مستند الشّيعة - ج ١

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي

مستند الشّيعة - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-76-0
ISBN الدورة:
964-5503-75-2

الصفحات: ٤١٦
  نسخة غير مصححة

المسئول عنه ، يفيد العموم.

وصحيحة علي : عن الرجل يصيب الماء في ساقية ، أو مستنقع ، أيغتسل منه للجنابة ، أو يتوضّأ منه للصلاة ، إذا كان لا يجد غيره ، والماء لا يبلغ صاعا للجنابة ، ولا مدّا للوضوء ، وهو متفرق ، إلى أن أجاب بقوله : « فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ، ثمَّ مسح جلده بيده ، فإنّ ذلك يجزيه » إلى أن قال : « وإن كان الماء متفرقا فقدر أن يجمعه ، وإلاّ اغتسل من هذا وهذا ، فإن كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه ، فإنّ ذلك يجزيه » (١).

وموضع الاستدلال قوله : « فلا عليه » إلى آخره.

ومرسلة ابن مسكان : عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ، يريد أن يغتسل ، وليس معه إناء والماء في وهدة ، فإن هو اغتسل يرجع غسله في الماء ، كيف يصنع؟ قال : « ينضح بكفّ بين يديه ، وكفّا من خلفه ، وكفّا عن يمينه ، وكفّا عن شماله ، ثمَّ يغتسل » (٢).

وصحيحة ابن بزيع : عن الغدير ، يجتمع فيه ماء السماء ، ويستقى فيه من بئر ، فيستنجي فيه إنسان من البول ، أو يغتسل فيه الجنب ، ما حدّه الذي لا يجوز؟ فكتب : « لا تتوضأ من مثل هذا إلاّ عن (٣) ضرورة إليه » (٤) فإنّ تجويزه التوضّؤ حال الضرورة دليل على أنّ النهي للتنزّه.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤١٦ ـ ١٣١٥ ، الاستبصار ١ : ٢٨ ـ ٧٣ ، الوسائل ١ : ٢١٦ أبواب الماء المضاف ب ١٠ ح ١.

(٢) التهذيب ١ : ٤١٧ ـ ١٣١٨ ، الاستبصار ١ : ٢٨ ـ ٧٢ ، الوسائل ١ : ٢١٧ أبواب الماء المضاف ب ١٠ ح ٢.

(٣) في « ق » : من.

(٤) التهذيب ١ : ١٥٠ ـ ٤٢٧ ، الاستبصار ١ : ٩ ـ ١١ ، الوسائل ١ : ١٦٣ أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ١٥.

١٠١

والثاني للصدوقين (١) ، والشيخين (٢) ، بل أكثر الأصحاب ، كما في الخلاف (٣) ، واختاره والدي العلامة ـ رحمه‌الله ـ ونسبه في اللوامع إلى أعيان القدماء ، وفي المعتمد إلى معظمهم ، وجعله المحقّق في المعتبر أولى ، وفي الشرائع أحوط (٤) ، وإن كان ظاهره فيهما وفي النافع التوقف (٥).

لاستصحاب الحدث.

ورواية ابن سنان المتقدّمة (٦). ورواية حمزة بن أحمد : عن الحمام قال : « ادخله بمئزر ، وغضّ بصرك ، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام ، فإنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب ، وولد الزنا ، والناصب » (٧) الحديث ، المعتضدتين بالشهرة المتقدمة ، وبتكرر السؤال في الأخبار عن الماء الذي يرجع فيه غسالة الجنب ، وأنّه كيف يصنع به حينئذ (٨)؟ واقترانها بما ولغت فيه الكلاب (٩) ، وغير ذلك بحيث يتحدس (١٠) فيه وضوح عدم جواز التوضؤ والاغتسال منها ، عند الأصحاب الأطياب.

واحتمال النفي في الأخيرة فلا يفيد عدم الجواز خلاف الظاهر ، بقرينة المعطوف عليه.

وتجويز كون النهي لغلبة احتمال وجود النجاسة في المغتسل من الجنابة ـ كما‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٠ ، ونقل عنهما في المختلف : ١٢.

(٢) المفيد في المقنعة : ٦٤ ، والطوسي في المبسوط ١ : ١١ ، والنهاية : ٤.

(٣) الخلاف ١ : ١٧٢.

(٤) المعتبر ١ : ٨٨ ، الشرائع ١ : ١٦.

(٥) المختصر النافع : ٤.

(٦) ص ٤٣.

(٧) التهذيب ١ : ٣٧٣ ـ ١١٤٣ ، الوسائل ١ : ٢١٨ أبواب الماء المطلق ب ١١ ح ١.

(٨) الوسائل ١ : ٢١٦ أبواب الماء المضاف ب ١٠.

(٩) الوسائل ١ : ١٥٨ أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ١ ، ٥ ، ١٢.

(١٠) في « ق » : يحدس.

١٠٢

يستفاد من الأخبار المتضمنة لكيفية غسل الجنابة ، الآمرة بغسل الفرج (١) ـ خلاف الإطلاق بل الصريح ، لأنّ ما يغتسل به الجنب غير ما يغسل به فرجه قطعا.

وتدلّ أيضا عليه صحيحة محمد : عن ماء الحمام ، فقال : « ادخله بإزار ، ولا تغتسل من ماء آخر إلاّ أن يكون فيه جنب ، أو يكثر أهله ، فلا يدرى فيه جنب أم لا » (٢).

والتقريب ما تقدم في صحيحته المذكورة (٣) للقول الأوّل.

وعدم وجوب التنزّه عن المستعمل في إحدى صورتي المستثنى إجماعا ـ كما قيل ـ مع كونه كالإجماع المدّعى ممنوعا ـ كما يأتي ـ لا يضر ، إذ الخروج عن ظاهر بعض أجزاء الرواية بدليل ، لا يقتضيه في غيره.

ونفي دلالتها على وجوب التنزه ـ لكون الاستثناء عن النهي عن الاغتسال بماء آخر في صورتي المستثنى ، أعمّ من الأمر بالاغتسال به فيهما ، للاكتفاء في رفع النهي بالإباحة ـ واه جدّا ، لأنّ النهي في المستثنى منه ليس للحرمة ، ولا الكراهة قطعا ، بل المراد نفي وجوب الاغتسال عن ماء آخر لعدم صلاحيته لمعنى غيره ، فرفعه يكون بالوجوب ، وبه يثبت المطلوب.

ثمَّ إنّ هؤلاء بهذه الأدلّة يعارضون الأولين بأدلّتهم ، فيدفعون استصحابهم باستصحابهم وبأخبارهم ، وإطلاقاتهم بقسميها بمقيداتهم ، بعد نفيهم دلالة سائر أخبارهم (٤).

فالصحيحة الأولى : بأنّ ما ينزو ، أو ينضح ، أو يقطر ، يستهلك في الإناء ، فلا منع فيه. مع أنّه لا إشعار بنفي البأس عن الغسل ، لجواز أن يكون السؤال عن نجاسة الإناء ، وكان النزو بعد تمام الغسل.

__________________

(١) الوسائل ٢ : ٢٢٩ أبواب الجنابة ب ٢٦.

(٢) التهذيب ١ : ٣٧٩ ـ ١١٧٥ ، الوسائل ١ : ١٤٩ أبواب الماء المطلق ب ٧ ح ٥.

(٣) ص ١٠٠ ـ ١٠١.

(٤) المتقدمة ص ٩٩.

١٠٣

والثانية : بأنّ الظاهر كون السؤال عن الماء الجاري في الحياض ، دون الغسالة. مع أنّها معارضة بغيرها ، مما مرّ ويأتي ، ومع ذلك فهي عامة يجب تخصيصها بما مرّ.

والثالثة : بجواز كون « أن » في قوله : « لا عليه أن يغتسل » مصدرية ، وكون المصدر اسما للفظة « لا » ، والمشار إليه في قوله : « فإنّ ذلك يجزيه » ما ذكره أوّلا من غسل الرأس ومسح الجلد.

بل يتعيّن أن يكون المراد ذلك ، لأنّ السؤال قد تضمّن أمرين : عدم كفاية الماء ، وتفرقته. وقد أجاب عن الأوّل بغسل الرأس ومسح الجلد ، وعن الثاني بالجمع مع القدرة ، والاغتسال من هذا بدونها ، والمحكوم عليه في قوله : « فإن كان » وقوله : « فإن خشي » واحد ، فيلزم اتّحاد الحكم لئلاّ يلزم التناقض. مع أنّه على الاحتمال الآخر يحتاج إلى إضمار اسم لا ، وهو خلاف الأصل.

والمرسلة : باحتمال أن يكون السؤال عن فساد الماء ، برجوع ماء الغسل بعد تمامه فيه ، لا عن الغسل بالماء الراجع. بل احتمال أن يكون الأمر بنضح الأكف لئلاّ يحصل العلم بالرجوع ، ولا يمكن منه الغسل ، كما صرح به كثير من الأصحاب.

مضافا إلى ضعف سندها ، وإرسالها ، ومخالفتها لعمل راويها ، ولشهرة القدماء ، وهما مخرجان للرواية عن الحجيّة.

والأخيرة : بجواز رجوع المجرور في قوله : « إليه » إلى التوضؤ ، أي : لا تتوضأ إلاّ مع الضرورة إلى التوضؤ ، من تقيّة ، أو نحوها.

وعلى هذا فتكون تلك كسابقتيها دليلا للقول الثاني أيضا. فهو الأقوى ، وبالعمل عليه أليق وأحرى.

فروع :

أ : هل الحكم مختص بالمستعمل في غسل الجنابة ، أم يعمّ سائر الأغسال الواجبة أيضا؟

١٠٤

المصرح به في كلام الأكثر ـ ومنهم الشيخ (١) ـ التعميم. ولكن الأخبار وبعض كلمات الأصحاب ـ ومنهم الصدوق في الفقيه (٢) ـ مخصوص. ومنه يظهر انتفاء الإجماع على الاشتراك ، فالاختصاص أظهر. وتنزيل الأخبار على التمثيل يحتاج إلى الدليل. واشتراك الحائض ومن في حكمها مع الجنب في كثير من الأحكام ، لا يثبت الاشتراك في الجميع.

ب : من وجب عليه الغسل من حدث مشكوك ـ كواجد المني في ثوبه المختص ، والمتيقّن للحدث والغسل والشاك في المتأخّر ـ كالمتيقّن ، لأنّه جنب شرعي.

واستشكل فيه الفاضل في النهاية ، والمنتهى (٣). وهو غير جيّد.

ج : يشترط في رفع الطهورية الانفصال عن البدن ، لأنّه القدر الثابت من الأخبار ، دون غيره. ولا يبعد كفاية الانفصال عن العضو المرتب في الترتيبي ، وأمّا في الارتماسي ، فلا يتحقّق الاستعمال في رفع الحدث إلاّ بعد تمام الغسل ، والوجه فيه ظاهر.

د : الكر المجتمع من القليل المستعمل كالقليل ، للاستصحاب. وخلاف المبسوط والمنتهى (٤) ضعيف.

ه : محل الكلام فيما اغتسل به ، فلا حرج فيما يبقى بعده في الإناء. ولا يضرّ إدخال الجنب يده فيه بقصد الأخذ ، للأصل ، والأخبار المتضمنة لغسل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع عائشة في إناء واحد (٥).

ولا انتضاح شي‌ء من الغسالة في الأثناء فيه ، للروايات النافية للبأس‌

__________________

(١) المبسوط ١ : ١١ ، النهاية : ٤.

(٢) الفقيه ١ : ١٠.

(٣) نهاية الأحكام ١ : ٢٤٣ ، المنتهى ١ : ٢٤.

(٤) المبسوط ١ : ١١ ، المنتهى ١ : ٢٣.

(٥) الوسائل ١ : ٢٠٨ أبواب الماء المضاف ب ٧ ح ١ وج ٢ : ٢٤٢ أبواب الجنابة ب ٣٢.

١٠٥

عنه (١) ، وقد تقدّم بعضها.

و : هل الحكم مختص بالقليل ، أو يشمل الكثير أيضا؟

المصرّح به في كلام جماعة الأوّل (٢) ، وربما يستفاد من جمع عدم الخلاف فيه (٣) ، بل ادعى جماعة ، منهم : الوالد العلاّمة ـ رحمه‌الله ـ الإجماع عليه ، ويؤيّد الإجماع عمل الناس في الأعصار والأمصار من غير إنكار.

وتدلّ عليه صحيحة الجمّال : عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة ، تردها السباع ، وتلغ فيها الكلاب ، وتشرب منها الحمير ، ويغتسل فيها الجنب ، أيتوضأ منها؟ قال : « وكم قدر الماء؟ » قلت : إلى نصف الساق ، وإلى الركبة ، وأقل ، قال : « توضأ » (٤).

وذكر ولوغ الكلب ( فيها ) (٥) قرينة على الكريّة ، بل هي المتبادرة من الاستفصال. ويمكن تنزيل صحيحة ابن بزيع المتقدمة (٦) عليه أيضا.

هذا ، مع أنّ الظاهر استهلاك المستعمل في الكرّ غالبا.

المسألة الخامسة : المشهور بين الأصحاب : عدم جواز رفع الحدث من غسالة الحمام‌ ، وهم بين مصرّح بالنجاسة مطلقا ، كما عن بعضهم. وبعدم جواز استعمالها كذلك ، كالشيخ في النهاية ، والحلّي (٧) ، مدّعيا عليه الإجماع.

وظاهر المنتهى ، كصريح بعض آخر : اتّحاد هذا القول مع الأوّل (٨). ولكن‌

__________________

(١) الوسائل ١ : ٢١١ أبواب الماء المضاف ب ٩.

(٢) كما في المنتهى ١ : ٢٣ ، الروض : ١٥٨ ، غنائم الأيام : ٢٨.

(٣) كما في المدارك ١ : ١٢٦ ، الروض : ١٥٨ ، مشارق الشموس : ٢٥٠.

(٤) الكافي ٣ : ٤ الطهارة ب ٣ ح ٧ ، التهذيب ١ : ٤١٧ ـ ١٣١٧ ، الاستبصار ١ : ٢٢ ـ ٥٤ ، الوسائل ١ : ٢١٤ أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ١٢. ولا توجد في غير الكافي لفظة « وأقل ».

(٥) لا توجد في « ق ».

(٦) ص ١٠١.

(٧) النهاية : ٥ ، السرائر ١ : ٩١.

(٨) المنتهى ١ : ٢٥.

١٠٦

في شرح القواعد جعله مغايرا له (١).

وبعدم جواز الاستعمال في التطهّر كذلك ، كالصدوقين (٢).

وبالأوّل مقيّدا بما لم يعلم خلوّها عن النجاسة ، كالفاضل في الإرشاد (٣).

وبالثاني كذلك ، كالقواعد ، والتحرير ، والتذكرة ، والبيان (٤) ، وبالثالث كذلك ، كالمعتبر (٥).

وصرّح في المنتهى (٦) بالطهارة ، وظاهر استدلاله يعطي جواز التطهير منها (٧) أيضا.

وجعلها في شرح القواعد كما كان قبل الاستعمال (٨) ، ومفاده الطهارة والطهورية ، ومال إليه في المعالم ، والمدارك (٩) ، ونسبه المجلسي في شرحه الفارسي على الفقيه ، إلى أكثر المتأخّرين (١٠) ( مع الكراهة ) (١١). وفي روض الجنان أنّه الظاهر (١٢) ، إن لم يثبت الإجماع على خلافه.

وكيف كان ، فالكلام إمّا في الطهورية ، أو الطهارة.

والحق في الأول : النفي ، لاستفاضة النصوص ، كرواية حمزة بن أحمد‌

__________________

(١) جامع المقاصد ١ : ١٣٢.

(٢) الصدوق في الفقيه ١ : ١٠ ، ووالده في الرسالة على ما حكاه في الحدائق ١ : ٤٩٧.

(٣) مجمع الفائدة ١ : ٢٨٩.

(٤) القواعد ١ : ٥ ، التحرير ١ : ٦ ، التذكرة ١ : ٥ ، البيان : ١٠٣.

(٥) المعتبر ١ : ٩٢.

(٦) المنتهى ١ : ٢٥.

(٧) في « ق » : بها.

(٨) جامع المقاصد ١ : ١٣٢.

(٩) المعالم : ١٤٧ ، ولم نعثر عليه في المدارك.

(١٠) اللوامع القدسية ١ : ٥٧.

(١١) لا توجد في « ه‍ ».

(١٢) الروض : ١٦١.

١٠٧

المتقدمة (١).

ورواية ابن أبي يعفور : « لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام ، فإنّ فيها غسالة ولد الزنا ، وهو لا يطهر إلى سبعة آباء ، وفيها غسالة الناصب » (٢).

وموثقته المروية في العلل : « إيّاك وأن تغتسل من غسالة الحمام ، ففيها تجتمع غسالة اليهودي ، والنصراني ، والمجوسي ، والناصب لنا أهل البيت ، وهو شرّهم ، فإنّ الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب ، وأنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه » (٣).

وفي الثاني : الإثبات ، للأصل السالم عن المعارض ، بل المعاضد بالموافق ، وهي مرسلة الواسطي : « عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب ، قال : « لا بأس به » (٤).

وموثقة زرارة : رأيت أبا جعفر يخرج من الحمام فيمضي كما هو لا يغسل رجليه حتى يصلي (٥).

والصحيحة الأولى لمحمد ، المتقدمة (٦) في المسألة السابقة.

والمناقشة في الأخيرتين : بأنّ محل النزاع ماء البئر التي تجتمع فيها الغسالة ، وموردهما المياه المنحدرة في سطح الحمام واهية ، لأنّ المجتمع هو المنحدر ، مع أنّ علّة النهي المذكورة في الأخبار من أنّ فيها غسالة المذكورين ، مشتركة.

للمخالف في الأول : الأصل السالم عمّا يصلح للمعارضة ، لضعف ما مرّ‌

__________________

(١) ص ١٠٢.

(٢) الكافي ٣ : ١٤ الطهارة ب ١٠ ح ١ ، الوسائل ١ : ٢١٩ أبواب الماء المضاف ب ١١ ح ٤.

(٣) علل الشرائع : ٢٩٢ ـ ١ ، الوسائل ١ : ٢٢٠ ، أبواب الماء المضاف ب ١١ ح ٥.

(٤) الكافي ٣ : ١٥ الطهارة ب ١٠ ح ٤ ، الفقيه ١ : ١٠ ـ ١٧ ، التهذيب ١ : ٣٧٩ ـ ١١٧٦ ، الوسائل ١ : ٢١٣ أبواب الماء المضاف ب ٩ ح ٩.

(٥) التهذيب ١ : ٣٧٩ ـ ١١٧٤ ، الوسائل ١ : ٢١١ أبواب الماء المضاف ب ٩ ح ٢.

(٦) ص ١٠٠‌

١٠٨

من الأخبار ، وصحيحة محمد ، المذكورة.

والأول مندفع : بما مرّ من المعارض ، المنجبر ضعفه سندا بالعمل لو كان ضائرا ، مع أنّ فيها الموثّق.

والثاني : بأنّ الظاهر من مائه ماء الحياض ، وهو غير محل النزاع ، ولو منع ظهوره ، فغايته العموم ، فليخصّ بما مرّ.

وفي الثاني : النهي عن الاغتسال ، وهو مثبت للنجاسة ، كما تثبت بالأمر بغسل الملاقي ونحوه. وتعليل النهي بوجود النجس فيه من الغسالات المذكورة.

ويرد على الأوّل : منع الملازمة ، وقياسه مع الفارق ، وهو الإجماع المركب في الثاني دون الأوّل.

وعلى الثاني : منع إيجاب التعليل للنجاسة. فلعلّه لكونه غسالة للنجاسة ، مع أنّ فيها غسالة الجنب ، وولد الزنا ، وهما طاهران.

ثمَّ النفي في الأول هل هو مطلق ، أو مقيّد بعدم العلم بالخلوّ عن النجاسة ، أو عن الغسالات المذكورة كلا أو بعضا ، أو بالعلم بعدم الخلو؟

لا ينبغي الريب في سقوط الأول ، لمكان التعليل. فإن كان المراد منه أنّه معرض لمثل هذه الأمور ، ومحتمل له ، فيتّجه الثاني. وإن أريد أنّه معرض لها خاصة فالثالث. وإن كان المراد انّها تتحقّق قطعا فالرابع ، والأصل مع إرادة الأخير ، كما أنّه مع الرابع أيضا ، فهو الأقوى.

ثمَّ المصرح به في أكثر الأخبار ، ماء البئر التي تجتمع فيها الغسالة ، فهل يختص الحكم بها ، أو يعمّها قبل دخولها فيها أيضا؟

مقتضى التعليل : الثاني ، بل يدل عليه عموم الموثقة (١) أيضا ، فهو المتّجه.

ولا يختص بما يصب على البدن ، بل يشمل ما ارتمس فيه أيضا بشرط أن يكون قليلا ، ليصدق عليه الغسالة.

__________________

(١) المتقدمة ص ١٠٨.

١٠٩

الفصل الثامن : في السؤر‌

وهو لغة : البقية من كلّ شي‌ء ، أو من الطعام والشراب ، أو من الشراب أو الماء مطلقا ، أو مع القلة بعد الشرب أو مطلقا.

وعرفا : قيل : إنّه ما لاقاه ( جسم ) (١) حيوان. ومنهم من بدّل الموصول بالمائع (٢). ومنهم من بدّله بالماء ، وهو بين من أطلقه ، ومن خصّه بالقليل (٣) ، وعلى التقادير ، قد يبدّل الجسم بالفم (٤).

وقد أطلق على بعض هذه الأقسام في الأخبار ، ولكنه لا يثبت الحقيقة ، وتعيينها لغة أو عرفا مشكل ، إلاّ أنّ الظاهر من التبادر وأصالة عدم النقل : اعتبار القلة.

وعلى هذا ، فما ورد من الأسئار في الأخبار إن علم المراد منه بقرينة فهو ، وإلاّ فالمرجع الأصل ، فلا يثبت الحكم إلاّ لما قطع بكونه سؤرا ، وهو الماء القليل الملاقي للفم.

ثمَّ الكلام فيه إمّا لأجل الخلاف في نجاسة ذي السؤر ، أو انفعال القليل ، أو لأجل كونه سؤرا ، والمقصود هنا الثالث ، والتكلّم فيه في مسائل :

المسألة الأولى : السؤر من نجس العين نجس بالإجماع‌ ، ومن الطاهر طاهر ، يجوز استعماله ، والتطهّر به مطلقا على الأقوى ، وفاقا للمصباح ، والخلاف (٥) ، بل معظم الأصحاب ، وفي الغنية (٦) الإجماع عليه.

__________________

(١) لا توجد في « ه‍ ».

(٢) كما في السرائر ١ : ٨٥.

(٣) كما في المسالك ١ : ٣ ، الرياض ١ : ١٢.

(٤) كما في الذخيرة : ١٤١.

(٥) الخلاف ١ : ١٨٧.

(٦) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥١.

١١٠

وخلافا للمنقول عن الاستبصار ، والتهذيب ، والمبسوط ، والسرائر (١) ، فمنعوا من سؤر ما لا يؤكل. إلاّ أنّ الأوّل استثنى الفأرة ، والبازي ، والصقر.

والثاني : السنور ، والطير. والأخيرتين : ما لا يمكن التحرّز عنه ، والوحش ، وزاد الأخير : الطير أيضا.

والإسكافي (٢) ، فمنع من سؤر الجلال والمسوخ. والسيد ، والقاضي (٣) ، فالأوّل فقط. والنهاية (٤) فعن سؤر آكل الجيف من الطير.

وقد ينقل أقوال أخر ، وقد يختلف الانتساب فيما ذكر أيضا. ثمَّ منع هؤلاء يمكن ان يكون للنجاسة ، أو التعبّد.

لنا ـ بعد الأصول ـ : المستفيضة من المعتبرة ، وهي بين ما يدلّ على طهارة الجميع ، كصحيحة البقباق : عن فضل الهرة ، والشاة ، والبقرة ، والإبل ، والحمار ، والخيل ، والبغال ، والوحش ، والسباع ، فلم أترك شيئا إلاّ سألته عنه ، فقال : « لا بأس به » (٥) الحديث.

وسؤر كلّ الطيور ، كموثّقة عمار : سئل عن ماء تشرب منه الحمامة ، فقال : « كلّ ما أكل لحمه يتوضّأ من سؤره ويشرب » وعن ماء شرب منه باز ، أو صقر ، أو عقاب ، فقال : « كلّ شي‌ء من الطيور ، يتوضأ ممّا يشرب منه » (٦) الحديث.

ورواية أبي بصير : « فضل الحمامة والدجاجة لا بأس به والطير » (٧).

__________________

(١) الاستبصار ١ : ٢٦ ، التهذيب ١ : ٢٢٤ ، المبسوط ١ : ١٠ ، السرائر ١ : ٨٥.

(٢) نقله عنه في المختلف : ١٢.

(١) المهذّب ١ : ٢٥ ، ولم نعثر على كلام السيد في كتبه.

(٤) النهاية : ٥.

(٥) التهذيب ١ : ٢٢٥ ـ ٦٤٦ ، الاستبصار ١ : ١٩ ـ ٤٠ ، الوسائل ١ : ٢٢٦ أبواب الأسآر ب ١ ح ٤.

(٦) الكافي ٣ : ٩ الطهارة ب ٦ ح ٥ ، الوسائل ١ : ٢٣٠ أبواب الأسآر ب ٤ ح ٢.

(٧) الكافي ٣ : ٩ الطهارة ب ٦ ح ٢ ، التهذيب ١ : ٢٢٨ ـ ٦٥٩ ، الوسائل ١ : ٢٣٠ أبواب الأسآر ب ٤ ح ١.

١١١

والسباع ، كصحيحة محمد : عن السنور ، قال : « لا بأس أن يتوضأ من فضلها ، إنّما هي من السباع » (١).

ورواية معاوية بن شريح : عن سؤر السنّور [ والشاة ] والبقرة ، والبعير ، والفرس ، والحمار ، والبغل ، والسباع ، يشرب منه أو يتوضأ؟ قال : « نعم اشرب منه ، وتوضأ » (٢).

والهرة ، وقد مرّ ، ويأتي.

وجميع الدّوابّ ، كصحيحة جميل : عن سؤر الدواب ، والبقر ، والغنم ، أيتوضأ منه ويشرب؟ قال : « لا بأس » (٣).

والفأرة ، كخبر عمار : « لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء ، أن يشرب ويتوضأ منه » (٤) إلى غير ذلك.

حجة المخالفين : مرسلة الوشاء : « إنّه كان يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه » (٥).

وصحيحة ابن سنان : « لا بأس بأن يتوضأ مما يشرب منه ما يؤكل لحمه » (٦).

وموثقتا عمّار ، إحداهما : « كلّ ما يؤكل فليتوضأ منه وليشربه » (٧). وقريبة منها‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٢٥ ـ ٦٤٤ ، الاستبصار ١ : ١٨ ـ ٣٩ ، الوسائل ١ : ٢٢٧ أبواب الأسآر ب ٢ ح ٣.

(٢) التهذيب ١ : ٢٢٥ ـ ٦٤٧ ، الاستبصار ١ : ١٩ ـ ٤١ ، الوسائل ١ : ٢٢٦ أبواب الأسآر ب ١ ح ٦ ، وما بين المعقوفين من المصدر.

(٣) التهذيب ١ : ٢٢٧ ـ ٦٥٧ ، الوسائل ١ : ٣٣٢ أبواب الأسآر ب ٥ ح ٤.

(٤) الفقيه ١ : ١٤ ـ ٢٨ ، التهذيب ١ : ٤١٩ ـ ١٣٢٣ ، الاستبصار ١ : ٢٦ ـ ٦٥ ، الوسائل ١ : ٢٣٩ أبواب الأسآر ب ٩ ح ٢ ، وفي جميع المصادر : إسحاق بن عمار.

(٥) الكافي ٣ : ١٠ الطهارة ب ٦ ح ٧ ، الوسائل ١ : ٢٣٢ أبواب الأسآر ب ٥ ح ٢. يظهر من الوسائل أن الشيخ أيضا نقلها لكنها غير موجودة في النسخ التي بأيدينا من التهذيبين ، كما نبّه عليه أيضا في جامع الأحاديث ٢ : ٦٢.

(٦) الكافي ٣ : ٩ الطهارة ب ٦ ح ١ ، الوسائل ١ : ٢٣١ أبواب الأسآر ب ٥ ح ١.

(٧) التهذيب ١ : ٢٨٤ ـ ٨٣٢ ، الوسائل ١ : ٢٣١ أبواب الأسآر ب ٤ ح ٤.

١١٢

الأخرى (١).

والأوّل (٢) استثنى الفأرة وأخويها بموثّقة عمار (٣) ، وخبره. والثاني : السنور ، والطير ، بالموثقة ، وصحيحة محمد (٤). والأخيران : الوحش ، بصحيحة البقباق (٥) ، وما لا يمكن التحرّز عنه ، بنفي الحرج. والأخبر : الطير ، بما مر ، كما أنّ الخامس والسادس : غير الجلال والمسوخ ، أو غير الأوّل فقط ، به.

ويضعّف المرسلة : بكون الكراهة في اللغة أعم من الحرمة.

ولو سلّم الاختصاص ، فالحمل على التجوّز ـ لما مرّ ـ متعين.

وبه يضعّف الصحيحة والموثقتان أيضا ، مضافا إلى عدم حجية مفهوم الوصف.

المسألة الثانية : يكره من سؤر الطاهر : سؤر الخيل ، والبغال ، والحمير ، إجماعا ، كما في المعتمد ، للتفصيل القاطع للشركة في مضمرة سماعة : هل يشرب سؤر شي‌ء من الدواب ، ويتوضأ منه؟ قال : « أمّا البقر ، والإبل ، والغنم ، فلا بأس » (٦). والبأس المثبت للباقي ، ليس حرمة إجماعا ، فيكون مكروها.

ولخبر ابن مسكان : عن التوضؤ أو الاغتسال مما ولغ فيه الكلب ، والسنور ، أو شرب جمل ، أو دابة ، أو غير ذلك ، قال : « نعم ، إلاّ أن تجد غيره فتنزه عنه » (٧).

وهو وإن كان ظاهرا في الكثير ، لمكان ولوغ الكلب ، إلاّ أنّ المطلوب يثبت‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٩ الطهارة ب ٦ ح ٥ ، الوسائل ١ : ٢٣٠ أبواب الأسآر ب ٤ ح ٢.

(٢) أراد به الاستبصار ، وبالثاني التهذيب .. وبالأخيرين المبسوط والسرائر.

(٣) المتقدمة ص ١١١ ، وتقدم خبر ( إسحاق بن عمار ) في الصفحة السابقة رقم ٤.

(٤) المتقدمة ص ١١٢.

(٥) المتقدمة ص ١١١.

(٦) الكافي ٣ : ٩ الطهارة ب ٦ ح ٣ ، التهذيب ١ : ٢٢٧ ـ ٦٥٦ ، الوسائل ١ : ٢٣٢ أبواب الأسآر ب ٥ ح ٣.

(٧) التهذيب ١ : ٢٢٦ ـ ٦٤٩ ، الوسائل ١ : ٢٢٨ أبواب الأسآر ب ٢ ح ٦.

١١٣

وبالأولوية ، وعدم الفصل.

والدجاج ، لفتوى الشيخ والفاضل والمعتبر (١) ، وإن قيّده الأخير بالمهملة.

وكل ما لا يؤكل ، ومنه : الجلال وآكل الجيف والمسوخ ، للمرسلة.

ولا ينافي الكراهة في بعض ما ذكر نفي البأس عنه أو تجويز استعماله في بعض الأخبار ، لاجتماعهما معا.

وينبغي استثناء السنّور مما لا يؤكل ، كما فعله جماعة (٢) ، لصحيحة زرارة : « إنّ الهر سبع ، ولا بأس بسؤره ، وإنّي لأستحيي أن أدع طعاما لأنّ هرّا أكل منه » (٣).

ورواية الكناني : « لا تدع فضل السنور أن تتوضأ منه ، إنّما هي سبع » (٤).

ويؤيّدهما : المروي في نوادر الراوندي ، قال ، علي عليه‌السلام : « بينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوضأ إذ لاذ به هرّ البيت ، وعرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه عطشان ، فأصغى (٥) إليه الإناء حتى شرب منه ، وتوضأ بفضله » (٦).

وبهذه يخصّص عموم المرسلة (٧).

ولا يعارضها خبر ابن مسكان (٨) ، لعطف السنور فيها على الكلب بحرف الجمع. مع أنّ منطوقة في السنور متروك قطعا ، لأنّ الكثير لا يكره بذلك ، فلا‌

__________________

(١) المبسوط ١ : ١٠ ، المنتهى ١ : ٢٥ ، التذكرة ١ : ٦ ، التحرير ١ : ٥ ، المعتبر ١ : ٩٩.

(٢) كما في التهذيب ١ : ٢٢٦ ، المبسوط ١ : ١٠ ، التذكرة ١ : ٦ ، المعتبر ١ : ٩٩.

(٣) الكافي ٣ : ٩ الطهارة ب ٦ ح ٤ ، التهذيب ١ : ٢٢٧ ـ ٦٥٥ ، الوسائل ١ : ٢٢٧ أبواب الأسآر ب ٢ ح ٢.

(٤) التهذيب ١ : ٢٢٧ ـ ٦٥٣ ، الوسائل ١ : ٢٢٨ أبواب الأسآر ب ٢ ح ٤.

(٥) أصغاه : أماله وحرّفه على جنبه ليجتمع ما فيه.

(٦) نوادر الراوندي : ٣٩ ، المستدرك ١ : ٢٢٠ أبواب الأسآر ب ٢ ح ٢.

(٧) المتقدمة ص ١١٢.

(٨) المتقدم ص ١١٣.

١١٤

يبقى المفهوم ، لتقومه به.

والمستفاد من رواية الكناني : استثناء مطلق السباع ، ولا بأس به.

المسألة الثالثة : يكره ما وقع فيه الحية ، والعقرب ، والوزغة ، وإن خرجت حيا ، لروايات دالّة عليه (١) ، والكراهة في الأخير أشدّ.

واستظهر في المدارك عدمها في الأوّل (٢) ، لصحيحة على : عن العظاية (٣) ، والحية ، والوزغ ، يقع في الماء ، فلا يموت يتوضأ منه للصلاة؟ فقال : « لا بأس فيه » (٤).

وفيه : ما مرّ من عدم منافاة نفي البأس للكراهة مع الدليل ، وهو رواية أبي بصير : عن حية دخلت حبّا فيه ماء وخرجت منه ، قال : « إن وجد ماء غيره فليهرقه » (٥).

المسألة الرابعة : الأقوى : المنع من سؤر الحائض الغير المأمونة ، كما في التهذيب والاستبصار (٦) ، وكراهة سؤر المأمونة والمجهولة.

أمّا الأول : فلموثقة ابن يقطين : في الرجل يتوضأ بسؤر الحائض ، قال :« إذا كانت مأمونة فلا بأس » (٧).

دلّت بمفهومها على ثبوت البأس ـ الذي هو العذاب والشدة ـ في سؤر غير المأمونة.

__________________

(١) الوسائل ١ : ٢٣٨ أبواب الأسآر ب ٩.

(٢) المدارك ١ : ١٣٧.

(٣) العظاية : وهي دويبة أكبر من الوزغة. الصحاح ٦ : مادة ـ عظا.

(٤) التهذيب ١ : ٤١٩ ـ ١٣٢٦ ، الوسائل ١ : ٢٣٨ أبواب الأسآر ب ٩ ح ١.

(٥) الكافي ٣ : ٧٣ الطهارة ب ٤٦ ح ١٥ ، التهذيب ١ : ٤١٣ ـ ١٣٠٢ ، الاستبصار ١ : ٢٥ ـ ٦٣ ، الوسائل ١ : ٢٣٩ أبواب الأسآر ب ٩ ح ٣.

(٦) التهذيب ١ : ٢٢٢ ، الاستبصار ١ : ١٧.

(٧) التهذيب ١ : ٢٢١ ـ ٦٣٢ ، الاستبصار ١ : ١٦ ـ ٣٠ ، الوسائل ١ : ٢٣٧ أبواب الأسآر ب ٨ ح ٥. وفيها : « بفضل » بدل : « بسؤر ».

١١٥

وبمفهومها يخصّ ما دلّ على الجواز مطلقا ، كموثّقة العيص : عن سؤر الحائض؟ قال : « توضأ منه ، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة » (١) حيث إنّ الأصل اختصاص الشرط بالأخيرة.

أو على الكراهة كذلك ، كرواية أبي هلال ـ التي هي دليلنا على الجزء الثاني ـ : « المرأة الطامث اشرب من فضل شرابها ولا أحبّ أن تتوضأ منه » (٢).

كما أنّ بمنطوقها يخصّ عموم ما دلّ على المنع ، كرواية عنبسة : « اشرب من سؤر الحائض ، ولا تتوضأ منه » (٣).

وصحيحة الحسين بن أبي العلاء : عن الحائض يشرب من سؤرها؟ قال :« نعم ، ولا يتوضأ منه » (٤).

وصحيحة العيص : عن سؤر الحائض ، فقال : « لا توضأ منه ، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة » (٥).

ورواية ابن أبي يعفور : « ولا تتوضأ من سؤر الحائض » (٦).

وموثّقة أبي بصير : هل يتوضأ من فضل الحائض؟ قال : « لا » (٧).

مع أنّ دلالة الجميع على المنع فرع كون الأفعال فيها نهيا ، مع أنّ النفي القاصر عن إفادة الزائد عن المرجوحية في كثير منها محتمل ، فلا يعارض شيئا مما يدل على المنع أو الجواز لجمعها معهما. بل يكون دليلا آخر لنا على الجزء الثاني ،

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٢٢ ـ ٦٣٣ ، الاستبصار ١ : ١٧ ـ ٣١ ، الوسائل ١ : ٢٣٤ أبواب الأسآر ب ٧ ح ١.

(٢) التهذيب ١ : ٢٢٢ ـ ٦٣٧ ، الاستبصار ١ : ١٧ ـ ٣٥ ، الوسائل ١ : ٢٣٨ أبواب الأسآر ب ٨ ح ٨. في الاستبصار والوسائل : « ولا أحبّ أن أتوضأ منه ».

(٣) الكافي ٣ : ١٠ الطهارة ب ٧ ح ١ ، الوسائل ١ : ٢٣٦ أبواب الأسآر ب ٨ ح ١.

(٤) الكافي ٣ : ١٠ الطهارة ب ٧ ح ٣ ، الوسائل ١ : ٢٣٦ أبواب الأسآر ب ٨ ح ٢.

(٥) الكافي ٣ : ١٠ الطهارة ب ٧ ح ٢ ، الوسائل ١ : ٢٣٤ أبواب الأسآر ب ٧ ح ١.

(٦) الكافي ٣ : ١١ الطهارة ب ٧ ح ٤ ، الوسائل ١ : ٢٣٦ أبواب الأسآر ب ٨ ح ٣.

(٧) التهذيب ١ : ٢٢٢ ـ ٦٣٦ ، الاستبصار ١ : ١٧ ـ ٣٤ الوسائل ١ : ٢٣٧ أبواب الأسآر ب ٨ ح ٧.

١١٦

بل لو لا تقدّم التخصيص على التجوّز ، لأمكن الاستناد فيه إلى تلك العمومات على تضمنها النهي أيضا ، بحملها على الكراهة ، بمقتضى الجمع بينها وبين موثّقة العيص ، سيّما مع شهادة رواية أبي هلال بذلك الجمع.

وكيف كان ، يظهر ضعف الاستناد إليها في المنع من التوضؤ ، والشرب ، عن سؤر الحائض مطلقا ، كما عن المقنع (١).

كما يظهر ضعف القول بكراهة سؤرها كذلك ، كما عن الإسكافي (٢) ، والمبسوط (٣) ، والمصباح (٤) ، والفقيه (٥) ، بل الأكثر ، كما في المدارك (٦).

أو مقيّدا بالمتهمة ، كما عن الشيخ في النهاية ، والديلمي ، والحلّي (٧) ، والفاضلين (٨) ، والوسيلة ، وشرح القواعد (٩) ، بل أكثر المتأخّرين.

أو بغير المأمونة ، كما عن المقنعة ، والمراسم ، والجامع ، والمهذّب (١٠) ، وجماعة من المتأخّرين (١١).

أو بنجاسته مع التهمة ، كما تشعر عبارة الغرر (١٢) بوجود القول بها ، بل نجاسة سؤر كل متّهم.

__________________

(١) المقنع : ١٠.

(٢) نقل عنه في كشف اللثام ١ : ٣٠.

(٣) المبسوط ١ : ١٠.

(٤) نقل عنه في المختلف : ١٢.

(٥) الفقيه ١ : ٩.

(٦) المدارك ١ : ١٣٥.

(٧) النهاية : ٤ ، السرائر ١ : ٦٢ ، ولم نعثر عليه في المراسم.

(٨) المحقق في المعتبر ١ : ٩٩ ، والعلامة في المنتهى ١ : ٣٧ ، والتحرير ١ : ٥ ، والتذكرة ١ : ٦.

(٩) الوسيلة : ٧٦ ، جامع المقاصد ١ : ١٢٤.

(١٠) المقنعة : ٥٨٤ ، المراسم : ٣٧ ، الجامع للشرائع : ٢٠ ، المهذّب ٢ : ٤٣٠.

(١١) منهم المحقق في الشرائع ١ : ١٦ ، الشهيد في الذكرى : ١٢.

(١٢) لعل المراد به غرر المجامع في شرح المختصر النافع للسيد نور الدين علي أخي صاحب المدارك « مخطوط ».

١١٧

ثمَّ الحكم في الأخبار مختص بالوضوء ، فلا يتعدّى إلى غيره في المنع قطعا.

وقد يتعدّى في الكراهة ، للاحتياط ، وهو ضعيف.

نعم يمكن التعدّي فيها في غير المأمونة ، بإطلاق فتوى كثير من الأصحاب (١) ، بل دعوى بعضهم (٢) أنّ الظاهر الاتفاق عليه ، باعتبار التسامح في أدلّة السنن.

وبه يخصّ عموم رواية أبي هلال ، في نفي الكراهة عن الشرب ، باعتبار التفصيل القاطع للشركة.

فرع : ألحق بعضهم بالحائض المتهمة كلّ متّهم ، وهو المحكي عن الشيخين ، والحلّي ، والبيان (٣) ، وأطعمة المختصر النافع (٤).

ولا دليل عليه ، إلاّ أن يكتفى بفتوى هؤلاء الأعلام في إثبات الكراهة ، ولا بأس به في المقام.

نعم يدل بعض ما مرّ على المنع من التوضؤ من سؤر غير المأمونة من الجنب.

وبعد نفي التحريم فيه بظاهر الإجماع لا مناص عن القول بالكراهة فيه.

المسألة الخامسة : لا يكره سؤر المؤمن ، لما روي من أنّ فيه الشفاء (٥). وهو وإن كان ظاهرا في الشرب ، إلاّ أنّه لا قائل بالفصل ظاهرا.

وتدلّ على بعض المطلوب : صحيحة العيص وموثقته (٦) ، سيما مع ضمّ الأولوية بالنسبة إلى غير الجنب ، وغير المرأة.

__________________

(١) كما في المقنع : ٦.

(٢) نقله صاحب مفتاح الكرامة ١ : ٨٤ عن أستاذه.

(٣) المفيد في المقنعة : ٥٨٤ ، والطوسي في النهاية : ٨٩ ، السرائر ٣ : ١٢٣ ، البيان ١٠١.

(٤) لم يوجد فيه ما يناسب المقام ، نعم في أطعمة الشرائع ( ٣ : ٢٢٨ ) : ـ وكذا يكره أكل ما يعالجه من لا يتوقّى النجاسات.

(٥) الوسائل ٢٥ : ٢٦٣ أبواب الماء الأشربة المباحة ب ١٨.

(٦) المتقدمتان ص ١١٦.

١١٨

الفصل التاسع : في الماء المشتبه‌

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : لا خلاف في وجوب الاجتناب عن الإناءين المشتبهين‌اللذين أحدهما طاهر والآخر نجس ، وعليه الإجماع في (١) الخلاف ، والسرائر ، والغنية ، والمعتبر ، والتذكرة ، ونهاية الإحكام ، والمختلف (٢) ، وهو الحجة عليه ، مضافا إلى موثقتي سماعة والساباطي ، المتقدّمتين في بحث القليل (٣). والطعن في حجّيتهما ضعيف من وجوه.

والاحتجاج للمطلوب ، بأنّ يقين الطهارة في كل منهما معارض بيقين النجاسة ، فلا دليل على الطهارة المجوّزة للاستعمال. وبأنّ اجتناب النجس واجب ، وهو لا يتمّ إلاّ باجتنابهما ، معا. وبأنّ اشتغال الذمّة بالصلاة يستدعي البراءة اليقينيّة ، وهي لا تحصل إلاّ بالطهارة بغير هذا الماء. وبأنّ النجس القطعي موجود ، فالحكم بطهارة الجميع حكم بطهارة النجس ، وبطهارة واحد ، ترجيح بلا مرجّح. ضعيف جدّا.

أمّا الأوّل : فبأنّ مورد يقين النجاسة أحدهما لا بعينه ، ومورد الطهارة كلّ منهما معيّنا بدلا ، فاختلف المحل ، فلا يتحقّق التعارض. مع أنّ أصالة الطهارة الشرعية عن المعارض خالية.

وأمّا الثاني : فبمنع وجوب اجتناب النجس مطلقا ، بل اللازم الثابت وجوب الاجتناب عن العلم باستعمال النجس ، وهو يحصل باجتنابهما معا ، وإن لم‌

__________________

(١) في « ه‍ » : عن.

(٢) الخلاف ١ : ١٩٧ ، السرائر ١ : ٨٥ ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٢ ، المعتبر ١ : ١٠٣ ، التذكرة ١ : ١٠ ، نهاية الاحكام ١ : ٢٤٨ ، المختلف : ١٥.

(٣) ص ٣٨.

١١٩

يجتنب عن كلّ منهما بدلا.

وأمّا الثالث : فبأنّ اللازم تحصيل البراءة الشرعية ، وهي تحصيل ـ بملاحظة الأصل لو لا الإجماع والأخبار ـ مع الطهارة بذلك الماء.

وأمّا الرابع : فبأنّ المحكوم به طهارة كل منهما على البدليّة ، فلا ترجيح بلا مرجّح.

ثمَّ الحكم هل يختص بالإناءين أو ينسحب إلى الأكثر أيضا؟

وكلماتهم بين المطلق في المشتبه ، كما في الشرائع ، والدروس (١). ومقيّد بالإناءين ، مثل النافع ، والإرشاد (٢). ومصرّح بالانسحاب ، نحو التحرير ، وغرر المجامع بل المعتبر (٣). وناصّ على نفيه ، كجماعة من المتأخرين (٤) ، منهم : والدي العلاّمة في كتابيه.

والقائل بالانسحاب يخصّص بالمحصور ، لتصريح الجماعة بخروج غيره عن هذا الحكم. ففي المسألة قولان :

عدم الانسحاب مطلقا ، بمعنى جواز الاستعمال غير المساوي للنجس ، للأصل الخالي عن المعارض ، وهو الحق.

والإيراد : بأنّ التمسّك بالأصل في كل فرد ينتج الحكم بطهارة الجميع ، ضعيف ، لأنّه إنّما هو إذا لم يكن في كل فرد ممّا يساوي النجس على سبيل البدلية.

والانسحاب في الزائد المحصور ، للأدلّة الأربعة الأخيرة المردودة ، وللإجماع المنقول في التحرير ، الغير القابل للإخراج عن الأصل ، لعدم حجيته ، ولتنقيح المناط المردود بعدم قطعيّة العلة.

هذا ، مع أنّ ما ذكروه في الفرق بين المحصور وغيره غير ناهض ، كما بيّنا‌

__________________

(١) الشرائع ١ : ١٥ ، الدروس ١ : ١٢٣.

(٢) المختصر النافع : ٤ ، مجمع الفائدة ١ : ٢٨١.

(٣) التحرير ١ : ٦ ، المعتبر ١ : ١٠٤.

(٤) منهم صاحب المشارق : ٢٨٢.

١٢٠