إستقصاء الإعتبار - ج ٤

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ٤

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-176-1
الصفحات: ٥٥٠

وهذا الخبر كما ترى صريح في الدلالة على الرجوع بالفعل لا نيّة الرجوع ، ومن هنا يعلم ما في كلام المتأخّرين من النظر.

وممّا يبعّد حمل الشيخ رواية معاوية بن عمّار المتضمنة لتوبيخ أهل مكّة على الإتمام بعرفات ، إذ الظاهر كون الخروج للحجّ ، كما يدل عليه رواية إسحاق بن عمّار الآتية هنا.

نعم روى الصدوق في الصحيح عن جميل بن دراج ، عن زرارة بن أعين قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن التقصير قال : « بريد ذاهباً وبريد جائياً (١) ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أتى ذباباً قصّر ، وذباب على بريد ، وإنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ » (٢).

وهذه الرواية ربما تدل على الرجوع لكن لا تقييد فيها باليوم ، فليتأمّل. وما ذكره الشيخ من التخيير لا يخلو من وجه ، وما تضمّنته رواية معاوية بن عمّار من توبيخ أهل مكة يحمل على كونهم قصدوا الحج ، وهذا وإن كان لا يخلو من تأمّل أيضاً نظراً إلى أنّه خلاف ظاهر الأخبار ، إلاّ أنه وجه للجمع ، وقد ذكرت ما لا بدّ منه في معاهد التنبيه على نكت من لا يحضره الفقيه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ظاهر كلام الشيخ هنا أنّ التخيير في الأربعة مطلقا سواءً قصد الرجوع أم لا ، وفي التهذيب ذكر نحو ما هنا (٣).

والعلاّمة نقل في المختلف عن الشيخ التخيير مع عدم قصد الرجوع‌

__________________

(١) في المصدر : بريد ذاهب وبريد جائي.

(٢) الفقيه ١ : ٢٨٧ / ١٣٠٤ ، الوسائل ٨ : ٤٦١ أبواب صلاة المسافر ب ٢ ح ١٤ و ١٥.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٠٨.

٤١

في قصر الصلاة فقط ، وعن المفيد التخيير في الصلاة والصوم إذا لم يُرد الرجوع ، وعن المرتضى إيجاب (١) الإتمام في الصلاة والصوم ، قال : وهو اختيار ابن إدريس.

وعن ابن أبي عقيل أنّه قال : كل سفر كان مبلغه بريدين وهو ثمانية فراسخ أو بريد ذاهباً وجائياً وهو أربعة فراسخ في يوم واحد وما دون عشرة أيّام فعلى من سافر عند آل الرسول عليهم‌السلام أن يصلّي ركعتين.

وعن سلاّر أنّه قال : إن كانت المسافة أربعة فراسخ وكان راجعاً من يومه قصّر واجباً ، وإن كان من غده فهو مخيّر في القصر والتمام (٢) ، وهو قول ابن بابويه (٣).

ولا يخفى أنّ ابن بابويه في الفقيه يفهم منه القول بالتخيير على تقدير عدم إرادة الرجوع ليومه ، والتقصير بتقدير إرادة الرجوع من يومه ، فإنّه ذكر أنّ السفر إذا كان أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب ، ومتى لم يُرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتمّ وإن شاء قصّر (٤).

وهذا لا يدل على ما نقله العلاّمة إلاّ بتكلّف ما ذكره بعض أفاضل المتأخّرين رحمه‌الله من احتمال أن يراد بقوله : لغده. عدم الإرادة في ذلك اليوم مطلقا ، فيصير مذهب الصدوق وسلاّر والمفيد واحداً (٥).

ولا يخفى أنّ القائل بالوجوب الحتمي في الأربعة مع عدم قصد‌

__________________

(١) ليست في « رض ».

(٢) في « رض » : والإتمام.

(٣) المختلف ٢ : ٥٢٦.

(٤) الفقيه ١ : ٢٨٦.

(٥) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦١.

٤٢

الرجوع ليومه ، بل التخيير مطلقاً على التوجيه غير معلوم.

هذا والأخبار التي استدل بها الشيخ على جواز التقصير في الأربع (١) أوّلها كما ترى يدل على الأمر بالقصر ، والأمر وإن كان حقيقة في العيني إلاّ أنّ الشيخ كأنّه اعتبر إرادة التخييري منه بالقرينة ، وهي الأخبار السابقة ، فلا يتوجه عليه أنّ الخبر كيف يدل على الجواز مع الأمر ، وإن كان الحقّ ورود ما ذكر على الشيخ ؛ إذ لا ينحصر الوجه في الجواز على وجه التخيير على الإطلاق ليكون الخبر دالاًّ على الجواز.

وما عساه يقال : من أنّ الخبر إذا دلّ على الجواز الحاصل في ضمن الأمر جزماً فالاحتياج إلى الفصل وهو جواز الترك في الجملة لأجل المعارض ، ولولاه لكان الفصل وهو عدم جواز الترك متعيّناً. ففيه أنّ الأمر إذا كان حقيقة في الوجوب العيني فالفصل معه ، ويجوز أن يكون الوجوب العيني حاصلاً في الثمانية والأربعة ، غاية الأمر أنّ ( الحكمة غير ظاهرة ) (٢).

أمّا ثاني الأخبار : فإنّه تضمّن الجملة الخبرية ، وكونها في معنى الأمر يتوقف على العلم بما أسلفنا القول فيه (٣) ، من أنّ العدول من الأمر إلى الجملة الخبرية لو عُلِم كانت الجملة الخبرية في معنى الأمر ، لكن يجوز أن يكون العدول لبيان عدم وجوب الفعل ، وفي ظنّي أنّ هذا الوجه يصلح للاعتماد عليه في الأخبار الواردة بلفظ الخبر توجيهاً لاحتمال عدم وجوب ما تضمّنته إذا فرض وجود المعارض ، ومن ذلك ما نحن فيه.

وما ذكره علماء المعاني : من أنّ البلغاء يأتون بالخبر إذا أرادوا الأمر‌

__________________

(١) في « رض » : الأربعة.

(٢) في « رض » : الحكم غير ظاهر.

(٣) راجع ص ١٠٥٠.

٤٣

لزيادة الحثّ على الفعل ، حقّ فيما إذا انحصر الوجه فيه.

فإنّ قلت : ما ذكرته من الاحتمال يقتضي أن يكون القصر في الأربعة مستحباً ، والقائلون بالتخيير لم يصرّحوا به.

قلت : إنّما ذكرت الاحتمال لدفع ما يظن من أنّ الجملة الخبرية إذا كانت بمعنى الأمر يتعيّن كونها للوجوب العيني ، واحتمال الاستحباب إذا لم يصرّحوا به لا يضرّ بحال التوجيه ، ولو فرض أنّه مضرّ يقال : إنّ العدول عن الأمر لإرادة الوجوب التخييري. على أنّ الاتفاق على كون الأمر للوجوب العيني غير معلوم ، فقد صرّح بعض المتأخّرين بأنّ الأمر يستعمل فيهما ، وإن كان محلّ مناقشة ؛ لما يظهر من الأدلّة الأُصولية على الوجوب العيني ، غاية الأمر أنّ الأخبار لا بدّ فيها من إبداء (١) هذا التوجيه ، فليكن ملحوظاً بعين العناية ، فإنّ له في غير هذا المقام أيضاً نوع غاية.

وأمّا ثالث الأخبار : فدلالة قوله عليه‌السلام : « عليهم التقصير » على التحتّم ظاهرة لولا المعارض ، وإن كان احتمال غير التحتّم لا مانع منه من جهة اللفظ.

أمّا الخامس : ففيه دلالة على أصل القصر. وكذلك السادس.

أمّا السابع : فلا دخل له بمراد الشيخ على ما يقتضيه ظاهره ، لأنّ قوله : « يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم » يدلّ بمفهومه على عدم الوجوب فيما دونه ، أمّا الجواز فأمر آخر يتوقف على الدليل.

ولا يبعد أن يكون مقصود الشيخ أنّ المفهوم إذا دلّ على عدم الوجوب والأخبار الأُخر دلّت على الأقلّ من مسيرة اليوم حملنا الخبر‌

__________________

(١) في « رض » : أداء.

٤٤

على (١) القصر بالنظر إلى المفهوم ، وأنت خبير بما في هذا من النظر.

فإنّ قلت : ما المراد بقوله عليه‌السلام : « وإن كان يدور في عمله »؟

قلت : لعلّ المراد أنّ مسيرة اليوم لا يشترط فيه أن يكون في غير متعلّقات المسافر من الأعمال في الضياع ونحوها ، بل لو كان فيما بينها تحقّق الوجوب. ولا يخفى أنّ ظاهر لفظ « يدور » يأبى هذا ، إلاّ أنّ الضرورة تدعو إلى ما ذكرناه.

واحتمال أن يراد : عدم اشتراط كون السفر ذهاباً محضاً بأن يكون المقصد ليس فيه اعوجاج ، ويراد بالعمل الأغراض ، وحينئذ فائدة الكلام عدم اشتراط كون السفر مستقيماً. ففيه : أنّه بعيد جدّاً عن ظاهر الخبر.

واحتمال أن يراد : عدم اشتراط كون السفر خالياً عن ( المواضع المملوكة ) (٢) للإنسان مع عدم الاستيطان الموجب للإتمام ، ويراد بمسير اليوم في جميعها لأنّ بين كل موضع مسافة. لا يخلو من بُعد أيضاً ، كما أنّ احتمال أن يراد : أنّ مسير اليوم يوجب التقصير وإن كان المسافر يقطعه في أيّام. كذلك ، لكن يمكن توجيهه على وجه يقرّبه ، فليتأمّل.

وفي المختلف استدل على لزوم الإتمام إذا لم يرجع ليومه بالأخبار المتضمّنة لثمانية فراسخ ، وزاد عليها أنّ في البريدين قد شغل يومه فحصلت المشقة فوجب القصر ، بخلاف الأربعة ، وبالاحتياط ، وأنّ المكلّف قبل الخروج إلى ما دون الثمانية يجب عليه الإتمام فكذا بعده عملاً بالاستصحاب ، ثم ذكر حجّة الشيخ بالأخبار (٣) الدالة على الأربعة ، وأجاب‌

__________________

(١) في « رض » : زيادة : جواز.

(٢) في « رض » : الموضع المملوك.

(٣) في « رض » : في الاخبار.

٤٥

بأنّ المراد بها إذا أراد الرجوع من يومه ، قال : لما فيه من الجمع بين الأخبار وبين مطابقته للمسير في يوم بريدين أو بياض يوم ، وقد علّق التقصير عليهما ، ولرواية معاوية بن وهب الصحيحة (١) السابقة في كلامنا (٢).

ثم قال العلاّمة : قال الشيخ : المراد بذلك التخيير بين الإتمام والقصر. وليس بمعتمد ؛ لأنّ في بعض الأحاديث إنكار الإتمام ، ولو كان التخيير سائغاً لما وقع الإنكار منه لقوله عليه‌السلام : « ويلهم » أو « ويحهم » « وأيّ سفر أشدّ منه » وهذا اللفظ إنّما يكون على التوبيخ والتقريع على الفعل المأتيّ به ، ولو كان سائغاً لم يصح منه عليه‌السلام. انتهى ملخّصاً (٣).

وفي نظري القاصر أنّ فيه تأمّلاً من وجوه :

الأوّل : ما ذكره من المشقّة لا وجه له عندنا في إثبات الحكم إذا لم يقع العلّة منصوصة ، والاحتياط لا يصلح دليلاً عنده كما يعترض على الشيخ في استدلاله به ، على أنّ الاحتياط في الجمع بين القصر والتمام (٤) في الأربعة لا في ترك القصر في الأربعة.

الثاني : ما قاله : من أنّ المكلّف قبل الخروج ، إلى آخره. فيه : أنّ فرض المسافر القصر لإطلاق الآية (٥) إلاّ ما خرج بالدليل وهو ما دون الأربعة ، نعم الحاضر فرضه التمام.

ويمكن الجواب عن هذا بأنّ الآية مفروضة في الخوف ، ومعه لا يتم المطلوب.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٥٢٧.

(٢) راجع ص ١٠٨٠.

(٣) المختلف ٢ : ٥٢٨.

(٤) في « رض » : والإتمام.

(٥) النساء : ١٠١.

٤٦

وفيه : أنّ معتبر الأخبار قد فسّرت فيه الآية بمطلق السفر كما في صحيح زرارة ومحمّد بن مسلم في الفقيه قالا ، قلنا لأبي جعفر عليه‌السلام : ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي؟ فقال : « إنّ الله عزّ وجلّ يقول ( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) (١) فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر » الحديث (٢).

وهو كما ترى يدل على أنّ الآية يراد بها مطلق السفر ، فإذا خرج ما دون الأربع بقي ما عداه ، وما ورد في الأخبار من الثمانية يعارضه الأربعة ، فالأصل قد زال.

ويمكن الجواب بأنّ تفسير الآية من الخبر غير صريح في عدم شرط الخوف ، ومعه يتم التوجيه ، ويؤيّد هذا ما رواه الصدوق في تفسير الآية أيضاً في الصحيح من أنّه تقصير ثانٍ يجعل الثنتين واحدة مع الخوف.

وما ذكره الوالد قدس‌سره : من احتمال أن يراد بالتقصير ما يشمل تقصير السفر من غير خوف ومعه جمعاً بين الخبرين المفسِّرين للآية. لا يخلو من وجه ، وبه يندفع الجواب ، إلاّ أنّ باب المقال واسع.

ويمكن أن يقال : إنّ غرض العلاّمة كون الذمة [ متيقّنة (٣) ] الاشتغال بالتمام ما لم يتحقق القصر ، وفي الأربعة لم يتحقق ؛ لاحتمال أخبارها بسبب المعارض ما لا ينافي التمام. وفيه : أنّ الأصل إذا زال لم يمكن الاستدلال به إلاّ أن يقال : إنّ زواله مطلقا ممنوع ، فليتأمّل.

__________________

(١) النساء : ١٠١.

(٢) الفقيه ١ : ٢٧٨ / ١٢٦٦ ، الوسائل ٨ : ٥١٧ أبواب صلاة المسافر ب ٢٢ ح ٢.

(٣) في النسخ : منتفية ، والظاهر ما أثبتناه.

٤٧

الثالث : ما ذكره في جواب الشيخ ، فيه أنّ تعيّن إرادة الرجوع ليومه لا وجه له ، وما ذكره في توجيه الإرادة : من مشابهة البريدين والبياض. فيه أنّ الذي ذكره في الجواب إرادة الرجوع لا نفس الرجوع ، والمطابق المساواة وأنّ البريدين والبياض نفس الرجوع ، ومن العجب أنّه في أوّل المسألة ذكر الرجوع ، وفي الجواب ذكر إرادة الرجوع ، والفرق بين الأمرين واضح.

الرابع : ما قاله : من أنّ قول الشيخ غير معتمد لإنكار التمام (١). فيه أنّ الأخبار المستدل بها الشيخ فيها ما يدل على عدم إمكان الرجوع ، فإنّ الظاهر من الإنكار على أهل مكة في الحج ، وقد تقدّم في بعض الأخبار المذكورة من الشيخ تصريح بذلك ، فلا وجه لعدم ذكر العلاّمة لها ، على أنّ النهي عن التمام محتمل لأنّ يكون لاعتقاد التحتّم ، وهو سبب التوبيخ ، فليتأمّل.

اللغة‌ :

قال في القاموس : القادسيّة قرية قريب الكوفة مرّ بها إبراهيم عليه‌السلام ، فوجد عجوزاً فغسلت رأسه فقال : « قدّست من أرض » فسمّيت القادسية (٢).

قوله :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن ابن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يريد السفر في كم التقصير (٣)؟ فقال : « في ثلاثة بُرُد ».

__________________

(١) في « رض » : الإتمام.

(٢) القاموس المحيط ٢ : ٢٤٨ ( القدس ).

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٢٥ / ٨٠٠ : يقصر.

٤٨

فهذا الخبر موافق للعامة ولسنا نعمل به.

وأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي جميلة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا بأس للمسافر أن يتم في السفر مسيرة يومين ».

فهذا الخبر أيضاً موافق للعامة ولسنا نعمل به ؛ لأنّ الذي يجب فيه التقصير القدر الذي ذكرناه ، سواء كان مسيرة يومين أو أقلّ أو أكثر ، ويجوز أن يكون الخبر محمولاً على من يسير في اليومين أقلّ ممّا يجب فيه التقصير ، فحينئذ يجب عليه التمام.

والذي يكشف عمّا ذكرناه :

ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن التقصير ، فقال : « في بريدين أو بياض يوم ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عبد الله بن أبي خلف ، عن يحيى بن هاشم ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري قال : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا سافر فرسخاً قصّر الصلاة.

محمد بن الحسن الصفّار ، عن محمد بن عيسى ، عن عمرو بن سعيد قال : كتب إليه جعفر بن أحمد (١) يسأله عن السفر وفي كم التقصير؟ فكتب بخطّه ـ وأنا أعرفه ـ : « قد كان أمير المؤمنين عليه‌السلام إذا سافر وخرج في سفر قصّر في فرسخ » ثم أعاد عليه من قابل المسألة (٢) فكتب إليه : « في عشرة أيّام ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٢٦ / ٨٠٤ : محمد.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢٦ / ٨٠٤ زيادة : إليه.

٤٩

( فالوجه في هذين الخبرين من قوله : « قصّر في فرسخ » وما جرى مجراهما من الأخبار هو أنّ المسافة إذا كانت ) (١) على الحدّ الذي يجب فيه التقصير فصاعداً فسار المسافر يوماً أو أكثر منه ، أو فرسخاً أو أقلّ منه أو أكثر (٢) ، عليه التقصير ؛ لأنّ المسافة حصلت على الحدّ الذي يجب فيه التقصير ، وليس الاعتبار بما يسير الإنسان ، بل الاعتبار بالمسافة المقصودة وإن لم يسرها في دفعة واحدة.

السند :‌

في الأوّل : لا ارتياب في صحّته بعد ما قدّمناه (٣).

والثاني : فيه أبو جميلة وأبو بصير وقد كرّرنا ذكرهما (٤).

والثالث : صحيح.

والرابع : فيه عبد الله بن أبي خلف وقد ذكره الشيخ (٥) مهملاً في ترجمة ابنه سعد ، وقال : أنّ أحمد بن محمد بن عيسى روى عنه.

ويحيى بن هشام وثّقه النجاشي (٦).

وأمّا [ أبو (٧) ] هارون العبدي فالذي وقفت عليه من كتب العامة أنّ‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢٦ / ٨٠٤ : يجب.

(٣) راجع ص ٦٦ ، ١٣٠.

(٤) راجع ص ٥١ ، ٥٥١.

(٥) كذا في النسخ ، ولكنا لم نعثر عليه في كتب الشيخ وما نسب اليه موجود في النجاشي : ١٧٧ / ٤٦٧.

(٦) رجال النجاشي : ٤٤٥ / ١٢٠٣.

(٧) في النسخ : ابن ، والصواب ما أثبتناه.

٥٠

اسمه عمارة بن جوين وأنّه شيعي (١).

وأبو سعيد الخدري ذكر الكشي فيه أحاديث يدل بعضها على أنّه كان مستقيماً (٢). وفي التهذيب روى الشيخ في باب تلقين المحتضرين بطريق فيه عبد الله بن المغيرة وقد قدّمنا ما يقتضي ترجيح كونه غير واقفي (٣) أنّ أبا سعيد كان مستقيماً (٤). والرواية في الكشي أيضاً من جملة ما أشرنا إليه (٥). وفي كتاب البرقي في الرجال عدّه من الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام.

والخامس : فيه عمرو بن سعيد ، ولا يبعد أن يكون المدائني الذي وثّقه النجاشي (٦) من غير ذكر الوقف ، كما في الكشي (٧). وإنّما قلنا ذلك لأنّ في الرجال عمرو بن سعيد بن هلال من أصحاب الصادق عليه‌السلام مهملاً في كتاب الشيخ (٨) ، والمدائني من أصحاب الرضا عليه‌السلام كما ذكره النجاشي ، ورواية محمد بن عيسى عنه هي المقرّبة لما قلناه : لأنّ ابن عيسى من أصحاب الرضا عليه‌السلام والهادي والعسكري عليهما‌السلام في كتاب الشيخ (٩) ، وابن هلال من أصحاب الصادق عليه‌السلام ، وفي رجال الباقر عليه‌السلام عمرو بن سعيد أيضاً (١٠) ، فلو‌

__________________

(١) لسان الميزان ٧ : ٤٨٧ / ٥٧٠٦.

(٢) رجال الكشي ١ : ٢٠١ / ٨٣.

(٣) في ص ٩٩.

(٤) التهذيب ١ : ٤٦٥ / ١٥٢١ ، الوسائل ٢ : ٤٦٤ أبواب الاحتضار ب ٤٠ ح ٥.

(٥) رجال الكشي ١ : ٢٠١ / ٨٣.

(٦) رجال النجاشي : ٢٨٧ / ٧٦٧.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٨٦٩ / ١١٣٧.

(٨) رجال الطوسي : ٢٤٧ / ٣٨٨.

(٩) رجال الطوسي : ٣٩٣ / ٧٦ ، ٤٢٢ / ١٠ ، ٤٣٥ / ٣.

(١٠) رجال الطوسي : ١٢٩ / ٢٣ ، ٢٤٧ / ٣٨٨.

٥١

فرض المغايرة لابن هلال اتحد فيه الكلام ، واحتمال البقاء إلى زمن الرضا عليه‌السلام في حيّز الإمكان ، إلاّ أنّ المدعى القرب ، فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل : ما ذكره الشيخ فيه من موافقة العامّة هو أعلم به ، فإنّ المنقول عن الحنفية القول بأربعة وعشرين فرسخاً (١) ، والشافعية ستّة عشر فرسخاً (٢) ، وكذلك عن مالك (٣) وأحمد (٤) ، والبريد قد قدّمنا عن القاموس أنّه فرسخان أو أربعة (٥) ، وما قاله شيخنا المحقّق أيّده الله في فوائد الكتاب : من أنّه لا يبعد أن يكون قد سأل عن رجل معيّن فأجابه عليه‌السلام على مذهبه. لا يخلو من تأمّل على ما نقلناه من أقوال العامة.

وما ذكره بعض أفاضل المتأخّرين رحمه‌الله من أنّ العمل بمنطوق الرواية ممكن دون مفهومها (٦). كأنّه يريد به أنّ التقصير في الثلاثة لا يخالف ما دلّ على المقدار المذكور في الأخبار ، بل إنّما ينافيه مفهومها ، حيث إنّه يقتضي عدم القصر فيما دون الثلاثة ، ولا يخفى أنّ ظاهر السؤال تحديد مقدار ما يوجب القصر ، ولعلّ احتمال كون البريد أقلّ مما نقلناه عن القاموس ممكن وإن بَعُد.

والثاني : ما قاله الشيخ فيه من الموافقة للعامّة كأنّه من جهة أنّ بعض‌

__________________

(١) حكاه ابن قدامة في الشرح الكبير ( المغني ٢ ) : ٩٤.

(٢) حكاه الشربيني في مغني المحتاج ١ : ٢٦٦.

(٣) حكاه القرطبي في بداية المجتهد ١ : ١٦٧.

(٤) حكاه ابن قدامة في المغني ٢ : ٩١.

(٥) القاموس المحيط ١ : ٢٨٧ ( البرد ) وتقدم في ص ١٠٨٠.

(٦) مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٥.

٥٢

العامّة قائل بأنّ التقصير رخصة فيجوز الإتمام. وقوله : يجوز أن يكون الخبر محمولاً على من يسير في اليومين أقلّ ممّا يجب فيه التقصير فحينئذ يجب عليه التمام. فيه : أنّ ظاهر الرواية نفي البأس عن التمام لا وجوبه إلاّ أن يقال : إنّ التأويل لا ينافيه الخروج عن الظاهر ، ولو لا هذا لكان التقييد باليومين خالياً من الفائدة.

وبالجملة فالحمل الأوّل أولى ، وما قاله شيخنا المحقق أيّده الله في فوائد الكتاب : من احتمال وقوع التمام اتّقاءً ووقع مع هؤلاء ولم يكن يعلم فصلّى معهم ظانّاً فلا يجب القضاء أو لا يأثم. ممكن أيضاً.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ قول الشيخ : والذي يكشف عما ذكرناه. الظاهر أنّ مراده بما ذكره من اعتبار المقدار بالثمانية فراسخ ، والحال أنّ ما دون الثمانية قد ذهب إلى التخيير فيه لا إلى تعيّن التمام (١) ، والاحتياج إلى ذكر الأخبار في الثمانية لا وجه له بعد ما قدّم جملة (٢) كافية.

ولو حمل كلامه على أنّ مراده مما ذكره عدم الالتفات إلى اليومين من حيث هما ، بل إلى المقدار أمكن ، إلاّ أنّه يبقى عليه أنّ الحصر في البريدين والبياض مع وجود أخبار الأربعة لا وجه له ، بل ينبغي ذكر ما يدلّ على أنّ الاعتبار بما ورد في الأخبار السابقة ليشمل ما دلّ على الثمانية والأربعة ، ولعلّ مراده أنّ الخبر المستدل به تضمّن بياض اليوم ، فلا يكون لليومين مدخل في القصر ، والأمر سهل.

والثالث : كما ترى ظاهر في أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقصّر في الفرسخ ، لا على أنّ المسافة فرسخ.

__________________

(١) في « رض » : الإتمام.

(٢) في « رض » : حمله.

٥٣

والرابع : صدره كالثالث في الظهور ، أمّا عجزه فالظاهر منه خلاف (١) الظاهر ، واحتمال شيخنا أيّده الله أن يكون المراد في إقامة عشرة أيّام أي فيما إذا كان مقيماً عشرة أيّام. لا يخلو من إجمال ؛ إذ السؤال يقتضي الاستفهام عن التقصير بحسب المقدار ، لا عن محلّ الخروج إلى التقصير.

واحتمال أن يعود إلى الخروج إلى التقصير يفيد أن يكون السؤال أوّلاً عنه أيضاً ، كما يقتضيه لفظ إعادة السؤال ، والجواب حينئذ بأنّ التقصير في فرسخ كان بعد الإقامة عشرة أيّام يوجب كون التقصير في الفرسخ المذكور أوّلاً مقيّداً بما ذكر ثانياً ، والإطلاق في مثله لا يناسبه التقييد بعد سنةٍ إلاّ أن يتكلّف التوجيه.

واحتمال أن يراد بعشرة أيّام أنّه عليه‌السلام كان يقصّر في عشرة أيّام ثم ينوي الإقامة أو يرجع إلى محلّه ممكن ، إلاّ أنّ التقصير في فرسخ لا يناسبه إلاّ بتقدير أن يراد في الجواب الثاني بيان منتهى التقصير الذي لا ينبغي أكثر منه ، وفي الأوّل مبدإ التقصير الذي لا ينبغي التقصير قبله ، وفيه ما لا يخفى.

وما قاله الشيخ يتم في صدر الرواية دون عجزها ، وأظن أنّ الشيخ لم يخطر بباله منافاة آخرها ظنّاً أنّ المراد ما قلناه أو ما يناسبه.

قوله :

ولا ينافي هذا التأويل :

ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن‌

__________________

(١) في « فض » زيادة : ذلك ، وهي في « د » مشطوبة.

٥٤

موسى ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يخرج في حاجة مسير (١) خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ ، فيأتي قرية ينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ لا يجوز ذلك ، ثم ينزل في ذلك الموضع؟ قال : « لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتمّ الصلاة ».

لأنّ هذه الرواية مقصورة على من خرج من منزله من غير نيّة السفر ، فتمادى به المسير إلى أن يصير مسافراً من غير قصد ، فإنّه يلزمه التمام (٢) ، وإن زادت المسافة على ما لو قصده لوجب عليه فيها التقصير ، وإنّما يلزمه التمام لأنّه لم يقصد سفراً مقداره مقدار ما يجب فيه التقصير.

والذي يعضد هذا التأويل :

ما رواه الصفّار عن إبراهيم بن هاشم ، عن رجل ، عن صفوان قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلاً على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان وهي أربعة فراسخ من بغداد أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصّر؟ قال : « لا يفطر ولا يقصّر ، لأنّه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ ، إنّما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق ، فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه ، ولو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً وجائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً والإفطار ، فإنّ هو أصبح ولم ينو السفر فبدا له من بعد أن أصبح في السفر قصّر ولم يفطر ليومه ذاك ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٢٦ / ٨٠٥ : فيسير.

(٢) في « رض » : الإتمام.

٥٥

السند‌ :

في الأوّل موثق على ما تقدّم (١). والثاني مرسل.

المتن :

في الأوّل : ما قاله الشيخ متوجه فيه. وما تضمنه من قوله : « حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ » يراد به حتى يقصد ثمانية فراسخ ؛ لأنّ مسير الثمانية قد تضمّن السؤال حكمها ، والجواب نفي كونه مسافراً ، فلا بدّ أن يراد من الكلام الثاني ما قلناه.

والثاني : كما ترى ظاهر الدلالة على ما قاله الشيخ ، لكنه يدل على أن الرجوع من الأربعة فراسخ لا يقتضي التقصير ، وقد صرّح الشيخ سابقاً بالتخيير (٢) ، وكان عليه أن يذكر الوجه فيه.

ثم إنّ آخر الحديث صريح في أنّ إرادة الرجوع تقتضي التقصير لا مجرّد الأربع فراسخ ، لكن لا يخفى أنّه لا صراحة بالرجوع ليومه ، والعجب من عدم تعرض الشيخ له سابقاً.

فإنّ قلت : هذا الخبر لا ينافي التخيير إذا لم يُرد الرجوع ؛ لدلالة مطلق الأخبار السابقة عليه جمعاً بين الأخبار ، غاية الأمر أنّ هذا الخبر يدل على أنّ إرادة الرجوع تقتضي لزوم التقصير ، والشيخ قال بالتخيير مطلقاً في هذا الكتاب ، فالخبر مناف له ، وإمكان التوجيه بأنّه لا يقصّر على سبيل التحتّم لا ينكر.

__________________

(١) راجع ص : ١٢٠ و ٢٧٥.

(٢) الاستبصار ١ : ٢٢٤ ، وقد تقدم في ص ١٠٨٥.

٥٦

قلت : هذا الخبر لا يقبل التوجيه بما لا ينافي التخيير ؛ لأنّه قال فيه : « لا يقصّر ولا يفطر » والإفطار منفيّ عند المعروفين من متأخّري الأصحاب في الأربعة ، وإن كان فيه كلام ، لأنّ العلاّمة نقل عن المفيد التخيير في الصوم (١) أيضاً ، إلاّ أنّ الإلزام للشيخ بهذا الخبر ومن تابعه لا محيد عنه ، ومن لم يعمل به فهو في راحة من التوجيه ، وما تضمّنه من نيّة السفر لأجل الإفطار سيأتي القول فيه إن شاء الله في بابه.

فإنّ قلت : الخبر إذا كان ضعيفاً بالإرسال والأوّل بالتوثيق والإجمال فاعتماد الأصحاب على اشتراط قصد المسافة بأيّ شي‌ء هو؟.

قلت : قد ادعى العلاّمة في المنتهى الإجماع على هذا الشرط فيما نقله بعض الأصحاب (٢) ، أمّا استدلال البعض بأنّ المسافة معتبرة ولا يتحقق إلاّ بالقصد أو الفعل ، والثاني ليس بشرط ، فيكون الاعتبار بالقصد (٣). فلا يخفى ما في الاستدلال ، والأولى أن يقال : والثاني ليس بشرط إجماعاً ، كما ذكره شيخنا قدس‌سره (٤) وإن كان إثبات الإجماع محلّ كلام ، وكذلك الانحصار ، نعم الخبر مؤيّد لدعوى الإجماع.

وقد صرّح بعض الأصحاب بأنّه يكفي القصد تبعاً كالعبد والولد والزوجة ، لكن يشترط أن يعلم قصد المتبوع الموجب للقصر وعدم العزم على العود بتقدير الفرصة (٥).

ولا يخفى أنّ اشتراط العلم بالقصد إن أُريد به مجرّد العلم من دون‌

__________________

(١) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٥٢٦ ، وهو في المقنعة : ٣٤٩.

(٢) المنتهى ١ : ٣٩٠ ، ونقله عنه في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٩.

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٩.

(٤) مدارك الاحكام ٤ : ٤٣٩.

(٥) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٧٠.

٥٧

قصد السفر إلى ما قصده المتبوع من المسافة أمكن الفرق بين التابع والمتبوع ، وإن أُريد قصد السفر إلى المسافة مع المتبوع فهذا لا يقتضي كونه فرعاً ؛ إذ لو كان كذلك لكان من رافق غيره لخوف الطريق يكون سفره تبعاً لا أصالةً ، بل يلزم أنّ كل ما ينضم إلى المسافر من أسباب السفر يوجب التبعية ، إلاّ أن يقال بالفرق من جهة زيادة اللزوم ، وفيه ما لا يخفى ، غير أنّ أثر هذا هيّن بعد ثبوت الحكم من إجماع ونحوه ، ولم أقف الآن من الأدلّة إلاّ على إطلاق الأخبار ، ولا يخفى عليك الحال من جهة الفرق المذكور ، ولعلّ هذا لا إشكال فيه لعدم تحقق خلاف في البين ، إنّما الإشكال لو توقّع العبد العتق إمّا بوعد من سيّده أو أمارة تفيد ظن الوقوع أو توقعت المرأة الطلاق كذلك.

ونقل جدّي قدس‌سره في شرح الإرشاد عن العلاّمة أنّه قال : لو جوّزت المرأة الطلاق والعبد العتق وعزما على الرجوع متى حصلا فلا ترخص ، وقيّده الشهيد بحصول أمارة لذلك ويمكن أن يقال : إنّ أصل الاستيلاء لا يخرج عنه بالاحتمال البعيد (١). والله تعالى أعلم.

قوله :

والذي رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي (٢) ابن فضّال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى الساباطي قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر فمضى في ذلك فتمادى به‌

__________________

(١) روض الجنان : ٣٨٥.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢٧ / ٨٠٧ لا يوجد : بن علي.

٥٨

المضيّ حتى يمضي به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال : « يقصّر ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله ».

فالوجه فيه أنّه يجب عليه التقصير بعد قطعه ثمانية فراسخ إلى أن يرجع إلى منزله ، لأنّه قد صار مسافراً وإن لم يكن قصد في الأوّل ذلك ، والرواية الأُولى إنّما تضمّنت وجوب التمام (١) في مدّة مضيّه القدر الذي ذكرناه ، وليسا متنافيين على هذا الوجه.

السند‌ :

موثّق كما لا يخفى (٢).

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه محلّ تأمّل ، وما ذكره شيخنا المحقّق أيّده الله في فوائد الكتاب : من أنّ المراد يقصّر في رجوعه ، أو من الموضع إذا قصد قبله البلوغ إلى الموضع مع الرجوع ثمانية فراسخ. محلّ بحث بالنظر إلى الوجه الثاني ؛ لأنّ ضميمة الإياب إلى الذهاب متوقّفة على الدليل ، ولا أعلم الآن موافقاً للشيخ على ما ذكره ، وقد يمكن توجيه كلام الشيخ بإرادة الشروع في الرجوع ، إلاّ أنّ الظاهر خلافه.

بقي في المقام أُمور :

الأوّل : لا ريب أنّ العلم بالمسافة بالاعتبارين السابقين يقتضي‌

__________________

(١) في « رض » : الإتمام.

(٢) بأحمد بن الحسن بن علي بن فضّال ومصدّق بن صدقة.

٥٩

وجوب التقصير ، وألحق بعض الشياع وشهادة الشاهدين (١) ، وجزم شيخنا قدس‌سره به (٢).

وقد يقال : إنّ الشياع إذا لم يفد العلم فمن أين مأخذ الاكتفاء به؟

والالتفات إلى ما ذكره جدّي قدس‌سره : من أنّ الظن الحاصل بالشياع أقوى من الظن الحاصل بشهادة الشاهدين (٣).

فيه أوّلاً : أنّ شهادة الشاهدين في هذا المقام يتوقف ثبوت الحكم بها على الإطلاق على الدليل ؛ إذ المعلوم أنّها من وظائف الحاكم الشرعي إلاّ ما خرج بالدليل كالهلال.

وثانياً : أنّ شهادة الشاهدين غير معلّلة بالظن ليكون الظن الحاصل من الشياع أقوى فيجب اتباعه ، بل يجوز كونها تعبّداً ، ومن ثَمّ لم يحكموا بالشياع دائماً بل خصّوه بمواضع ، كما يعلم من كتب المتأخّرين.

وما قاله بعض المتأخّرين رحمه‌الله من أنّ الظاهر أنّ البيّنة الشرعية هنا لا تحتاج إلى حكم الحاكم ؛ لأنها حجّة شرعيّة في أعظم منها ، والأصل عدم اعتبار انضمامه ، ولأنّه قد يتعسّر أو يتعذّر ، فلا يناط به ، مثل الهلال وو دخول الوقت (٤).

ففي نظري القاصر أنّه محلّ بحث أمّا أوّلاً : فلأنّ كون البيّنة حجّة شرعيّة في جميع الأحكام موضع البحث فكيف يجعل دليلاً؟ ولو انعقد الإجماع لم يحتج إلى ما قاله ، والأخبار لم نقف على ما يدل على ذلك‌

__________________

(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ٣٦٧.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٤٣٣.

(٣) روض الجنان : ٣٨٤.

(٤) مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٣٦٨.

٦٠