مستند الشّيعة - ج ١

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي

مستند الشّيعة - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-76-0
ISBN الدورة:
964-5503-75-2

الصفحات: ٤١٦
  نسخة غير مصححة

وفحوى الخبر : عن صاحب له فلاح يكون على سطحه الحنطة والشعير ويعملون عليه ، فغضب عليه‌السلام وقال : « لو لا أرى أنّه من أصحابنا للعنته » (١).

وأما الرابع : فلإيجابه هتك الشريعة والاستخفاف بها ، مضافا إلى فحوى المستفيضة الناهية عن الاستنجاء أو دخول الكنيف وفي اليد خاتم عليه اسم الله (٢) ، وفحوى ما دلّ على منع مسّ المحدث بالجنابة لبعض أقسامه (٣).

وفي الإجزاء والتطهر باستعمال شي‌ء من الأربعة وعدمه قولان :

الأول : للفاضل (٤) وبعض الثلاثة (٥) ، لإطلاق الموثق والحسن.

والثاني : عن السيد والشيخ والحلي وابن زهرة (٦) ، مدعيا عليه الإجماع ، والمحقق (٧) ، واختاره والدي العلامة ـ رحمه‌الله ـ في الكتابين مدّعيا عليه الشهرة في أحدهما ، للاستصحاب ، ونقل الإجماع.

وقوله : « لا يصلح » في خبر ليث. والمروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « لا تستنجوا بعظم ولا روث فإنّهما لا يطهّران » (٨) ، ودلالة النهي على الفساد.

ويضعف الأول : باندفاعه بالإطلاق ، والثاني : بمنع الحجية ، والثالث : بما مر من الإجمال ، والرابع : بالاختصاص بالأولين مع الضعف ، والخامس :

__________________

(١) المحاسن : ٥٨٨ ، الوسائل ٢٤ : أبواب آداب المائدة ب ٧٩ ح ٣ ، وفيهما : « يطؤونه ويصلّون عليه » بدل : « يعملون عليه ».

(٢) راجع الوسائل ١ : ٣٣٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١٧.

(٣) راجع الوسائل ٢ : ٢١٤ أبواب الجنابة ب ١٨.

(٤) نهاية الأحكام ١ : ٨٩ ، المنتهى ١ : ٤٦ ، التذكرة ١ : ١٣.

(٥) كصاحب المدارك ١ : ١٧٣.

(٦) المبسوط ١ : ١٧ ، السرائر ١ : ٩٦ ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٤٩ ، وأمّا السيد فلم نعثر على كلامه.

(٧) المعتبر ١ : ١٣٣ ، الشرائع ١ : ١٩.

(٨) سنن الدار قطني ١ : ٥٦.

٣٨١

بالمنع في أمثال المقام.

نعم ، لانجبار ضعف الرابع بحكاية الشهرة والإجماع يثبت الحكم في مورده ، ويمكن التعدّي بعدم الفصل إن ثبت ، وهو غير معلوم.

هـ : الاستنجاء المرخّص فيه الاستجمار والمحكوم بطهارة [ غسالته ] (١) عند القائلين بنجاسة الغسالة هو الوارد على المخرج الطبيعي ، فلا يجري حكمه في غيره ولو مع انسداد الطبيعي ، للاستصحاب ، وعدم معلوميّة صدق الاستنجاء.

__________________

(١) في جميع النسخ : غسله ، وما أثبتناه لاستقامة المعنى.

٣٨٢

الفصل الثاني : في مستحباتها زيادة على ما علم ممّا سبق‌

فمنها : الاستتار عن الناس في الغائط خاصة‌ بحيث لا يراه أحد ، بأن يبعد أو يدخل بيتا أو يلج حفيرة ، لاشتهاره بين العلماء ، والتأسي بالنبي ، فإنّه لم ير على غائط قطّ ، والمروي في الاحتجاج المتقدم ذكره (١).

وفي شرح النفلية للشهيد ، قال عليه‌السلام : « من أتى الغائط فليستر » (٢).

والمروي في الدعائم : « من فقه الرجل ارتياد مكان الغائط والبول والنخامة » يعنون عليهم‌السلام أن لا يكون ذلك بحيث يراه الناس ـ إلى أن قال : « ينبغي أن يكون المخرج في أستر موضع في الدار » (٣).

ويستفاد منه استحباب استتار الغائط والبول أيضا ، فهو مستحب آخر.

ومنها : تغطية الرأس‌ ، لفتوى الأصحاب ، ونقل الوفاق عن المعتبر (٤) والذكرى (٥).

والمروي في الدعائم : « إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل الخلاء تقنّع وغطّى رأسه » (٦).

ويستفاد منه استحباب التقنع أيضا.

ويدلّ عليه : المروي في المجالس ، والمكارم : « يا أبا ذر استحي من الله ، فإنّي والذي نفسي بيده لأظل حين أذهب إلى الخلاء مقنعا بثوبي » (٧).

__________________

(١) في ص ٣٦٠.

(٢) روى عنه في الوسائل ١ : ٣٠٦ أبواب أحكام الخلوة ب ٤ ح ٤.

(٣) الدعائم ١ : ١٠٤ ، المستدرك ١ : ٢٤٩ أبواب أحكام الخلوة ب ٤ ح ٤.

(٤) المعتبر ١ : ١٣٣.

(٥) الذكرى : ٢٠.

(٦) الدعائم ١ : ١٠٤ ، المستدرك ١ : ٢٤٧ أبواب أحكام الخلوة ب ٣ ح ١.

(٧) مجالس الطوسي ، : ٥٤٥ ، مكارم الأخلاق ٢ : ٣٧٢ ، الوسائل ١ : ٣٠٤ أبواب أحكام الخلوة ب ٣ ح ٣.

٣٨٣

ولا تكفي التغطية عنه. وهل يكفي عنها؟ ظاهر العطف في رواية الدعائم : العدم.

ومنها : الدعاء بالمأثور عند التقنع سرّا في نفسه‌ ، وعند إرادة الدخول واقفا ملتفتا يمينا وشمالا إلى ملكيه تارة ، ومطلقا اخرى ، وعند الدخول ، والكشف ، والجلوس ، والحدث ، والنظر ، والاستنجاء ، والفراغ ، والخروج مطلقا تارة ، وبعد مسح البطن اخرى ، لورود جميع ذلك في الأخبار (١). وفي ما اختلفت فيه الروايات من الدعوات يتخير.

ويستصحب خصوص التسمية عند كشف العورة لبول أو غيره ، للخبرين :« إذا انكشف أحدكم لبول أو غير ذلك فليقل بسم الله ، فإنّ الشيطان يغضّ بصره » (٢).

ومنها : تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج‌ في البنيان ، لاشتهاره بين الأصحاب (٣).

ولا يبعد إجزاء الحكم في موضع الجلوس في غير البنيان ، لفتوى بعضهم (٤).

ومنها : الاعتماد على اليسرى حال الجلوس‌ ، لشهادة غير واحد (٥) بكونه مرويا.

ومنها : اختيار موضع مرتفع أو كثير التراب للبول‌ ، لمرسلة الفقيه : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أشدّ الناس توقيا عن البول ، حتى أنّه كان إذا أراد‌

__________________

(١) راجع الوسائل ١ : ٣٠٦ أبواب أحكام الخلوة ب ٥.

(٢) الفقيه ١ : ١٨ ـ ٤٣ ، التهذيب ١ : ٣٥٣ ـ ١٠٤٧ ، الوسائل ١ : ٣٠٧ ، ٣٠٨ أبواب أحكام الخلوة ب ٥ ح ٩ ، ٤.

(٣) منهم الشيخ في المبسوط ١ : ١٨ ، والمحقق في المعتبر ١ : ١٣٤ ، والعلاّمة في التذكرة ١ : ١٣.

(٤) العلامة في نهاية الاحكام ١ : ٨١ ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ١ : ٢٠.

(٥) العلامة في نهاية الاحكام ١ : ٨١ ، والشهيد في الذكرى : ٢٠.

٣٨٤

البول عمد إلى مكان مرتفع من الأرض ، أو مكان يكون فيه التراب الكثير ، كراهة أن ينضح عليه البول » (١) وغيرها من الأخبار.

ومنها : تأخير كشف العورة حتى يدنو من الأرض‌ ، للتأسي ، كما قيل (٢).

وتقديم الدبر على الذكر في الاستنجاء ، لموثّقة الساباطي : عن الرجل إذا أراد أن يستنجي بأيما يبدأ بالمقعدة أو بالإحليل؟ فقال : « بالمقعدة ثمَّ بالإحليل » (٣).

والأولى مع خوف سراية نجاسة الإحليل إلى اليد أو الكم غسله أولا ، ثمَّ غسل الدبر ، ثمَّ الاستبراء من البول ، ثمَّ غسل الإحليل ثانيا.

ومنها : الاستبراء للرجل‌. ورجحانه ثابت بالإجماع ، وفتاوى الأصحاب ، والمعتبرة من النصوص.

ففي صحيحة البختري : في الرجل يبول قال : « ينتره ثلاثا ، ثمَّ إن سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي » (٤).

وحسنة ابن مسلم : رجل بال ولم يكن معه ماء ، فقال : « يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه ، فإن خرج بعد ذلك شي‌ء فليس من البول ، ولكنه من الحبائل » (٥).

والمروي في نوادر الراوندي : « من بال فليضع إصبعه الوسطى في أصل العجان ثمَّ ليسها ثلاثا » (٦).

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٦ ـ ٣٦.

(٢) التذكرة ١ : ١٣.

(٣) الكافي ٣ : ١٧ الطهارة ب ١٢ ح ٤ ، التهذيب ١ : ٢٩ ـ ٧٦ ، الوسائل ١ : ٣٢٣ أبواب أحكام الخلوة ب ١٤ ح ١.

(٤) التهذيب ١ : ٢٧ ـ ٧٠ ، الاستبصار ١ : ٤٨ ـ ١٣٦ ، الوسائل ١ : ٢٨٣ أبواب أحكام الخلوة ب ١٣ ح ٣.

(٥) الكافي ٣ : ١٩ الطهارة ب ١٣ ح ١ ، التهذيب ١ : ٢٨ ـ ٧١ ، الاستبصار ١ : ٤٩ ـ ١٣٧ ، الوسائل ١ : ٣٢٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١١ ح ٢.

(٦) نوادر الراوندي : ٣٩ ، المستدرك ١ : ٢٦٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١٠ ح ٣.

٣٨٥

وآخر : « كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا بال نتر ذكره ثلاث مرات » (١).

والعامي : « إنّ أحدكم يعذّب في قبره فيقال : إنّه لم يكن يستبرئ عند بوله » (٢).

ويؤيده : إيجابه التوقّي عند النجس ونقض الطهارتين ، كما صرّح به فيما مرّ من الروايتين ، وفي حسنة عبد الملك : في الرجل يبول ثمَّ يستنجي ثمَّ يجد بعد ذلك بللا. قال : « إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأنثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثمَّ استنجى ، فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي » (٣).

واختلفوا في استحبابه ووجوبه.

فالحق المشهور هو الأول ، لظاهر الإجماع ، حيث لا يقدح مخالفة الشاذ فيه ، والأصل ، لعدم دلالة غير روايتي النوادر والعامي على الوجوب من جهة خلوّه عن الدالّ عليه. بل في دلالته على الاستحباب أيضا تأمّل ، لاحتماله الإرشاد لأجل التوقي.

وأمّا هما فلضعفهما الخالي عن الجابر لا يصلحان لإثبات ما عدا الاستحباب.

فالقول بالوجوب ـ كما عن الاستبصار والغنية مدعيا عليه الإجماع (٤) ـ ضعيف غايته ، وإرادتهما الوجوب الشرطي ـ كما قيل (٥) ـ ممكنة.

وأمّا كيفيته فقيل : إنّه أن يعصر من أصل المقعدة إلى الأنثيين أي أصل الذكر ثلاثا ، ومنه إلى طرفه أي رأسه كذلك ، ثمَّ ينتر رأسه (٦) ـ وهو عصره بجذبه‌

__________________

(١) نوادر الراوندي : ٥٤ ، البحار ٧٧ : ٢١٠.

(٢) روى بمضمونه أحاديث متعددة في كنز العمال ٩ : ٣٤٤ ـ ٣٤٥.

(٣) التهذيب ١ : ٢٠ ـ ٥٠ ، الاستبصار ١ : ٩٤ ـ ٣٠٣ ، الوسائل ١ : ٢٨٣ أبواب أحكام الخلوة ب ١٣ ح ٢.

(٤) الاستبصار ١ : ٤٨ ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٤٩.

(٥) الرياض ١ : ٣١.

(٦) الشرائع ١ : ٢٨.

٣٨٦

بقوّة ، كما صرّح به في البحار (١) كذلك ، وهذه تسع مسحات.

وقيل : ست ، بإسقاط الثلاث الأخيرة (٢).

ونسب كلّ من هذين القولين إلى الشهرة (٣) ، ويمكن إرجاعهما إلى واحد.

وعن والد الصدوق : أنّه الثلاث الاولى (٤).

وعن السيد (٥) والمهذب (٦) : أنّه الثلاث الوسطى. واختاره والدي العلاّمة ـ رحمه‌الله ـ في اللوامع والمعتمد ، وحمل الزائد على الأفضلية.

وعن المفيد : أنّه أربعة. بإسقاط الثلاثة الأخيرة ومرة من كل من الأوليين (٧) ، وقد ينسب إليه أنّه اثنان. بإسقاط مرتين من الأوليين مع تمام الأخيرة (٨).

والأصل في الجميع : الأخبار السابقة ، فالأولون يستدلون للستة الاولى : بحسنة عبد الملك ، بإرجاع ضمير التثنية إلى الأنثيين مع إرادة الذكر منه ، والمراد ما بين طرفيه. مضافا إلى الاستدلال للثلاثة الاولى : بالمروي عن النوادر أولا. وللواسطى : بصحيحة البختري ، بإرجاع الضمير إلى الذكر ، وبها يقيد إطلاق الغمز في الأول ، وبحسنة ابن مسلم ، بإرادة رأس الذكر من طرفه الأول ، وبالمروي في النوادر أخيرا. وللثلاثة الأخيرة : بقوله في الحسنة : « وينتر طرفه » بإرادة رأسه منه.

__________________

(١) البحار ٧٧ : ٢٠٦.

(٢) المراسم : ٣٢.

(٣) في الذكرى : ٣٠ ، والمدارك : ٣٠١ ، والذخيرة : نسب القول الأول إلى الشهرة ، وفي الرياض ١ : ٣١ نسب الأول إلى الأشهرية.

(٤) نقله عنه في مفتاح الكرامة ١ : ٥١.

(٥) نقله عنه في المعتبر ١ : ١٣٤.

(٦) المهذب ١ : ٤١.

(٧) المقنعة : ٤٠.

(٨) نسبه في الذخيرة : ٢٠.

٣٨٧

ومنهم من استخراج التسعة من هذه الحسنة بإرادة العراق الواصل بين الدبر والأنثيين من أصل الذكر ورأس الذكر من طرفه.

ومنهم من استنبط الثلاثة الوسطى من حسنة عبد الملك خاصة ، بإرجاع ضمير التثنية إلى المقعدة والأنثيين ، وذكر الغمز لبيان لزوم العصر ، حيث إنّ الخرط مجرّد مدّ اليد.

والقائلون بالثاني استنبطوا الستّ بأحد الوجوه المتقدّمة ، وجعلوا قوله : « ينتر طرفه » بيانا لما أهمل في قوله : « إلى طرفه » من جهة احتمال خروج المغيّى.

ومنهم (١) من فسر الطرف بالذكر كما في قولهم : لا يدري أيّ طرفيه أطول لسانه أو ذكره؟

والثالث : استند إلى صحيحة البختري ، مع تضعيف سائر الروايات سندا ، أو إليها وإلى حسنة ابن مسلم بجعل نتر طرفه بيانا ، كما ذكر ، وردّ الحسنة الأخيرة : بمعارضتها مع مفهوم الحسنة الاولى ، وترجيح الاولى بمعاضدة الصحيحة.

والرابع : تمسك بالحسنتين بجعل أصل الذكر في الأولى العرق المذكور ، وجعل طرفه أصل الذكر ، ونتر الطرف بيانا ، كما ذكر ، وردّ الصحيحة بإجمال المرجع فيها ، فيمكن رجوعه إلى الذكر ، ورأسه ، والبول ، وما بين المقعدة.

والخامس : حمل التعدّد على الأفضلية ، ولا أعرف مستند المرتين إن صحت النسبة.

ومقتضى القواعد : رفيع اليد عن الصحيحة ، لإجمالها كما ذكر ، وقطع النظر عن التأويلات البعيدة التي أوّلوا الحسنتين بها وقصرهما على ما هو الظاهر منهما ، وهو إرادة منتهى الذكر في جانب الأنثيين من أصله ، ورأسه من طرفه في الحسنة الأولى ، فيكون بيانا للثلاثة الوسطى من العصرات ، ويكون نتر الطرف عصر‌

__________________

(١) ذكره في كشف اللثام ١ : ٢١ على وجه الاحتمال.

٣٨٨

الذكر الحاصل من العصرات المذكورة أيضا وإرجاع ضمير التثنية في الثانية إلى المقعدة والأنثيين ، وجعل الغمز بيانا للزوم العصر في الخرط ، فيكون بيانا للثلاثة الأولى. فتكون الحسنة الأولى دليلا للثلاثة الثانية ، والثانية للأولى.

ولكن لتضمّنهما الشرط يحصل التعارض في حصول نقض الطهارة وعدمه بين منطوق كل منهما ومفهوم الآخر ، وإذ لا مرجّح لأحدهما في محلّ التعارض وهو ما إذا أتى بإحدى الثلاثتين دون الأخرى ، ولا قول بالتخيير بين الحكم بكفاية إحداهما في النقض وعدمها ، فيجب الحكم بالتساقط والرجوع إلى الأصل ، وهو مع كفاية كلّ ثلاثة من الثلاثتين الاولى والوسطى ، لأصالة عدم تنجس الثوب والبدن ، وعدم انتقاض الطهارة بعد تحقق إحدى الثلاثتين ، كما ذكروا (١) في الأنثى فإنّه لا استبراء عليها ، ولا تنقض طهارتها بالخارج المشتبه. فهو الحق ، أي حصول الاستبراء بكلّ ثلاثة من الثلاثتين.

ولا يلزم خرق إجماع مركب معلوم سيما في حق من تعارضت عنده الأدلة ، مع أنّ التخيير المجوز في المدارك (٢) هو بعينه ذلك.

والأحوط : الجمع بين الثلاثين : بل هو الأفضل ، للمرويين في النوادر المتقدمين (٣) أو غاية الاحتياط الإتيان بالتّسعة.

وينبغي الابتداء بالثلاثة الأولى حتى يخرج ما بين المقعدة والأنثيين إلى الذكر ، ثمَّ بالوسطى حتى يخرج ما في الذكر أيضا ، ثمَّ بالثلاثة الأخيرة.

ويتخير بين إتمام الثلاثة الاولى ثمَّ تعقيبها بالوسطى ثمَّ بالأخيرة ، وبين تعقيب كل مرة من الاولى بمثلها من الوسطى منفصلة أو متصلة ، وكذا في الأخيرة.

__________________

(١) كما في القواعد ١ : ٤ ، والروض : ٢٥ ، وكشف اللثام ١ : ٢١.

(٢) المدارك ١ : ٣٠١.

(٣) في ص ٣٨٤ ـ ٣٨٥.

٣٨٩

فروع :

أ : يستحب أن يكون الاستبراء باليسار ، لمرسلة الفقيه : « إذا بال الرجل لم يمسّ ذكره بيمينه » (١).

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أنه كانت يمناه لطهوره وطعامه ، ويسراه لخلائه وما كان من أذى » (٢).

ويستحب أن يجعل اليمين لما علا من الأمور واليسار لما دنى.

ب : لو خرج شي‌ء بعد الاستبراء ليس ينجس (٣) ولا ينقض الطهارة ، للأصل ومنطوق الحسنتين (٤). وقبله ينجس وينقض ، لمفهومهما.

ج : الحكم كما أشير إليه يختصّ بالذكر ، فلا استبراء على الأنثى. والمشتبه. الخارج منها لا ينجس ولا ينقض ، للأصل.

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٩ ـ ٥٥ ، الوسائل ١ : ٣٢٢ أبواب أحكام الخلوة ب ١٢ ح ٦.

(٢) سنن أبي داود ١ : ٩.

(٣) في « ق » و « ح » : بنجس.

(٤) المتقدمتين ص ٣٨٤ ـ ٣٨٥.

٣٩٠

الفصل الثالث : في مكروهاتها‌

وهي أيضا أمور :

منها : التخلّي مطلقا ـ بالغائط كان أو البول ـ في الطرق النافذة.

وأما المرفوعة فهي ملك لأربابها ، يحرم التخلّي فيها بدون إذنهم ويباح معه.

والمشارع ـ وهي موارد المياه من شطوط الأنهار ورؤوس الآبار ـ وأفنية المساجد ، وعلى القبور ، وبينها ، وأبواب الدور ، ومنازل النزّال ، وتحت المثمرة من الأشجار.

كل ذلك للاشتهار ، مضافا إلى المستفيضة من الأخبار المتضمنة جميعها لجميعها ، كمرفوعة علي ورواية الاحتجاج المتقدمتين (١).

وصحيحة عاصم : أين يتوضأ الغرباء؟ فقال : « يتّقي شطوط الأنهار والطرق النافذة وتحت الأشجار المثمرة ومواضع اللعن » فقيل له : وأين مواضع اللعن؟ فقال : « أبواب الدور » (٢).

ورواية الكرخي : [ ثلاث خصال ملعون من فعلهنّ ] : المتغوط في ظل النزّال ، .. » (٣).

وخبر السكوني : « نهى رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ أن يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها ، أو نهر يستعذب ، أو تحت شجرة فيها ثمرتها » (٤).

والمروي في الخصال : « يا علي ، ثلاث يتخوف منهن الجنون : التغوط بين‌

__________________

(١) في ص ٣٦٣ و ٣٦٠.

(٢) الكافي ٣ : ١٥ الطهارة ب ١١ ح ٢ ، التهذيب ١ : ٣٠ ـ ٧٨ ، الوسائل ١ : ٣٢٤ أبواب أحكام الخلوة ب ١٥ ح ١.

(٣) الكافي ٣ : ١٦ الطهارة ب ١١ ح ٦ ، التهذيب ١ : ٣٠ ـ ٨٠ ، الوسائل ١ : ٣٢٥ أبواب أحكام الخلوة ب ١٥ ح ٤ ، بدل ما بين المعقوفين في النسخ : « ثلاثة ملعون ملعون من فعلهن » وما أثبتناه موافق للكافي.

(٤) التهذيب ١ : ٣٥٣ ـ ١٠٤٨ ، الوسائل ١ : ٣٢٥ أبواب أحكام الخلوة ب ١٥ ح ٣.

٣٩١

القبور .. » (١).

وفيه وفي المجالس : « إنّ الله كره لكم أربعا وعشرين خصلة ونهاكم عنها إلى أن قال : « كره البول على شط نهر جار ، وكره أن يحدث الرجل تحت شجرة قد أينعت يعني أثمرت » (٢).

وفي الأخير أيضا : « أنّه نهى أن يبول رجل تحت شجرة مثمرة أو على قارعة الطريق » (٣).

وفي الدعائم : « البول في الماء القائم من الجفاء ، ونهي عنه وعن الغائط فيه وفي النهر ، وعلى شفير البئر يستعذب من مائها ، وتحت الشجرة المثمرة ، وبين القبور ، وعلى الطرق والأفنية » (٤).

وفي جامع البزنطي عن الباقر عليه‌السلام : « ولا تبل في الماء ، ولا تخلّ على قبر » (٥).

وصحيحة ابن مسلم : « من تخلّى على قبر أو بال قائما أو بال في ماء قائم ..

فأصابه شي‌ء من الشيطان لم يدعه إلا أن يشاء الله » (٦) إلى غير ذلك.

ورواية الخصال والمجالس وسائر ما يتعقبها يتضمن البول أيضا صريحا أو إطلاقا ، فاختصاص بعض ما تقدم عليها بالغائط وإجمال بعض آخر غير ضائر ، والقول بالتخصيص بالتغوط ـ كبعضهم ـ ساقط.

والإجماع على انتفاء التحريم في هذه المواضع ـ إذ لا يقدح مخالفة النادر ـ يوجب حمل الأمر بالاجتناب والنهي في جملة من تلك الأخبار على الاستحباب‌

__________________

(١) الخصال : ١٢٥ ، الوسائل ١ : ٣٢٩ أبواب أحكام الخلوة ب ١٦ ح ٢.

(٢) الخصال : ٥٢٠ ، مجالس الصدوق : ٢٤٨ ، ٣٤٤ ، الوسائل ١ : ٣٢٧ ، ٣٢٨ أبواب أحكام الخلوة ب ١٥ ح ١٠ و ١١.

(٣) الخصال : ٥٢٠ ، مجالس الصدوق : ٢٤٨ ، ٣٤٤ ، الوسائل ١ : ٣٢٧ ، ٣٢٨ أبواب أحكام الخلوة ب ١٥ ح ١٠ و ١١.

(٤) الدعائم ١ : ١٠٤ ، المستدرك ١ : ٢٧٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١٩ ح ١ وص ٢٦١ ب ١٢ ح ٢.

(٥) نقلها عنه في البحار ٧٧ : ١٩١.

(٦) الكافي ٦ : ٥٣٣ الزي والتجمل ب ٦٩ ح ٢ ، الوسائل ١ : ٣٢٩ أبواب أحكام الخلوة ب ١٦ ح ١.

٣٩٢

والكراهة ، فنفي الجواز فيها كما عن المفيد (١) ، أو في الأخيرين كما عن الصدوق في الهداية والفقيه (٢) ضعيف.

ولو لم يثبت الإجماع على خلافه ، فلا أقل من الشهرة العظيمة المخرجة للأخبار المحرمة عن الحجية ، فلا تصلح إلاّ لإثبات الكراهة ، مع أنّ إرادتهما المعنى الأخص من الجواز ممكنة.

والمثمر ومسقط الثمر ـ كما في الثلاثة الأولى ـ يصدقان على المنقضي عند المبدأ أيضا حقيقة ، بل على ما من شأنه ذلك وإن لم يتلبس ( به بعد ) (٣) ، كما بيّنا في موضعه ، فالكراهة تعم الأشجار المثمرة مطلقا.

واختصاص بعض آخر بما فيه الثمر لا يثمر ، لعدم حجية مفهوم الوصف على الأظهر ، فالتخصيص استنادا إلى ذلك أو إلى اختصاص المشتق بالمتلبس لا يصح.

والاستشهاد بمرسلة الفقيه المعلّلة للكراهة : بمكان الملائكة حين وجود الثمر (٤) لا يتم ، لأن وجود علة في مورد لا ينافي وجود أخرى في آخر.

ودعوى : أصالة عدمها ـ بعد دلالة الإطلاق ـ لا تسمع.

مع أنّ ذلك التعليل لا يفيد الاختصاص ، لجواز أن يكون كونهم هناك في وقت موجبا للنهي عن التخلّي فيه مطلقا تعظيما لهم واستنظافا لمكانهم قبل ذلك وبعده.

ومنها : البول في الأرض الصلبة‌ ، للتصريح بكراهة نضح البول في مرسلة الفقيه (٥) ، وملزوم المكروه ولو في الأغلب مكروه ، ولأنه تحقير وتهاون في البول‌

__________________

(١) المقنعة :

(٢) الهداية ١٥ ، الفقيه ١ : ٢١.

(٣) في « ه‍ » و « ق » : بعد به.

(٤) الفقيه ١ : ٢٢ ـ ٦٤ ، الوسائل ١ : ٣٢٧ أبواب أحكام الخلوة ب ١٥ ح ٨.

(٥) الفقيه ١ : ١٦ ـ ٣٦ ، الوسائل ١ : ٣٣٨ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٢ ح ٢.

٣٩٣

ونهي عنهما في المستفيضة (١) ، ولاستحباب ارتياد الموضع المناسب ، والصلب غير مناسب ، وضد المستحب المكروه.

وفي ثقوب الحشرات ، لورود النهي عنه في بعض الأخبار ، كما صرّح به جماعة (٢).

وفي الحمام ، للمروي في الخصال : « البول في الحمام يورث الفقر » (٣). والمراد منه ما يدخل فيه عرفا ، لا نفس المغسل كما قد يتوهّم.

وحالة القيام ، لصحيحة ابن مسلم المتقدمة (٤) وغيرها.

ومطمحا به أي راميا به إلى الهواء ، كأن يبول من سطح في الهواء ، لرواية السكوني : « نهى النبي أن يطمح الرجل ببوله من السطح أو من الشي‌ء المرتفع في الهواء » (٥).

والمروي في الخصال : « لا يبولن الرجل من سطح في الهواء » (٦).

ومنه البول في البلاليع العميقة.

ولا يتحقق التطميح بالبول في مكان ثمَّ جريانه بميزاب ونحوه في الهواء.

ولا ينافي ذلك ما تقدم من استحباب ارتياد مكان البول كمرتفع ، إذ الارتفاع المعتبر هناك هو بقدر ما يؤمن معه من الترشح. والنهي عن التطميح من‌

__________________

(١) راجع الوسائل ١ : ٣٣٨ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٢.

(٢) أي صرّحوا بورود النهي ، منهم الشهيد في الذكرى : ٢٠ ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ١ : ٢٣ ولم نعثر عليه من طرقنا ، وهو موجود في كتب الجمهور ، انظر سنن أبي داود ١ : ٨. نعم روى في مستدرك الوسائل ١ : ٢٨٦ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٩ ح ١٠ نقلا عن أعلام الدين للديلمي ٣٠٢ : « وقال الباقر عليه‌السلام لبعض أصحابه وقد أراد سفرا .. ولا تبولن في نفق .. » فتأمل.

(٣) الخصال : ٥٠٤ ، الوسائل ١٥ : ٣٤٧ أبواب جهاد النفس ب ٤٩ ح ٢١.

(٤) في ص ٣٩١.

(٥) الكافي ٣ : ١٥ الطهارة ب ١١ ح ٤ ، الوسائل ١ : ٣٥١ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٣ ح ١.

(٦) الخصال : ٦١٣ ، الوسائل ١ : ٣٥٢ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٣ ح ٦.

٣٩٤

السطح أو مكان مرتفع يدل على أن المراد منه ما ذكرنا.

ويظهر من بعض كتب اللغة أنه الرمي إلى فوق (١). ومن علّل الحكم بخوف الرد حمله عليه.

ومنها : استقبال الشمس أو القمر في البول‌ ، للنهي عنها في المستفيضة المحمولة على الكراهة ، لما (٢) سبق.

كرواية السكوني : « نهى أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول » (٣).

ورواية الكاهلي : « لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به » (٤).

وفي المجالس : « ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس والقمر » (٥).

وفي الغائط ، لما في الكافي ـ بعد مرفوعة محمد السابقة في القبلة (٦) ـ : وروي أيضا في حديث ( آخر ) (٧) : « لا تستقبل الشمس ولا القمر » (٨) فإنّه يظهر منه أنّه أيضا حكم الغائط.

وفي العلل : « فإذا أراد البول والغائط ـ إلى أن قال ـ : ولا تستقبل الشمس أو القمر » (٩).

وكذا استدبار القمر حال الغائط ، لما في الفقيه ـ بعد مرفوعة علي‌

__________________

(١) الصحاح ١ : ٣٨٩ ، مجمع البحرين ٢ : ٣٩٣.

(٢) في « ه‍ » : كما.

(٣) التهذيب ١ : ٣٤ ـ ٩١ ، الوسائل ١ : ٣٤٢ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٥ ح ١.

(٤) التهذيب ١ : ٣٤ ـ ٩٢ ، الوسائل ١ : ٣٤٢ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٥ ح ٢.

(٥) مجالس الصدوق : ٣٤٥ « المجالس ٦٦ ».

(٦) في ص ٣٦٢.

(٧) لا توجد في « ق ».

(٨) الكافي ٣ : ١٥ الطهارة ب ١١ ملحق ح ٣ ، الوسائل ١ : ٣٤٣ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٥ ح ٥.

(٩) نقلها في البحار ٧٧ : ١٩٤ ـ ٥٣ عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم.

٣٩٥

السابقة (١) ـ وفي خبر آخر : « لا تستقبل الهلال ولا تستدبره » (٢) لما ذكر.

بل الشمس أيضا حينئذ ، كما هو الظاهر ممّا في العلل في حكم بيان حدود من أراد البول أو الغائط : « وعلة اخرى أنّ فيهما ـ أي في الشمس والقمر ـ نورا مركبا ، فلا يجوز أن يستقبل بالعورتين وفيهما نور من نور الله » (٣) الحديث. والاستقبال بالدبر ـ الذي هو إحدى العورتين ـ هو الاستدبار.

وأما استدبارهما في البول : فلم يرد كراهته في الأخبار ، والأصل عدمها ، فهو الأظهر. والتعدّي بالأولوية باطل جدا.

وظاهر النافع ، والنهاية ، والمدارك (٤) : اختصاص الكراهة بالاستقبال خاصة ، كما أن ظاهر الاقتصاد ، والجمل ، والمصباح (٥) ومختصره ، والديلمي (٦) ، وابن سعيد (٧) ومحتمل الإرشاد ، والبيان ، والنفلية (٨) : التخصيص بالبول ، وظاهر القواعد (٩) : الاختصاص بالاستقبال في البول والاستدبار في الغائط. والصحيح ما ذكرنا.

ثمَّ المكروه في الاستقبال حال البول على الأظهر الأشهر : الاستقبال بالفرج ، لأنّه الثابت من الروايات ، دون البدن كما في القبلة.

وأما حال الغائط وفي الاستدبار بالقمر فالظاهر أنّ المكروه هو الاستقبال والاستدبار بالبدن ، لأنّه مقتضى أخبارهما ، فتأمل.

__________________

(١) في ص ٣٦٣.

(٢) الفقيه ١ : ١٨ ـ ٤٨ ، الوسائل ١ : ٣٤٢ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٥ ح ٣.

(٣) راجع ص ٣٩٤.

(٤) المختصر النافع : ٥ ، النهاية : ١٠ ، المدارك ١ : ١٧٨.

(٥) الاقتصاد : ٢٤١ ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٥٧ ، مصباح المتهجد : ٦.

(٦) المراسم : ٣٣.

(٧) الجامع للشرائع : ٢٦.

(٨) مجمع الفائدة ١ : ٩٤ ، البيان : ٤١ ، النفلية : ٥.

(٩) القواعد ١ : ٤.

٣٩٦

ومنها : استقبال الريح واستدبارها في الغائط ، للمرفوعتين المتقدمتين (١).

واستقباله في البول ، لأخبار النهي عن احتقاره والتهاون به (٢) ، والأمر بالتحفّظ والتوقّي عنه.

ولما في العلل : « ولا تستقبل الريح لعلتين : إحداهما أنّ الريح يردّ البول فيصيب الثوب ولم يعلم ذلك ، أو لم يجد ما يغسله ، والعلة الثانية : أنّ مع الريح ملكا فلا يستقبل بالعورة » (٣).

ويظهر من العلّة الثانية : كراهة الاستدبار في الغائط أيضا مع سرّها.

وأما الاستدبار في البول فلم أجد فيه نصا.

والشيخ (٤) والفاضلان (٥) خصّا الكراهة بالاستقبال والبول.

ومنها : البول في الماء‌ ، للمروي عن جامع البزنطي المتقدمة (٦) ، وإطلاقه يشمل الراكد والجاري.

مضافا في الأول إلى صحيحة ابن مسلم المتقدمة (٧) ، والمروي في العلل :« ولا تبل في ماء نقيع » (٨).

ومرسلة الفقيه : « البول في الماء الراكد يورث النسيان » (٩). وفي جنّة الأمان :

__________________

(١) في ص ٣٦٢.

(٢) راجع الوسائل ١ : ٣٣٩ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٣.

(٣) نقله في البحار ٧٧ : ١٩٤ ـ ٥٣ عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم.

(٤) مصباح المتهجد ٦ ، النهاية : ١٠ ، الاقتصاد : ٢٤١.

(٥) المحقق في الشرائع ١ : ١٩ ، والمختصر النافع : ٥ ، والعلامة في التحرير ١ : ٧ ، والقواعد ١ : ٤.

(٦) في ص ٣٩١.

(٧) في ص ٣٩١.

(٨) علل الشرائع. ٢٨٣ ، الوسائل ١ : ٣٤١ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٤ ح ٦.

(٩) الفقيه ١ : ١٦ ـ بعد ح ٣٥ ، الوسائل ١ : ٣٤١ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٤ ح ٤.

٣٩٧

« أنه ميراث الهموم » (١). وفي غيره : « أنه من الجفاء » (٢). « وأنه يورث الفقر » (٣).

وفي الثاني إلى رواية مسمع : « نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة » (٤).

والمروي في الخصال : « ولا تبولن في ماء جار » إلى أن قال : « فإنّ للماء أهلا » (٥).

وروي : « أنه يورث السلس » (٦).

خلافا للمحكي عن ظاهر الصدوقين (٧) والمفيد (٨) ، فحرّموه في الأول ، لظاهر النهي ، وجعله بعضهم أحوط (٩). وهو كذلك.

وللأولين ، فخصّا الكراهة أو الحرمة بالأول ، لموثقة ابن بكير : « لا بأس في البول في الماء الجاري » (١٠). وفي معناها موثقة سماعة (١١).

وصحيحة الفضيل : قال : « لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري ، وكره‌

__________________

(١) نقله في البحار ٧٧ : ١٩٥ ـ ٥٥.

(٢) الدعائم ١ : ١٠٤ ، المستدرك ١ : ٢٧٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١٩ ح ١.

(٣) غوالي اللئالي ٢ : ١٨٧ ، المستدرك ١ : ٢٧١ أبواب أحكام الخلوة ب ١٩ ح ٦. وفيهما : « يورث الحصر ».

(٤) التهذيب ١ : ٣٤ ـ ٩٠ ، الاستبصار ١ : ١٣ ـ ٢٥ ، الوسائل ١ : ٣٤١ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٤ ح ٣.

(٥) الخصال : ٦١٣.

(٦) غوالي اللئالي ٢ : ١٨٧.

(٧) الفقيه ١ : ١٦ ، الهداية : ١٥ ، وفي كشف اللثام ١ : ٢٢ نقله عن والد الصدوق.

(٨) المقنعة : ٤١.

(٩) الرياض ١ : ١٧.

(١٠) التهذيب ١ : ٤٣ ـ ١٢٢ ، الاستبصار ١ : ١٣ ـ ٢٤ ، الوسائل ١ : ١٤٣ أبواب الماء المطلق ب ٥ ح ٣.

(١١) التهذيب ١ : ٣٤ ـ ٨٩ ، الاستبصار ١ : ١٣ ـ ٢١ ، الوسائل ١ : ١٤٣ أبواب الماء المطلق ب ٥ ح ٤.

٣٩٨

أن يبول في الماء الراكد » (١) فصلّ عليه‌السلام ، والتفصيل قاطع للشركة.

ورواية عنبسة : عن الرجل يبول في الماء الجاري ، قال : « لا بأس به إذا كان الماء جاريا » (٢) فإنّ البأس الثابت بالمفهوم لغير الجاري هو الكراهة ، فيكون هو المنفي في المنطوق.

والجواب عنها على القول بالحرمة في الراكد ظاهر.

وعلى الكراهة ، أمّا عن الموثّقتين : فبأنّ نفي البأس ـ الذي هو العذاب ـ لا ينافي الكراهة.

وأمّا عن الصحيحة : فبجواز عطف « كره » على « قال » فلا يكون في كلامه تفصيل ، فلعلّه ـ عليه‌السلام ـ قال بالكراهة في الراكد في وقت ، ونفى البأس عن الجاري في آخر ، فجمعهما الراوي.

وأمّا عن الرواية : فبأنّه يمكن أن يكون المراد بالبأس المجازي المثبت في المفهوم مرتبة من الكراهة مشابهة ـ لشدة مرجوحية ـ للحرمة ، وبالمنفي في المنطوق ، الأعمّ منها ومن العذاب ، ولهذا خصّص نفي البأس في كثير من الأخبار بالجاري ، وعلى هذا فيكون الكراهة فيه أخفّ ، وهو كذلك. كما أنّه يشتد فيهما بالليل ، لما ينقل من أن الماء بالليل للجن ، فلا يبال فيه ولا يغتسل حذرا من إصابة آفة من جهتهم (٣).

ثمَّ إنّ النصوص مخصوصة بالبول ككلام جماعة (٤).

وتعدّى الأكثر ـ ومنهم الشيخان (٥) ـ إلى الغائط أيضا فكرهوه فيه. ولا بأس‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣١ ـ ٨١ ، الاستبصار ١ : ١٣ ـ ٢٣ ، الوسائل ١ : ١٤٣ أبواب الماء المطلق ب ٥ ح ١.

(٢) التهذيب ١ : ٤٣ ـ ١٢٠ ، الاستبصار ١ : ١٣ ـ ٢٢ ، الوسائل ١ : ١٤٣ أبواب الماء المطلق ب ٥ ح ٢.

(٣) رواه في غوالي اللئالي ٢ : ١٨٧.

(٤) كما في الفقيه ١ : ١٦ ، والشرائع ١ : ١٩ ، والقواعد ١ : ٤.

(٥) المفيد في المقنعة : ٤٢ ، والطوسي في النهاية : ١٠.

٣٩٩

به ، لفتوى هؤلاء الأعاظم ، والتعليل المذكور في رواية الخصال.

وقد يتمسك في التعدّي : بالأولوية أو تنقيح المناط ، وهو كما ترى.

ويستثنى حال الضرورة ، للضرورة ، ورواية مسمع (١).

واستثناء المياه المعدة لذلك مدفوع بإطلاق النصوص.

ومنها : استصحاب الخاتم في اليد عند الخلوة وفيه اسم الله تعالى‌ أو شي‌ء من القرآن ، لرواية الخزاز : أدخل الخلاء وفي يدي خاتم فيه اسم من أسماء الله؟ قال : « لا » (٢).

ورواية أبي القاسم : الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى ، فقال : « ما أحب ذلك » قال : فيكون اسم محمد ، قال : « لا بأس » (٣).

وموثّقة الساباطي : « لا يمسّ الجنب درهما ولا دينارا فيه اسم الله ، ولا يستنج وعليه خاتم فيه اسم الله ، ولا يجامع وهو عليه ، ولا يدخل المخرج وهو عليه » (٤) والمستتر في « يستنجي » ونظائره إلى الرجل المدلول عليه في ضمن الجنب لا الجنب.

والمروي في قرب الإسناد : عن الرجل يجامع ويدخل الكنيف وعليه الخاتم فيه ذكر الله ، أو شي‌ء من القرآن ، يصلح ذلك؟ قال : « لا » (٥).

وهذه الروايات كما ترى مختصة بالخاتم في اليد صريحا كالأول ، وظاهرا كالبواقي ، فلا يفيد تعميم الكراهة بالنسبة إلى مطلق الاستصحاب كما قد يذكر.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣٤ ـ ٩٠ ، الاستبصار ١ : ١٣ ـ ٢٥ ، الوسائل ١ : ٣٤١ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٤ ح ٣.

(٢) الكافي ٣ : ٥٦ الطهارة ب ٣٦ ح ٨ ، الوسائل ١ : ٣٣٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١٧ ح ١.

(٣) التهذيب ١ : ٣٢ ـ ٨٤ ، الاستبصار ١ : ٤٨ ـ ١٣٥ ، الوسائل ١ : ٣٣٢ أبواب أحكام الخلوة ب ١٧ ح ٦.

(٤) التهذيب ١ : ٣١ ـ ٨٢ ، الاستبصار ١ : ٤٨ ـ ١٣٣ ، الوسائل ١ : ٣٣١ أبواب أحكام الخلوة ب ١٧ ح ٥.

(٥) قرب الإسناد : ٢٩٣ ـ ١١٥٧ ، الوسائل ١ : ٣٣٣ أبواب أحكام الخلوة ب ١٧ ح ١٠.

٤٠٠