مستند الشّيعة - ج ١

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي

مستند الشّيعة - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-76-0
ISBN الدورة:
964-5503-75-2

الصفحات: ٤١٦
  نسخة غير مصححة

ترجيح له على غيره مما يمكن في المقام.

ومنه يعلم وجه المناقشة في البواقي غير الأولى أيضا ، فإنّها لا تثبت المطلوب إلاّ بحمل الآنية ، والطعام ، والفراش ، والثوب على ما علم ملاقاتهم بالرطوبة معه ، والمصافحة على صورة رطوبة اليد ، ولا ترجيح لشي‌ء من ذلك على حمل النهي على الكراهة ، سيما مع معارضتها مع مفهوم صحيحة محمد : عن آنية أهل الكتاب ، فقال : « لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير » (١).

ورواية زكريا بن إبراهيم : إني رجل من أهل الكتاب ، وإني أسلمت ، وبقي أهلي كلهم على النصرانية ، وأنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد ، فآكل من طعامهم؟ فقال لي : « يأكلون لحم الخنزير؟ » قلت : لا ولكنّهم يشربون الخمر ، فقال ( لي ) (٢) : « كل معهم واشرب » (٣) إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في تجويز استعمال أوانيهم ، واستعمال ثيابهم ، الآتي بعضها.

مضافا إلى التصريح بالكراهة في صحيحة إسماعيل بن جابر : ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال : « لا تأكله » ثمَّ سكت هنيئة ، ثمَّ قال : « لا تأكله » ثمَّ سكت هنيئة ، ثمَّ قال : « لا تأكله ، ولا تتركه تقول : إنه حرام ، ولكن تتركه تنزها عنه ، إنّ في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير » (٤).

هذا ، مع أن الثانية بل كثير من غيرها لا يفيد بنفسه أزيد من الكراهة ، للخلوّ عن صريح النهي.

__________________

(١) الفقيه ٣ : ٢١٩ ـ ١٠١٧ ، التهذيب ٩ : ٨٨ ـ ٣٧١ ، الوسائل ٢٤ : ٢١١ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥٤ ح ٦.

(٢) لا توجد في « ه‍ ».

(٣) التهذيب ٩ : ٨٧ ـ ٣٦٩ ، الوسائل ٢٤ : ٢١١ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥٤ ح ٥.

(٤) الكافي ٦ : ٢٦٤ الأطعمة ب ١٦ ح ٩ ، التهذيب ٩ : ٨٧ ـ ٣٦٨ ، الوسائل ٢٤ : ٢٠٥ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥٤ ح ٤.

٢٠١

دليل القائل بالطهارة : الأصل ، وقوله عز وجل ( وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ) (١) فإنه شامل لما باشروه بالرطوبة ، والأخبار المتكثرة.

والأصل بما ذكرنا مندفع.

« وطعامهم » (٢) ـ مع أنّ عمومه لكل طعام غير معلوم ، بل قال بعض أهل اللغة : إنه البرّ خاصّة ، كما نقله في المجمل (٣) ، وشمس العلوم ، والصحاح (٤) ، والقاموس (٥) ، وفي المغرب ، أنه غلب علي البرّ خاصّة (٦) ، وفي النهاية الأثيريّة عن الخليل : أنّ الغالب في كلام العرب أن الطعام هو البرّ خاصّة (٧) ، وفي المصباح المنير : وإذا أطلق أهل الحجاز لفظ الطعام عنوا به البرّ خاصة (٨) ، ويؤيده : حديث أبي سعيد المروي في طريق العامة : « كنا نخرج صدقة الفطرة صاعا من طعام ، أو صاعا من شعير » (٩) الحديث. بالحبوب ـ لو سلّم عمومه لغة ـ بالمستفيضة مخصوص :

ففي مرسلة الفقيه عن قول الله عزّ وجل ( وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ) قال : « يعني الحبوب » (١٠).

وفي رواية أبي الجارود : عن قول الله تعالى ( وَطَعامُ الَّذِينَ ) الآية ، فقال : « الحبوب » (١١).

__________________

(١) المائدة : ٥.

(٢) مبتدأ يأتي خبره بعد أسطر ، وهو : بالحبوب .. مخصوص.

(٣) المجمل ٣ : ٣٢٣.

(٤) الصحاح ٥ : ١٩٧٤.

(٥) القاموس ٤ : ١٤٥.

(٦) المغرب ٢ : ١٤.

(٧) النهاية ٣ : ١٢٧.

(٨) المصباح المنير : ٣٧٣.

(٩) صحيح مسلم ٢ : ٦٧٨ ـ ١٧ : وفيه : كنّا نخرج زكاة الفطر ..

(١٠) الفقيه ٣ : ٢١٩ ـ ١٠١٢ ، الوسائل ٢٤ : ٢٠٥ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥١ ح ٦.

(١١) الكافي ٦ : ٢٦٤ الأطعمة ب ١٦ ح ٦ ، الوسائل ٢٤ : ٢٠٤ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥١ ح ٣.

٢٠٢

وصحيحة قتيبة ( وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) إلى آخره ، فقال : « كان أبي يقول : إنما هي الحبوب وأشباهها » (١).

وقريبة منها موثقتا سماعة (٢) ، وصحيحة هشام (٣).

وعلى هذا ، فذكر طعامهم بعد الطيبات لدفع ما يتوهم من لزوم الاجتناب عنه ، لاحتمال ملاقاتهم بما يوجب التنجيس عند التصفية وغيرها ، أو من لزوم قطع الوصلة بين الفريقين للمباينة الدينية.

والتخصيص بأهل الكتاب ، لعله لكون أهل المدينة منهم ، مع أن حلّية طعامهم من حيث إنّه طعامهم لا تنافي نجاسته من حيث مباشرتهم.

وأما الأخبار ، فإن أمكن المناقشة في دلالة كثير منها ، وقرب التأويل في طائفة اخرى ، كأن يقال : إن السؤال عن طعامهم أو مؤاكلتهم أو إخدامهم أو عملهم إنما هو من حيث هي هي ، والحكم بطهارة بعض ما يخرج من أيديهم لعدم العلم بمباشرتهم مع الرطوبة ، أو بكونه كافرا ، أو نحو ذلك. ولكن الإنصاف ظهور دلالة بعض منها إلاّ أنها بمعزل عن الحجية ، لترك ناقليها العمل بها ، ومخالفتها للشهرة العظيمة بين من تقدم وتأخر ، بل للمحقق من الإجماع ، كيف لا ونجاستهم بين عوام العامة والخاصّة وخواصهم معدودة من خواص الخاصّة ، وهما من أقوى الأسباب المخرجة للخبر عن الحجية ، كما بيّناه في موضعه.

ومع ذلك كله فهي لمذهب العامة موافقة باعتراف جميع الخاصة ، حتى أن السيد جعل القول بالنجاسة من منفردات الإمامية (٤) ، وكانوا بذلك عند المخالفين‌

__________________

(١) الكافي ٦ : ٢٤٠ الذبائح ب ١٥ ح ١٠ ، التهذيب ٩ : ٦٤ ـ ٢٧٠ ، الاستبصار ٤ : ٨١ ـ ٣٠٣ ، الوسائل ٢٤ : ٢٠٥ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥١ ح ٤.

(٢) الكافي ٦ : ٢٦٣ الأطعمة ب ١٦ ح ١ ، ٢ ، التهذيب ٩ : ٨٨ ـ ٣٧٥ ، الوسائل ٢٤ : ٢٠٣ ، ٢٠٤ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥١ ح ١ ، ٢.

(٣) التهذيب ٩ : ٨٨ ـ ٣٧٤ ، الوسائل ٢٤ : ٢٠٥ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥١ ح ٥.

(٤) الانتصار : ١٠.

٢٠٣

معروفين مطعونين ، وكثرة اختلاط العامة لأهل الكتاب في جميع الأعصار ، وشدة عداوتهم لمن يجتنب عنهم بيّنة واضحة ، فترجيح أخبار النجاسة بالمخالفة للعامة متعين ، وحمل ما يدل على الطهارة على التقية لازم ، وبعضه به مشعر :

ففي حسنة الكاهلي ـ بعد سؤاله عن دعوة المجوسي إلى المؤاكلة. « أما أنا فلا أدعوه ولا أؤاكله ، ولأني لأكره أن أحرّم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم » (١) فإن المعنى قطعا : ما تضطرون إلى صنعة.

القسم الثالث : المنتحلون للإسلام.

ولا ريب في نجاسة الناصب منهم ، وهو : من أظهر بغض أحد من أهل البيت ، للإجماع ، وموثقة العلل المتقدمة (٢).

والأئمة كلهم داخلون في أهل البيت ، لقول الصادق عليه‌السلام في الموثقة : « لنا أهل البيت ».

ومن النواصب : الخوارج ، بل هم شر أقسامهم.

وكذا لا ينبغي الريب في نجاسة الغلاة ، وهم القائلون بالوهية عليّ أو أحد من الناس ، للإجماع.

والمستفاد من كثير من العبارات بل المصرح به في كلام جماعة (٣) نجاسة المنكر لما يعلم ثبوته أو نفيه من الدين ضرورة.

وهو مشكل ، لأنا وإن قلنا بكفر ذلك ، ولكن لا دليل على نجاسة الكافر مطلقا بحيث يشمل المقام.

وشمول الإجماعات المنقولة لمثله غير معلوم ، فإن ظاهر بعض كلماتهم أن‌

__________________

(١) الكافي ٦ : ٢٦٣ الأطعمة ب ١٦ ح ٤ ، التهذيب ٩ : ٨٨ ـ ٣٧٠ ، الوسائل ٣ : ، ٤١٩ أبواب النجاسات ب ١٤ ح ٢ وج ٢٤ : ٢٠٨ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٥٣ ح ٢.

(٢) ص ١٠٨.

(٣) منهم العلامة في التحرير ١ : ٢٤ ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ١ : ٤٧ ، ونقله في مفتاح الكرامة ١ : ١٤٣. عن عدة من الفقهاء.

٢٠٤

مرادهم من الكفار بالإطلاق غير فرق الإسلام ، ألا ترى الفاضل قال في المنتهى ـ بعد دعوى الإجماع على نجاسة الكفّار ـ : حكم الناصب حكم الكفّار ، لأنه ينكر ما يعلم من الدين ضرورة (١) ، وكذا تشعر بذلك عبارة المعتبر (٢) وغيره (٣) أيضا.

ومع ذلك يعاضده عدم التبادر ، وتبادر الغير.

ويؤكد ذلك أن منهم من حكم بكفر المخالفين لإنكاره الضروري ، ومع ذلك قال بطهارتهم ، كالفاضل ، فإنه صرح في زكاة المنتهى (٤) وشرح فصّ الياقوت بأنّ المخالفين لإنكارهم ضروري الدين كفرة ، ومع ذلك هم طاهرون عنده.

ولذا قيل في رد استدلال من يقول بنجاسة المخالفين بكفرهم : إنه على تقدير إطلاق الكفر عليهم حقيقة فلا دليل على النجاسة كلية ، وإن هو إلاّ مصادرة محضة (٥).

فالطهارة هنا قوية ، للأصل. والقياس على غير المنتحل مردود. والآية على فرض تماميتها غير نافعة ، لعدم تحقق الشرك مطلقا ، وعدم ثبوت الإجماع المركب.

وأما المخالفون لنا في الإمامة ، فالحقّ المشهور : طهارتهم.

وعن السيد (٦) القول بالنجاسة مطلقا.

وعن الحلّي في غير المستضعفين منهم (٧) ، واختاره بعض مشايخ والدي (٨)

__________________

(١) المنتهى ١ : ١٦٨.

(٢) المعتبر ١ : ٩٨.

(٣) مجمع الفائدة ١ : ٢٨٣.

(٤) المنتهى ١ : ٥٢٢.

(٥) الرياض ١ : ٨٥.

(٦) الانتصار : ٨٢.

(٧) السرائر ١ : ٨٤.

(٨) الحدائق ٥ : ١٧٧ ، ١٨١.

٢٠٥

ـ طاب ثراهما ـ وأصرّ عليه.

لنا : الأصل السالم عن المعارض ، مضافا إلى شدّة مخالطة الأئمة صلوات الله عليهم وأصحابهم طرا معهم ، ومباشرتهم وملاقاتهم إياهم مع الرطوبة ، والمؤاكلة معهم في ظرف واحد من المائعات ، ونكاح نسائهم ، وغير ذلك مما لا يمكن حمل جميعها على التقية ، مع أن الحمل عليها بلا دلالة باطل.

دليل القائل بالنجاسة : أنهم كفرة ونصّاب ، وكل أولئك أنجاس.

أما الأول : فلإنكارهم ما علم من الدين ضرورة ، ولتواتر الأخبار معنى به ، ولذا صرح جماعة بكفرهم ، كابن نوبخت مسندا له إلى جمهور أصحابنا ، والشيخ في التهذيب ، والسيد ، والحلي (١) ، والفاضل في بعض كتبه (٢) ، وهو الظاهر من المفيد والقاضي (٣).

وأما الثاني : فلرواية عبد الله بن سنان : « ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت ، لأنك لا تجد أحدا يقول أنا أبغض محمدا وآل محمد ، ولكن الناصب لكم ، وهو يعلم أنكم تتولّونا ، وأنكم من شيعتنا » (٤).

وقريب منها خبر المعلى المروي في معاني الأخبار (٥).

ومكاتبة محمد بن علي بن عيسى إلى أبي الحسن الثالث عليه‌السلام ، المروية في مستطرفات السرائر : كتبت إليه أسأله عن الناصب ، هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بإمامتهما؟ فرجع الجواب : « من كان على هذا فهو ناصب » (٦).

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣٣٥ ، الانتصار : ٨٢ ، السرائر ١ : ٣٥٦.

(٢) المنتهى ١ : ٥٢٢.

(٣) المقنعة : ٨٥ ، المهذب ١ : ٥٤ ، ٥٦.

(٤) ثواب الأعمال : ٢٤٨.

(٥) معاني الأخبار : ٣٦٥.

(٦) مستطرفات السرائر : ٦٨ ـ ١٣.

٢٠٦

ويردّ الأول أولا : بمنع كفرهم ، وإنكار الضروري إنما يوجبه لو وصل عند المنكر حد الضرورة ، وأنكره إنكارا لصاحب الدين ، أو عنادا أو استخفافا أو تشهّيا ، وكون جميع المخالفين كذلك ممنوع ، والأخبار بمثلها معارضة :

ففي رواية سفيان بن السمط : « الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس : شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصيام شهر رمضان. فهذا الإسلام.

وقال : الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا ، فإن أقرّ بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلما وكان ضالا » (١).

وأصرح من الجميع : ما رواه في الكافي في باب ارتداد الصحابة ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام وفيها : « فأما من لم يصنع ذلك ودخل فيما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لأمير المؤمنين عليه‌السلام ، فإن ذلك لا يكفره ، ولا يخرجه عن الإسلام » (٢) الحديث.

وثانيا : بعدم دليل على نجاسة مطلق الكافر سوى الإجماع المنتفي هنا قطعا.

والثاني : بأنّ مناط نجاسة الناصب الإجماع الظاهر انتفاؤه في المقام ، والأخبار المقيّدة بقوله : « لنا أهل البيت » ولم يعلم ذلك من جميع المخالفين ، وكونهم نصّابا بمعنى آخر غير مقيد.

ومما ذكرنا ظهر أن الحقّ طهارة المجبّرة والمجسّمة أيضا ، وفاقا للأكثر (٣) ، وخلافا للمحكي عن الشيخ في الأول (٤) ، وعنه وعن جماعة منهم المنتهى ،

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢٤ الايمان والكفر ب ١٤ ح ٤.

(٢) الكافي ٨ : ٢٩٥ ـ ٤٥٤.

(٣) المعتبر ١ : ٩٧ ، ٩٨ ، التذكرة ١ : ٨.

(٤) المبسوط ١ : ١٤.

٢٠٧

والتحرير ، والقواعد ، والدروس ، والبيان (١) في المجسمة الحقيقية ، وعن الثانيين (٢) في الثاني. وقد يستدل لهم بما ضعفه ظاهر.

فروع :

أ : لو ألجأت ضرورة التقية إلى ملاقاة أهل النجاسة بالرطوبة ، وفعل المشروط بانتفائها جاز ، كما أوجبته شريعة التقية ، وبعد زوالها يجب التطهير (٣) لمشروطه ما لم يلزمه الحرج ، للأمر المطلق بالغسل الموجب له مطلقا. وعدم وجوبه حال التقية لا يرفعه بعد رفعها ، فإن الثابت عدم وجوب الغسل حال التقية ، لا عدم وجوب غسل ما لاقى حال التقية. وعدم ورود مثل الأمر في جميع النجاسات بعدم عدم الفصل بينها ، غير ضائر. واستصحاب العفو غير نافع ، لأن الثابت هو العفو المقيد بحال العذر.

ب : ما لا تحله الحياة من الكافر نجس على المشهور. ونسب الخلاف فيه إلى السيد ، وكلامه في الناصريات (٤) بالكلبين مخصوص. وفي البحار صرح بطهارته من كل نجس العين (٥) ، ويظهر من المعالم الميل إلى طهارته من الكافر (٦) ، واستحسنه في المدارك (٧).

وهو في موقعه ، لعدم الدليل على النجاسة. والحكم بنجاسة المشرك أو اليهودي أو النصراني لا يدل على نجاسة كل جزء منه.

ج : ظاهر الأكثر تبعية ولد الكافر لهما (٨) ، لأنه متفرع من نجسين فله‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ١٦٨ ، التحرير ١ : ٢٤ ، القواعد ١ : ٧ ، الدروس ١ : ١٢٤ ، البيان : ٩١.

(٢) الشهيد الثاني في الروض : ١٦٣ ، والمحقق الثاني في جامع المقاصد ١ : ١٦٤.

(٣) في « ه‍ » : التطهر.

(٤) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : ١٨٢.

(٥) الموجود في البحار ٧٧ : ١٢٠ ، و ٦٣ : ٥٥ خلافه ، كما مرّ في ص ١٨٨ رقم (٢).

(٦) المعالم : ٢٦١.

(٧) المدارك : ٢ : ٢٧٦.

(٨) كما في التذكرة ١ : ٨ ، الذكرى : ١٤ ، الحدائق ٥ : ٢٠٠.

٢٠٨

حكمهما ، كالمتولد من الكلب والخنزير ، ولتبعيته لهما في الكفر كما يظهر من الأخبار.

ويظهر من نهاية الإحكام وجود الخلاف فيه (١). وظاهر المدارك والمعالم التوقف (٢) ، للأصل ، ومنع تبعية المتفرع من الحيوان عليه مطلقا ، وإنما هو من جهة صدق الاسم المنتفي هنا قطعا قبل البلوغ ، ومع تسليم الصدق فلانحصار دليل نجاسة الكافر على الإجماع الغير المتحقق في المقام لا يفيد. ومنه يظهر ضعف دليل التبعية أيضا.

أقول : لو سلّم عدم صدق الكافر ، فلا ينبغي الريب في أن الظاهر من العرف إطلاق اليهودي والنصراني والناصبي على أطفالهم ، سيما إذا كانوا مميزين مظهرين لملة آبائهم تابعين لهم ، سيما الأخير إذا علم منه النصب والعداوة ، فتثبت نجاستهم ـ سيما المميّزين ـ بإطلاقات نجاسة الثلاثة مسراة بعدم الفصل إلى غير المميزين وإلى أطفال سائر الكفار.

نعم يشكل الحكم فيما لو كانوا مميزين ، وأظهروا عن دين آبائهم التبري ، وتلقّوا الإسلام وولاء أهل البيت. والظاهر حينئذ طهارتهم ، لانتفاء الصدق عرفا ، وعدم ثبوت الإجماع المركب.

ثمَّ لو سبى النجس من أطفالهم مسلم ، فهل يطهر بالتبعية؟

المحكي عن الأكثر : نعم (٣) ، لأن نجاسته إما للإجماع عليها ، أو على نجاسة مطلق الكافر الذي هذا منه ، وكلا الإجماعين في المورد منتفيان ، واستصحاب النجاسة ضعيف ، إذ لم يثبت أمر زائد على النجاسة المقيدة بقبل السبي.

أقول : مع التميز والتبري عن ملة آبائهم لا إشكال ظاهرا في الطهارة ، كما‌

__________________

(١) نهاية الأحكام ١ : ٢٧٤.

(٢) المدارك ٢ : ٢٩٨ ، المعالم : ٢٥٩ ، ٢٦٠.

(٣) قال الوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح ـ مخطوط ـ ان ظاهر الأصحاب لحوق الطفل المسبي منفردا بالسابي.

٢٠٩

لا إشكال في النجاسة كذلك مع إظهار ملتهم ، والإشكال إنما هو مع انتفاء أحد الأمرين.

٢١٠

الفصل الثامن : في نبذ مما اختلفوا في نجاسته‌

وهي أمور :

منها : المذي‌ ، وقد مر.

ومنها : الأرنب ، والثعلب ، والفأرة ، والوزغة‌.

والحقّ المشهور : طهارة الجميع ، للأصل.

وصحيحة البقباق : عن فضل الهرة ، والشاة ، والبقرة ، والإبل ، والحمار ، والبغال ، والوحش ، والسباع ، فلم أترك شيئا إلاّ سألته عنه ، فقال : « لا بأس » حتى انتهيت إلى الكلب فقال : « رجس نجس » (١).

مضافا في الثاني إلى المستفيضة الدالة على قبوله التذكية ، وطهر جلده بها (٢).

وفي الثالث إلى صحيحتي الأعرج (٣) وإسحاق بن عمار (٤) ، ورواية الغنوي (٥) وغيرها.

وفي الرابع إلى صحيحة علي : عن العظاية ، والحية ، والوزغ يقع في الماء فلا يموت يتوضأ منه للصلاة؟ قال : « لا بأس » وعن فأرة وقعت في حب دهن‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٢٥ ـ ٦٤٦ ، الاستبصار ١ : ١٩ ـ ٤٠ ، الوسائل ١ : ٢٢٦ أبواب الآسار ب ١ ح ٤.

(٢) الوسائل ٤ : ٣٥٥ أبواب لباس المصلي ب ٧.

(٣) الكافي ٦ : ٢٦١ الأطعمة ب ١٤ ح ٤ ، التهذيب ٩ : ٨٦ ـ ٣٦٢.

(٤) الفقيه ١ : ١٤ ـ ٢٨ ، التهذيب ١ : ٤١٩ ـ ١٣٢٣ ، الاستبصار ١ : ٢٦ ـ ٦٥ ، الوسائل ١ : ٢٣٩ أبواب الأسآر ب ٩ ح ٢.

(٥) التهذيب ١ : ٢٣٨ ـ ٦٩٠ ، الاستبصار ١ : ٤١ ـ ١١٣ ، الوسائل ١ : ١٨٨ أبواب الماء المطلق ب ١٩ ح ٥.

٢١١

فأخرجت منه قبل أن تموت ، أيبيعه من مسلم؟ قال : « نعم ويدهن منه » (١).

خلافا للمحكي عن الشيخ في موضع من المبسوط (٢) ، وموضع من النهاية (٣) في الجميع ، وعن الحلبيين (٤) مدّعيا أحدهما الإجماع في الأولين ، وعن الصدوق (٥) ، والمفيد ، والديلمي (٦) في الأخيرين ، وعن والد الصدوق (٧) في الأخير ، وعن القاضي (٨) في غيره.

كل ذلك لبعض الأخبار (٩) القاصر عن إفادة النجاسة ، إما لكون الحكم فيه بلفظ الإخبار الغير المثبت للزائد عن الرجحان ، أو لعدم ثبوت الملازمة بين ما حكم به وبين النجاسة.

نعم ، في صحيح علي : عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثوب أيصلى فيه؟ قال : « اغسل ما رأيت من أثرها » (١٠).

وحملها على الاستحباب بقرينة المذكورات متعين.

ومنها : العصير العنبي‌ كما في كلام جماعة (١١) ، أو بدون القيد كما في كلام‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤١٩ ـ ١٣٢٦ ، الاستبصار ١ : ٢٤ ـ ٦١ ، الوسائل ١ : ٢٣٨ أبواب الأسآر ب ٩ ح ١.

(٢) المبسوط ١ : ٣٧.

(٣) النهاية : ٥٢.

(٤) الكافي في الفقه : ١٣١ ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥١.

(٥) الفقيه ١ : ٨ ، المقنع : ٥.

(٦) المقنعة : ٧٠ ، المراسم ٥٦.

(٧) نقله عنه في المختلف : ٥٧.

(٨) يستفاد من المهذب ١ : ٥١ ، ٥٣ خلافه وهو القول بنجاسة الثعلب والأرنب والوزغ وطهارة الفأرة.

(٩) راجع الوسائل ١ : ١٨٧ أبواب الماء المطلق ب ١٩ وج ٣ : الباب ٣٤ ـ ٣٦ من أبواب النجاسات.

(١٠) التهذيب ١ : ٢٦١ ـ ٧٦١ ، الوسائل ٣ : ٤٦٠ أبواب النجاسات ب ٣٣ ح ٢.

(١١) كما في الروض : ١٦٤ ، والرياض ١ : ٨٦ ، والحدائق ٥ : ١٢١.

٢١٢

الأكثر (١) ، واختلفوا في نجاسته وطهارته.

والأول : مختار الفاضلين (٢) في أكثر كتبهما ، وعن الشهيد في الرسالة (٣) وابن حمزة (٤) إن كان الغليان بنفسه ، وعليه دعوى شهرة المتأخرين خاصة في المدارك (٥) وأشربة المسالك (٦) ، ومطلقا في طهارته (٧) ، وعن المختلف (٨).

وإرادة المقيد من الأول بقرينة ما ذكره في الأشربة متعينة ، ودلالة كلام الثاني على الشهرة في العصير محل نظر.

وعن الكنز (٩) دعوى الإجماع عليها ، ونسب إلى ظاهر الكليني والصدوقين (١٠) أيضا ، وليس كذلك.

__________________

(١) منهم المحقق في المعتبر ١ : ٤٢٤ ، والشرائع ١ : ٥٢ ، والعلامة في التذكرة ١ : ٧ ، والمختلف : ٥٨ ، والقواعد ١ : ٧.

(٢) راجع رقم ١.

(٣) حكى عنه في المدارك ٢ : ٢٩٣.

(٤) الوسيلة : ٣٦٥. ( الجوامع الفقهية ) : ٧٣٣.

(٥) المدارك ٢ : ٢٩٢.

(٦) المسالك ٢ : ٢٤٤.

(٧) يعني : ادّعى في طهارة المسالك الشهرة المطلقة. ولكن الموجود في المسالك ١ : ١٧ دعوى شهرة المتأخرين أيضا كما في الأشربة منه.

(٨) المختلف : ٥٨.

(٩) كنز العرفان ١ : ٥٣.

(١٠) نسبه إليهم المحقق البهبهاني (ره) ، في حاشية المدارك ( مخطوط ) : ٨٤ في التعليق على قوله « ولا نعلم مأخذه » قال (ره) : ولعل المأخذ هو الأخبار التي رواها في الكافي في باب أصل تحريم الخمر وبدوه ، ورواه الصدوق في العلل أيضا ، إذ يظهر من تلك الاخبار ان العصير بمجرد الغليان يدخل في حد الخمر ، والصدوق في الفقيه في باب حد الخمر قال : قال أبي في رسالته إليّ : اعلم أن أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو على من غير أن تمسه فيصير أعلاه أسفله فهو خمر فلا يحل شربه إلا أن يذهب ثلثاه. ثمَّ أتى بعبارات أخر صريحة بأن مراده الخمر المعهود الحقيقي ثمَّ قال : ولها خمسة أسامي : العصير من الكرم .. إلخ ـ والظاهر من الصدوق أيضا ذلك في الفقيه والعلل معا وهو الظاهر أيضا من الكليني فلاحظ الكافي وتأمل. وهو الظاهر من البخاري من العامة في صحيحة فلاحظ ..

٢١٣

والثاني : مذهب العماني (١) وأكثر الثالثة كالشهيد الثاني في حواشي القواعد ، والأردبيلي (٢) ، وصاحبي المدارك والمعالم (٣) ، وكفاية الأحكام ، والذخيرة (٤) وعن النافع ، والدروس ، والتبصرة (٥) ، بل صرح في الذكرى (٦) بعدم الوقوف على قول بالنجاسة لغير الفاضلين وابن حمزة.

وعن الفاضل في النهاية (٧) التوقف في الحكم ، وهو ظاهر الذكرى ، والبيان ، والمسالك ، والكركي (٨).

والذي يظهر لي : أنّ المشهور بين الطبقة الثالثة : الطهارة ، وبين الثانية : النجاسة ، وأما الأولى فالمصرّح منهم بالنجاسة أمّا قليل أو معدوم.

نعم ذكر الحلي في بحث المياه في رفع استبعاد تطهر الماءين النجسين المتفرقين بعد جمعهما إذا بلغا كرا : ألا ترى أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال طاهر ، فإذا حدثت الشدة حرمت العين ونجست ، والعين التي هي جواهر على ما كانت عليه ، وإنما حدث معنى لم يكن كذلك ، وكذلك إذا انقلب خلاّ زالت الشدة عن العين وطهرت وهي على ما كانت عليه (٩).

وأما في بحث النجاسات فمع ذكره الخمر (١٠) ، وإلحاقه الفقاع بها لم يذكر‌

__________________

(١) نقله عنه في المختلف : ٥٨.

(٢) مجمع الفائدة ١ : ٣١٢.

(٣) المدارك ٢ : ٢٩٣ ، المعالم : ٢٤٢.

(٤) الكفاية : ١٢ ، الذخيرة : ١٥٥.

(٥) المختصر النافع : ١٨ ، الدروس ١ : ١٢٤ ، التبصرة : ١٧ لا يخفى أن وجه نسبة القول بالطهارة إلى هؤلاء المذكورين إنهم لم يذكروا العصير في النجاسات.

(٦) الذكرى : ١٣.

(٧) نسب في الذكرى إلى نهاية العلاّمة التوقف في الحكم ولكن الموجود فيه ١ : ٢٧٢ ، القول بنجاسته صريحا.

(٨) الذكرى : ١٣ ، البيان : ٩١ المسالك ١ : ١٧ ، جامع المقاصد ١ : ١٦٢.

(٩) السرائر ١ : ٦٦.

(١٠) السرائر ١ : ١٧٩ ـ ١٧٨.

٢١٤

العصير أصلا.

والذي أراه أنّ مراده بشدته ليس غلظته وثخانته ، بل المراد هو القوة الحاصلة للمسكر ، فيكون المراد منه الخمر ، ولذا لم يذكر الغليان ، ولا قبل ذهاب الثلاثين ، ورتّب زوال الشدة على الانقلاب خلاّ.

ويؤيده : أنه في مقام ذكر الأمثلة التي يتغير حكم الطهارة والنجاسة فيها بالتغير المعنوي ، فمثّل بالإيمان والكفر ، والموت والحياة ، ولو أريد بالشدة الثخانة لم تكن الجواهر على ما كانت عليه ، مع أنه لم يفسّر الشدة من اللغويين أحد بالثخانة ، وفسّروها بالقوة ، والحملة ، والصلابة ، وغيرها.

ويؤيده أيضا ، رواية عمر بن حنظلة : « ما ترى في قدح من مسكر يصبّ عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره » (١) وفسّرت العادية بالشدة.

ولو لا أن غيره من المتأخرين الذين ذكروا العصير ذكروه بعد الخمر أو فسّروا الاشتداد بالثخانة (٢) ، لقلت : إنّ مراد جميعهم ما ذكرنا ، ويختلج ببالي أن يكون جماعة من القدماء عبّروا عن الخمر بمثل ذلك ، ولأجله وقع في العصير الخلاف.

وكيف كان ، فالحق هو الطهارة ، للأصول السالمة جدا عن المعارض ، المعتضدة بأنّ العصير المتكرر ذكره في النصوص (٣) ، واستفاضتها على حرمته ، وعموم الحاجة إليه ـ حيث ليس بلد ولا قرية إلاّ ويعملونه ويباشرونه ويحتاجون إليه ـ لو كان نجسا ، لكان في الأخبار من نجاسته عين أو أثر ، مع تكرر سؤال أصحابهم عن أحكامهم ، وعدم محذور ولا تقية فيه.

وأما إطلاق الخمر عليه ، فلا يدلّ بعد تسليمه على نجاسته ، ولو جاز‌

__________________

(١) الكافي ٦ : ٤١٠ الأشربة ب ٢١ ح ١٥ ، التهذيب ٩ : ١١٢ ـ ٤٨٥ ، الوسائل ٢٥ : ٣٤١ أبواب الأشربة المحرمة ب ١٨ ح ١.

(٢) كما في المسالك ٢ : ٢٤٤ ، جامع المقاصد ١ : ١٦٢ ، المدارك ٢ : ٢٩٢.

(٣) راجع الوسائل ٢٥ : ٢٨٢ أبواب الأشربة المحرمة ب ٢.

٢١٥

الاكتفاء في بيان أحكامه بذلك ، لكان في الحرمة أولى ، لأن حرمة الخمر من أحكامها الضرورية بخلاف نجاستها.

احتجّ القائل بالنجاسة : بالإجماع المنقول عن الكنز (١).

وبكونه خمرا ، لحملها عليه في الأخبار.

كما في موثقة ابن عمار : الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج (٢) ويقول : قد طبخ على الثلث ، وأنا أعرفه أنه يشربه على النصف ، فقال : « خمر لا تشربه » (٣).

وفي حسنة عبد الرحمن : « الخمر من خمسة : العصير من الكرم .. » (٤).

وفي الرضوي : « أصل الخمر من الكرم ، إذا أصابته النار أو غلى من غير أن تصيبه النار فهو خمر » (٥).

وبالنهي عن بيعه ، كما في رواية أبي كهمس : لي كرم وأنا أعصره كل سنة وأجعله في الدّنان وأبيعه قبل أن يغلي ، قال : « لا بأس ، وإن غلى فلا يحل بيعه » (٦).

وبنفي الخير مطلقا ـ ومنه الطهارة ـ عنه كما في روايتي محمد بن الهيثم وأبي بصير :

الاولى : عن العصير يطبخ في النار حتى يغلي من ساعته فيشربه صاحبه ،

__________________

(١) كنز العرفان ١ : ٥٣.

(٢) البختج : العصير المطبوخ ـ النهاية الأثيرية ١ : ١٠١.

(٣) الكافي ٦ : ٤٢١ الأشربة ب ٢٨ ح ٧ ، التهذيب ٩ : ١٢٢ ـ ٥٢٦ ، الوسائل ٢٥ : ٢٩٣ أبواب الأشربة المحرمة ب ٧ ح ٤.

(٤) الكافي ٦ : ٣٩٢ الأشربة ب ١٢ ح ١ ، التهذيب ٩ : ١٠١ ـ ٤٤٢ ، الوسائل ٢٥ : ٢٧٩ أبواب الأشربة المحرمة ب ١ ح ١.

(٥) فقه الرضا (ع) : ٢٨٠ ، المستدرك ١٧ : ٣٩ أبواب الأشربة المحرمة ب ٢ ح ٥.

(٦) الكافي ٥ : ٢٣٢ المعيشة ب ١٠٧ ح ١٢ ، الوسائل ١٧ : ٢٣٠ أبواب ما يكتسب به ب ٥٩ ح ٦.

٢١٦

قال : « إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه » (١).

والثانية : « إن طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال ، وما كان دون ذلك فليس فيه خير » (٢).

وجوابنا عن الأول : بمنع حجية الإجماع المنقول ، سيما مع معارضته بما مر من الذكرى (٣).

وعن الثاني : أنّ حمل الخمر يدل على كونه خمرا لو لم يثبت لها معنى آخر ، حيث إنّ مقتضى أصالة الحقيقة في الحمل والمحمول حينئذ : كونه خمرا حقيقيا.

ولكن إذ ثبت له معنى آخر فتعارض تلك الأصالة أصالة عدم النقل وعدم وضع آخر ، فلا يعلم كونه خمرا.

وقد ثبت بحكم التبادر كونها حقيقة في المسكر من مطلق العصير أو العنبي ، واتّفقت عليه كلمات الفقهاء الذين ذكروا العصير بعد الخمر ، وقالوا : ويلحق بها العصير. وقد صرح به أهل اللغة أيضا (٤) ، بل هو المستفاد من المستفيضة المصرحة بأنه « لم يحرم الخمر لاسمها ولكن لعاقبتها ، فما كانت عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر » أو « ما فعل فعل الخمر فهو خمر » (٥) وبأن « الخمر سميت خمرا لاختمارها العقل » (٦).

وعلى هذا فالمعنى : أن حكمه حكم الخمر ، أو هو خمر مجازي ، أو مجازا ، ولا يثبت بذلك جميع أحكامها له ، لشيوع الحرمة فيها جدا فينصرف إليها. ولو‌

__________________

(١) الكافي ٦ : ٤١٩ الأشربة ب ٢٧ ح ٢ ، التهذيب ٩ : ١٢٠ ـ ٥١٧ ، الوسائل ٢٥ : ٢٨٥ أبواب الأشربة المحرمة ب ٢ ح ٧.

(٢) الكافي ٦ : ٤٢٠ الأشربة ب ٢٨ ح ١ ، الوسائل ٢٥ : ٢٨٥ أبواب الأشربة المحرمة ب ٢ ح ٦.

(٣) الذكرى : ١٣.

(٤) القاموس ٢ : ٢٣.

(٥) راجع الوسائل ٢٥ : ٣٤٢ أبواب الأشربة المحرمة ب ١٩.

(٦) ظاهر العبارة يعطي أن الجملة المذكورة وردت في حديث ولكن لم نعثر عليه ، نعم هي موجودة في كلمات اللغويين. راجع الصحاح ٢ : ٦٤٩.

٢١٧

قطع النظر عن الشيوع أيضا فانصراف الشركة المبهمة إلى جميع الأحكام عندنا غير ثابت.

هذا ، مضافا إلى ما في الرواية الاولى من العلة ، حيث إنها مذكورة بهذا السند والمتن في الكافي والتهذيب ، والأول خال عن لفظ « خمر » ولذا لم يذكره صاحبا الوافي والوسائل.

وفي الثانية من عدم الدلالة ، لجواز أن يكون العصير بدلا من خمسة ، ويكون الخمر من العصير الحاصل من الكرم ، والنقيع الحاصل من الزبيب إلى آخره ، ولو كان بدلا من الخمر أيضا ، لدلّ على أنّ العصير يطلق على الخمر التي من الكرم ، لا أن الخمر يطلق على العصير.

وفي الثالثة من الضعف الخالي عن الجابر.

وعن الثالث ـ بعد منع ثبوت النجاسة بعدم حلية البيع ، ولذا لا يحل بيع أشياء كثيرة طاهرة ـ : أنه بأقوى منه معارض ، كصحيحة رفاعة : عن بيع العصير ممن يخمره ، فقال : « حلال » (١).

ورواية البزنطي : عن بيع العصير فيصير خمرا ، إلى أن قال : « وأما إذا كان عصيرا فلا يباع إلاّ بالنقد » (٢).

وهاتان الروايتان وإن كانتا أعمّين من جهة الغليان ، ولكن رواية أبي كهمس أيضا عامة من جهة السكر ، ولو لا ترجيحهما بالصحة ، فالمرجع أصل الحلية.

وعن الرابع ـ مضافا إلى الاختصاص بما غلى بالنار ـ : بمنع كون الطهارة أيضا من أفراد الخير ، مع أن المتبادر من نفيه فيها نفي الحلية ، كما يشعر به قوله :

__________________

(١) التهذيب ٧ : ١٣٦ ـ ٦٠٣ ، الاستبصار ٣ : ١٠٥ ـ ٣٧٠ ، الوسائل ١٧ : ٢٣١ أبواب ما يكتسب به ب ٥٩ ح ٨.

(٢) الكافي ٥ : ٢٣٠ المعيشة ب ١٠٧ ح ١ ، التهذيب ٧ : ١٣٨ ـ ٦١١ ، الوسائل ١٧ : ٢٢٩ أبواب ما يكتسب به ب ٥٩ ح ١.

٢١٨

« فيشربه » وقوله : « فهو حلال ».

ومنها : ولد الزنا والأظهر الأشهر : طهارته ، للأصل.

وعن الصدوق (١) والسيد (٢) والحلّي (٣) نجاسته. وفي المعتبر عن بعض الأصحاب الإجماع عليها (٤) ، لروايتي حمزة بن أحمد وابن أبي يعفور المتقدمتين (٥) في غسالة الحمام ، والمرويات في عقاب الأعمال وثواب الأعمال ، والمحاسن ، والعلل.

[ الأوليان ] (٦) : « إنّ نوحا حمل في السفينة الكلب والخنزير ، ولم يحمل فيها ولد الزنا » (٧).

والثالثة : « لا خير في ولد الزنا ، ولا في بشره ، ولا في شعره ، ولا في لحمه ، ولا في دمه ، ولا في شي‌ء منه » (٨).

والرابعة وفيها مخاطبا له يوم القيامة : « وأنت رجس ، ولن يدخل الجنة إلاّ طاهر » (٩).

__________________

(١) الفقيه ١ : ٨ ، الهداية : ١٤.

(٢) الانتصار : ٢٧٣.

(٣) السرائر ١ : ٣٥٧ ، قال : ولد الزنا قد ثبت كفره. وهو بضميمة حكمه بنجاسة الكافر يصحح النسبة.

(٤) المعتبر ١ : ٩٨.

(٥) ص ١٠٨.

(٦) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة ليحصل الانسجام مع قوله : « والثالثة والرابعة » وقوله بعد سطور في مقام الجواب : « وعن الروايات الأربع » مشيرا الى هذه الروايات. ولكن لا يخفى أنه يظهر من هذه العبارة أن الرواية : « أن نوحا .. » مروية في كتابين هما ثواب الاعمال وعقاب الاعمال ، وعليه تكون الثالثة إشارة إلى رواية المحاسن ـ كما هي موجودة فيها ـ وهذا خلاف الواقع فإن الرواية الأولى مروية في عقاب الاعمال فقط ، فعليه ينبغي تبديل الأوليين بالأولى والثالثة بالثانية والرابعة بالثالثة.

(٧) عقاب الاعمال : ٢٥٢.

(٨) المحاسن : ١٠٨.

(٩) العلل : ٥٦٤.

٢١٩

ومرسلة الوشاء : « كره سؤر ولد الزنا ، واليهودي ، والنصراني ، وكل ما خالف الإسلام » (١). فإن المراد بالكراهة فيها الحرمة ، بقرينة البواقي لئلاّ يلزم استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز.

مع أن سياقها يدلّ على مخالفته الإسلام ، فيكون كافرا ، كما تدلّ عليه أيضا استفاضة الأخبار « بأنّه لا يدخل الجنة إلاّ من طابت ولادته » (٢) و « بأنّ ديته كدية اليهودي والنصاري » (٣) وهذا وجه آخر لنجاسته.

ويجاب عن الروايتين : بأنهما تنفيان الطهورية دون الطهارة ، ولا تلازم بينهما كما مرّ.

والطهارة المنفية في ثانيتهما غير ما يوجب انتفاؤه النجاسة قطعا ، لنفيها عن سبعة آبائه.

وعن الروايات الأربع (٤) : بعدم الدلالة ، لأن حمل الكلبين دونه لمطلوبية بقاء نوعهما دون نوعه ، لا لكونه أنجس منهما.

ونفي الخير لا يثبت النجاسة.

وثبوت الرجسية أو نفي الطهارة عنه يوم القيامة لا يدلّ عليه في الدنيا ، مع أن كون الرجس والطهارة بالمعنى المفيد هنا لغة غير ثابت.

وعن المرسلة : بأن الكراهة غير الحرمة ، وذكر البواقي لا يثبت إرادتها ، لجواز إرادة القدر المشترك الذي هو معناها اللغوي. ودلالة سياقها على كفره ممنوعة.

وعدم دخوله الجنة ـ لو سلّم وخلا ما يدلّ عليه عن المعارض ـ لا يستلزم‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ١١ الطهارة ب ٧ ح ٦ ، التهذيب ١ : ٢٢٣ ـ ٦٣٩ ، الاستبصار ١ : ١٨ ـ ٣٧ ، الوسائل ١ : ٢٢٩ أبواب الأسآر ب ٣ ح ٢.

(٢) راجع البحار ٥ : ٢٨٥ ـ ٢٨٧.

(٣) راجع الوسائل ٢٩ : ٢٢٢ أبواب ديات النفس ب ١٥.

(٤) يظهر بملاحظة ما ذكرناه في التعليقة رقم ٦ ص ٢١٩ أنه ينبغي تبديل الأربع بالثلاث.

٢٢٠