ب » و « ج » و « ه‍ » : أو يريد ، وفي « د » : أو يزيد.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « أ » و « و ».

١٢١

الإيراد بصورة كون الحقيقة هي القلة ، والمجاز الكثرة ، فاسد من وجوه ظاهرة على الفطن. مع أنه كما ورد المقيد في جانب الكثرة كذا ورد في جانب القلة ، بل هو أقوى وأظهر.

وممّا ينادي على ما ذكرناه من أن التصحيح بحسب الواقع لا بحسب التمحل ، قوله : لكن إن حمل. ، فإن إرادة مطلق الجمع تنافي إرادة خصوص الكر ، وأيضا لا ربط له بحكاية الافتراق بالقلة والكثرة.

فإن قلت : لعل مراده من مطلق الجمع مجموع جمع القلة والكثرة ، على أن يكون كل واحد منهما بخصوصه مرادا ، كما فهمه الشارح فأورد عليه بما أورد.

قلت : هذا فاسد من وجوه :

الأول : أن إرادة كل واحد منهما بخصوصه هي التي استحالها ( المعترض فمنع استحالتها ) (١) ، فكيف يقول بعد تسليم استحالتها إن حمل على إرادته لم يلزم ما ذكرتم؟! إذ الاستحالة ظاهرة ، واللزوم واضح ، بل هو هو بعينه.

الثاني : أن لفظ مطلق الجمع ظاهر بل حقيقة في الجمع من حيث إنه جمع ، من غير قيد خصوصية وملاحظة ذلك القيد.

الثالث : أن قوله : على أن لنا في كون. ، ظاهر في أن المراد إثبات مطلق الجمع ، لا مجموع الجمعين على ما ذكره الشارح.

الرابع : قد عرفت مما ذكرناه أنه غير خالص من الاعتراض السابق ، من أنه لا يتحقق هنا معنى حقيقي ، فتأمّل.

الإيراد الذي أورده الشارح ، بأن إطلاق الأرض على مجموع السماء والأرض في غاية الشناعة والفظاعة ، لا يرتكبه مرتكب له في العلم نصيب ،

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ب » و « ج » و « د ».

١٢٢

بل ولو لم يكن له نصيب ، فإن العوام أيضا يشمئزون منه.

قوله : وكلام الجوهري. ( ١ : ٧١ ).

فيه نظر ، لأن الجوهري قال : اسم لكل ما يركب ، وظاهر لفظ الاسم كونه حقيقة ، إذ المجاز لا يقال له : اسم للمعنى المجازي ، والأسد ليس اسما إلا للحيوان المفترس ، وإطلاقه على الرجل الشجاع مستعار.

( ويؤيده أنه لا تأمّل في كون ما يدبّ على الأرض معنى حقيقيا لغة ، فيظهر أن المراد بالاسم هو المعنى الحقيقي. وأيضا : الجمع بين ما يركب وما يدب بعبارة واحدة ونسق واحد يؤيد كون ما يركب معنى حقيقيا لما يدب ، بل قال في القاموس : الدابة ما دب من الحيوان ، وغلب على ما يركب (١) ، فيظهر منه أنه عند الإطلاق يحمل على ما يركب.

ثم لا يخفى أن الشارح ديدنه التمسك قول اللغوي ومجرد إطلاقه ، كما لا يخفى على المتتبع ، فكيف يتأمّل مع التصريح بأنّه اسم لكذا ، بل ومع تكراره وعدم الاكتفاء بالعطف ) (٢).

قوله : فإنّ الإطلاق. ( ١ : ٧١ ).

لا يخفى أن ذلك ليس من المسلمات عند الفقهاء سيما القدماء ، بل لعل الظاهر من أكثرهم ـ لو لم نقل بالكل ـ أن الأصل في الإطلاق الحقيقة.

سلمنا ، لكن يظهر من كلام الجوهري أن المعنى منحصر في المعنيين ، موافقا لما في القاموس ، فإذا كان قرينة صارفة عن أحدهما يتعين الثاني ، كما هو الشأن والطريقة في تعيين المعاني اللغوية وغيرها عند الفقهاء وغيرهم من العلماء ، وهي الطريقة الشائعة المتعارفة في فهم المعاني والاستدلال بالألفاظ عليها.

__________________

(١) القاموس المحيط ١ : ٦٧.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « ه‍ » و « و ».

١٢٣

على أنك قد عرفت فيما سبق أنه إذا تعذر الحقيقة فالمجاز المشهور المعروف متعين ، وعرفت وجهه فلاحظ.

قوله : مع أنه قد اشتهر. ( ١ : ٧١ ).

فيه : أنه قد تقدم منه في صدر مبحث البئر أن اللغة تقدم على العرف (١) ، ( وربما كان رأي كثير من الفقهاء ذلك ، بل وربما يظهر ذلك من طريقة القدماء ، والدليل ما أتى به لهم ) (٢) ، وحمل الألفاظ على المتعارف ليس مسألة وفاقية ، بل ربما يظهر من القدماء الحمل على جميع ما يصدق عليه ما وضع له حقيقة.

وغرض العلامة أن المشهور من القدماء هو نزح الكر ، فلعل نظرهم إلى ذلك ، أي الذي أتى به لهم ، بناء على أن ذلك يكون مذهبا لهم ، كما لا يخفى على من اطلع على طريقة العلامة في التشبث لأحكام الفقهاء بما يمكن أن يكون نظرهم إليه ، وإن لم يكن مرضيا عنده. وقوله : أن لقائل. ، وقوله : ويمكن التمحل. يشهدان على ما ذكرنا ، وكذا قوله : فإما أن تكون للعموم. ، إذ القدماء يبنون على العموم جزما ، فلعل رأيهم رأي الجبائيين ، فتأمّل.

ثم لا يخفى أن ما ذكره الشارح هنا سد لباب التمسك بقول اللغوي مطلقا ، إذ لا يصرحون بأن المعنى الحقيقي ما ذا ، بل ولا يظهر منهم أيضا ذلك بوجه من الوجوه ، بعد منع دلالة مثل لفظ « اسم لكذا » على الحقيقة ، وصرح بأن المجاز ليس بحجة ، والإطلاق أعم من الحقيقة والمجاز ، بل غالب إطلاقاتهم المجاز ، فما أدري بأي عذر يتمسك هو وغيره بقولهم وما ذكروه في كتبهم ، من دون أن يثبت من الخارج كونه حقيقة؟! بل ومع الثبوت‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٥٣.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « ه‍ » و « و ».

١٢٤

من الخارج لعله لا يحتاج إلى كتبهم وأقوالهم ، فتأمّل.

قوله : على المعنى المتعارف. ( ١ : ٧١ ).

ربما يقال : إنه من باب تقديم العرف على اللغة ، وقد مر الكلام فيه.

وأما الجوهري فلعل مراده ما يركب وإن ركب نادرا ، كالدابة ، لا أنّه اسم لما يركب متعارفا ، كما أن الدابة ليس اسما لما يدب متعارفا ، بل مطلق ما يدب ( بالقياس إلى المعنى الأول ، فإنه لا يخرج عن مفهومها ) (١) ، فتأمّل.

قوله : لو تم ما ذكره لاقتضى. ( ١ : ٧١ ).

لا يخفى أن مراده أن لفظ الدابة اسم لجنس ما يركب ، وهو ظاهر ، والألف واللام وضع للتعريف ، فيكون المراد تعريف الجنس والإشارة إليه ، فيكون حقيقة في الجنس. وهذا هو المذهب الحق ، كما حقق في موضعه.

فعلى هذا إذا علق حكم على الجنس والطبيعة مثل أن يقال : البيع حلال ، لا جرم يكون المراد أن هذه الطبيعة من حيث هي هي حلال ، على ما هو المذهب الحق من أنّ الطبائع تصير متعلقة للأحكام ، فإذا كان متعلق الحكم الطبيعة من حيث هي هي يكون في كل فرد يتحقق الطبيعة يتحقق الحكم ، فلو تحقق فرد لم يكن فيه الحكم يلزم منه أن لا يكون الطبيعة متعلق الحكم ، لوجودها بدونه ، والمفروض أنّ الحكم تعلق عليها حيث قال : الطبيعة حلال ، مثلا.

وهذه الطريقة ( هي الحق ) (٢) في إفادة المفرد المحلى باللام للعموم. ونفس الإفادة مسلمة بين الفقهاء ، إلا أنهم يختلفون في وجه الإفادة ، كما أشرنا إليه سابقا.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « أ ».

(٢) ما بين القوسين ليس في « ب ».

١٢٥

لكن لا يقتضي الإفادة مطلقا ، فلو قال المولى لعبده : أوجد البيع ، أو افعل البيع ، أو بع ، لا يلزم منه أن يكون الواجب عليه الإتيان بجميع أفراد البيع ، بل يكفي إيجاد الطبيعة في ضمن فرد مّا ، كما هو المحقق عند معظم المحققين.

والفرق بين ذلك وبين المقام ظاهر واضح ، لأن الطبيعة تكون متصفة بوصف متعلقة لحكم ، وإذا كانت كذلك تقتضي أن لا تنفك عن الوصف أينما وجدت ، وإلاّ لم تكن من حيث هي هي متعلقة الحكم ، بل يكون لأمر آخر مدخلية وسببية في تحقق الحكم في الطبيعة ، وهو مثل خصوصية تشخص فرد ، أو فصل ، أو نوع ، أو مميز صنف ، أو فصل أنواع ، أو مميز أصناف ، فلا يكون حينئذ الطبيعة من حيث هي هي متعلقة الحكم ، بل بشرط وجودها في فرد ، أو نوع ، أو أصناف ، أو أفراد. فيكون المراد من العلية ما أشرنا إليه.

وأيضا : تعليق الحكم على الوصف ظاهر في علية الوصف ودورانه معه ، فكذا تعليقه على الماهية يقتضي عليتها ودورانه معها ، مثلا : إذا قال : الإبل السائمة فيها الزكاة يقتضي أن يكون كل سائمة فيها الزكاة ، وإذا قال : الإبل فيها الزكاة يقتضي أن يكون كل إبل فيها الزكاة.

وأيضا : معنى تعليق الحكم على الماهية أنه منوط بها ، فالماهية مناط ، والمراد من العلة هو المناط.

وبالجملة : لا شبهة في حقية ما قال ، وهو مختار معظم المحققين ، وظهر أيضا أن إفادة العموم ليست على الإطلاق ، على حد الصيغ الموضوعة للعموم ، وهو ـ رحمه‌الله ـ ينكر هذا ، لا أنها لا تفيد العموم في أمثال المقام ، كيف والاستدلال بالعموم فيها طريقته وطريقة غيره من الفقهاء.

قوله : على حكم الثور. ( ١ : ٧١ ).

لا يخفى أن الأصحاب أعرضوا عن حكم نحو الثور بالمرة ، فكيف‌

١٢٦

يجعله مخرجا ، والبناء في باب النزح قد عرفت ، فتأمّل.

قوله : على حكم مثله. ( ١ : ٧١ ).

فيه : ما أشرنا من أن شمول نحوه لمثل البقرة محل تأمّل ، ولذا ما فهم الأصحاب الشمول ، وما بنوا الأمر عليه ، على أنا قد أشرنا إلى أن مراده الإتيان بما يحتمل أن يكون مستمسكهم ، ولا شك أن الأصحاب لم يقولوا بالشمول لداع دعاهم إلى ذلك قطعا ، كما أن قولهم بالكر في البقرة لداع عندهم وفي معتقدهم قطعا ، فيحتمل أن يكون هو الذي ذكره ، لأن بعض مقدماته حق ، ( وبعضها حق عندهم ) (١) ، وبعضها حق عند بعض الفقهاء ، ولعل رأيهم رأيه ، فتأمّل.

قوله : من الألفاظ العامة. ( ١ : ٧٢ ).

في الغالب كذلك لا مطلقا ، وبحسب اللغة يصدق على خروج بعض أجزاء الحديث واستثنائه ، ولم يثبت اصطلاح ووضع جديد ، كيف والمستثنى هو المخرج من متعدد. سلمنا ، لكن القرينة هاهنا واضحة ، ولا مشاحة في الاستعمال ولا مانع منه ، فتدبر.

قوله : والأمور المتعددة. ( ١ : ٧٢ ).

فيه : أنه لا شك في صحة الاستثناء في الجواب بأن يقال : ينزح دلاء إلا للكلب فينزح أربعون ، وصحته من أمارات العموم. على أنه لا شبهة في أن الحكم لم يتعلق بكل واحد على انفراده نصا ، والمطابقة بين السؤال والجواب لا يقتضي أزيد من الظهور ، فلا يمتنع من الاستثناء متصلا أو منفصلا إذا وجد.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ج » و « ه‍ ».

١٢٧

قوله : تعارض الخبران. ( ١ : ٧٢ ).

لا يخفى أن طريقة الشيخ وغيره أيضا أنه إذا حصل المانع عن العمل ببعض أجزاء الخبر لا يخرج بمجرد هذا عن الحجية أصلا ورأسا ، بل يعملون بالباقي ، وقد أشرنا في مسألة الغسل لصوم المستحاضة (١) وغيره إلى ذلك. على أن طريقة الكل في حكاية النزح ذلك ، بل ليس عمل القدماء فيه إلا ذلك ، كما لا يخفى على المتتبع المتأمّل.

قوله : لزم الإغراء بالجهل. ( ١ : ٧٢ ).

لا يخفى أن المدار في الجمع بين الأخبار حمل ماله ظاهر على خلاف الظاهر ، فعلى ما ذكره لزم أن لا يكون توجيه آية ولا حمل خبر جائزا أصلا ، وهو خلاف ما اتفق عليه جميع العلماء (٢).

وهو ـ رحمه‌الله ـ من أول الكتاب إلى آخره شغله وطريقته ذلك ، وقد أشرنا إلى وجه الجواز ( ومبناه فلاحظ ) (٣).

قوله : يلحق بالهذر والهذيان. ( ١ : ٧٢ ).

لا يخفى أنه ـ رحمه‌الله ـ صرح بأنه تمحل ، وما ذكره الشارح هو وجه كونه تمحلا ، فلا وجه للاعتراض عليه بوجه من الوجوه ، سيما بهذا الوجه الذي لا يناسب الأدب.

على أن الدلاء جمع كثرة ، وصيغة الجمع موضوعة للثلاثة فما فوقها بلغ ما بلغ ، أو الأزيد من العشرة كذلك ، ولا يجب أن يكون استعماله منحصرا في أقل مرتبة من مراتبه ، بل كل مرتبة من مراتبه تكون معنى حقيقيا‌

__________________

(١) راجع ص ٣٢.

(٢) في « ب » و « ج » و « د » : الفقهاء.

(٣) ما بين القوسين ليس في « ه‍ ».

١٢٨

لها وإن بلغت ما بلغت ، فيقتضي ذلك جواز الاستعمال في كل مرتبة قطعا ، غاية الأمر أن إفادة تلك المرتبة بخصوصها تحتاج إلى القرينة ، والمقيد الذي ادعاه يكفي لكونه قرينة ، كما اعترف به ، وإن أراد أنه كذلك إن ثبتت القرينة فهذا بعينه هو ما ذكره بقوله : ومع ذلك كله فالمقيد. ، فلا وجه لإيراد آخر ، ولا ما قاله بقوله : ومع ذلك كله. ، ومع ذلك سنشير إلى مقيده.

ثم ما ذكره بقوله : يكاد أن يلحق. ، إن أراد أنه مع القرينة أيضا لا يجوز الإرادة ففساده قد عرفت ، وإن أراد أنه بلا قرينة لا يجوز ، ففيه : أنّه تعالى تكلم بالمتشابه ، كما صرح بقوله ( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ). (١) ، الآية ، وكذلك الحجج صلوات الله عليهم ، كما ورد في الحديث : « إنّ أحاديثنا فيها محكم كمحكم الكتاب ، ومتشابه كمتشابهه » (٢) ، الحديث ، والتتبع أيضا كاشف عن ذلك ، والحكماء أيضا يتكلمون بالمتشابهات على حسب المصالح ، بل أكثر الآيات القرآنية كذلك ( مع أن جميع الأحكام في القرآن ولا نعرفه منه ) (٣) ، فالقول بأنه يكاد يلحق بالهذر والهذيان فيه ما فيه.

وأيضا : إن أراد أن القرينة لا بدّ أن تكون موجودة في نفس الحديث ففساده واضح وقد أشرنا إليه ، وإن أراد أنّه لا بد أن تكون قرينة حالية أو مقالية للمخاطب وليس في ما نحن فيه ، ففيه : أن عدم الوجدان لا تدل على العدم واقعا. والحكم بمجرد أصالة العدم بكون الكلام هذرا وهذيانا ، فيه ما فيه ، وغايته أنا لسنا مكلفين بما لا نفهم الآن لو انسد باب الفهم من الأخبار وكلام‌

__________________

(١) آل عمران : ٧.

(٢) عيون الأخبار ١ : ٢٢٦ / ٣٩ ، الوسائل ٢٧ : ١١٥ أبواب صفات القاضي ب ٩ ح ٢٢.

(٣) ما بين القوسين ليس في « أ » و « و ».

١٢٩

القدماء ، والقدماء فهموا من رواية عمرو بن سعيد (١) كون الكر لخصوص الحمار ، لمعارضة أخبار أخر ، وطريقتهم في أخبار النزح كذلك ، كما أشرنا ، والشيخ صرح بما ذكرنا.

ولما كان الحمار مما يركب يمكن أن يكونوا جعلوا حكمه قرينة معينة على إرادة الكر من الدلاء للدابة ، وإن كان هذا تمحلا عند العلامة أيضا ، إلا أنه ـ رحمه‌الله ـ لما لاحظ طريقتهم في حكاية النزح ، وأن بناءهم على التفريق بين المجتمع في الحديث ، والجمع بين متفرق في الأحاديث ، وجعل بعضها شاهدا على بعض ، ومانعا وصارفا عن بعض ، ومع ذلك حكموا في البقرة بنزح الكر ، فيشبه أن يكون حكمهم هذا من جملة أحكامهم ، فلذا ذكر ـ رحمه‌الله ـ ما ذكر ، فتدبر.

وبالجملة : أقصى ما يرد في هذا الاعتراض أن المقيد الذي يكون خالصا عن جميع الإيرادات سالما من جميع الوجوه ، تحققه في المقام غير معلوم على الشارح وأمثاله ، والعلامة ـ رحمه‌الله ـ يظهر من كلامه أنّ الأمر كذلك ، حيث صرح بالتمحلية ، فلا وجه للإيراد الذي أورده ، سيما مع التطويل والتشديد ، بعبارات ركيكة غير مناسبة إلى الأقل من العلامة ـ رحمه‌الله ـ آية الله في العالمين ، فضلا عنه ، خصوصا مع كون ما ذكره ظاهر الفساد على حسب ما عرفت.

نعم يتوجه عليه أنه إذا عرفت أنه تمحل فلا وجه للاستدلال لهم ثم التصريح بأنه تمحل ، لكن قد عرفت وجه اندفاع هذا الإيراد أيضا عنه ، مع أنه لعله ظهر له أنهم تمسكوا بمثل هذه الرواية في حكم البقرة.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٣٥ / ٦٧٩ ، الاستبصار ١ : ٣٤ / ٩١ ، الوسائل ١ : ١٨٠ أبواب الماء المطلق ب ١٥ ح ٥ ، وانظر المدارك ١ : ٧٤.

١٣٠

قوله : وفيه بحث. ( ١ : ٧٣ ).

فلا وجه للاعتراض عليه ( بل لا وجه لهذا الاعتراض عليه ) (١) أيضا ، وقد أشرنا إلى وجهه.

قوله : وتمام تحقيق المسألة. ( ١ : ٧٣ ).

لا يخفى ما فيه ، لأن مطلق الجمع جزء جمع القلة والكثرة ، وكلي بالنسبة إليهما ، فهو من قبيل استعمال لفظ الكل وإرادة الجزء ، بل الفرد وإرادة الكلي ، بل ما ذكره العلامة ـ رحمه‌الله ـ هو بعينه عموم المجاز الذي صرح الأصوليون بجوازه في المسألة المزبورة ، وعدم نزاع فيه منهم أصلا.

قوله : في المعتبر. ( ١ : ٧٤ ).

لفظ البغل موجود في بعض نسخ التهذيب بعنوان النسخة ، فليلاحظ.

قوله : أما أولا. ( ١ : ٧٤ ).

أما على القول باستحباب النزح ـ وهو الأظهر ـ فلا وجه لأمثال هذه الإيرادات ، من جهة تسامحهم وقد عرفت الجهة (٢) ، وأما على القول بالوجوب فلعل الشهرة في الفتاوى تجبره ، فتأمّل. مع أن أمثال هذه الاعتراضات غير واردة على القدماء أصلا ، كما لا يخفى.

قوله : من إيجاب النزح. ( ١ : ٧٥ ).

وإيجاب السبع لما بين السنور إلى الشاة ، بل وما بين الفأرة إلى السنور أيضا.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ه‍ ».

(٢) راجع ص ١١٤ ، ١١٥.

١٣١

قوله : غير معقول. ( ١ : ٧٥ ).

فيه ما أشرنا إليه في بحث وجوب الغسل لصوم المستحاضة (١) ، وفي المبحث السابق بتمامه.

قوله (٢) : دون الجمل. ( ١ : ٧٥ ).

فيه تأمل نبهنا عليه هناك.

قوله : والأجود إلحاق البقرة. ( ١ : ٧٥ ).

أقول : قوله : حتى بلغت الحمار والبغل ، بعد قوله : ففي كل ذلك يقول : سبع ، شاهد على أنه كان يسأل عن حيوان حيوان بترتيب الجثة في الصغر والكبر ، فيكون قوله : حتى بلغت الحمار والبغل ، في قوة أن يقال : حتى بلغت إلى هذه الجثة ، ولعله لذلك فهم الثلاثة الكر في البقرة أيضا ، كما يظهر من الشيخ ـ رحمه‌الله ـ ذلك ، فلاحظ.

قوله (٣) : لاندراجهما. ( ١ : ٧٥ ).

فيه أيضا تأمّل.

قوله : وإلا فللتوقف. ( ١ : ٧٥ ).

لعله ليس في موضعه ، لما حققناه في الرجال (٤) ، مضافا إلى ما مر آنفا.

قوله : فتكون للاستغراق. ( ١ : ٧٥ ).

يمكن المناقشة في تبادر الشمول للكافر ، بل ويدعى تبادر المسلم ، كما أن المتبادر من لفظ الجنب الذي يقع في البئر أو يغتسل فيه هو المسلم ،

__________________

(١) راجع ص ١٢١.

(٢) هذه الحاشية ليست في « ا ».

(٣) هذه الحاشية توجد في « ه‍ » فقط.

(٤) انظر تعليقات الوحيد على منهج المقال : ٦ ، ١١ ، ٢٤٣.

١٣٢

مع أنّ اليهود والمجوس والصابئ وغيرهم أيضا يغتسلون. والأصحاب أيضا ظاهرهم عدم الاكتفاء بسبع دلاء للكافر.

قوله : وخالف في ذلك ابن إدريس. ( ١ : ٧٦ ).

لا شك في تناول الإنسان للجنب والملوث بالنجاسة كالمني والعذرة ، وظاهر أنهم لا يقولون بالاجتزاء فيها وإن قال بعضهم بالتداخل.

قوله : فلا يزول. ( ١ : ٧٦ ).

وله أن يتمسك باستصحاب نفس النجاسة ، فتدبر.

قوله : منصوص مدفوع. ( ١ : ٧٦ ).

لا شك في أن نجاسة الكفر أمر على حدة ، ونجاسة الموت أمر على حدة ، بل بينهما تبائن كلي ، وقصارى ما يتوهم العموم من وجه ، والمعصوم عليه‌السلام تعرض لحكم نجاسة الموت خاصة ، فكيف يتأتى أن يقال : إنّه تعرض لحكم نجاسة الكفر أيضا ، ويجعل داخلا في المنصوص خارجا عما لا نص فيه ، ولذا لو تعرض لحكم نجاسته وصرح بأن حكمها نزح الجميع لم يعد الكلامان والحكمان متنافيين أصلا ، لا بحسب الظاهر ولا بحسب الواقع ، وإن قال ذلك في موت الكافر في البئر.

على أنّا نقول : أهل العرف لا يفهمون من الحكم المعلّق على الطبيعة أزيد من أنه حكم الطبيعة من حيث هي هي ، أينما وجدت وفي أي فرد معين تحققت ، فتدبر.

قوله : وإذا ثبت الاكتفاء. ( ١ : ٧٦ ).

يمكن لابن إدريس أن يقول : المستفاد من النص أن السبعين للنجاسة الموتية للإنسان من حيث هو إنسان ، وأما النجاسات الأخر فلا يظهر منه ،

١٣٣

ولذا لو كان متلوثا بالمني أو غيره (١) لم يظهر من النص نفي مقدرة حينئذ ، مع أن استفادة العموم بحيث يشمل الكافر لا يخلو من تأمّل أشرنا إلى وجهه.

قوله : وظاهر كلام العلامة. ( ١ : ٧٦ ).

ليس كذلك ، بل كلامه صريح في كون محل النزاع موت الكافر في البئر ، نعم هو حقق تحقيقا من قبل نفسه وعمم التحقيق ، ووجه التعميم أن الفقهاء عندهم بحسب الظاهر أنه لا فرق بين الموت في البئر ووقوع الميت ، لأن علة النجاسة هي الموت ، فتأمّل ( كلامه ) (٢).

قوله : وأما ثانيا. ( ١ : ٧٧ ).

الجمع بين هذا الاعتراض وما سبق ليس بجيد ، إذ لو كان محل النزاع الوقوع ميتا لا جرم يكون احتجاجه بمفهوم الموافقة. إلاّ أن يقال : مع قطع النظر عن كون محل النزاع الوقوع حيا احتجاجه في غاية الظهور ، لكن العلامة صرح بأن دليل ابن إدريس هو الملاقاة حال الحياة ، وعدم اقتضاء الموت التطهير ، ومنعه نجاسته للكفر ، بناء على ما حققه ، كما أشرنا.

قوله : مرجعه إلى الأدلة. ( ١ : ٧٧ ).

أي ما دل على نجاسة الكافر ، لكن هذا على القول باشتراط بقاء المبدء في صدق المشتق فاسد ، وعلى القول الآخر موقوف على كون الكافر الميت من الأفراد الشائعة المتبادرة من لفظ الكافر ، مضافا إلى أن المعتقد هو الروح ، ولعله لذا أمر بالتأمّل.

قوله : ويمكن. ( ١ : ٧٨ ).

فيه إشارة إلى أنه ـ رحمه‌الله ـ يأتي بالنكتة لاختيارهم خصوص‌

__________________

(١) في « ب » و « ج » و « د » زيادة : كما إذا كان جنبا غير متلوث.

(٢) ليس في « ب » و « ج » و « د ».

١٣٤

الخمسين في فتواهم ، وهي أنهم يختارون الأكثر للاحتياط وتحصيل البراءة اليقينية ، ولا يخفى على المتأمّل أن هذه طريقتهم في حكاية النزح ، ومراعاة ما ذكره ـ من أنّ التخيير بين الأقل والأكثر يقتضي عدم وجوب الزائد ـ تحقق مذهب الشارح ـ رحمه‌الله ـ من أن البناء على الاستحباب مطلقا ، إذ ما يقتضي عدم وجوب الزيادة غير مختص بالخصوصية التي ذكرها ، بل هي منها ، بل شدة اختلاف الأخبار والحكم بنزح دلاء على الإطلاق وغير ذلك مما أشرنا إليه في ترجيح عدم انفعال البئر أيضا يقتضي الاستحباب ، بل وأظهر من الاقتضاء. مع أن هذا التخيير أيضا غير مختص بالمقام.

وبالجملة : مراعاة ما ذكره يهدم بنيان بنائهم من الأساس ، فلا يناسب جعله اعتراضا في خصوص المقام. فتأمّل.

قوله : إيجاب أحدهما. ( ١ : ٧٨ ).

لعل مراده أن إيجاب أحدهما في الواقع يستلزم إيجاب الأكثر بحسب الحكم الظاهري ، لأنه مقتضى الدليل ، لأن النجاسة ثابتة حتى يثبت المطهر ، وبالاحتمال لا يثبت ، والترديد لعله لأجل مصلحة اقتضاها المقام.

وكون المراد إيجاب أحدهما تخييرا في الواقع يأباه أن الواجب التخييري عند الشيعة مجموع الأمرين من حيث المجموع ، إلاّ أنّه بفعل أحدهما يسقط الآخر ، وأما وجوب أحدهما مبهما فهو رأي الأشاعرة ، وقد أبطلته الشيعة والمعتزلة ، وزيفوه ، وشنعوا عليهم ، كما قرر في محله.

وأيضا : هذا التوجيه إنما ذكره العلامة لأجل القائلين بأن النزح ليس إلا لرفع النجاسة أو للوجوب تعبدا ، فلا معنى للتخيير في ذلك بين الأقل والأكثر ، والحمل على ما ذكره الشارح يناسب مذاقه لا مذاقهم والتوجيه لهم ، لأن العلامة ـ رحمه‌الله ـ أيضا موافق للشارح ، وعلى تقدير المناسبة ما ذكره العلامة أنسب لمذاقهم ، وعلى تقدير التساوي ما ذكره ـ رحمه‌الله ـ لازم‌

١٣٥

عليهم أيضا ، وعلى تقدير رجحان ما لعلهم ما قنعوا بمجرده في مقام تحصيل البراءة ، وليس ذلك ببعيد عن القدماء ، فتأمّل.

قوله : واختلاف الآبار. ( ١ : ٧٩ ).

لا يخلو عن بعد ، لعدم الاستفصال ، والجمع بين المختلفات في رواية واحدة ، والمسامحة في تعيين مقدار النزح ، وغير ذلك مما هو أمارة الاستحباب ، ولو تم ما ذكره لم يكن الاختلاف دليلا على الاستحباب.

قوله : قلت بول الرجل. ( ١ : ٨٢ ).

الشيخ ادعى إجماع الإمامية على العمل برواية علي بن أبي حمزة (١) ، مضافا إلى أن هذه الرواية منجبرة بالشهرة ، وعلى القول باستحباب النزح لا كلام ولا ضرر أصلا ، ولعل غرض المحقق أنّ الأصحاب يعملون بروايته ، مع أن عادتهم عدم الاتفاق على العمل برواية من أنكر الحق عنادا ، وأكل أموال الكاظم عليه‌السلام ظلما وعدوانا (٢) ، فالظاهر أنهم أخذوا الرواية عنه قبل أن يصدر عنه ما صدر ، فتأمّل.

قوله : وأكثر عدد. ( ١ : ٨٣ ).

هذا على ما فهمه المحقق فاعترض عليه أن الثلاثة إلى العشرة تمييزها بالجمع المجرور ، وما فوقها بالمفرد المنصوب. وربما اعترض عليه أيضا بأن كلامه مبني على أن الدلاء جمع قلة ، لكن في الاستبصار صرح بأنه جمع كثرة ، وهو ما زاد على العشرة ، في ما ورد في الكلب من أنه ينزح له دلاء (٣).

ويمكن توجيه كلامه بأن الدلاء وإن كان جمع كثرة إلاّ أنّ تقييده هنا بلفظ‌

__________________

(١) عدة الأصول ١ : ٣٨١.

(٢) انظر اختيار معرفة الرجال ٢ : ٧٠٥.

(٣) الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠٠ ، ١٠١.

١٣٦

« يسيرة » الذي يؤدي مؤدى القلة قرينة على إرادة القلة منه هاهنا ، وربما يؤيده قوله : هذا الجمع.

وأما ما ذكره من أن أكثر عدد ينسب إلى هذا الجمع عشرة فلما ظهر لك فيما سبق آنفا ، فتأمّل. ولعله لهذا لم يعترض عليه المحقق بمنع أن يؤخذ بالأكثر.

وبما ذكر يظهر ما في قول الشارح ـ رحمه‌الله ـ اعتراضا على العلامة بأنه لا يلزم من عدم التقدير تأخير البيان.

قوله : وإلا لزم تأخير البيان. ( ١ : ٨٣ ).

بناء على رأي الموجبين للنزح ، على حسب ما أشرنا إليه ، فتأمّل.

قوله : هي أقل ما يصلح. ( ١ : ٨٣ ).

هذا لا يناسب قول الشيخ ، لأنه جعل العشرة أكثر عدد يضاف. إلاّ أن يكون مراده تتميم الإيراد على المحقق ، فتأمّل.

قوله : وفيه نظر. ( ١ : ٨٤ ).

أقول : مراده رفع الإيراد الذي أورده المحقق على الشيخ ، لا أنه لا يرد على الشيخ إيراد أصلا ، كيف وهو ـ رحمه‌الله ـ رأيه مخالف لرأي الشيخ في وجوب النزح ، وإن فرض كونه موافقا في المقدار ، بناء على تسامحه في أدلة السنن ، وأما المحقق فرأيه موافق للشيخ في الأمرين ، ومع ذلك لم يورد عليهم بهذا الإيراد ، وكان إضافة العشرة مسلمة عنده على تقدير لزوم الإضافة.

والحاصل أن المحقق لما سلم الأخذ بالأكثر أخذا بالمتيقن ـ أي تحصيلا للبراءة اليقينية ـ وسلم عدم جواز الأخذ بالأقل لعدم الدليل ، كما‌

١٣٧

أشرنا من أنه الظاهر من كلامه ، إلا أنه منع تحقق البراءة بالعشرة في المقام ، لأن قول القائل : عندي دراهم لا يعلم منه أنه لا يخبر عن زيادة عن العشرة ، إنما كان ذلك إذا كان إضافة وليس في المقام إضافة ، أجاب العلامة ـ رحمه‌الله ـ بأن البناء على عدم الإضافة يوجب الإجمال ، لعدم تحقق حد في جانب الأكثر ينتهي إليه ويجعل محصلا للبراءة اليقينية ، فيلزم على هذا تقدير الإضافة حتى لا يتحقق تأخير البيان ، والعشرة هي أقل ما يصلح تقديره ، بناء على وجوب الأخذ بالأكثر في الدلاء المجردة.

وفي بعض نسخ المنتهى لفظ « الأكثر » موضع الأقل ، فلا إشكال ، وقوله : وحوالة على أصالة البراءة ، تأييد لتقدير الإضافة وتعيين المجهول ، وما ذكرنا هو الظاهر من المنتهى ، فلاحظ.

لا يقال : في المنتهى قائل بوجوب النزح ، فكيف قلت : رأيه مخالف؟

قلت : لا يظهر منه مخالفة لرأيه في غير المنتهى ، بل ربما تظهر الموافقة ، مع أن رأيه في المنتهى مخالف لرأي الشيخ في نزح العشرة ، بل اختار رأي الصدوق في نزح دلاء يسيرة ، وجعله خلاف رأي الشيخ.

قوله : مع أن في ثبوت ما ذكره. ( ١ : ٨٤ ).

هذا بعينه ( كلام العلامة ) (١) ـ رحمه‌الله ـ وقد مر في بحث الدابة (٢) وهنا في مقام التوجيه للشيخ ، وقد عرفت أنه مصرح بالفرق ، فلا وجه لهذا الإيراد على العلامة ، رحمه‌الله.

قوله : في وقوع الفأرة. ( ١ : ٨٥ ).

لا يخفى أن الصحيحتين المذكورتين هكذا : « ينزح منه ثلاث دلاء » ، فلفظ الثلاث مذكور فيهما صريحا ، لكن لا يظهر منهما موته فيها ، فيمكن‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « و » : كلامه.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ٧٠.

١٣٨

الحمل على عدم الموت. ويومئ إليه رواية هارون بن حمزة الغنوي (١).

وعلى تقدير الحمل على الموت وشمولها لحالتي التفسخ والانتفاخ لا يقاوم دلالتهما على هذا العموم دلالة ما دل على السبع ، مثل رواية سماعة حيث قال عليه‌السلام فيها : « إن أدركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء » ، فإنها أظهر شمولا لحالتي الانتفاخ والتفسخ ، سيما بعد ملاحظة رواية أبي عيينة المذكورة ، ورواية أبي سعيد المكاري عن الصادق عليه‌السلام : « الفأرة إذا وقعت في البئر فتسلخت ـ على نسخة ـ أو تفسخت ـ على نسخة اخرى ـ فانزح منها سبع دلاء » (٢) ، فالجمع بإدخال ما دل على السبع أولى وأظهر ، ولعل هذا مستند إلحاق الانتفاخ.

والقائلون بالنجاسة أو وجوب النزح تعبدا يحملون مثل الصحيحتين على الموت البتة ، ووجهه ظاهر.

قوله : لدلالة الأخبار. ( ١ : ٨٨ ).

لعل المتبادر من النزول والدخول للجنب أنه لأجل اغتساله.

قوله : والمطلق يحمل على المقيد. ( ١ : ٨٨ ).

يمكن أن يكون حمله ليس من جهة التعارض ، بل من جهة أنه لما رأى الأمر بنزح سبع للوقوع ، وهو في نفسه لا وجه لأن يصير منشأ للنزح ، وسيعترف به في قوله : والحق أن إجراء هذه الأخبار على ظاهرها مشكل (٣) ، ووجد هذا الحكم بعينه لاغتسال الجنب ، وهو يصلح لأن يكون منشأ ، ووجد‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٣٨ / ٦٩٠ ، الاستبصار ١ : ٤١ / ١١٣ ، الوسائل ١ : ١٨٨ أبواب الماء المطلق ب ١٩ ح ٥.

(٢) التهذيب ١ : ٢٣٩ / ٦٩١ ، الاستبصار ١ : ٣٩ / ١١٠ ، الوسائل ١ : ١٨٧ أبواب الماء المطلق ب ١٩ ح ١.

(٣) المدارك ١ : ٩١.

١٣٩

أنه لم يصر سببا لتفاوت أصلا ، ووجد غالب ورود الجنب في الماء لأجل الاغتسال ، ترجح في نظره أن نزح سبع للاغتسال مطلقا. ولعله لهذا فهم المحقق أيضا كذلك ، بل وغيره أيضا.

والحاصل : أن الشهيد الثاني ـ رحمه‌الله ـ ومن وافقه ممن حصل له من تتبع تضاعيف ما ورد في نزح البئر أن النزح لا يكون تعبدا ، بل لا بدّ من تأثير وتأثر في الماء ، ووجدوا ما ورد من المنع عن غسالة الجنب ، ولم يجدوا ما يصلح للتأثير في مجرد مباشرة جسد الجنب ، ووجدوا هذا الحكم من دون تفاوت أصلا في اغتسال الجنب ، مضافا إلى وجدان غلبة ورود الجنب لأجل الاغتسال ، ووجدوا أن أبا بصير سأل هكذا : الجنب يدخل في البئر فيغتسل منها ، وهذا ربما يشعر بأن الراوي يعتقد بأن حكم الاغتسال غير حكم مجرد الدخول ، والمعصوم ربما يظهر أنه قرره على معتقده حيث لم يقل : لم فرقت بين الأمرين؟ ولم يأمر بنزح سبع بمجرد الدخول اغتسل أو لم يغتسل.

لعله بملاحظة المجموع ترجح عندهم ما ترجّح ، ويكون هذا من باب القرينة ، فلا يجب أن يتحقق تعارض ، فتأمّل.

قوله : والعلامة في المختلف. ( ١ : ٨٨ ).

ليس مذهبهما سلب الطهورية ، بل ذكرا ذلك نكتة لغيرهم ، إذ مرادهم سلب كمال الطهورية.

وبالجملة : ما ادعوا أن وجوب النزح يدل عليه ، بل من الخارج.

قوله : من عدم الطهورية. ( ١ : ٨٨ ).

وهو وإن كان كذلك إلاّ أن ملاحظة ما ورد من المنع عن غسالة الجنب وفتاوى القدماء ربما يشعر بأن العلة هي عدم الطهورية على القول به ، أو الكراهة على القول بها ، لا أنه مجرد تعبد ، فتأمّل.

١٤٠