مستند الشّيعة - ج ١

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي

مستند الشّيعة - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-76-0
ISBN الدورة:
964-5503-75-2

الصفحات: ٤١٦
  نسخة غير مصححة

الكفر ، إذ غايته عدم الإيمان ، وقد أثبت بعضهم له الواسطة. كما لا يستلزمه كون ديته كدية الكافر لو سلّم ، مع أنّ نجاسة كل كافر ممنوعة كما مر.

ومنها : عرق الجنب من الحرام فالمفيد في رسالته إلى ولده صريحا كما نقل عنه في السرائر (١) ، وفي المقنعة (٢) ظاهرا ، والشيخ في المبسوط (٣) كما في الذكرى ، والديلمي ، والحلي (٤) ، والفاضلان (٥) ، والشهيدان (٦) ، وعامة المتأخرين (٧) إلى طهارته ، وعليه الإجماع في السرائر (٨) ، وفي المختلف والذكرى وكفاية الأحكام (٩) أنه المشهور.

وهو الحق ، للأصل ، وعموم حسنة أبي أسامة (١٠) ورواية أبي بصير (١١)

__________________

(١) السرائر ١ : ١٨١ ، الموجود فيه هكذا : وشيخنا المفيد رجع عمّا ذكره في مقنعته وفي رسالته الى ولده ..

والظاهر أن الواو في قوله : وفي رسالته من زيادة النساخ ويشهد عليه التأمل في مجموع كلامه الذي سيتعرض له المصنف ص ٢٢٤.

(٢) المقنعة : ٧١ وفيها : ولا بأس بعرق الحائض والجنب ولا يجب غسل الثوب منه إلا أن تكون الجنابة من حرام فيغسل ما أصاب من عرق صاحبها من جسد وثوب ويعمل في الطهارة بالاحتياط.

فتأمّل ، ولاحظ ما يشير اليه المصنف ص ٢٢٤.

(٣) المبسوط ١ : ٩١.

(٤) الذكرى : ١٤ ، المراسم : ٥٦ ، السرائر ١ : ١٨١.

(٥) المحقق في المختصر النافع : ١٨ ، والشرائع ١ : ٥٣ ، والعلامة في المختلف : ٥٧ ، والمنتهى ١ : ١٧٠.

(٦) الذكرى : ١٤ ، البيان : ٩١ ، والشهيد الثاني وإن لم يصرح بطهارته فيما عثرنا عليه من كتبه ، الا أنه يمكن استظهار ذلك من شروحه على الشرائع والإرشاد واللمعة بملاحظة عدم الإشارة فيها الى نجاسته تبعا للمتون.

(٧) كما في الإيضاح ١ : ٢٩ ، والتنقيح ١ : ١٤٦ ، وكشف اللثام ١ : ٥٠.

(٨) السرائر ١ : ١٨١.

(٩) المختلف : ٥٧ ، الذكرى : ١٤ ، الكفاية : ١٢.

(١٠) الكافي ٣ : ٥٢ الطهارة ب ٣٤ ح ١ ، التهذيب ١ : ٢٦٨ ـ ٧٨٦ ، الاستبصار ١ : ١٨٤ ـ ٦٤٤ ، الوسائل ٣ : ٤٤٤ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ١.

(١١) التهذيب ١ : ٢٦٩ ـ ٧٩١ ، الاستبصار ١ : ١٨٥ ـ ٦٤٧ ، الوسائل ٣ : ٤٤٦ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ٨.

٢٢١

وغيرها.

وعن الصدوقين (١) ، والشيخ في غير المبسوط (٢) ، والإسكافي (٣) ، والقاضي (٤) : نجاسته. بل عدّها أحد الأولين في أماليه من دين الإمامية (٥) ، وادّعى عليها في الخلاف إجماع الفرقة (٦).

وأسندها الديلمي وابن زهرة (٧) إلى أصحابنا مع فتوى الأول بالطهارة ، وتردّد الثاني ظاهرا في المسألة.

واختارها من متأخري المتأخرين والدي العلاّمة ، وبعض مشايخنا رحمهم‌الله (٨).

واشتهر نسبتها إلى المقنعة ، وهي غير جيدة ، لتصريحه بأنّ غسله بالاحتياط.

واستدلّ عليها بالإجماع المنقول عن الخلاف (٩) صريحا ، وعن ابن زهرة والديلمي (١٠) ظاهرا.

وفيه ـ مضافا إلى عدم حجيته ـ أنه معارض بمثله عن الحلّي (١١) ، وبدعوى الشهرة على خلافه من الفاضل والشهيد (١٢) ، مع أنّ فتوى الديلمي عقيب كلامه‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٤٠ ، وفي المقنع : ١٤ نقله عن والده.

(٢) النهاية : ٥٣ ، التهذيب ١ : ٢٧١.

(٣) نقل عنه في المعالم : ٢٧٠.

(٤) شرح جمل العلم والعمل : ٥٦ ، المهذب ١ : ٥١.

(٥) أمالي الصدوق : ٥١٦.

(٦) الخلاف ١ : ٤٨٣.

(٧) المراسم : ٥٦ ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥١.

(٨) كما في الرياض ١ : ٨٦.

(٩) الخلاف ١ : ٤٨٣.

(١٠) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥١ ، المراسم : ٥٦.

(١١) السرائر ١ : ١٨١.

(١٢) المختلف : ٥٧ ، الذكرى : ١٤.

٢٢٢

بالطهارة صريحة في أنه لم يرد الإجماع من قوله ، وهو يوهن إرادته في كلام ابن زهرة أيضا ، لاتّحاد مؤدّاهما مضافا إلى تردّده أيضا.

وبصحيحة محمد الحلبي (١) ورواية أبي بصير (٢).

وعدم دلالتهما في غاية الظهور.

وبروايتي علي بن الحكم ومحمد بن علي بن جعفر :

الاولى : « لا يغتسل من غسالة الحمام ، فإنه يغتسل فيه من الزنا » (٣).

والثانية : إنّ أهل المدينة يقولون إنّ فيه ـ أي في ماء الحمام ـ شفاء العين ، فقال : « كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام » (٤) الحديث.

وفيهما ـ مع خلوّهما عن ذكر العرق ـ عدم الملازمة بين عدم جواز الاغتسال وانتفاء الشفاء والنجاسة ، مضافا إلى أنّ أولادهما خالية عما تحقق كونه نهيا.

وبالرضوي : « إن عرقت في ثوبك وأنت جنب ، وكانت الجنابة من حلال فتجوز الصلاة فيه ، وإن كانت حراما لا تجوز الصلاة فيه حتى يغتسل (٥) » (٦).

والمروي في الذكرى ، عن الكفرثوثي ، عن أبي الحسن : عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلي فيه؟ فقال : « إن كان من حلال فصلّ فيه ، وإن كان من حرام فلا تصل فيه » (٧).

__________________

(١) الفقيه ١ : ٤٠ ـ ١٥٥ ، التهذيب ١ : ٢٧١ ـ ٧٩٩ ، الاستبصار ١ : ١٨٧ ـ ٦٥٥ ، الوسائل ٣ : ٤٤٧ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ١١.

(٢) التهذيب ١ : ٤٢١ ـ ١٣٣١ ، الاستبصار ١ : ١٨٨ ـ ٦٥٦ ، الوسائل ٣ : ٤٤٧ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ١٠.

(٣) الكافي ٦ : ٤٩٨ الزي والتجمل ب ٤٣ ح ١٠ ، الوسائل ٣ : ٤٤٨ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ١٣.

(٤) الكافي ٦ : ٥٠٣ الزي والتجمل ب ٤٣ ح ٣٨ ، الوسائل ١ : ٢١٩ أبواب الماء المضاف ب ١١ ح ٢.

(٥) في « هـ » : يغسل.

(٦) فقه الرضا (ع) : ٨٤ ، البحار ٧٧ : ١١٧.

(٧) الذكرى : ١٤ ، الوسائل ٣ : ٤٤٧ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ١٢.

٢٢٣

وفي البحار عن مناقب ابن شهرآشوب عنه أيضا : « إن كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا تجوز الصلاة فيه ، وإن كانت جنابته من حلال فلا بأس » (١).

ونقله في البحار (٢) عن كتاب عتيق من قدماء أصحابنا مسندا فيه عن علي ابن مهزيار ، بأدنى تغيير.

وفيها : أنها إخبار ضعيفة غير ثابت المأخذ ، ولم يثبت كونها في كتاب معتبر ، أو أصل معتمد.

ودعوى انجبارها بالشهرة سيما العظيمة من القدماء فاسدة ، إذ لم ينقل النجاسة من القدماء إلاّ من قليل.

والشيخ له القولان ، وكذا المفيد إن قلنا بأنه يقول بالنجاسة في المقنعة.

وكلام الحلي في السرائر يعطي عدم قول من القدماء بالنجاسة إلاّ ما نسب إلى المقنعة وأحد قولي الشيخ ، حيث ذكر أولا أنّ كلام الشيخ في المبسوط محمول على التغليظ في الكراهة ، وصرّح برجوع المفيد.

ثمَّ قال : والغرض من هذا التنبيه بأنّ من قال : إذا كانت الجنابة من حرام ، وجب غسل ما عرق فيه ، رجع عن قوله في كتاب آخر ، فقد صار ما اخترناه إجماعا (٣).

وأما إثبات الشهرة بنقل طائفة الإجماع ، فضعفه ـ بعد معارضتها بنقل الإجماع والشهرة على خلافه ـ واضح جدا ، مع أن انجبار الخبر الضعيف بالشهرة ، إنما هو إذا لم تعارضها شهرة اخرى.

وشهرة الطهارة بين الطبقتين : الثانية والثالثة معارضة ، مع رجحانها من جهة كونها قطعية ، بخلاف شهرة النجاسة بين القدماء فليست ـ لو سلّمت ـ إلاّ‌

__________________

(١) البحار ٧٧ : ١١٧ ـ ٥.

(٢) البحار ٧٧ : ١١٨ ـ ٦. والسند فيه ، عن علي بن يقطين بن موسى الأهوازي.

(٣) السرائر ١ : ١٨١.

٢٢٤

ظنية.

ولا ينبغي الريب في استحباب التنزه والاجتناب عنه ، بل هو الأحوط.

ومنها : عرق الإبل الجلالة‌ ، نجّسه الصدوقان (١) ، والشيخان (٢) ، والقاضي (٣) ، والمنتهى (٤). وهو الأقوى ، لحسنة حفص بن البختري ، بل صحيحته : « لا تشرب من ألبان الإبل الجلالة ، وإن أصابك من عرقها شي‌ء فاغسله » (٥).

وصحيحة هشام بن سالم : « لا تأكلوا اللحوم الجلالة ، وإن أصابك عرقها فاغسله » (٦).

ودلالتها على ما لم يعمل به من نجاسة عرق كل جلال لا تخرجه عن الحجية ، إذ خروج بعض أفراد العام لمعارض لا يمنع حجيته في الباقي. مع أنّ عدم عمل أحد بعمومها ممنوع ، بل صرح بعض الأصحاب بالعموم ، وحكي عن النزهة (٧) أيضا.

خلافا للفاضل في أكثر كتبه (٨) ، بل ادّعى في المختلف أنّه المشهور ، وعزاه إلى الديلمي والحلي (٩) ، للأصل ، وبعض العمومات. وجوابهما ظاهر.

__________________

(١) الفقيه ٣ : ٢١٤ ، نسبه في اللوامع الى الصدوقين على ما في الجواهر ٦ : ٧٧.

(٢) المفيد في المقنعة : ٧١ ، والطوسي في النهاية : ٥٣ ، والمبسوط ١ : ٣٨ ، والتهذيب ١ : ٢٦٣.

(٣) شرح جمل العلم والعمل : ٥٦.

(٤) المنتهى ١ : ١٧٠.

(٥) الكافي ٦ : ٢٥١ الأطعمة ب ٦ ح ٢ ، التهذيب ١ : ٢٦٣ ـ ٧٦٧ ، الوسائل ٣ : ٤٢٣ أبواب النجاسات ب ١٥ ح ٢.

(٦) الكافي ٦ : ٢٥٠ الأطعمة ب ٦ ح ١ ، التهذيب ١ : ٢٦٣ ـ ٧٦٨ ، الوسائل ٣ : ٤٢٣ أبواب النجاسات ب ١٥ ح ١.

(٧) نزهة الناظر : ١٩.

(٨) كالقواعد ١ : ٧ ، التحرير ١ : ٢٤.

(٩) المختلف : ٥٧.

٢٢٥

ومنها : المسوخ فالمشهور المنصور طهارته ، للأصل ، وعموم صحيحة البقباق المتقدمة (١) ، وخصوص النصوص الواردة في بعضها كالعقرب والفأرة والوزغة (٢) والعاج (٣) ونحوها (٤).

مضافا إلى الضرورة في بعض أفرادها كالزنبور ونحوه ، مما يوجب القول بوجوب التحرز عنه مخالفة الطريقة المستمرة بين المسلمين في الأعصار والأمصار ، مع استلزامه العسر والحرج المنفيين.

خلافا للمحكي عن الإسكافي (٥) ، والخلاف ، والمبسوط ، والمراسم ، والوسيلة (٦) ، والإصباح ، استنادا إلى حرمة بيعها ، وليست إلاّ لنجاستها. وهما ممنوعان.

وإلى الإجماع المنقول في المبسوط (٧) ، وليس بحجة ، مع أن إرادته الخباثة من النجاسة ممكنة ، والقرائن في كلامه عليها قائمة.

__________________

(١) ص ٢١١.

(٢) المتقدمة ص ٢١٢ ـ ٢١١.

(٣) العاج : عظم أنياب الفيل.

(٤) راجع الوسائل ٢ : ١٢٢ أبواب آداب الحمام ب ٧٢.

(٥) نقل عنه في المعالم : ١٤٩.

(٦) الخلاف ٢ : ٥٣٨ ، المبسوط ٢ : ١٦٦ ، المراسم : ٥٥ ، الوسيلة : ٧٨.

(٧) المبسوط ٢ : ١٦٦.

٢٢٦

الفصل التاسع :

ها هنا أمور ليست نجسة ، ولكن وردت الأخبار بالنضح منها ، وجملة منها قد وقع الخلاف فيها في كونه على الوجوب أو الاستحباب.

فمنها : الثوب الملاقي للكلب أو الخنزير الحيّين أو الميّتين جافا‌ ، سواء كان كلب صيد أو غيره. فالمشهور على ما في الحدائق (١) واللوامع ، بل ظاهر المعتبر : إجماع علمائنا على استحباب الرش فيه (٢).

وذهب الشيخان في النهاية والمقنعة (٣) ، والصدوق في الفقيه (٤) ـ إلا أنه خصه بغير كلب الصيد ـ وابن حمزة والديلمي (٥) إلى الوجوب ، واختاره والدي العلاّمة ـ رحمه‌الله ـ في اللوامع صريحا وفي المعتمد ظاهرا ، وقواه في الحدائق (٦).

وهو الحق ، بمعنى وجوبه تعبدا وإن لم ينجس الملاقي ، للنصوص المستفيضة :

كصحيحة الفضل : « إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله ، وإن مسّه جافا فاصبب عليه الماء » (٧).

ومرسلة حريز : « إذا مس ثوبك كلب فإن كان يابسا فانضحه » (٨) وقريبة منها‌

__________________

(١) الحدائق ٥ : ٣٩١.

(٢) المعتبر ١ : ٤٣٩.

(٣) النهاية : ٥٢ ، المقنعة : ٧٠.

(٤) الفقيه ١ : ٤٣.

(٥) الوسيلة : ٧٨ ، المراسم : ٥٦.

(٦) الحدائق ٥ : ٣٩١.

(٧) التهذيب ١ : ٢٦١ ـ ٧٥٩ ، الوسائل ٣ : ٤١٤ أبواب النجاسات ب ١٢ ح ١.

(٨) الكافي ٣ : ٦٠ الطهارة ب ٣٩ ح ١ ، التهذيب ١ : ٢٦٠ ـ ٧٥٦ ، الوسائل ٣ : ٤٤١ أبواب النجاسات ب ٢٦ ح ٣.

٢٢٧

رواية علي (١).

وصحيحته : عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال : « إن كان دخل في صلاته فليمض ، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب ثوبه » (٢).

وأما ما في المختلف (٣) من ترجيح الاستحباب ، بأن النجاسة لا تتعدّى مع اليبوسة إجماعا ، وإلاّ لوجب غسل المحل ، فتعيّن حمل الأمر على الاستحباب ، ففيه ـ مضافا إلى منع إيجاب تعدّي النجاسة للغسل كليا كما في بول الرضيع ـ : أن الحمل على الوجوب لا ينحصر وجهه في النجاسة ، لجواز التعبّد.

وقد يستدلّ للاستحباب : بسياق الأخبار ، وفهم الأصحاب ، والأمر بالرش في مواضع أجمعوا فيها على حمله عليه ، وهو قرينة عليه في جميع الموارد.

ودلالة السياق جدا ممنوعة. وفهم طائفة وعملهم مع مخالفة جمع آخر ـ سيما الذين هم أساطين المذهب ـ غير حجة. والحمل في بعض المواضع على خلاف الأصل لمعارض لا يوجبه فيما لا معارض له.

ثمَّ ظاهر القوم : اختصاص الوجوب أو الاستحباب بالثوب. وهو كذلك اقتصارا فيما خالف الأصل عن موضع النص.

ومنها : الثوب الملاقي لبدن الكافر‌كذلك ، ذكر استحباب الرش فيه جماعة (٤) ، وظاهر المعتبر (٥) الإجماع عليه ، وفي اللوامع أنه المشهور.

ولا بأس به بعد شهرته أو فتوى جماعة به ، بل فتوى فقيه ، للتسامح في‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٦٠ ـ ٧٥٧ ، الوسائل ٣ : ٤٤٢ أبواب النجاسات ب ٢٦ ح ٤.

(٢) الكافي ٣ : ٦١ الطهارة ب ٣٩ ح ٦ ، التهذيب ١ : ٢٦١ ـ ٦٧٠ ، الوسائل ٣ : ٤١٧ أبواب النجاسات ب ١٣ ح ١.

(٣) المختلف : ٦٣.

(٤) منهم العلامة في القواعد ١ : ٨ ، وسلاّر في المراسم : ٥٦.

(٥) المعتبر ١ : ٤٣٩.

٢٢٨

السنن.

ومنه يظهر عدم البأس في القول باستحبابه في ملاقاة الثوب للنجاسة الجافة مطلقا ، كما ندبه الشيخ في المبسوط (١) ، وبعض سادة مشايخنا قدّس الله سرّه العزيز في منظومته (٢).

وفي ملاقاته للفأرة والوزغة كذلك ، ذكره الشيخ في النهاية (٣) والمفيد والديلمي (٤) موجبين له.

ومنها : الثوب أو البدن الذي شكّ في نجاسته أو ظنّ بظنّ غير ثابت الحجية‌ ، فالمشهور استحباب رشّه ، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج في البول :« وينضح ما يشك فيه من حسده وثيابه » (٥).

وحسنتي الحلبي وابن سنان في المني :

الأولى : « فإن ظن أنه أصابه ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء » (٦).

والثانية : « وإن كان يرى أنه أصابه شي‌ء فنظر فلم ير شيئا أجزأه أن ينضحه بالماء » (٧).

ورواية إبراهيم بن عبد الحميد : عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر ، وعن الفرو وما فيه من الحشو ، قال : « اغسل ما أصاب منه [ ومسّ ]

__________________

(١) المبسوط ١ : ٣٨.

(٢) الدرة النجفية : ٥٨.

(٣) النهاية : ٥٢.

(٤) المقنعة : ٧٠ ، المراسم : ٥٦.

(٥) التهذيب ١ : ٤٢١ ـ ١٣٣٤ ، الوسائل ٣ : ٤٦٦ أبواب النجاسات ب ٣٧ ح ٢.

(٦) الكافي ٣ : ٥٤ الطهارة ب ٣٥ ح ٤ ، التهذيب ١ : ٢٥٢ ـ ٧٢٨ ، الوسائل ٣ : ٤٢٤ أبواب النجاسات ب ١٦ ح ٤.

(٧) الكافي ٣ : ٤٠٦ الصلاة ب ٦٦ ح ٩ ، التهذيب ٢ : ٣٥٩ ـ ١٤٨٨ ، الوسائل ٣ : ٤٧٥ أبواب النجاسات ب ٤٠ ح ٣.

٢٢٩

الجانب الآخر ، فإن أصبت مسّ شي‌ء منه فاغسله وإلاّ فانضحه بالماء » (١).

واختصاصها ببعض النجاسات كظهور بعضها في الوجوب غير مضرّ في الحكم بالعموم والاستحباب ، للإجماع المركّب في الأول ، مع إمكان التعميم بالحسنة الأخيرة ، والبسيط في الثاني.

وخلاف الحلبي والديلمي (٢) ، وإيجاب الأول للرش مع الظن ، والثاني للغسل في الإجماع غير قادح ، فبه يخرج الأمر عن حقيقته لا بما قيل من المعارضة مع أصالة الطهارة أو عمومات النهي عن العمل بغير علم ، لكون ذلك خاصّا ، مع أنّ النضح غير مستلزم للنجاسة.

ومنها : الثوب‌ إذا كان للمجوسي (٣) ، أو مشت عليه الفأرة الرطبة ولا يرى فيه أثرها (٤) ، أو أصابه المذي (٥) ، أو عرق الجنب (٦) ، أو بول البعير ، أو الشاة (٧) ، أو دم غير ذي النفس (٨) ، أو شكّ في إصابة بول الدواب الثلاث إليه (٩) ، كل ذلك للروايات.

وكذا يستحب الرش لذي الجرح في مقعدته ، يجد الصفرة بعد الاستنجاء والتوضؤ ، إذا أراد الصلاة فيها (١٠) ، ولثوب الخصي الذي يبول ويرى البلل بعد‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٥٥ الطهارة ب ٣٦ ح ٣ ، الوسائل ٣ : ٤٠٠ أبواب النجاسات ب ٥ ح ٢ ـ وفي جميع النسخ : « من » بدل « مسّ ».

(٢) الكافي في الفقه : ١٤٠ ، المراسم : ٥٦.

(٣) الوسائل ٣ : ٥١٩ أبواب النجاسات ب ٧٣ ح ٣.

(٤) الوسائل ٣ : ٤٦٠ ، أبواب النجاسات ب ٣٣ ح ٢.

(٥) الوسائل ٣ : ٤٢٣ أبواب النجاسات ب ١٦ ح ١.

(٦) الوسائل ٣ : ٤٤٥ أبواب النجاسات ب ٢٧ ح ٤ و ٨ و ١٠.

(٧) الوسائل ٣ : ٤٠٩ أبواب النجاسات ب ٩ ح ١٠.

(٨) الوسائل ٣ : ٤٣٦ أبواب النجاسات ب ٢٣ ح ٣.

(٩) الوسائل ٣ : ٤٠٣ أبواب النجاسات ب ٧ ح ٦.

(١٠) الوسائل ١ : ٢٩٢ أبواب نواقض الوضوء ب ١٦ ح ٣.

٢٣٠

البلل ، فإنه يتوضأ وينضح في النهار مرة (١).

فرعان :

الأول : أوجب الشيخ في النهاية مسح اليد بالتراب من مس الكلبين ، والثعلبين ، والفأرتين ، والكافرين (٢) ، وعن ابن حمزة في الطرفين (٣). وذكره المفيد في غير الثاني (٤). وكلامه لكل من الوجوب والاستحباب محتمل.

وعن المبسوط استحبابه في مس كل نجاسة يابسة (٥).

وذكر جمع أنهم لم يعرفوا لشي‌ء من ذلك وجها. وهو كذلك ، إلاّ أن إثبات الاستحباب بفتوى هؤلاء ممكن ، ولذا نفي عنه البعد في اللوامع.

الثاني : الظاهر أنّ وجوب النضح أو استحبابه في تلك المواضع ليس بنفسي ، بل هو غيري للصلاة أو كل مشروط الطهارة.

وهل يجتزئ عنه بالغسل؟ فيه إشكال.

وهل يحصل الامتثال برش الغير أو ارتشاش المطر؟ فيه تأمّل.

__________________

(١) الوسائل ١ : ٢٨٥ أبواب نواقض الوضوء ب ١٣ ح ٨.

(٢) النهاية : ٥٢.

(٣) الوسيلة : ٧٧.

(٤) المقنعة : ٧١.

(٥) المبسوط ١ : ٣٨.

٢٣١

الباب الثاني : في اللوازم الشرعية للنجاسات وأحكامها‌

وهي أمور نذكرها في مسائل :

المسألة الأولى : يحرم أكلها ، وشربها ، وبيعها ، وشراؤها في الجملة ، على التفصيل الآتي في محله.

ويبطل الصلاة والطواف معها وإن كانا مندوبين ، كما نذكر في محله مع تفصيله.

المسألة الثانية : تجب إزالتها عن الثوب والبدن للصلاة والطواف الواجبين ، إلاّ ما عفى عنه‌ على التفصيل الآتي في مواضعه.

وعن المأكول والمشروب وأوانيهما مع ملاقاتهما له برطوبة.

وعن مسجد الجبهة على الأشهر.

وعن مكان المصلّي بأسره عند السيد (١) ، والمساجد السبعة عند الحلبي (٢) ، كما يأتي.

وعن المساجد بالإجماع المحقّق والمحكي في كلام جمع من الأصحاب (٣) ، وهو الحجة فيه.

مضافا إلى مرسلة الفقيه : عن بيت كان حشا (٤) زمانا ، هل يصلح أن يجعل مسجدا؟ فقال : « إذا نظف وأصلح ، فلا بأس » (٥) دلّت بالمفهوم على ثبوت البأس مع عدم التنظيف.

__________________

(١) كما نسبه إليه في الذكرى : ١٥٠.

(٢) الكافي في الفقه : ١٤٠.

(٣) يمكن استفادته من الخلاف ١ : ٥١٨ ، والسرائر ١ : ١٦٣ والذكرى : ١٥٧.

(٤) الحشّ ـ بالفتح ـ : الكنيف وموضع قضاء الحاجة. راجع النهاية لابن الأثير : ١ : ٣٩٠.

(٥) الفقيه ١ : ١٥٣ ـ ٧١٢ ، الوسائل ٥ : ٢١٠ أبواب أحكام المساجد ب ١١ ح ٢.

٢٣٢

ورواية محمد الحلبي المروية في آخر السرائر : إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه ، فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته ، قال : « أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ » قلت : بلى ، قال : « فلا بأس ، إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا » (١). دلّت بالتنبيه على انتفاء البأس ـ الذي هو حقيقة في العذاب ـ مع المشي في الأرض اليابسة ، فبدونه يكون فيه الموجب للحرمة.

وقد يستدلّ أيضا : بقوله سبحانه ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) (٢) دلّ على كون النجاسة علّة لنهيهم عن قرب المسجد الحرام ، فيتحقق في كل نجس.

وخصوصية المحل منفية بالتبادر ، كما صرحوا به في حجية كل منصوص العلة.

مع أنه لا قائل بالفصل بين نجاسة المشرك وغيره ، كما أنه لا قائل به بين المسجد الحرام وغيره ، فلا يضرّ الاختصاص به.

وكذا لا يضرّ عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في زمن الخطاب للنجاسة في المصطلح ، لشمول اللغوي له أيضا ، بل هو أشدّ أفراده ، فالعلة هي الأعم وهو صادق على ذلك أيضا ، وهو للمطلوب أثبت.

وبقوله عليه‌السلام : « جنّبوا مساجدكم النجاسة » (٣).

وضعفه غير ضائر ، لموافقته للعمل ، وتمسك الأكثر بها في المحل.

ولا عدم ثبوت الحقيقة الشرعية للنجاسة ، لما مر.

وبمرسلة العلاء : « إذا دخلت المسجد وأنت تريد أن تجلس ، فلا تدخله إلاّ طاهرا ، وإذا دخلته فاستقبل القبلة ، ثمَّ ادع الله ، واسأله ، وسمّ حين‌

__________________

(١) مستطرفات السرائر : ٢٧ ـ ٨ ، الوسائل ٣ : ٤٥٩ أبواب النجاسات ب ٣٢ ح ٩.

(٢) التوبة : ٢٨.

(٣) أرسله العلامة في المنتهى ١ : ٣٨٨ ، والتذكرة ١ : ٩٠ قال الشهيد في الذكرى : ١٥٧ ولم أقف على إسناد هذا الحديث النبوي.

٢٣٣

تدخله » (١).

وموثقة الحلبي : نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر ، فدخلت على أبي عبد الله عليه‌السلام ، فقال : « أين نزلتم؟ » قلت : نزلنا في دار فلان ، فقال :« إن بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا » أو قلنا له : إنّ بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا ، فقال : « إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا » (٢).

والكلّ ضعيف.

أمّا الأول : فلأنّ حرمة إدخال كل نجس بالمعنى الأعم في المسجد خلاف الإجماع. فإن أمكن حمل النهي على التنزيه ، لم يتم الدليل ، وأولوية التخصيص عنه عندي غير ثابتة. وإن لم يمكن بل كان للحرمة ـ كما هو الظاهر منهم ـ فالنجس لا يكون باقيا على حقيقته اللغوية ، ومجازه لا ينحصر في النجاسة المصطلحة كما مرّ سابقا.

وأما الثاني : فلعدم ثبوت الحقيقة الشرعية حال الخطاب في المسجد ، فإرادة مواضع السجدة محتملة ، والإضافة إلى ضمير المخاطب بها ألصق. مع أنّ بعد حمل النجاسة على الأعم ، يتردد بين التخصيص فيها أو التجوّز في الأمر ، ولا ترجيح.

وأما الأخيران : فلاحتمال النفي القاصر عن إفادة الحرمة في أولهما وإن رجّح سياق الأوامر المتعقبة له النهي.

مضافا إلى تعارض مفهومه مع منطوقه ، واحتمال كون قوله : « إنّ الأرض » إلى آخره ـ عليه‌السلام ـ في الثاني ـ لبيان ارتفاع الكراهة.

وأضعف من هذه الوجوه في الدلالة : قوله عز شأنه ( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ) (٣)

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٦٣ ـ ٧٤٣ ، الوسائل ٥ : ٢٤٥ أبواب أحكام المساجد ب ٣٩ ح ٢.

(٢) الكافي ٣ : ٣٨ الطهارة ب ٢٤ ح ٣ ، الوسائل ٣ : ٤٥٨ أبواب النجاسات ب ٣٢ ح ٤.

(٣) الحج : ٢٦.

٢٣٤

و ( ثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) (١) والأمر بتعظيم شعائر الله ، وبتعاهد النعل عند دخول المساجد ، وجعل المطاهر على أبوابها ، ومنع المجانين والصبيان عنها ، والإجماع على منع الكفار من دخولها.

نعم بعضها يصلح للتأييد.

ثمَّ المنع عن إدخال النجاسة المساجد هل يختص بالمتعدية الملوثة للمسجد؟كما عن الشهيدين (٢) وجمع ممن تأخر (٣) ، أو يعم غيرها أيضا؟ كما صرّح به الحلي (٤) والفاضلان (٥) ، وفي كفاية الأحكام واللوامع أنه مذهب الأكثر (٦) ، بل ظاهر الخلاف وصريح السرائر عدم الخلاف فيه (٧).

الظاهر هو الأول ، لا لتجويز الاجتياز فيه للحائض والجنب مع عدم انفكاكهما عن النجاسة غالبا.

ولا لموثقة عمار : عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة. قال :« يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض ، ولا يقطع الصلاة » (٨) حيث يشمل إطلاقها ما لو كانت في المسجد.

ولا لصحيحة معاوية بن عمار : « في المستحاضة إن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلّت كل صلاة بوضوء واحد » (٩).

__________________

(١) المدثر : ٤.

(٢) الأول : في الذكرى : ١٥٧ ، والبيان : ١٣٦ ، والثاني : في المسالك ١ : ٤٧ ، والروض : ٢٣٨.

(٣) كما في جامع المقاصد ٢ : ١٥٤ ، والكفاية : ١٢.

(٤) السرائر : ١ : ١٦٣.

(٥) المحقق في الشرائع ١ : ٥٣ ، والعلامة في المنتهى ١ : ١٧١ ، والتحرير ١ : ٢٤ ، والقواعد ١ : ٧.

(٦) الكفاية : ١٢.

(٧) الخلاف ١ : ٥١٨ ، السرائر ١ : ١٦٣.

(٨) التهذيب ١ : ٣٤٩ ـ ١٠٢٨ ، الوسائل ٣ : ٤٣٥ أبواب النجاسات ب ٢٢ ح ٨.

(٩) الكافي ٣ : ٨٨ الحيض ب ٩ ح ٢ ، التهذيب ١ : ١٧٠ ـ ٤٨٤ ، الوسائل ٢ : ٣٧١ أبواب الاستحاضة ب ١ ح ١.

٢٣٥

لضعف الأول : بأنّ مجوزاته إنما هي في بيان حكم كل من الحائض والجنب من حيث هو ، فلا تدل على الأمور الخارجة ، كما صرّحوا به في أمثال ذلك.

والثاني : بأن انفجار الدماميل ، لا يستلزم وجود الدم ، بل الغالب العدم ، مع أنه لو سلّم ، لدلّ على جواز التلويث ، وهو للإجماع مخالف.

والثالث : بأن الدم إذا لم يثقب الكرسف يكون عن الباطن غير خارج ، ومثله عن محل النزاع خارج.

مضافا إلى أنه يعارض بما في هذه الصحيحة أيضا مقدّما على ما ذكر من قوله : « فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت » إلى أن قال :« وتحتشي وتستثفر وتحشي (١) واضم فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارج ».

مع أن حمل المسجد على المصلّى ممكن ، بل هو الظاهر بقرينة ما ذكرنا من جزئها المتقدم ، حيث حملوه على المصلّى ، وجعلوا الأمر بخروج سائر الجسد ، للاحترام له.

ومع ذلك كله ، فثبوت الحكم في المستحاضة لا يثبته في غيرها ، وعدم الفصل غير ثابت ، بل خلافه ثابت ، فإنّ الأكثر (٢) مع منعهم عن إدخال النجاسة الغير المتعدّية ، صرّحوا بأنّ المستحاضة إذا فعلت ما يجب عليها ، يجوز لها دخول المساجد ، وصرّح والدي ـ رحمه‌الله ـ في اللوامع بعدم الخلاف فيه ، واختاره مع منعه عن إدخال الغير المتعدية أيضا.

بل (٣) للاقتصار في موضع الخلاف المخالف للأصل على المتيقن ، حيث قد عرفت انحصار الدليل في الإجماع وروايتي الفقيه والحلبي (٤).

واختصاص الأولين بالملوثة ظاهر.

__________________

(١) في نسخ المصادر : « لا تحني » « لا تحيي » « تحتبي » راجع هامش الكافي ٣ : ٨٩.

(٢) كما في السرائر ١ : ١٥٣ ، والمعتبر ١ : ٤٢٨ ، والمنتهى ١ : ١٢١.

(٣) راجع إلى قوله في الصفحة المتقدمة : لا لتجويز.

(٤) المتقدمتين ص ٢٣٢ وص ٢٣٣.

٢٣٦

وأما الثالث : فلأنه لا يدل إلاّ على علّية المشي في الأرض في الأرض اليابسة لانتفاء البأس مطلقا ، ولازمها عدم انتفائه كذلك مع عدم المشي ، وهو يتحقق مع ثبوته في الجملة ، كما في صورة بقاء رطوبة الرجل الملوثة للمسجد.

وتدلّ عليه أيضا : عمومات حضور المساجد في الجمعة والجماعات ، الشاملة لصاحب السلس والجروح والشقاق الدامية ، فتعارض مع عمومات حرمة إدخال النجاسة لو وجدت بالعموم من وجه ، فيرجع في محل التعارض إلى الأصل ، ويسري إلى غيره من النجاسات الغير المتعدية بعدم الفصل.

دليل القائل بالتعميم : النهي والأمر في الآية والرواية عن تقريب النجاسة (١) وتجنيبها المسجد ، والأول صادق عرفا على إدخالها كيف كان ، والثاني لا يتحقق كذلك إلاّ بإخراجها عنه ، ولا يقال لمن أدخلها ولو بمصاحبتها : إنّه جنّبها ، واستناد المنع في الآية إلى معرضية الكفّار للتلويث مكابرة. ومرسلة العلاء (٢).

وقد عرفت عدم دلالة شي‌ء منها ، فلا حظر في إدخال غير المتعدية من غير فرق بين المماسة وغيرها.

وممّن عاصرناه من فصّل بينهما (٣) ، فحرّم إدخال الاولى ـ وإن لم تتعدّ ـ دون الثانية. ونظره إلى صدق القرب وعدم صدق التجنّب مع المماسة.

وهو ضعيف جدا ، لأنّ المناط في صدق الألفاظ : العرف ، وهو لا يفرق هاهنا بين المماسة وغيرها ، فلو تمَّ ما ينهى عن القرب وما يأمر بالتجنّب ، لدلّ على حرمة الأعم من المماسة.

ثمَّ ما تجب إزالته هل يختص وجوبها بأرض المسجد؟ أو يسري إلى جداره‌

__________________

(١) في « ح » و « ق » : النجاسات.

(٢) المتقدمة ص ٢٣٤.

(٣) هو المحقق القمي في غنائم الأيام : ٦٩.

٢٣٧

وسقفه أيضا؟

مقتضى الآية والرواية النبوية (١) : السريان إليهما أيضا بسطحهما الداخل والخارج ، وكذا إلى سائر أجزاء المسجد وفرشه وآلاته الداخلة فيه. ولكن قد عرفت عدم تمامية دلالتهما.

وأما ما تمّت دلالته من الإجماع والروايتين ، فلا يقتضي السراية إلى شي‌ء مما ذكر ، والأصل دليل قوي مقتض للعدم ، بل الثابت من الثلاثة ليس إلاّ وجوب إزالة الملوثة وأما غيرها ولو كان واقعا على أرض المسجد مماسّا لها كالعذرة اليابسة ، ففيه إشكال. والاحتياط لا يترك مهما أمكن ، سيما في مظانّ الإجماع ، كتلويث السطح الداخل.

فروع :

أ : لو تلوّث المسجد أو أدخلت النجاسة فيه ووجب إزالتها ، فتجب كفاية لا عينا ، للأصل والإجماع.

والظاهر اتّفاقهم على أن وجوبها فوري أيضا ، ولكن القدر الثابت من الإجماع هو الفورية العرفية.

ولا يبطل واجب موسّع أو مضيّق لو فعله قبل الإزالة ولو قلنا باقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن ضدّه. بل لم يثبت الإجماع على الوجوب الفوري حين دخول وقت واجب موسّع أو مستحب كذلك ، فلا يحكم ببطلانه إذا فعله على القول بالاقتضاء المذكور أيضا.

ولا يختص ذلك بما إذا كان دليل وجوب الإزالة الإجماع ، بل كذا ولو كان دليله الآية والأخبار ، لاستناد الفورية معهما إلى الإجماع ، لعدم دلالة الأمر بنفسه على الفور ، بل وكذا لو قلنا بدلالته على الفور أيضا ، لحصول التعارض بين دليل‌

__________________

(١) المتقدمتين ص ٢٣٣.

٢٣٨

وجوب الإزالة المستلزم للنهي عن غيرها ، وبين دليل تلك العبادة بالعموم من وجه ، ولو فقد المرجّح يحكم بالتخيير المستلزم للصحّة.

نعم لو ثبت الإجماع على الفورية مطلقا ، لبطلت العبادة على القول بالاقتضاء المتقدم ، ولكن من أين يثبت ذلك؟! نعم لو ارتكب مباحا ، يكون عليه حراما.

وظهر مما ذكرنا ما في كلام جماعة من أصحابنا المتأخرين ، حيث اختلفوا ـ بعد حكمهم بوجوب الإزالة ـ في بطلان العبادة الموسّعة المزاحمة للإزالة وصحتها.

ويظهر من الأكثر (١) الأول ولو وقعت العبادة خارج المسجد. وصرّح جماعة (٢) بالثاني ، وبنوا ذلك على أنّ الأمر بالشي‌ء هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا؟ فمن اختار الأول قال بالبطلان ، ومن قال بالثاني قال بالصحة.

ب : هل يلحق بالمسجد قبور الحجج أم لا؟

ظاهر جماعة (٣) الأول ، بل ألحقوا به ضرائحهم ، بل داخل قبابهم المقدسة (٤) ، وقد يتعدّى إلى قبور أولادهم الأطهار ، بل العلماء الأبرار ، بل الكمّل من الأخيار.

ولا دليل عليه سوى مظنة الإجماع ، وتعظيم شعائر الله. وشي‌ء منهما لا يتم ، لعدم ثبوت الإجماع ، وعدم وجوب جميع أفراد تعظيمها.

ج : لا فرق في وجوب الإزالة عمّا تجب عنه الإزالة بين قليل النجاسات‌

__________________

(١) لم يثبت بل يظهر من المدارك ٢ : ٣٠٧ عكسه فإنه نسب إلى الأكثر القول بعدم اقتضاء الأمر بشي‌ء للنهي عن ضده الخاص. نعم قال بالبطلان جمع منهم المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ٣٢٥ ، والمحقق السبزواري في الذخيرة : ١٥٧.

(٢) منهم الشهيدان في الذكرى : ١٥٧ ، والروض : ١٦٥.

(٣) المسالك : ١ : ١٧ ، الحدائق ٥ : ٢٩٢ ، كشف اللثام ١ : ٥٠ ، كشف الغطاء : ١٧٤.

(٤) كما في كشف الغطاء : ١٧٤.

٢٣٩

وكثيرها ، سوى الدم في الصلاة ـ كما يأتي ـ إجماعا ، إلاّ من الإسكافي (١) : فما دون الدرهم من غير دم الحيض والمني على المعروف منه وإن كان ظاهر كلامه يعطي عدم نجاسته.

ويدفعه : إطلاق الأدلة ، كما يدفع ما حكاه في السرائر عن بعض الأصحاب ، من نفي البأس عمّا يترشّح على الثوب والبدن من النجاسات مطلقا مثل رؤوس الابر ، أو مقيدا بالبول خاصة عند الاستنجاء (٢) ، كما عن الميافارقيات (٣).

المسألة الثالثة : كل ما لاقى نجاسة عينية فلا ينجس إن كانا يابسين‌ ، للأصل ، والموثقة : « كل [ شي‌ء ] يابس زكي » (٤).

والمروي في قرب الإسناد : عن الرجل يمشي في العذرة وهي يابسة ، فيصيب ثوبه ورجليه ، هل يصلح له أن يدخل المسجد فيصلي ولا يغسل ما أصابه؟قال : « إذا كان يابسا فلا بأس » (٥).

وفي كتاب المسائل : عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة ، فتهب الريح ، فتسفي عليه من العذرة ، فيصيب ثوبه ورأسه ، أيصلي قبل أن يغسل؟ قال : « نعم ينفضه ويصلي ، فلا بأس » (٦) وغير ذلك.

بل عليه الإجماع في غير الميتة.

وإن كان أحدهما رطبا بالرطوبة المتعدية إلى الملاقي ـ ولو باعتبار شدة‌

__________________

(١) نقل عنه في المختلف : ٥٩.

(٢) السرائر ١ : ١٨٠.

(٣) رسائل الشريف المرتضى ( المجموعة الأولى ) : ٢٨٨.

(٤) التهذيب ١ : ٤٩ ـ ١٤١ ، الاستبصار ١ : ٥٧ ـ ١٦٧ ، الوسائل ١ : ٣٥١ أبواب أحكام الخلوة ب ٣١ ح ٥.

(٥) قرب الاسناد : ٢٠٤ ـ ٧٩٠ ، الوسائل ٣ : ٤٤٢ أبواب النجاسات ب ٢٦ ح ٨.

(٦) مسائل علي بن جعفر : ١٥٥ ـ ٢١٤ ، الوسائل ٣ : ٤٤٣ أبواب النجاسات ب ٢٦ ح ١٢.

٢٤٠