مستند الشّيعة - ج ١

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي

مستند الشّيعة - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-76-0
ISBN الدورة:
964-5503-75-2

الصفحات: ٤١٦
  نسخة غير مصححة

التلاقي ودوامه ـ فينجس الملاقي إن كان من الظاهر ، بالإجماع بل الضرورة ، وتشهد له الأخبار الواردة في موارد متفرقة.

وأما مع الرطوبة الغير المتعدية لقلتها جدا ، ومرور الملاقي عليها خفيفا ، فلا ينجس ، كما صرّح به جمع من الأصحاب (١) ، للأصل ، وعدم ثبوت تأثير مثل ذلك من الإجماع والأخبار.

والاستدلال (٢) لعدم التأثير مع قلّة الرطوبة : بأخبار موت الفأرة في الدهن الجامد ونحوه ، الآمرة بطرح ما حولها خاصة (٣) ، وطهارة الباقي مع ملاقاته لما حولها بشي‌ء من الرطوبة. غير جيد ، إذ لو تمَّ التقريب ، لجرى فيما حولها أيضا. بل طهارة الباقي هنا لبطلان السراية في المتنجس إلى مجاوره قبل التنجس كما يأتي ، ونجاسة ما حولها ، لشدة التلاقي بينه وبينها الموجبة لتعدي الرطوبة منه إليها.

وأما البواطن فلا تنجس أصلا ، للأصل ، واختصاص ما دلّ على التنجّس بالظواهر. وكذا ما يدخل في البواطن من الظواهر ، ويأتي بيانه في آخر بحث المطهرات.

والمتنجّس كالنجس منجّس لما يلاقيه مع الرطوبة المذكورة بالإجماع ، وخلاف بعض الطبقة الثالثة (٤) فيه غير قادح. وهو الدليل عليه بل الضرورة على ما قيل (٥).

مضافا إلى المستفيضة من الأخبار بل المتواترة المتفرقة في تضاعيف أبواب الطهارات ، كالدالة على تنجّس القليل بإدخال يد أو إصبع قذرة فيه ، الشاملة‌

__________________

(١) منهم الشهيد الثاني في الروض : ١٦٨ ، وصاحبا الذخيرة : ١٦٦ ، والحدائق ٥ : ٢٤٠.

(٢) كما في الحدائق ٥ : ٢٤٠.

(٣) راجع الوسائل ٢٤ : ١٩٤ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٤٣.

(٤) مفاتيح الشرائع ١ : ٧٥ ، ٦ : ١٤٩.

(٥) قال الوحيد البهبهاني : الظاهر اتفاق الأصحاب بل إجماعهم على وجوب غسله ـ أي الملاقي لملاقي النجس ـ بل هو ضروري الدين. شرح المفاتيح ( مخطوط ).

٢٤١

لصورة بقاء العين فيها وعدمه ، والواردة في غسل مطلق الأواني بولوغ الكلب والخنزير والميتة والخمر (١) وغير ذلك ، فتشمل ما فيه المائع وغيره ، بل منها ما يصرّح فيه بصبّ الماء وغسل الإناء ، كصحيحة البقباق (٢).

والدالة على وجوب غسل اللحم إذا وقعت فأرة ، أو قطرة مسكر في القدر (٣).

وعلى غسل الثوب من استعمال البئر المنتن ، كصحيحة ابن عمار (٤) ، أو غسل كلّ ما أصاب الماء الذي ماتت فيه فأرة ، كموثقة الساباطي (٥).

أو على أنه إذا خرج خنزير من ماء فسال منه الماء في الطريق ، ووضعت الرجل عليه ترتفع نجاستها بالمشي في الأرض ، كرواية المعلّى (٦).

أو على غسل الفخذين إذا عرق الذكر بعد تمسّحه من البول ، كصحيحة العيص : رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه ، قال : « يغسل ذكره وفخذيه » وعمّن مسح ذكره بيده ثمَّ عرقت يده فأصاب ثوبه ، يغسل ثوبه؟ قال : « لا » (٧).

ونفي الغسل في الجزء الأخير غير ضائر ، لأن السؤال عن مسح الذكر ، ونجاسته لم تذكر.

أو على إعادة الصلاة إذا مسح كفّه من البول ومسّها بدهن ، فمسح بها‌

__________________

(١) راجع الوسائل ١ : ١٥٠ أبواب الماء المطلق ب ٨ وص ٢٢٥ أبواب الأسآر ب ١ وج ٣ : ٤٩٤ أبواب النجاسات ب ٥١.

(٢) التهذيب ١ : ٢٢٥ ـ ٦٤٦ ، الاستبصار ١ : ١٩ ـ ٤٠ ، الوسائل ٣ : ٤١٥ أبواب النجاسات ب ١٢ ح ٢.

(٣) راجع الوسائل ١ : ٢٠٦ أبواب الماء المضاف ب ٥ ح ٣ وج ٣ : ٤٧٠ أبواب النجاسات ب ٣٨ ح ٨.

(٤) المتقدمة ص ٦٩ رقم ٦.

(٥) المتقدمة ص ٤٠ رقم ٨.

(٦) الكافي ٣ : ٣٩ الطهارة ب ٢٤ ح ٥ ، الوسائل ٣ : ٤٥٨ أبواب النجاسات ب ٣٢ ح ٣.

(٧) التهذيب ١ : ٤٢١ ـ ١٣٣٣ ، الوسائل ٣ : ٤٤١ أبواب النجاسات ب ٢٦ ح ١.

٢٤٢

بعض الأعضاء ثمَّ توضأ وصلّى. كصحيحة ابن مهزيار : إنّه بال في ظلمة الليل ، وإنه أصاب كفه رد نقطة من البول لم يشك أنه اصابه ولم يره ، وأنه مسحه بخرقة ، ثمَّ نسي أن يغسله ، وتمسّح بدهن ، فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ، ثمَّ توضّأ وضوء الصلاة. فأجابه بجواب قرأته بخطه : « أما ما توهّمت مما أصاب يدك فليس بشي‌ء إلاّ ما تحقّقت ، فإن حقّقت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات التي كنت صلّيتهنّ بذلك الوضوء بعينه ما كنّ منها في وقتها ، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها ، من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت ، وإذا كان جنبا أو صلّى على غير وضوء فعليه إعادة الصلاة التي فاتته » (١) الحديث.

وجه الدلالة : أنه لا يمكن أن يكون الأمر بالإعادة من جهة نجاسة الكف من البول ، وإلاّ لبطل الوضوء ، ولزمت الإعادة في غير الوقت أيضا ، فالمراد نجاسة ما لم يبلغه ماء الوضوء أي الرأس.

أو على عدم تنجس الثوب الواقع في ماء الاستنجاء معللا له : « بأن الماء أكثر من ذلك » (٢) إلى غير ذلك من الأخبار.

ثمَّ تلك الأخبار وإن وردت في موارد كثيرة ، ولكن في تعدّي الحكم إلى جميع الموارد يرجع إلى الإجماع المركّب.

وعلى هذا ، ففي كل مورد لم تشمله الأخبار ، وتحقّق فيه بخصوصه الخلاف ، أو لم يتحقّق فيه الإجماع ، لا يمكن الحكم بالتنجيس.

ومنه الملاقي لغسالته على القول بنجاستها.

ومنه أحد المتجاوزين الملاقيين اللذين ينجس أحدهما فلا ينجس الآخر وإن كانا رطبين ما لم يكونا أو أحدهما مائعا ، ولا يصدق على الرطوبة المائع أو الماء‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤٢٦ ـ ١٣٥٥ ، الاستبصار ١٨٤ ـ ٦٤٣ ، الوسائل ٣ : ٤٧٩ أبواب النجاسات ب ٤٢ ح ١.

(٢) راجع الوسائل ١ : ٢٢٢ أبواب الماء المضاف ب ١٣ ح ٢.

٢٤٣

القليل حتى تشملها أدلة نجاستها بالملاقاة.

وتدلّ عليه الأخبار الواردة في السمن أو العسل أو الزيت الجامد إذا ماتت فيه فأرة على ما سبق.

مع أنّ النجس هنا لو كان ، لكان بالسراية المنفية عند أصحابنا طرّا.

ويظهر من المنتهى والخلاف (١) أنّه لا خلاف فيه.

ولا يتوهم أنّ منه أيضا : المتنجّس المستصحب نجاسته ، حيث إنّه قد يناقش في تنجيس النجس أو المتنجّس الاستصحابي ، فيكون موردا للخلاف ، لأنّ دليل تنجيسه هو دليل تنجيس أصله مع ضمّ الاستصحاب ، فلا يحتاج إلى إجماع مركّب ، هذا.

ثمَّ إنّ الأخبار التي استدلّ بها المخالف ، فإن لم تتمّ دلالتها ـ كما هو في أكثرها ـ فلا نفع فيها. وإن تمّت ، فلا تصلح للاستناد إليها ، لمخالفتها لعمل الأصحاب ورواتها ، ومتروكيّتها عندهم ، وهو من أقوى أسباب خروج الأخبار عن الحجّية.

المسألة الرابعة : النجاسة ـ كالتنجّس ـ للأصل مخالفة‌ ، بالإجماع ، والمستفيضة المقبولة المعتضدة بالأصول العقلية.

كموثقة عمار : « كلّ شي‌ء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك » (٢).

وصحيحة ابن سنان : إنّي أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ، ويأكل لحم الخنزير ، فيردّه عليّ ، فأغسله قبل أن أصليّ فيه؟ فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : « صلّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٢٢ وفي ظهور اشكال ، الخلاف ١ : ١٨٥.

(٢) التهذيب ١ : ٢٨٤ ـ ٨٣٢ ، الوسائل ٣ : ٤٦٧ أبواب النجاسات ب ٣٧ ح ٤.

٢٤٤

تستيقن أنه نجّسه ، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه » (١).

ورواية حفص بن غياث : « ما أبالي أبول أصابني أم ماء إذا لم أعلم » (٢).

وصحيحة زرارة : « فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقن ذلك ، فنظرت فلم أر شيئا ، ثمَّ صلّيت فيه فرأيت فيه ، قال : « تغسله ولا تعيد الصلاة » قلت : لم ذلك؟ قال : « لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمَّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا » (٣).

وما ورد في الخبر من قوله عليه‌السلام : « ما علمت أنه ميتة فلا تأكله ، وما لم تعلم فاشتر وبع وكل » إلى أن قال : « والله إني لأعترض السوق فأشتري بها اللحم والسمن والجبن ، والله ما أظنّ كلّهم يسمّون هذه البربر وهذه السودان » (٤) إلى غير ذلك مما سيأتي بعضها أيضا.

وعلى هذا ، فالأصل في جميع الأشياء ما لم تثبت نجاسته الطهارة ، ولازمه عدم اعتبار الشك في النجاسة.

ومنه : المشتبه بالنجس ، فيجوز استعماله ما لم يقطع باستعمال النجس ، فاللازم منه اجتناب ما يساوي المقطوع بنجاسته أو غسله خاصة ، إلاّ فيما ثبت الاجتناب عن الجميع بنصّ أو إجماع أو أصل (٥).

وتفرقة الأكثر هنا بين المحصور وغيره باطلة ، وحجتهم (٦) عليها موهونة ،

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٦١ ـ ١٤٩٥ ، الاستبصار ١ : ٣٩٢ ـ ١٤٩٧ ، الوسائل ٣ : ٥٢١ أبواب النجاسات ب ٧٤ ح ١.

(٢) التهذيب ١ : ٢٥٣ ـ ٧٣٥ ، الاستبصار ١ : ١٨٠ ـ ٦٢٩ ، الفقيه ١ : ٤٢ ـ ١٦٦ مرسلا ، الوسائل ٣ : ٤٦٧ أبواب النجاسات ب ٣٧ ح ٥.

(٣) التهذيب ١ : ٤٢١ ـ ١٣٣٥ ، الاستبصار ١ : ١٨٣ ـ ٦٤١ ، الوسائل ٣ : ٤٦٦ أبواب النجاسات ب ٣٧ ح ١.

(٤) المحاسن ٤٩٥ ـ ٥٩٧ ، الوسائل ٢٥ : ١١٩ أبواب الأطعمة المباحة ب ٦١ ح ٥.

(٥) ذلك كما في قطعة اللحم المشتبه بغير المذكى ( منه رحمه‌الله ).

(٦) في « ق » : وحججهم.

٢٤٥

وقد مرّت في بحث الماء المشتبه (١).

وما ثبت فيه الاجتناب عن الجميع كالنجس في وجوب الاجتناب خاصة لا مطلقا ، فلا ينجس ما يلاقيه ، للأصل والاستصحاب.

وكذا (٢) الظن الغير المنتهي إلى العلم ، الذي هو أيضا علم حقيقة ، أي الثابت حجيته عموما (٣) أو في خصوص المقام ، للأصل ، والعمومات المتقدمة ، وخصوص المستفيضة :

ومنها : صحيحة زرارة السابقة (٤).

ومنها : صحيحة الأخرى : « إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه ، وإن ظن أنه أصابه مني ولم يستيقن ، ولم ير مكانه ، فلينضحه بالماء » (٥).

وموثقة عمار : « الرجل يجد في إنائه فأرة وكانت متفسخة وقد توضّأ من ذلك الإناء مرارا أو اغتسل وغسل ثيابه ، قال : « ليس عليه شي‌ء ، لأنه لا يعلم متى سقطت » ثمَّ قال : « لعلّه إنما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها » حيث إنّ‌

__________________

(١) في ص ١١٩.

(٢) عطف على قوله قبل سطور : .. « الشك في النجاسة » يعني لا يعتبر الشك في النجاسة ولا الظن الغير المنتهى إلى العلم.

(٣) المراد بالشمول عموما أن يعلم شموله لذلك ، فلو حصل التعارض ولم يكن مرجّح لا يعلم العموم.

كما إذا علم ترجيح المعارض يعلم عدم العموم. وإذا علم ترجيح الدليل يعلم العموم وذلك كما في الأخبار الواردة في النجاسات فإنها مع كونها ظنا راجحة على تلك العمومات بالإجماع البسيط والمركّب ( منه ره ).

(٤) في ص ٢٤٥.

(٥) لم نعثر على صحيحة لزرارة بهذا المتن في كتب الحديث. والموجود حسنة الحلبي ، الكافي ٣ : ٥٤ الطهارة ب ٣٥ ح ٤ وفيه : « شي‌ء » بدل : « مني » ، التهذيب ١ : ٢٥٢ ـ ٧٢٨ ، الوسائل ٣ : ٤٢٤ أبواب النجاسات ب ١٦ ح ٤.

الفقيه ١ : ١٤ ـ ٢٦ ، التهذيب ١ : ٤١٨ ـ ١٣٢٢ ، الاستبصار ١ : ٣٢ ـ ٨٦ عن إسحاق بن عمار ، الوسائل ١ : ١٤٢ أبواب الماء المطلق ب ٤ ح ١.

٢٤٦

المظنون سبق موت الفأرة ، لمكان التفسّخ ، واحتمال السقوط متفسّخا بعيد.

وصحيحة الحلبي : عن الصلاة في ثوب المجوسي ، قال : « يرش بالماء » (١) فإنّ المظنون في ثوب كلّ شخص ملاقاته معه بالرطوبة ، سيما مع طول مدة المباشرة.

وعلى هذا ، فلا اعتبار في الحكم بالنجاسة بمطلق الظن ، ولا إذا كان مستندا إلى شهادة عدلين ، ولا إذا استند إلى شهادة عدل واحد ، لعدم ثبوت حجية شي‌ء منها في خصوص المقام ، أو عموما بحيث يشمله.

وفاقا للقاضي (٢) في الثلاثة ، بل المفيد (٣) ، واختاره بعض المتأخرين (٤) وغير واحد من مشايخنا المعاصرين (٥).

وخلافا للمحكي ، عن الحلبي في الأول (٦).

لأنّ الشرعيات ظنية كلّها.

وأنّ العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل.

وأنّ الصلاة مشروطة بالثوب الطاهر مثلا ، والألفاظ للمعاني النفس الأمرية ، فلا أقلّ من تحصيل الظن بالطهارة ، فكيف مع الظن بالنجاسة ، ولو منع دليل اشتراط الطاهر ، فلا أقلّ من اشتراط عدم ملاقاة القذر للثوب ، فحصول ذلك في نفس الأمر مضر أيضا ، ولا أقلّ من كفاية الظن.

ولبعض الأخبار الناهية عن الصلاة قبل الغسل في الثوب الذي أعاره لمن‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٦٢ ـ ١٤٩٨ ، الوسائل ٣ : ٥١٩ أبواب النجاسات ب ٧٣ ح ٣.

(٢) جواهر الفقه : ٩.

(٣) المقنعة : ٧١ يستفاد من إطلاق كلامه قال : وإذا ظنّ الإنسان أنه قد أصاب ثوبه نجاسة ولم يتيقّن ذلك ، رشه بالماء فإن تيقّن حصول النجاسة فيه وعرف موضعها غسله بالماء.

(٤) مفاتيح الشرائع ١ : ٧٨.

(٥) منهم الوحيد البهبهاني في حاشية المدارك ( مخطوط ) ٢٦ ، وصاحب الرياض ١ : ٩٧.

(٦) الكافي في الفقه : ١٤٠.

٢٤٧

يأكل الجري ويشرب الخمر ، كصحيحة ابن سنان (١) ، أو اشتراه من نصراني كصحيحة علي (٢) ، والمروي في مستطرفات السرائر (٣) ، أو اشتراه ممن يستحل جلد الميتة ويزعم أن دباغه ذكاته ، كرواية أبي بصير (٤) ، ونحو ذلك ، فإنّ الظاهر منها البناء على الظن.

ويضعّف الأول : بأنه إن أريد أنّ الشرعيات مستندة إلى ظنون غير منتهية إلى القطع بحجيتها ، خالية عن الدليل عليها ، فهو ممنوع ، بل بطلانه واضح.

وإن أريد أنها مستندة إلى ظنون ثبتت حجّيتها واعتبارها قطعا ، فهو كذلك ، ولكن المنتهى إلى القطع ولو بوسائط قطع ، فلا تلزم منه ظنّية شي‌ء من الشرعيات ، فضلا عن كلها ، مع أنّ اعتبار ظنون في مواقع بدليل لا يوجب اعتبارها في غيرها ، أو اعتبار غيرها ولو بلا دليل.

والثاني : بأنّ الراجح هنا ليس إلاّ ملاقاة الثوب للقذر مثلا ، ورجحانها إنما كان مفيدا لو كان الشرط عدم الملاقاة واقعا ، أو المانع الملاقاة كذلك ، ولم يعلم شي‌ء من ذلك ، بل الثابت من الأخبار : اشتراط عدم العلم بالملاقاة ، ومانعية العلم بها.

وكون بعض الأخبار عن التقييد بالعلم خاليا غير مفيد ، ضرورة تقييد التكاليف به مطلقا.

سلّمنا عدم ثبوت التقييد المطلق ، ولكنّه في المقام لا مفرّ عنه ، للمستفيضة المتقدمة.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٦١ ـ ١٤٩٤ ، الاستبصار ١ : ٣٩٣ ـ ١٤٩٨ ، الوسائل ٣ : ٥٢١ أبواب النجاسات ب ٧٤ ح ٢.

(٢) التهذيب ١ : ٢٦٣ ـ ٧٦٦ ، الوسائل ٣ : ٤٢١ أبواب النجاسات ب ١٤ ح ١٠.

(٣) مستطرفات السرائر ٥٣ ـ ٣ ، الوسائل ٣ : ٤٩٠ أبواب النجاسات ب ٥٠ ذيل حديث ١.

(٤) الكافي ٣ : ٣٩٧ الصلاة ب ٦٥ ح ٢ ، التهذيب ٢ : ٢٠٣ ـ ٧٩٦ ، الوسائل ٤ : ٤٦٢ أبواب لباس المصلّي ب ٦١ ح ٢.

٢٤٨

وبذلك يضعّف الثالث أيضا.

والرابع : بخلوّ تلك الأخبار عما يفيد التحريم ، فإنها واردة بلفظ الإخبار الغير المفيد له.

ولو سلّم فالحمل على الاستحباب متعين ، لمعارضتها بأكثر منها وأقوى للاعتضاد بالعمل.

كصحيحة معاوية بن عمار (١) ، ورواية أبي جميلة (٢) في الثياب السابرية ، ورواية قرب الإسناد (٣) ومعلّى (٤) في الثياب التي يعملها اليهود والمجوس والنصارى ، وصحيحة ضريس (٥) عن السمن والجبن نجده في أرض المشركين .. إلى غير ذلك ، مع التصريح بالاستحباب في رواية أبي علي البزاز عن أبيه : عن الثوب يعمله أهل الكتاب أصلّي فيه قبل أن أغسله؟ قال : « لا بأس ، وإن يغسل أحبّ إليّ » (٦).

وللحلي (٧) ، والفاضلين (٨) ، والمجامع (٩) ، وجلّ المتأخّرين في الثاني.

لاعتبار العدلين في شريعتنا عموما. وفي نجاسة الماء المبيع بعد ادّعاء‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٦٢ ـ ١٤٩٧ ، الوسائل ٣ : ٥١٨ أبواب النجاسات ب ٧٣ ح ١.

(٢) الفقيه ١ : ١٦٨ ـ ٧٩٤ ، الوسائل ٣ : ٥٢٠ أبواب النجاسات ب ٧٣ ح ٧.

(٣) قرب الاسناد : ٨٦ ـ ٢٨٣ الوسائل ٣ : ٥٢١ أبواب النجاسات ب ٧٤ ح ٣.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٦١ ـ ١٤٩٦ ، الوسائل ٣ : ٥١٩ أبواب النجاسات ب ٧٣ ح ٢.

(٥) التهذيب ٩ : ٧٩ ـ ٣٣٦ ، الوسائل ٢٤ : ٢٣٥ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٦٤ ح ١.

(٦) التهذيب ٢ : ٢١٩ ـ ٨٦٢ ، الوسائل ٣ : ٥١٩ أبواب النجاسات ب ٧٣ ح ٥.

(٧) يعني وخلافا للحلّي .. السرائر ١ : ٨٦.

(٨) المحقق في المعتبر ١ : ٥٤ ، والعلامة في المنتهى ١ : ٩ ، والتذكرة ١ : ٤.

(٩) كذا في جميع النسخ ـ والقول موجود في جامع المقاصد ١ : ١٥٤. فيمكن أن تكون الكلمة مصحفة عنه. وإن كان في الغالب يعبر عنه بـ ( شرح القواعد ). واحتمال كونها مصحفة عن الجامع لابن سعيد. بعيد. حيث لم نعثر عليه فيه. بقي احتمال ثالث وهو أن تكون إشارة إلى غرر المجامع للسيد نور الدين أخي صاحب المدارك كما نقل عنه فيما سبق وهو ليس عندنا.

٢٤٩

نجاسته ليردّ بالعيب خصوصا بعموم : « البيّنة على المدّعي » (١).

وللزوم حمل أقوال المسلمين على الصدق.

وموثّقة مسعدة : « كلّ شي‌ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه » إلى أن قال : « والأشياء كلها على هذه حتى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البينة » (٢).

والمروي في الكافي والتهذيب بسنديهما عن الصادق عليه‌السلام : في الجبن قال : « كلّ شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهد ان عندك أنّ فيه ميتة » (٣).

وصحيحة الحلبي : الخفاف عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال : « صلّ فيها حتى يقال لك إنها ميتة بعينها » (٤).

والأول مردود : بمنع العموم.

والثاني : بعدم ما يدل على ثبوت النجاسة في المبيع بشهادتهما خصوصا.

وأما العموم فلو سلم وجوده ، فمع ما مرّ معارض ، والمرجع أصل الطهارة ، ولا يعلم شمول العموم للمورد.

مضافا إلى أنّ مع وجوده فللنجاسة غير مثبت ، بل غايته ترتّب الحكم بالرد على شهادتهما ، وأما الحكم بالنجاسة الواقعية حتى يترتب عليه سائر لوازمها فلا.

وعدم الفصل غير ثابت. وباعث الحكم بالرد يكون هو الشهادة بالعيب دون نفس العيب.

وبالأول منهما يجاب عن الثالث. كما أنّ بهما ترد الأخبار ، لعموم الأول في الأشياء كلّها ، والثانيين في الميتة النجسة وغيرها ، ولأن الثابت منها ليس إلاّ‌

__________________

(١) راجع الوسائل ٢٧ : ٢٣٣ أبواب كيفية الحكم .. ب ٣.

(٢) الكافي ٥ : ٣١٣ المعيشة ب ١٥٩ ح ٤٠ ، التهذيب ٧ : ٢٢٦ ـ ٩٨٩ ، الوسائل ١٧ : ٨٩ أبواب ما يكتسب به ب ٤ ح ٤.

(٣) الكافي ٦ : ٣٣٩ الأطعمة ب ٨٩ ح ٢ ، الوسائل ٢٥ : ١١٨ أبواب الأطعمة المباحة ب ٦١ ح ٢.

(٤) الكافي ٣ : ٤٠٣ الصلاة ب ٦٥ ح ٢٨ ، التهذيب ٢ : ٢٣٤ ـ ٩٢٠ ، الوسائل ٣ : ٤٩٠ أبواب النجاسات ب ٥٠ ح ٢.

٢٥٠

الحرمة ، أو كونها ميتة مانعة من الأكل أو الصلاة ( بها ) (١) ، وأما النجاسة فلا.

ولا عجب فيه ، لأنّ الأحكام مختلفة جدا في الثبوت وعدمه باعتبار الشهود ، فمنها ما يثبت بواحد ، ومنها ما لا يثبت إلاّ بأربعة. بل كون الخف مما لا يتم الصلاة فيه يعني أنّ الاستثناء في الثالثة ليس للنجاسة.

وللمنقول (٢) عن موضع من التذكرة ومحتمل النهاية (٣) في الثالث ، واستقواه بعض من تأخر من المتأخرين (٤) ، لآية النبإ (٥) ، والقياس على الرواية وبعض الأخبار الواردة في قبول الواحد في غير ذلك الموضع ، كرواية إسحاق بن عمار في الوصية (٦) ، وصحيحة هشام بن سالم في الوكالة (٧).

وضعف الجميع ظاهر.

ومن تقييد الظن الغير المعتبر في المقام بغير الثابت حجيته خرج ( الظن ) (٨) المستند إلى قول المسالك بالنجاسة ، بل قوله مطلقا وإن لم يفد الظن ما لم يعلم كذبه ، فيقبل فيها وإن لم يكن عدلا.

وفاقا للمنتهى (٩) ، والمجامع (١٠) ، ووالدي العلاّمة رحمه‌الله ، للدليل على قبوله في المقام.

__________________

(١) لا توجد في « ه‍ ».

(٢) أي وخلافا للمنقول.

(٣) التذكرة ١ : ١٠ ، نهاية الأحكام ١ : ٢٥٢.

(٤) الحدائق ٥ : ٢٥١.

(٥) الحجرات : ٦.

(٦) الكافي ٧ : ٦٤ الوصايا ب ٣٧ ح ٢٧ ، التهذيب ٩ : ٢٣٧ ـ ٩٢٣ ، الوسائل ١٩ : ٤٣٣ أبواب الوصايا ب ٩٧ ح ١.

(٧) الفقيه ٣ : ٤٩ ـ ١٧٠ ، التهذيب ٦ : ٢١٣ ـ ٥٠٣ ، الوسائل ١٩ : ١٦٢ أبواب الوكالة ب ٢ ح ١.

(٨) لا توجد في « ح » و « ه‍ ».

(٩) المنتهى ١ : ١٠.

(١٠) لاحظ ص ٢٤٩ رقم ٩ والقول موجود في جامع المقاصد ١ : ١٥٤.

٢٥١

وليس هو حمل أقوال المسلمين على الصدق.

ولا المستفيضة الواردة في عدم الحاجة إلى المسألة في شراء الفراء ، والخف ، والجبن من سوق المسلمين (١).

ولا الواردة في شرب البختج إذا أخبر من لا يعلم أنّه يشربه على الثلث ، ولا يستحله على النصف ، أنّه طبخه على الثلث ، أو إذا كان الآتي به مسلما عارفا ، أو مسلما ورعا مأمونا (٢).

ولا المروي في قرب الإسناد للحميري : عن رجل أعار رجلا ثوبا يصلّي فيه وهو لا يصلّي فيه ، قال : « لا يعلمه » قلت : فإن أعلمه؟ قال : « يعيد » (٣).

لضعف الأول : بما مر.

والثاني : بعدم الدلالة ، فإنّ عدم الحاجة إلى السؤال إنّما يدلّ على الحمل على التذكية والطهارة بدون إخباره بهما ، بل مع أخباره أيضا ، فلعلّه مبني على أصل الطهارة ، والأخذ بظاهر الحال في الذبائح ، كما صرح به في مرسلة يونس (٤) ، وأين هذا من قبول قوله في النجاسة وعدم التذكية؟!

والثالث : بأنّ قبول قوله في مورد ـ سيما فيما كان موافقا لأصالة الحلّية والطهارة ـ لا يدلّ على قبوله في غيره ، سيما فيما كان مخالفا لأصالة الطهارة.

مع أنّ اشتراط الورع والمأمونية ، بل الإسلام والمعرفة لعموم المطلب منافية.

والرابع : بعدم دلالته على وجوب الإعادة ، وعدم صراحته في أنّ عدم الصلاة للنجاسة.

__________________

(١) راجع الوسائل ٣ : ٤٩٠ أبواب النجاسات ب ٥٠.

(٢) راجع الوسائل ٢٥ : ٢٩٢ أبواب الأشربة المحرمة ب ٧.

(٣) قرب الاسناد : ١٦٩ ـ ٦٢٠ ، الوسائل ٣ : ٤٨٨ أبواب النجاسات ب ٤٧ ح ٣.

(٤) مرسلة يونس : « خمسة أشياء يحب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحال ، الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات » منه ره. الكافي ٧ : ٤٣١ القضاء والأحكام ب ١٩ ح ١٥ ، التهذيب ٦ : ٢٨٨ ـ ٧٩٨ ، الوسائل ٢٧ : ٢٨٩ أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب ٢٢ ح ١.

٢٥٢

مع أنّه مع أقوى منه معارض ، وهي صحيحة العيص : عن رجل صلّى في ثوب رجل أياما ثمَّ إنّ صاحب الثوب أخبره أنّه لا يصلّي فيه ، قال : « لا يعيد شيئا من صلاته » (١).

بل الدليل صحيحة أبي بصير وموثّقة معاوية بن وهب ، المنضمتان مع عدم الفصل.

الاولى : عن الفأر يقع في السمن أو في الزيت ، فيموت فيه ، قال : « إن كان جامدا فتطرحها وما حولها ، ويؤكل ما بقي ، وإن كان ذائبا فأسرج به وأعلمهم إذا بعته » (٢).

والثانية : في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك الزيت؟ قال : « بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به » (٣).

ويؤيدهما : النهي عن السؤال في بعض الأخبار عند شراء الجبن والفراء ، ونحوهما (٤).

والمتبادر من الأعلام والبيان المطلوبين من شخص مجرّد قوله ، فتوهّم إرادة جعله مقطوعا به فاسد ، وعدم وجوب القبول مع وجوب الإعلام غير معقول ، بل الظاهر تبادر وجوبه من وجوبه ، فهو من اللوازم الوضعية كالمفهوم ، مع أنّ ترتّب الاستصباح في الموثقة بالبيان عين القبول.

فرعان :

الأول : لو أخبر المالك بالنجاسة وقد استعملت العين وتلفت ، فقد صرّح‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤٠٤ الصلاة ب ٦٦ ح ١ ، التهذيب ٢ : ٣٦٠ ـ ١٤٩٠ ، الاستبصار ١ : ١٨٠ ـ ٦٣١ ، الوسائل ٣ : ٤٧٥ أبواب النجاسات ب ٤٠ ح ٦.

(٢) التهذيب ٧ : ١٢٩ ـ ٥٦٢ ، الوسائل ١٧ : ٩٨ أبواب ما يكتسب به ب ٦ ح ٣.

(٣) التهذيب ٧ : ١٢٩ ـ ٥٦٣ ، الوسائل ١٧ : ٩٨ أبواب ما يكتسب به ب ٦ ح ٤.

(٤) راجع ص ٢٥٢ رقم ١.

٢٥٣

والدي ـ رحمه‌الله ـ في الكتابين تبعا للتذكرة (١) : بأنه لا يعتبر قوله. وهو كذلك ، للاقتصار فيما خالف الأصل.

ولو أخبر بها بعد استعمالها وهي باقية ، فيعتبر قوله فيما بعد قطعا ، وأمّا فيما مضى فلا يعتبر فيما يعتبر فيه عدم العلم بالنجاسة ، ويعتبر في غيره ، فلا يعيد الصلاة الواقعة في الثوب الكذائي قبل الإخبار ، ويغسل ملاقيه رطبا كذلك.

والوجه في الجميع ظاهر ، وبعض الأخبار المتقدمة على الحكم الثاني أيضا شاهد.

الثاني : ومما يترتب على أصالة الطهارة : عدم وجوب إعلام الغير لو وجد في ثوبه الذي يصلّي فيه نجاسة ، كما صرّح به في المعالم (٢) وبعده في الحدائق (٣). بل الأخير كره الإعلام ، لصحيحة محمد : عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلّي ، قال : « لا يؤذنه حتى ينصرف » (٤) ورواية قرب الإسناد المتقدمة (٥).

وعن الفاضل ـ في جواب المسائل السيد مهنّا ـ الحكم بوجوب الإعلام ، لكونه من باب الأمر بالمعروف (٦).

وهو بعد دلالة النص الخاص ضعيف ، مع أنّ عدم توجّه الخطاب إلى الجاهل بالموضوع ينفي المنكر والمعروف بالنسبة إليه.

المسألة الخامسة : الأصل نجاسة كل ما ثبتت نجاسته حتى تثبت طهارته‌ ،

__________________

(١) نقل عنه في المعالم : ١٦٣ ، ومفتاح الكرامة ١ : ١٣١ ، والذي عثرنا عليه في التذكرة ١ : ٤ لا يخلو من إجمال.

(٢) المعالم : ٢٨٣.

(٣) الحدائق ٥ : ٢٦١.

(٤) الكافي ٣ : ٤٠٦ الصلاة ب ٦٦ ح ٨ ، التهذيب ٢ : ٣٦١ ـ ١٤٩٣ ، الوسائل ٣ : ٤٧٤ أبواب النجاسات ب ٤٠ ح ١.

(٥) ص ٢٥٢.

(٦) أجوبة المسائل المهنائية : ٤٨.

٢٥٤

بالإجماع والاستصحاب. ولازمه عدم اعتبار الشك في التطهّر (١) ولا الظن إلاّ ما ثبت اعتباره ( بثبت ) (٢) كإخبار المالك الثابت اعتباره هنا باعتباره في النجاسة ، منضما إلى عدم القول بالفصل ، بل الأولوية ، مؤيدا بل مدلّلا ـ مضافا إلى ظاهر الإجماع ـ بإطلاقات تجويز الصلاة في الثياب المبتاعة من المسلم وغيره ، الشاملة بإطلاقها للمقام من غير مقيد لها ، سوى عمومات عدم نقض اليقين (٣) التي لو لا مرجوحيتها بالنسبة إلى الأولى ، لوجب الرجوع إلى أصل الطهارة.

وقد يستدلّ : بأخبار البختج المتقدمة (٤) ، وهو مع أخصيته من المطلوب كما مر ، نجس على القول بنجاسة العصير قبل ذهاب الثلاثين.

ولا يثبت بإخبار العدلين على الأقوى ، لعدم دليل عليه.

وقيل بالثبوت (٥) ، لبعض ما مر في النجاسة مع ما فيه.

بل في الثبوت بإخبار العدل الواحد أيضا قول ، اختاره والدي العلاّمة رحمه‌الله ، لعموم آية التثبت (٦).

وفي دلالتها نظر.

ولقولهم : « المؤمن وحده حجّة » (٧).

وهو لضعفه غير معتبر ، وبالشهرة غير منجبر.

ولو سلّم ففي المراد من المؤمن هنا وفي معنى الحجة كلمات كثيرة ، ومع ذلك مع أخبار أخر معارضة.

__________________

(١) في « ق » : التطهير.

(٢) لا توجد في « ق ».

(٣) راجع الوسائل ١ : ٢٤٥ ، أبواب نواقض الوضوء ب ١ وج ٣ : ٤٨٢ أبواب النجاسات ب ٤٤.

(٤) ص ٢٥٢ رقم ٩.

(٥) نسبه صاحب الحدائق ٥ : ٢٨٥ إلى المعالم ولم نعثر عليه فيه.

(٦) الحجرات : ٦.

(٧) الفقيه ١ : ٢٤٦ ـ ١٠٩٦ ، الوسائل ٨ : ٢٩٧ أبواب صلاة الجماعة ب ٤ ح ٥.

٢٥٥

ولحمل أقوال المسلمين على الصدق.

وعمومه عندنا غير ثابت ، فعدم الثبوت به كما هو مقتضى الاستصحاب أقوى.

والأولى بعدم الثبوت منه : إخبار من لا يعرف عدالته ، كأكثر المباشرين لغسل الثياب من القصّارين ، والجواري ، والنسوان ، سيما إذا لم يكونوا مواضع الاطمئنان.

والإثبات به (١) ، بكون كل ذي عمل مؤتمن في عمله ، وبدعوى عمل العلماء والفقهاء في الأعصار والأمصار ، بل أصحاب الأئمة الأخيار ، ضعيف.

وأما الأول : فلعدم ثبوت تلك القاعدة كلية ، وإنما هو كلام جار على أقلام بعض الفقهاء ، وثبوت ائتمان بعضهم كالقصّاب والحجّام لا يثبت الكلية.

مضافا إلى أنّ المتبادر من ذي العمل هو صاحب الصناعة والشغل ، لا من يفعل على سبيل الاتفاق ، كأكثر من ذكر.

وأما الثاني : فلعدم ثبوت ذلك منهم في الثياب النجسة ، بحيث يعلم الإجماع على قبول مثل ذلك ولو بدون ضمّ قرينة موجبة للعلم ، فإنّ ثبوته يتوقف على العلم بتنجّس ثوب جميع العلماء أو غير نادر منهم ، ثمَّ بالاكتفاء في التطهر بقبول قول واحد ممن ذكر ، ثمَّ خلوّ المقام عن القرينة الموجبة للعلم ، وشي‌ء منها لم يثبت بعد.

بل الظاهر من رواية ميسر : آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني ، فلا تبالغ في غسله ، فأصلي فيه فإذا هو يابس ، فقال : « أعد صلاتك ، أما إنّك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شي‌ء » (٢) : أنّ أنفسهم أيضا كانوا يغسلون.

__________________

(١) كما في الحدائق ٥ : ٢٨٦.

(٢) الكافي ٣ : ٥٣ الطهارة ب ٣٥ ح ٢ ، التهذيب ١ : ٢٥٢ ـ ٧٢٦ ، الوسائل ٣ : ٤٢٨ أبواب النجاسات ب ١٨ ح ١.

٢٥٦

بل هذه الرواية دالّة على عدم القبول ، بتقريب أنّ الأمر بالإعادة لا يخلو إمّا يكون لأجل كون حكم الجاهل بالنجاسة الإعادة ، أو لأجل عدم الاعتداد بغسل الجارية ، وكونه في حكم العامد.

ولكن الأول باطل كما يأتي في كتاب الصلاة ، ويدل عليه نفي الإعادة لو كان نفسه هو الغاسل ، فتعيّن الثاني.

وبتقرير آخر : لو كان يقبل قول الجارية لكان الثوب له في حكم الطاهر ، وهو كالجاهل بالنجاسة ، فلا تلزم عليه إعادة ، كما إذا غسله نفسه.

وحمله (١) على أن نفسه إذا كان هو الغاسل لبالغ وأزال النجاسة ، تأويل بلا دليل.

وهل يفيد الهبة لهم أو البيع معهم حتى يصيروا ملاّكا ويقبل قولهم ، كما يحكى عن بعض الأخباريين (٢)؟ الظاهر نعم ، للإطلاقات المذكورة لقبول قول المالك.

وتوهّم عدم تحقق المالكية لعدم القصد إلى الانتقال ضعيف ، لتحقّق القصد قطعا ، غايته أنّه لمصلحة نفسه ، كما قالوا في بيع ما تتعلق به الزكاة قبل حولان الحول.

__________________

(١) كما في الحدائق ٥ : ٢٨٨.

(٢) حكاه الأمين الأسترابادي والسيد نعمة الله الجزائري عن جملة من علماء عصريهما كما في الحدائق ٥ : ٢٨٥.

٢٥٧

الباب الثالث : في أقسام المطهّرات وما يتطهّر بكلّ منها ،

وكيفية التطهير به‌

وهي أمور نذكرها مع ما يتعلّق بها في فصول‌ :

٢٥٨

الفصل الأول : في الماء‌

وفيه مسائل :

المسألة الاولى : لا إشكال في تطهر الثوب والبدن بالماء مطلقا‌ ، كثيرة وقليله ، راكده وجارية ، وعليه الإجماع بل الضرورة ، والأخبار المصرحة به الواردة في موارد غير محصورة ، معنى متواترة.

ولا في تطهر الأرض بالكثير ، أو الجاري ، أو المطر ، ولا خلاف فيه كما قيل (١).

وتدل عليه : مرسلة الكاهلي « كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر » (٢).

وهي وإن اختصت بالمطر ، إلاّ أنه يتعدّى منه إلى الكثير والجاري باتّحاد حكمهما معه إجماعا.

وموثّقة عمّار : عن الموضع القذر يكون في البيت وغيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر ، قال : « لا يصلّى عليه ، وأعلم موضعه حتى تغسله » (٣) دلّت بمفهوم الغاية على حصول التطهر بمجرد الغسل المتحقق بكل من الثلاثة.

ومنها ، ومن الرواية العامية (٤) الواردة في الذنوب (٥) ـ المنجبرة ضعفها‌

__________________

(١) الحدائق ٥ : ٣٧٨.

(٢) الكافي ٣ : ١٣ الطهارة ب ٩ ح ٣ ، الوسائل ١ : ١٤٦ أبواب الماء المطلق ب ٦ ح ٥.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٧٢ ـ ١٥٤٨ ، الوسائل ٣ : ٤٥٢ أبواب النجاسات ب ٢٩ ح ٤.

(٤) صحيح البخاري ١ : ٦٥ ، ورواها الشيخ في الخلاف ١ : ٤٩٤ وعبر عنها الشهيد في الذكرى : ١٥ بالحديث المقبول.

(٥) الذنوب : الدلو العظيمة وقيل لا تسمى ذنوبا إلا إذا كان فيها ماء « النهاية الأثيرية ٢ : ١٧١ ».

٢٥٩

بالشهرة ـ يظهر تطهّرها بالقليل أيضا ، كما صرّح به جماعة (١). بل ظاهر بعضهم (٢) عدم الإشكال فيه على القول بطهارة الغسالة ، كما هو الحقّ في المورد ، لورود الماء لا محالة. بل هو ظاهر كثير من القائلين بنجاستها أيضا ، كالخلاف ، والمعتبر ، والذكرى (٣) ، بل نفى عنه الخلاف في الحدائق مع غلبة الماء وقهره للنجاسة (٤).

وقد يستدلّ ( له ) (٥) أيضا بروايات الرشّ في الكنائس (٦).

وبالتعليل المستفاد من قوله : « ما أصابه من الماء أكثر » و « أنّ الماء أكثر من القذر » في تعليل نفي البأس عن إصابة ماء المطر ـ الذي أصاب البول ـ الثوب ، أو وقع الثوب في ماء الاستنجاء في صحيحة هشام (٧) ورواية العلل (٨).

وفي الأول : أنّ نجاسة المحل غير معلوم ، فالرش إما تعبد أو لزوال النفرة.

وفي الثاني : أنّ المستفاد من التعليل طهارة الماء لا طهارة المحلّ.

ثمَّ لا فرق فيما ذكر بين الرخوة من الأرض والصلبة.

نعم مع الرّخاوة ونفوذ النجاسة في الأعماق ، ففي تطهّر الباطن مطلقا بنفوذ الماء ، سيما القليل نظر ، يظهر وجهه فيما سيأتي.

ولا يضرّ ذلك في تطهّر الظاهر المتّصل به قطعا ، لبطلان السراية ، كما مرّ.

وكذا لا إشكال في تطهّر المتنجّسات التي يعلم وصول الماء ـ مع بقائه على صدق الماء عليه ـ إلى جميع مواضعها النّجسة. وتطهّر ما وصل إليه في غير المائعات‌

__________________

(١) في جميع النسخ : الجماعة ، ومنهم صاحب المعالم : ٣٣١ ، والحدائق ٥ : ٣٧٨ واستجوده في المدارك ٢ : ٣٧٨ على القول بعدم نجاسة الغسالة.

(٢) الحدائق ٥ : ٣٧٨.

(٣) الخلاف ١ : ٤٩٤ ، المعتبر ١ : ٤٤٨ ، الذكرى : ١٥.

(٤) الحدائق ٥ : ٣٨٢.

(٥) لا توجد في « ه‍ ».

(٦) راجع الوسائل ٥ : ١٣٨ أبواب مكان المصلّي ب ١٣.

(٧) الفقيه ١ : ٧ ـ ٤ ، الوسائل ١ : ١٤٤ أبواب الماء المطلق ب ٦ ح ١.

(٨) علل الشرائع : ٢٨٧ ، الوسائل ١ : ٢٢٢ أبواب الماء المضاف ب ١٣ ح ٢.

٢٦٠