مستند الشّيعة - ج ٩

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي

مستند الشّيعة - ج ٩

المؤلف:

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-013-7
ISBN الدورة:
964-5503-75-2

الصفحات: ٤٥٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

وبه ثقتي

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على سيّدنا

محمّد وآله الطاهرين‌

٥
٦

كتاب الزكاة‌

وهي في اللغة لمعان عديدة ، وفي عرف الشرع للمال المعهود المخرج ، وقد يطلق على إخراجه أيضا ، وعليه يحمل قوله سبحانه : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ) (١).

وهي في المعنى المذكور حقيقة شرعيّة ، يدلّ على ثبوتها التبادر في زمان الشارع بحكم الحدس والوجدان.

وقد عرّفها الفقهاء بتعريفات منتقضة طردا أو عكسا ، ولكن الأمر فيها هيّن بعد وضوح المعرّف وظهوره.

والاشتغال بتزييفها وتصحيحها حينئذ قليل الفائدة ، وصرف الوقت في غيره من الأمور المهمّة في الدين هو اللائق بشأن المتّقين.

ثمَّ إنّ وجوبها ثابت بالكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، بل الضرورة. وهي أحد الأركان الخمسة ، والنصوص في فضلها وعقاب تاركها متواترة ، بل لا تكاد تحصى من الكثرة ، وكتب الفقه والحديث بها مشحونة.

وهي قسمان : زكاة المال ، وزكاة الفطرة. فنبيّن أحكامها في مقصدين :

__________________

(١) المؤمنون : ٤.

٧
٨

المقصد الأول

في زكاة المال‌

والكلام فيها : إمّا في من تجب عليه .. أو في ما تجب فيه ، وشرائطه ، والقدر الواجب فيه إخراجه. أو في ما تستحبّ الزكاة فيه .. أو في مصرفها ، وكيفيّة صرفها ، ووقته.

فهاهنا أربعة أبواب :

٩
١٠

الباب الأول

في من تجب عليه‌

أي بيان شرائط وجوبها بحسب أحوال المكلّف ، وهي أمور :

الشرط الأول والثاني : البلوغ ، والعقل.

فلا تجب زكاة في مال الصبي ، ولا المجنون مطلقا ، نقدا كان المال أو غيره.

بلا خلاف في النقد ، كما في الذخيرة والحدائق (١) ، بل بالإجماع ، كما ذكره الفاضلان (٢) ، والشهيدان (٣) ، وغيرهم (٤).

وأمّا ما ذكره ابن حمزة ـ كما نقله في المختلف (٥) من قوله : وتجب الزكاة في مال الطفل ـ فالظاهر ـ كما قيل ـ أنّ المراد به في الجملة.

كما أنّ ما حكي عن المقنعة ـ من وجوبها في مال التجارة للطفل (٦) ـ محمول على إرادة الاستحباب ، كما يأتي.

وعلى الأصحّ الأشهر بين المتأخّرين في غيره ، وإليه ذهب السيّد في الجمل (٧) ، والحلّي (٨) ، والديلمي (٩) ، والإسكافي (١٠) ، والعماني (١١) ، والفاضلان (١٢) ،

__________________

(١) الذخيرة : ٤٢٠ ، والحدائق ١٢ : ١٧.

(٢) المحقق في المعتبر ٢ : ٤٨٦ ، والعلاّمة في المنتهى ١ : ٤٧١.

(٣) الشهيد الأول في البيان : ٢٧٦ ، والشهيد الثاني في الروضة البهية ٢ : ١٢.

(٤) كصاحب الرياض ١ : ٢٦١.

(٥) المختلف : ١٧٢ ، وهو في الوسيلة : ١٢١.

(٦) المقنعة : ٢٣٨.

(٧) جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى ٣ ) : ٧٤.

(٨) السرائر ١ : ٤٢٩.

(٩) المراسم : ١٢٨.

(١٠) حكاه عنهما في المختلف : ١٧٢.

(١١) حكاه عنهما في المختلف : ١٧٢.

(١٢) المحقق في المعتبر ٢ : ٤٨٨ ، والشرائع ١ : ١٤٠ ، والعلامة في التذكرة ١ : ١٩٩ ، والمنتهى ١ : ٤٧٢.

١١

بل نسبه في التحرير إلى أكثر علمائنا (١).

ويدلّ على الحكم مطلقا : الأصل ، لاختصاص أدلّة وجوب الزكاة بالمكلّفين ، وحديث رفع القلم (٢) بضميمة أصالة عدم تعلّق التكليف بالولي.

وقد يستدلّ أيضا بقوله سبحانه ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) (٣) ، حيث إنّه لا يتمشّى التطهير عن الآثام في غير أهل التكليف. وفيه نظر (٤).

ويدلّ على انتفاء الزكاة في مال الصبيّ مطلقا أيضا حكمهم عليهم‌السلام بانتفاء الزكاة في مال اليتيم بعبارات مختلفة ، كما في الصحاح الأربع : لزرارة (٥) ، ومحمّد بن القاسم (٦) ، والحلبي (٧) ، ومحمّد (٨) ، وحسنة محمّد (٩) ، والموثّقات الأربع : لعمر بن أبي شعبة (١٠) ، وأبي بصير (١١) ،

__________________

(١) التحرير ١ : ٥٧.

(٢) الخصال ١ : ٩٣ ـ ٤٠ ، الوسائل ١ : ٤٥ أبواب مقدمة العبادات ب ٤ ح ١١.

(٣) التوبة : ١٠٣.

(٤) وجه النظر : أنه لا عموم في ضمير أموالهم لمن تجب عليه الزكاة ، بل لطائفة خاصة.

(٥) التهذيب ٤ : ٢٦ ـ ٦٢ ، الوسائل ٩ : ٨٥ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٨.

(٦) الكافي ٣ : ٥٤١ ـ ٨ ، الفقيه ٢ : ١١٥ ـ ٤٩٥ ، التهذيب ٤ : ٣٠ ـ ٧٤ ، الوسائل ٩ : ٨٤ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٤.

(٧) الكافي ٣ : ٥٤٠ ـ ١ ، التهذيب ٤ : ٢٦ ـ ٦٠ ، الوسائل ٩ : ٨٣ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ١.

(٨) التهذيب ٤ : ٢٦ ـ ٦١ ، الوسائل ٩ : ٨٥ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٧.

(٩) الكافي ٣ : ٥٤١ ـ ٣ ، الوسائل ٩ : ٨٧ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٢ ح ١.

(١٠) التهذيب ٤ : ٢٧ ـ ٦٤ ، الوسائل ٩ : ٨٦ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ١٠.

(١١) الكافي ٣ : ٥٤١ ـ ٤ ، الوسائل ٩ : ٨٤ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٣.

١٢

ويونس (١) ، وسماعة (٢) ، وروايات السمّان (٣) ، ومروان (٤) ، ومحمّد بن الفضيل (٥).

وفي صحيحة زرارة وبكير : « ليس في مال اليتيم زكاة ، إلاّ أن يتّجر به ، فإن اتّجر به ففيه الزكاة ، والربح لليتيم » (٦) ، وغير ذلك من الروايات.

ولا يضرّ التعبير فيها بلفظ اليتيم الذي هو من لا أب له ، لعدم القول بالفصل بينه وبين سائر الأطفال.

ولا اشتمال بعضها على ثبوت الزكاة في ماله إذا اتّجر به ، لعدم وجوبها في مال التجارة على البالغ كما يأتي ، فهاهنا أولى.

وعلى انتفائها في مال المجنون كذلك : صحيحة البجلي (٧) ، ورواية موسى بن بكر (٨).

ولا يظنّ اختصاصهما بالنقدين ـ من حيث تضمّنهما العمل والتجارة في المال ـ لتأتّيهما في غير النقدين أيضا.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٥٤١ ـ ٧ ، التهذيب ٤ : ٢٧ ـ ٦٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٩ ـ ٨٤ ، الوسائل ٩ : ٨٥ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٥.

(٢) التهذيب ٤ : ٢٨ ـ ٦٩ ، الاستبصار ٢ : ٣٠ ـ ٨٧ ، الوسائل ٩ : ٨٨ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٢ ح ٥.

(٣) الكافي ٣ : ٥٤١ ـ ٦ ، التهذيب ٤ : ٢٧ ـ ٦٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٩ ـ ٨٣ ، الوسائل ٩ : ٨٧ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٢ ح ٢.

(٤) التهذيب ٤ : ٢٧ ـ ٦٣ ، الوسائل ٩ : ٨٦ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٩.

(٥) التهذيب ٤ : ٢٧ ـ ٦٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٩ ـ ٨٥ ، الوسائل ٩ : ٨٨ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٢ ح ٤.

(٦) الفقيه ٢ : ٩ ـ ٢٧ ، الوسائل ٩ : ٨٩ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٢ ح ٨.

(٧) الكافي ٣ : ٥٤٢ ـ ٢ ، التهذيب ٤ : ٣٠ ـ ٧٥ ، الوسائل ٩ : ٩٠ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٣ ح ١.

(٨) الكافي ٣ : ٢٤٥ ـ ٣ ، التهذيب ٤ : ٣٠ ـ ٧٦ ، الوسائل ٩ : ٩٠ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٣ ح ٢.

١٣

وعلى انتفائها في خصوص غلاّت اليتيم : صحيحة أبي بصير : « وليس على جميع غلاّته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة ، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ، ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك ، فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة » (١).

وحملها على نفي الاستغراق بعيد جدّا ، سيّما بملاحظة صدر الرواية وذيلها.

خلافا في غير النقدين ـ من الغلاّت والمواشي ـ للمحكيّ عن الشيخين (٢) ، والقاضي (٣) ، والحلبي (٤) ، بل نسبه في الناصريّات إلى أكثر أصحابنا (٥) ، وجعله في النافع الأحوط (٦) ، فأوجبوا الزكاة فيها.

أمّا في غلاّت الأطفال ، فلصحيحة محمّد وزرارة ، عن الصادقين عليهما السّلام : « ليس على مال اليتيم في الدين والمال الصامت شي‌ء ، وأمّا الغلاّت فعليها الصدقة واجبة » (٧).

والجواب عنها : أنّها مرجوحة بالنسبة إلى الأولى بموافقة العامّة ، كما ذكره في المنتهى (٨).

بل تدلّ عليه رواية مروان : « كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم ،

__________________

(١) التهذيب ٤ : ٢٩ ـ ٧٣ ، الاستبصار ٢ : ٣١ ـ ٩١ ، الوسائل ٩ : ٨٦ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ١١.

(٢) المفيد في المقنعة : ٢٣٨ ، والشيخ في النهاية : ١٧٤ ، والمبسوط ١ : ١٩٠.

(٣) المهذب ١ : ١٦٨.

(٤) الكافي في الفقه : ١٦٥.

(٥) المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ٢٠٥.

(٦) المختصر النافع : ٥٣.

(٧) الكافي ٣ : ٥٤١ ـ ٥ ، التهذيب ٤ : ٢٩ ـ ٧٢ ، الاستبصار ٢ : ٣١ ـ ٩٠ ، الوسائل ٩ : ٨٣ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٢.

(٨) المنتهى ١ : ٤٧٢.

١٤

ليس عليه زكاة » (١).

مع أنّه مع التكافؤ يرجع إلى العمومات والأصل ، وهما مع النفي.

مع أنّ في دلالة الصحيحة على الوجوب بالمعنى المصطلح نظرا ، لأنّ الوجوب في اللغة : الثبوت ، والمسلّم ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه ـ لو سلّم ـ هو الوجوب الواقع على المكلّفين ، وهو هنا واقع على الصدقة.

وأمّا في مواشيهم ومواشي المجانين وغلاّتهم ، فلعموم قوله سبحانه : ( فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ) (٢).

وعموم الأخبار المثبتة للنصب وما يخرج منها ، كقوله : « في ما سقت السماء العشر » (٣).

والجواب ، أمّا عن الآية : بأنّ الضمير فيها يعود إلى ما لا يشمل الأطفال والمجانين أولا.

وبعدم دلالتها على الوجوب ثانيا.

وبعدم ثبوت كون الحقّ المعلوم الزكاة ثالثا ، بل في رواية سماعة : « الحقّ المعلوم ليس من الزكاة ، هو الشي‌ء تخرجه من مالك ، إن شئت كلّ جمعة ، وإن شئت كلّ شهر » (٤).

وأمّا عن عموم الأخبار : فبأنّها مسوقة لبيان النصب والعدد المخرج في ما تجب فيه الزكاة ، وهو هنا أول المسألة ، مع أنّه لو سلّم العمومان يجب تخصيصهما بما مرّ من الأخبار النافية للزكاة في مال اليتيم والمجنون مطلقا.

__________________

(١) التهذيب ٤ : ٢٧ ـ ٦٣ ، الوسائل ٩ : ٨٦ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ١ ح ٩.

(٢) المعارج : ٢٤.

(٣) الوسائل ٩ : ١٨٢ أبواب زكاة الغلات ب ٤.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٥ ـ ٩٤ ، الوسائل ٩ : ٥١ أبواب ما تجب فيه الزكاة ب ٧ ح ١١.

١٥

فروع :

أ : هل الحمل ملحق بالصبي في ما عزل له ، أو لا؟

قطع في التذكرة بالأول (١) ، وفي الإيضاح : إنّ إجماع أصحابنا على أنّه قبل انفصال الحمل لا زكاة في ماله ، لا وجوبا ولا غيره ، وإنّما تثبت وجوبا على القول به ، أو استحبابا على الحقّ ، بعد الانفصال (٢). انتهى.

وقيل : يبنى على دخوله في مفهوم اليتيم ، فإن دخل لم تجب في نصيبه زكاة ، وإلاّ وجبت ، لعموم مثل قوله : « في ما سقت السماء العشر » ، و : « في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم » (٣) ، ونحوهما.

واستقرب في البيان أنّه يراعى بالانفصال (٤) ، ( وهو الحقّ ) (٥).

فلو انفصل حيّا لم تجب فيه زكاة ، لانكشاف كون المال للجنين ، ولذا يكون نماؤه له ، ولا زكاة في ماله ، إمّا لصدق اليتيم ، أو للأولويّة بالنسبة إلى المنفصل ، أو للإجماع المركّب.

ويؤيّده ما يدلّ بظاهره على تلازم وجوب الزكاة لوجوب الصلاة.

وإن انفصل ميّتا يعلم أنّ المال كان لغيره ، ولذا يكون نماؤه له ، وينتقل إلى وارثه لو مات ذلك الغير ولو قبل سقوط الحمل ، فإن كان الغير جامعا لشرائط وجوب الزكاة ـ التي منها التمكّن من التصرّف ـ وجبت الزكاة فيه ، لأدلّتها ، ولعموم مثل : « في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم ».

ولا ينافيه الإجماع المنقول في الإيضاح ، لأنّا أيضا نقول بعدم وجوب‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٢٠١.

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ١٦٧.

(٣) الوسائل ٩ : ١٤٢ أبواب زكاة الذهب والفضة ب ٢.

(٤) البيان : ٢٧٧.

(٥) ليس في « ح ».

١٦

الزكاة قبل الانفصال.

ب : يشترط الكمال بالبلوغ والعقل في تعلّق الزكاة بالنقدين والمواشي طول حول ، فلا زكاة بعد ( الكمال ) (١) في ما حال حوله قبل الكمال ، ولا بعد تمام الحول في ما حال بعض حوله قبله ، بل يستأنف الحول من حين الكمال.

وتدلّ على الأول ـ بعد الإجماع ـ صحيحة أبي بصير السالفة (٢) ، فإنّ معنى « ما مضى » : ما سبق زمان تعلّق الزكاة به على زمان البلوغ ، ويصدق على ما حال حوله قبل البلوغ أنّه مضى.

وكذا قوله : « فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة » بأيّ معنى أخذ يدلّ على ذلك ، إذ لولاه لكان عليه زكوات عديدة للأحوال المتعدّدة.

وعلى الثاني : قوله في موثّقة إسحاق بن عمّار ـ بعد السؤال عن الدين المقبوض ـ أيزكّيه؟ قال : « لا ، حتى يحول عليه الحول في يده » (٣).

وفي الأخرى ـ بعد السؤال عن ميراث الغائب ـ أيزكّيه حين يقدم؟

قال : « لا ، حتى يحول عليه الحول وهو عنده » (٤).

وفي ثالثة ـ بعد السؤال عن ميراث الغائب أيضا ـ أنّه إذا جاء هو أيزكّيه؟ قال : « لا ، حتّى يحول عليه الحول وهو في يده » (٥).

وفي رابعة ـ بعد السؤال عن ثمن وصيفة إذا باعها ـ أيزكّي ثمنها؟

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « ق » : كمال زمان تعلق الزكاة.

(٢) راجع ص ١٤.

(٣) التهذيب ٤ : ٣٤ ـ ٨٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٨ ـ ٧٩ ، الوسائل ٩ : ٩٦ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٦ ح ٣.

(٤) الكافي ٣ : ٥٢٧ ـ ٥ ، التهذيب ٤ : ٣٤ ـ ٨٩ ، الوسائل ٩ : ٩٤ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٥ ح ٣.

(٥) الكافي ٣ : ٥٢٤ ـ ١ ، الوسائل ٩ : ٩٣ أبواب من تجب عليه الزكاة ب ٥ ح ٢.

١٧

قال : « لا ، حتى يحول عليه الحول وهو في يده » (١).

وفي صحيحة الفضلاء الخمسة : « وكلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شي‌ء عليه فيه » (٢).

وفي صحيحة عليّ بن يقطين : « كلّ ما لم يحل عليه عندك الحول فليس عليك فيه زكاة » (٣).

وفي حسنة زرارة وعبيد : « فلا شي‌ء عليه فيها حتى يحوّله مالا ، ويحول عليه الحول وهو عنده » (٤) ، إلى غير ذلك.

ولا شكّ أنّه لا يكون المال في يد الصبيّ والمجنون ولا عنده.

ويدل عليه أيضا ما يأتي من اشتراط التمكّن من التصرّف فيه طول الحول ، وهما غير متمكّنين. وكون تصرّف الولي تصرّفه ويده يده ممنوع ، كما يأتي في زكاة المال الغائب.

وقد يستدلّ لذلك أيضا بصحيحة أبي بصير السابقة (٥).

وفي دلالتها عليه نظر ، إذ صدق ما مضى على ما بقي بعض حوله غير معلوم ، وحمل قوله : « حتى يدرك » على « يحول عليه الحول عنده » غير متعيّن.

ولذا تأمّل صاحب الذخيرة في هذا الحكم (٦). ولكنّه لا وجه له بعد‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٥٢٩ ـ ٦ ، الوسائل ٩ : ٧٥ أبواب ما تجب فيه الزكاة ب ١٤ ح ٤.

(٢) الكافي ٣ : ٥٣٤ ـ ١ ، التهذيب ٤ : ٤١ ـ ١٠٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٣ ـ ٦٥ ، الوسائل ٩ : ١٢١ أبواب زكاة الأنعام ب ٨ ح ١.

(٣) الكافي ٣ : ٥١٨ ـ ٨ ، التهذيب ٤ : ٨ ـ ١٩ ، الاستبصار ٢ : ٦ ـ ١٣ ، الوسائل ٩ : ١٦٩ أبواب زكاة الذهب والفضة ب ١٥ ح ٣.

(٤) الكافي ٣ : ٥١٥ ـ ١ ، التهذيب ٤ : ٤٠ ـ ١٠٢ ، الوسائل ٩ : ١٩٤ أبواب زكاة الغلات ب ١١ ح ١.

(٥) في ص ١٤.

(٦) الذخيرة : ٤٢١.

١٨

دلالة غيرها عليه.

هذا حكم النقدين والمواشي.

وأمّا الغلاّت ، فيشترط الكمال قبل وقت تعلق الوجوب بها ، من بدو الصلاح وانعقاد الحبّ أو صدق الاسم ، فلو كمل بعده لم تجب عليه زكاة وإن كان قبل الحصاد ، لقوله في صحيحة أبي بصير : « فليس عليه لما مضى زكاة » ، لصدق المضيّ.

وللاستصحاب ، حيث إنّه لم تجب في تلك الغلّة قبل كمال ربّها زكاة ، فيستصحب. ولا يندفع بإطلاقات وجوب الزكاة ، لأنّه خرجت منها هذه الغلّة قبل كمال الرب ، فعودها يحتاج إلى دليل.

ج : المجنون الدوري إن بلغ دور إفاقته حولا ، تجب عليه زكاة ما حال عليه ذلك الحول إجماعا ، كما أنّه لا تجب عليه زكاة ما حال عليه حول جنونه.

ولو كان بعض الحول حين إفاقته وبعضه حين جنونه ، أو لم يبلغ دوره الحول مطلقا ، فصرّح في التذكرة والنهاية (١) وجمع آخر من متأخّري المتأخّرين (٢) بعدم وجوب الزكاة فيه ، ووجوب استئناف الحول من حين الإفاقة بشرط بقائها إلى تمامه.

واستقرب في المدارك تعلّق الوجوب حال الإفاقة (٣) ، واستحسنه في الذخيرة (٤) ، لعموم الأدلّة ، وعدم مانع من توجّه الخطاب إليه حينئذ.

قال في الذخيرة : إلاّ أن يصدق عليه المجنون عرفا حين الإفاقة ، كما‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٢٠١ ، نهاية الإحكام ٢ : ٣٠٠.

(٢) كصاحب الحدائق ١٢ : ٢٨ ، وكاشف الغطاء : ٣٤٥ ، وصاحب الرياض ١ : ٢٦٢.

(٣) المدارك ٥ : ١٦.

(٤) الذخيرة : ٤٢١.

١٩

إذا كان زمان الإفاقة قليلا نادرا بالنسبة إلى زمان الجنون.

والحقّ هو الأول ، لما مرّ من اشتراط حولان الحول عليه في يده وعنده ، وليس مال ذي الأدوار كذلك ، لرفع يده عنه بالحجر حال الجنون ، وعدم تمكّنه من التصرّف فيه.

وبذلك تخصّص العمومات ، إلاّ أن يكون زمان جنونه قليلا جدّا بحيث لا يحكم بخروج ماله عن يده ، وعن كونه في ما عنده عرفا ، فإنّ الظاهر عدم الالتفات إلى هذا الجنون ، كمن جنّ طول الحول ساعة ثمَّ أفيق.

ومنه يظهر ضعف القول الثاني ، مع أنّه على فرضه لا وجه للاستثناء الذي ذكره في الذخيرة ، لأنّ حال الإفاقة وإن كانت قليلة جدّا ، فليس في تلك الحال مجنونا حقيقة وواقعا ، ولذا تجب عليه الصلاة لو كانت بقدرها ، فلا يكون مانع من تعلّق الخطاب إليه. وإطلاق المجنون عليه أعمّ من الحقيقة ، بل صحّة السلب أمارة المجاز.

هذا حكم غير الغلاّت ، وأمّا هي فالمعتبر فيها وقت تعلّق وجوب الزكاة ، فإن كان فيه مجنونا لا تجب ، وإن كان مفاقا تجب.

د : قال في التذكرة : تجب الزكاة على الساهي والنائم والمغفّل ، دون المغمى عليه ، لأنّه تكليف وليس من أهله (١).

وتنظّر فيه جمع ممّن تأخّر عنه (٢) ، وهو كذلك ، لأنّه إن أراد المغمى عليه حال تمام الحول ، ففيه :

أولا : إنّ النائم والساهي أيضا ليسا من أهل التكليف ، فالفرق غير واضح ، والقياس على قضاء الصلاة ـ حيث لا يجب على المغمى عليه ويجب على أخويه ـ باطل ، لأنّه من جهة النصوص ، مع أنّ ذلك ليس قضاء.

__________________

(١) التذكرة ١ : ٢٠١.

(٢) كصاحبي المدارك ٥ : ١٦ ، والذخيرة : ٤٢١.

٢٠