إستقصاء الإعتبار - ج ٤

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ٤

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-176-1
الصفحات: ٥٥٠

وقتها في الجملة لا صيرورتها قضاءً ، فإمّا أن يحمل كلها على الوجوب ، ويشكل بمعارضة خبر ابن سنان ، وإن حملت كلّها على الندب خالفت الإجماع ، فلا بدّ من التزام عدم المانع من اختلاف الخبر ، وحينئذ يقال : إنّ الأمر للوجوب إلاّ ما خرج بسبب المعارض ، هذا على تقدير العمل بالأخبار.

ثم إنّ خبر زرارة المتقدم (١) ربما كان أولى بالاستدلال لشيخنا قدس‌سره من خبر صفوان ، لما سمعت فيه ، واشتمال خبر زرارة على الحسين بن الحسن بن أبان لا أظنّ أنّ شيخنا يتوقف فيه ، وبتقدير التوقف ففي الزيادات قد رواه الشيخ عن زرارة والطريق فيه إبراهيم بن هاشم ، وقد حكم بصحة الطريق الذي هو فيه ، والخبر المذكور لزرارة الطويل يدل على المتحدة بسبب الأمر كما ذكرناه ، غير أنّ العدول من العصر والعشاء إلى ما قبلهما على تقدير الوقوع في المشترك غير ظاهر الوجه ، والحمل على المختص خلاف الظاهر ، وربما كان قوله : « وإنّما هي أربع مكان أربع » صريح المنافاة للاشتراك.

ثم إنّ حديث زرارة كما ترى يدلّ على ترتيب الفائتة مع التعدد على معنى أنّ المغرب قبل العشاء ، لقوله : « ابدأ باوليهما » يعني المغرب والعشاء ، وقد ذكر شيخنا قدس‌سره في الاستدلال بها على الترتيب (٢) قوله : « وكان عليك صلوات فابدأ باوليهنّ فأذّن لها وأقم وصلّ ما بعدها بإقامة إقامة » (٣).

__________________

(١) في ص ١٤١٥.

(٢) في النسخ زيادة : أنّ ، حذفناها لاستقامة العبارة.

(٣) المدارك ٤ : ٢٩٦.

٥٠١

ولا يخفى أنّ ما ذكرناه أوضح ، لاحتمال قوله : ابدأ باوليهنّ ثمّ صلّ ما بعدها كيف كان ، لكن لا يخفى أنّ الدلالة على الوجوب إنّما يتم بعد ما قرّرناه من أنّ خروج بعض الرواية للاستحباب لا يضرّ بحال باقي الأوامر الدالة على الوجوب ، ولا يخفى أنّ البحث الذي في لفظ « إذا » في الخبر السابق لا يتمشّى هذا الخبر ، لدلالته بغير « إذا » كما يعرف بالملاحظة.

والصدوق في الفقيه روى بطريقه الصحيح عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه قال : « أربع صلوات يصلّيها الرجل في كل ساعة : صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أدّيتها » الحديث (١). ودلالته بلفظ « متى » أوضح من « إذا » الواقعة في بعض الأخبار السابقة ، كما أنّ الاستدلال به على المضائقة له وجه لولا بعض الاحتمالات.

فإن قلت : ما الفرق بين « متى » و « إذا » مع أنّ الظاهر الاتحاد؟

قلت : لما تقدم من احتمال « إذا » الإهمال ، ويمكن أن يقال في « إذا » إنّ العموم فيها على تقديره لآناء الذكر ، على معنى أنّ أوقات الذكر ما دام حاصلاً يجب فعلها فيه ، لا أنّ كل ما حصل الذكر يجب ، وفيه : أنّ الفرق في هذا (٢) لا يخلو من تأمّل ، وأمّا لفظ « متى » فالعموم فيه إذا خلا من الارتياب احتمل إرادة ما ذكرناه في « إذا » وقد يرجّح إرادة جميع الأزمان أنّ الظاهر إرادة نفي الكراهة في الأوقات المذكورة في الأخبار والرد على العامّة.

وربما يقال : إذا كان الغرض نفي الأوقات المكروهة والردّ لا يدلّ على الفوريّة.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٧٨ / ١٢٦٥ ، الوسائل ٤ : ٢٤٠ أبواب المواقيت ب ٣٩ ح ١.

(٢) في « فض » و « رض » : مع هذا.

٥٠٢

وفيه : أنّه لا منافاة بين الفورية وما ذكر ، والحق أنّ العموم لوقت الذكر لا يقتضي الفوريّة ؛ لأنّ الحاصل أنّ وقت الذكر هو وقت القضاء ، فإن كان الذكر باقياً كان وقت القضاء متّسعاً فلا يفيد الفوريّة المطلوبة للقائل بها ، هذا إذا أُريد عموم آناء وقت الذكر ، ولو أُريد كل وقت ذكر فالأمر أوسع ، فينبغي تأمّل هذا كلّه فإني لم أقف على تحريره في كلام الأصحاب ، والله سبحانه أعلم بالصواب.

وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه متوجه ، وكذلك الثالث (١).

قوله :

باب وقت قضاء ما فات من النوافل.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمّد بن بزيع العدوي ، عن أبي الحسن عبد الله بن عون الشامي قال : حدّثني عبد الله ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قضاء صلاة الليل والوتر ، تفوت الرجل أيقضيها بعد صلاة الفجر أو بعد (٢) العصر؟ قال (٣) : « لا بأس بذلك ».

عنه ، عن موسى بن جعفر ، عن أبي جعفر ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن ميمون ، عن محمّد بن فرج (٤) قال : كتبتُ إلى العبد‌

__________________

(١) في النسخ : الرابع ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨٩ / ١٠٥٨ : وبعد.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨٩ / ١٠٥٨ : فقال.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨٩ / ١٠٥٩ : عن محمد بن فرح.

٥٠٣

الصالح عليه‌السلام أسأله عن مسائل ، فكتب إليّ : « وصلّ بعد العصر من النوافل ما شئت ، وصلّ بعد الغداة من النوافل ما شئت ».

محمد بن أحمد بن يحيى ، عن إبراهيم ، عن محمّد بن عمر الزيّات ، عن جميل بن دراج قال : سألت أبا الحسن الأوّل عليه‌السلام عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس ، قال : « نعم ، وبعد العصر إلى الليل (١) من سرّ آل محمّد المخزون ».

أحمد بن محمد ، عن عليّ بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن سليمان بن هارون قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن قضاء ( صلاة الليل ) (٢) بعد العصر ، قال : « فاقضها متى ما شئت ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيّوب ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « اقض صلاة النهار أيّ ساعة شئت ، من ليل أو نهار كلّ ذلك سواء ».

عنه ، عن فضالة ، عن عبد الله بن مسكان ، عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : « صلاة النهار يجوز قضاؤها في (٣) أيّ ساعة شئت ، من ليل أو نهار ».

أحمد بن محمد ، عن عليّ بن سيف ، عن حسّان بن مهران قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قضاء النوافل ، قال : « ما بين طلوع الشمس إلى غروبها ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦٠ زيادة : فهو.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦١ بدل ما بين القوسين : الصلاة.

(٣) ليست في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦٣.

٥٠٤

السند‌ :

في الأول : فيه بعد ما تقدم (١) محمّد بن بزيع العدوي ، وهو مجهول الحال ؛ لعدم الوقوف عليه في الرجال ، وعبد الله بن عون الشامي موجود في رجال الصادق عليه‌السلام من كتاب الشيخ لكن الشبامي (٢) ، وفي نسخة : ابن عوف ، والظاهر أنّه تصحيف ، وعلى كل حال هو مهمل.

والثاني : ضمير « عنه » يحتمل رجوعه إلى سعد ، وقد قدّمنا في باب آخر وقت الظهر كلاماً عن شيخنا ـ أيّده الله ـ أنّه قال ـ بعد السند الراوي فيه هناك سعد ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وموسى بن جعفر ، عن أبي جعفر ـ : إنّ الظاهر عطف موسى بن جعفر على أحمد ، فإنّ سعداً روى عن موسى بن جعفر كما روى عن أحمد ، وموسى بن جعفر روى عن أحمد (٣).

وذكرنا سابقا (٤) احتمال أبي جعفر لابن أبي نصر ، والذي هنا كما ترى يقتضي رواية سعد عن أحمد بن محمد بن عيسى ، بتقدير كونه المكنّى بأبي جعفر بواسطة ، ولا بُعد فيه ، نعم البُعد في رواية سعد عن محمد بن عبد الجبّار بواسطتين ، وفي الرجال أنّ سعداً يروي عن محمد بغير واسطة ، فيحتمل أن يكون « عن » الواقعة قبل محمّد عوض الواو ، كما هو واقع من الشيخ كثيراً ، ويحتمل عدم ذلك ، كما يحتمل سقوط الواو قبل‌

__________________

(١) في ص ٤٦ ، ٨١.

(٢) رجال الطوسي : ٢٢٥ / ٣٢.

(٣) في ص ١٢٨٤.

(٤) في ص ١٢٨٤.

٥٠٥

« عن » ويكون قوله : عن محمد بن عبد الجبار معطوفاً [ على موسى بن جعفر فيكون سعد (١) ] راوياً عن موسى وعن محمّد.

أمّا احتمال رجوع ضمير « عنه » لمحمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ( فيدفعه الممارسة للرجال ) (٢) (٣).

وأمّا ميمون فغير معلوم ، والذي في الرجال لا يحتمله بسبب المرتبة مع الإهمال ، ومحمّد بن الفرج ثقة.

والثالث : فيه إبراهيم ، وهو مشترك (٤) ، ومحمد بن عمر الزيّات ثقة على الظاهر من كونه محمّد بن عمرو بن سعيد الذي وثّقه النجاشي (٥) ، غير أنّ الشيخ ذكر محمّد بن عمر الزيّات في الفهرست مهملاً (٦) ، فتأمّل.

و[ الرابع : فيه (٧) ] سليمان بن هارون مجهول الحال ، لذكره مهملاً في أصحاب الصادق والباقر عليهما‌السلام من كتاب الشيخ (٨).

[ والخامس (٩) ] : غير خفيّ بعد ما قدّمناه سيّما في الحسين بن‌

__________________

(١) في النسخ : على سعد فيكون ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في « فض » : فيدفعه الثاني بالممارسة للرجال يرجع الى سعد ، وفي « د » : فيدفعه الممارسة للرجال يرجع الى سعد ، وفي « رض » : فيدفعه الثاني كذا لممارسة الرجال يرجع الى سعد. والظاهر ما أثبتناه.

(٣) في « فض » زيادة : لما تقدّم من رواية سعد عن احمد بن محمد وموسى بن جعفر عن ابي جعفر وذكرنا هناك الحال ، وهي في « د » مشطوبة.

(٤) انظر هداية المحدثين : ٩.

(٥) رجال النجاشي : ٣٦٩ / ١٠٠١.

(٦) الفهرست : ١٥٤ / ٦٨٥ وفيه : محمد بن عمرو الزيات.

(٧) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.

(٨) رجال الطوسي : ١٢٤ / ١٢ و ٢٠٧ / ٧٨ و ٧٩.

(٩) في النسخ : والرابع ، والصواب ما أثبتناه.

٥٠٦

أبي العلاء عن قريب (١).

[ والسادس (٢) : ] : أيضاً معلوم ، وفيه دلالة على أن ابن مسكان المتقدّم (٣) غير بعيد هو عبد الله ؛ لأن الراوي عنه فضالة أيضاً ، لكن باب الاحتمال واسع ، والظهور لا ينكر.

والسابع (٤) : فيه علي بن سيف ، وهو ابن عميرة ثقة ، وحسّان بن مهران كذلك ، وهو أخو صفوان.

المتن :

في الجميع ظاهر الدلالة على عدم تعيّن وقت لقضاء النوافل ، ويدلُّ على جواز فعل النافلة في وقت الفريضة ، وحينئذ يؤيّد ما سبق ، وقد قدّمنا (٥) بعض هذه الأخبار في ذاك المقام ، ولا يخفى أنّ خبر الحسين بن أبي العلاء يتناول الفرائض والنوافل ، كما أنّ خبر سليمان بن هارون يتناولها ، إلاّ أن يقال : إنّ المتبادر نوافل الليل ونوافل النهار.

وقد تقدم (٦) في بعض الأخبار المعتبرة ما يدل على تأخير القضاء في الفريضة لذهاب شعاع الشمس ، بل ظاهر خبر زرارة المنقول عن التهذيب النهي عن الفعل قبل ذلك ، لأنّه قال : « لا تصلّهما إلاّ بعد شعاع الشمس » (٧)

__________________

(١) راجع ص ١٤٠٧.

(٢) في النسخ : والخامس ، والصواب ما أثبتناه.

(٣) في ص ١٤٢٦.

(٤) في النسخ : والسادس ، والصواب ما أثبتناه.

(٥) في ص ١٤٤٠.

(٦) في ص ١٤٢٥.

(٧) التهذيب ٣ : ١٥٨ / ٣٤٠.

٥٠٧

واللازم للعامل بالخبر حمله على الظاهر من الأمر ؛ إذ المعارض (١) لا يقاومه أعني خبر الحسين وإن نظرنا إلى ما تقدّم من الأخبار الدالة على القضاء في أيّ ساعة ذكر يمكن أن يقال : إنّه عام مخصوص بهذا الخبر.

وما تضمّنه خبر زرارة الطويل بعد قوله عليه‌السلام : « بعد شعاع الشمس » قلت : لم ذاك؟ قال : « لأنّك لست تخاف فوته » وجّهه بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله بأنّ السائل أراد بيان وجه التأخير عن الشعاع ، والجواب تضمّن أنّ كلاًّ من ذينك الفرضين لمّا كان قضاءً لم يخف فوت وقته ، فلا تجب المبادرة إليه في ذلك الوقت المكروه ، ففيه نوع إشعار بتوسعة القضاء (٢). انتهى.

وقد يقال : إنّ السؤال كما يحتمل ما ذكر يحتمل أن يكون عن وجه فعل المغرب والعشاء معاً بعد الصبح وقبل الصبح ، وإن أمكنه فعل المغرب فقط فعلها وأخّر العشاء ، والحال أنّهما إذا كانا جميعاً قضاءً كما قاله عليه‌السلام فإمّا أن يؤخّرا أو يقدّما ، والجواب حينئذ بالفرق بسبب خوف فوات الصبح ، فمن ثَمَّ فرّق بينهما ، بخلاف ما إذا فعل الصبح ، فإنّ فعلهما لا مانع منه ، وعلى هذا لا يتعلق السؤال بالتأخير عن الشعاع.

وربما يرجّح هذا بأنّ الجواب عن التأخير لو كان لأجل الكراهة لما حسن الجواب بما ذكر ، أمّا أوّلاً : فلأنّ الضمير في « فوته » إن عاد لوقت القضاء لزم أنّ ما تقدّم من الفوات يراد به القضاء ، وليس كذلك.

وأمّا ثانياً : فلأنّ تقديم القضاء ليس لخوف (٣) فواته على تقدير التعدد‌

__________________

(١) في « فض » و « د » : إذا المعارض.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٥٢.

(٣) في « فض » و « رض » : بخوف.

٥٠٨

إلاّ على مذهب من يقول بالوجوب مطلقاً ، وعليه أيضاً لا يتمّ ، لأنه لا قائل بالخروج بل الفورية أمر آخر ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يمكن إبقاء دلالة خبر زرارة على ظاهره من إطلاق التأخير في الفريضة ، ويخصّ خبر الحسين بالنافلة ، أو يكون خبر الحسين ونحوه لبيان الجواز مطلقاً والآخر على الكراهة ، لدلالة بعض الأخبار المعتبرة (١) على كراهة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها.

وما عساه يقال : إنّ ذلك الخبر اتي به بلفظ : « إنّما يكره الصلاة » وهي تستعمل في الأخبار بمعنى التحريم.

يمكن الجواب عنه بأنّ الكراهة مشتركة بين التحريم وغيره في الأخبار ، ومع الاشتراك أصالة عدم التحريم لا معارض لها ، إلاّ أن يقال : إنّ خبر زرارة ظاهرة المنع ، وهو كاف ، والمشهور الكراهة ، ولكن الخلاف ظاهر في متعلّقها.

وينقل عن المفيد إطلاق عدم جواز قضاء النوافل والابتداء بها عند طلوع الشمس وغروبها ، وأنّه لو زار بعض المشاهد عند طلوعها أو غروبها أخّر الصلاة (٢).

وفي المختلف نقل أقوالاً (٣) في المقام يطول بشرحها الكلام ، غير أنّه حكى عن السيّد المرتضى أنّه قال : ممّا انفردت به الإماميّة كراهة صلاة الضحى ، وأنّ التنفّل بالصلاة بعد طلوع الشمس إلى وقت زوالها محرّم إلاّ في يوم الجمعة (٤). وأنّه قال في المسائل الناصرية حيث قال الناصر‌

__________________

(١) انظر الوسائل ٤ : ٢٣٤ أبواب المواقيت ب ٣٨.

(٢) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٧٥ ، وهو في المقنعة : ١٤٤ و ٢١٢.

(٣) المختلف ٢ : ٧٥.

(٤) الانتصار : ٥٠.

٥٠٩

لا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس وعند استوائها وعند غروبها ـ : هذا صحيح عندنا ، وعندنا أنّه يجوز أن يصلّي في الأوقات المنهيّ عنها كل صلاة لها سبب متقدّم وإنّما لا يجوز أن يبتدأ فيها بالنوافل (١).

ثم إنّ العلاّمة اختار ما نقله عن الشيخ من القول بكراهة ابتداء النوافل في الأوقات الخمسة دون القضاء ، واستدلّ عليه بأصالة عدم الكراهة ، وبخبر جميل وهو [ الثالث (٢) ] وبخبر ابن أبي يعفور وهو [ السادس (٣) (٤) ] ولا يخفى أنّ الخبر [ الثالث (٥) ] تضمّن نفي البأس إلى طلوع الشمس ، مع أنّ الشيخ عدّ في قوله من الأوقات المكروهة عند طلوع الشمس.

ويمكن الجواب بأنّ السؤال تضمّن ما قبل طلوع الشمس ، فإذا أتى الجواب بالجواز بقي ما بعد الطلوع كالمسكوت عنه ، فإذا دلّ خبر ابن أبي يعفور على الجواز مطلقاً أفاد المطلوب.

وفيه : أنّ خبر ابن أبي يعفور خاص بنوافل النهار ، فبقي نوافل الليل في حكم المسكوت عنه.

ويمكن الجواب : بأنّ الأصل المتقدّم لعدم الكراهة يبقى على حكمه في القضاء بعد طلوع الشمس ما لم يثبت المانع كراهةً أو تحريماً ، والحق إنّ إجمال الاستدلال غير لائق.

وما عساه يتوجه علينا من أنّ قولنا في أوّل الباب : إنّ جميع الأخبار دالة على عدم تعيّن وقت لقضاء النوافل يوجب الإجمال ؛ لأنّ بعضها لا يفيد ذلك كما ذكر.

__________________

(١) المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ١٩٤.

(٢) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) في النسخ : السابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) المختلف : ٧٦.

(٥) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

٥١٠

يجاب عنه : بأنّ الجميع من حيث هو يفيد لا كل واحد.

ولا يخفى أنّ الخبر [ السابع (١) ] دلالته على قول العلاّمة أوضح ، لأنّه صحيح ، والخبر الأول المستدل به فيه جهالة إبراهيم مع ما سمعته.

قوله :

فأمّا ما رواه الطاطري ، عن محمد بن أبي حمزة وعليّ بن رباط ، عن ابن مسكان ، عن محمّد الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان » وقال : « لا صلاة بعد العصر حتى تصلّي المغرب ».

عنه ، عن محمّد بن سكين (٢) ، عن معاوية بن عمّار ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا صلاة بعد العصر حتى تصلّي المغرب ، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ».

فالوجه في هذه الأخبار وما جانسها أحد شيئين :

أحدهما : أن تكون محمولة على التقية لأنّها موافقة لمذاهب العامة.

والثاني : أن تكون محمولة على كراهة ابتداء النوافل في هذين الوقتين وإن لم يكن ذلك محظوراً ، لأنّه قد وردت (٣) رخصة في جواز الابتداء بالنوافل في هذين الوقتين ، روى ذلك :

أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه (٤) قال : قال لي

__________________

(١) في النسخ : الثامن ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦٦ و « فض » و « د » : مسكين.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٩٠ / ١٠٦٦ : رويت ..

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٩١ / ١٠٦٧ زيادة : رحمه‌الله.

٥١١

جماعة من مشايخنا عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي ، وورد عليه فيما ورد من جواب مسائله عن محمد بن عثمان العمري رحمه‌الله : وأمّا ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فإن كان كما يقول الناس : إنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان فما أرغم أنف الشيطان بشي‌ءٍ أفضل من الصلاة فصلّها وأُرغم الشيطان (١).

والذي يدلّ على هذا التفصيل الذي ذكرناه :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عيسى ، عن أبي الحسن عليّ بن بلال قال : كتبت إليه في قضاء النافلة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومن بعد العصر إلى أن تغيب الشمس فكتب : « لا يجوز ذلك إلاّ للمقتضي فأمّا لغيره فلا ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن سعد بن إسماعيل ، عن أبيه إسماعيل بن عيسى قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن الرجل يصلّي الاولى ثم يتنفّل فيدركه وقت العصر من قبل أن يفرغ من نافلته فيبطئ بالعصر بعد نافلته أو يصلّيها بعد العصر أو يؤخّرها حتى يصلّيها في وقت آخر (٢)؟ قال : « يصلّي العصر ويقضي نافلته في يوم آخر ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إذا صلّى في آخر وقته فيكون قد قارب غيبوبة الشمس وذلك وقت يكره فيه الصلاة على ما بيّناه ، وذلك أيضاً محمول على ما ذكرناه من الاستحباب.

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن البرقي ، عن سعد بن سعد ،

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩١ / ١٠٦٧ : وارغم أنف الشيطان.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩١ / ١٠٦٩ : في آخر وقت.

٥١٢

عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يكون في بيته وهو يصلّي وهو يرى أنّ عليه ليلاً (١) ثم يدخل عليه الآخر من الباب ، فقال : قد أصبحت ، هل يصلّي الوتر أم لا؟ أو يعيد شيئاً من صلاته (٢)؟ قال : « يعيد إن صلاّها مصبحاً ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إنّما أوجب عليه الإعادة إن (٣) صلاّها مصبحاً ، لأنه إذا أصبح يكون قد تضيّق وقت الفريضة ، فلا يجوز أن يصلّي نافلة ، فإذا صلاّها كان عليه إعادتها ، لأنه صلاّها في غير وقتها على ما بيّناه ،

ويبيّن ذلك :

ما رواه أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر (٤) ، عن جعفر بن محمّد عليه‌السلام قال : « إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوع ».

فأمّا كيفية القضاء فقد أفردنا له باباً بعد (٥) هذا الباب.

السند‌ :

في الأول الطاطري ، وهو عليّ بن الحسن الثقة الواقفي المتقدم (٦) ذكره. ومحمّد بن أبي حمزة تقدّم (٧) أنّه يقال : للثمالي وغيره ، إلاّ أنّ‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧٠ : الليل.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧٠ : من صلاة الليل.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧٠ : إذا.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧١ : عن أبي بكر الحضرمي ..

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧١ : عقيب.

(٦) في ص ١٢٣٨.

(٧) في ص ١٠٤.

٥١٣

الظاهر عند الإطلاق الثمالي الثقة على ما نعهده من مشايخنا (١) ، وفي هذا المقام احتمال غيره المذكور في رجال الصادق عليه‌السلام في غاية البعد. وأمّا علي بن رباط فلا يزيد حاله عن الإهمال بتقدير مغايرته لعلي بن الحسن بن رباط ، ومع الاتحاد فهو ثقة.

فإن قلت : لا وجه للاتحاد ، فإنّ الكشي نقل عن نصر بن الصباح : أنّ علي بن رباط أخو الحسن بن رباط ، فعلي بن الحسن بن رباط حينئذ يكون ابن أخي علي بن رباط (٢).

قلت : الأمر كما ذكرت إلاّ أنّ نصر بن الصباح لا يعتمد عليه ، فلا أقلّ من الاحتمال.

والثاني : فيه محمّد بن سكين ، وهو ثقة في النجاشي ، إلاّ أنّه قال فيه : روى أبوه عن أبي عبد الله عليه‌السلام (٣) ، وفي التهذيب في باب التيمم روايات عن محمّد بن سكين وغيره عن أبي عبد الله عليه‌السلام (٤) ، فما أدري الوجه في حصر الرواية عن أبي عبد الله عليه‌السلام في أبيه ، ولو أُريد عدم الحصر لم تظهر الفائدة ، واحتمال الإرسال في الروايات مستبعد ، فليتأمّل.

وفي بعض النسخ : ابن مسكين وكأنّه تصحيف.

والثالث : أبو الحسين فيه في الرجال إنّه ثقة صحيح الحديث ، إلاّ أنّه كان يقول بالجبر والتشبيه (٥). ومعنى هذا لا يخلو من إجمال ، كما قدّمناه في غيره ممّن قيل فيه مثله (٦).

__________________

(١) كما في منهج المقال : ٢٧٥.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٦٦٣ / ٦٨٥.

(٣) رجال النجاشي : ٣٦١ / ٩٦٩.

(٤) التهذيب ١ : ١٨٤ / ٥٢٩ ، الوسائل ٣ : ٣٤٦ أبواب التيمم ب ٥ ح ١.

(٥) انظر رجال النجاشي : ٣٧٣ / ١٠٢٠.

(٦) في ص ٢٥٩.

٥١٤

ثم إنّ الرجل يروي عنه الصدوق بواسطة جماعة من مشايخه (١).

وفي النجاشي قال : إنّه يقال له : محمّد بن أبي عبد الله كان ثقة صحيح الحديث ، إلاّ أنّه روى عن الضعفاء وكان يقول بالجبر والتشبيه ، وكان أبوه وجهاً روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى (٢).

والظاهر أنّ ضمير « عنه » لأبيه ، لا لمحمّد ؛ لأنّ النجاشي قال بعد ذلك له كتاب الجبر ، وذكر أنّ الراوي له الحسن بن حمزة ، وهذا وإن كان لا يقتضي الحصر في الحسن ، إلاّ أنّ رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن جعفر بعيدة.

لا سيّما وقد ذكر شيخنا أيّده الله أنّ المذكور في العِدّة وهو محمّد ابن أبي عبد الله هو الأسدي (٣) ، فكيف يروي عنه محمّد بن يعقوب بغير واسطة ، والحال أنّ أحمد بن محمّد بن عيسى يروي عنه محمّد بن يعقوب بواسطة أو واسطتين ، أمّا رواية الحسن بن حمزة وهو العلوي عنه فقريبة ، وبها يستبعد رواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه ؛ لأنّ الحسن بن حمزة من شيوخ المفيد ونحوه ، وإن روى عنه التلعكبري أيضاً ، فروايته عن محمّد بن جعفر لا بُعد فيها ، أما أحمد بن محمّد بن عيسى إذا اتفق في الرواية عن محمّد بن جعفر مع الحسن بن حمزة كان في غاية البعد ، فليتأمّل.

والرابع : كما ترى فيه رواية محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن عيسى ، وقد استثني من رواية محمّد بن أحمد بن يحيى لكن في الاستثناء قيّدوه بالإسناد المنقطع ، وقد قدّمنا (٤) أنّه غير ظاهر المعنى ، أمّا علي بن‌

__________________

(١) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٧٦.

(٢) رجال النجاشي : ٣٧٣ / ١٠٢٠.

(٣) منهج المقال : ٤٠١.

(٤) في ص ٩١.

٥١٥

بلال فهو ثقة.

والخامس : فيه سعد بن إسماعيل وأبوه وهما مجهولا الحال ، إذ لم أقف عليهما في الرجال.

والسادس : معلوم مما تقدّم (١) ، وسعد بن سعد هو الأشعري الثقة في النجاشي (٢) ، وذكر أنّ الراوي عنه محمّد بن خالد.

والسابع : أبو بكر فيه على الظاهر هو الحضرمي ، لأنّه كثير الرواية عنه في كتب الحديث وحاله لا يزيد على الإهمال كما تقدّم (٣).

المتن :

في الأول : نقل العلاّمة في المختلف أنّه حجة المخالف (٤) ، وإجمال المخالف غير خفي على من راجع كلامه في نقل الأقوال ، وأجاب عنه بالوجه الثاني من وجهي الشيخ ، وهو الحمل على الابتداء جمعاً بين الأخبار ، ولا يخفى أنّه غير تامّ ؛ لأنّ انحصار الجمع فيه لا وجه له بعد إمكان الحمل على التقيّة ، والتعليل فيه شامل للمبتدإ به وغيره الفرض والنفل ، وحينئذ لا يخصّص الجمع إلاّ بمخصّص.

وما قاله الشيخ من كراهة ابتداء النوافل في هذين الوقتين له وجه من جهة الحصر في الوقتين ، إلاّ أنّ العلاّمة في المختلف جعل مختاره الكراهة في الأوقات الخمسة كما قاله الشيخ (٥) ، والذي نقله عن الشيخ بعد طلوع‌

__________________

(١) في ص ٦٨.

(٢) رجال النجاشي : ١٧٩ / ٤٧٠.

(٣) في ص ٤٣٠.

(٤) المختلف ٢ : ٧٦.

(٥) المختلف ٢ : ٧٦.

٥١٦

الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد العصر إلى الغروب ، وعند طلوع الشمس ، وعند قيامها ، وعند غروبها (١). فالعجب من العلاّمة حيث ذهب (٢) إلى شي‌ء ولم يذكر دليله تامّاً.

وينقل عن المنتهى أنّه حكى الإجماع على أنّ النهي الوارد في الأخبار لا يتناول الفرائض (٣) ، وقد سبق في رواية الصدوق الصحيحة عن زرارة ما يدلّ على قضاء الفرائض متى ذكرها (٤) ، وأمّا النوافل فقد قال الشيخ في النهاية بشمول الحكم لجميعها أداءً وقضاءً (٥) ، وما ذكره الشيخ هنا : من أنّه قد رويت رخصة ، إلى آخره. لا يخلو من غرابة ؛ لأنّ الخبر المستدل به صريح في الرجحان الدافع للكراهة ، فكيف تتمّ إرادة الرخصة منه مع قوله : « فصلّها وأرغم الشيطان » والخبر غير خاص بالابتداء بالنوافل ، بل شامل للفرائض والنوافل ، المبتدأة وغيرها.

وخبر علي بن بلال المستدل به على التفصيل لا يدلّ عليه ؛ لأنّ مطلوب الشيخ كراهة المبتدأة دون ذوات الأسباب ، والجواب تضمّن أنّه لا يجوز إلاّ للمقتضي ، والمقتضي يحتمل أن يراد به السبب لكن لا يطابق السؤال ، لأنّ مورده قضاء النوافل ، والقضاء معدود من الأسباب ، كما يحكى عن الشيخ في المبسوط ، أنّ فيه : فإن كانت نافلةً لها سبب مثل قضاء النوافل أو صلاة زيارة أو تحية مسجد أو صلاة إحرام أو طواف نافلة (٦).

__________________

(١) المختلف ٢ : ٧٤.

(٢) في « رض » و « فض » : يذهب.

(٣) المنتهى ١ : ٢١٥.

(٤) راجع ص ١٤٣٢ و ١٤٣٣.

(٥) النهاية : ٦٢.

(٦) المبسوط ١ : ٧٦.

٥١٧

إلاّ أن يقال : إنّ الجواب أفاد العموم فيدخل المسئول عنه ، على أنّه يحتمل أن يراد بالقضاء في السؤال الفعل ، ويحتمل أن يراد بالمقتضي معنىً آخر لا يخفى على من تدبّر الرواية ، هذا.

وقد فسّر طلوع الشمس بين قرني شيطان بأنّ الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذين الوقتين ؛ لأنّ الذين يعبدون الشمس يسجدون لها فيكونون ساجدين له (١) ، واحتمل الوالد قدس‌سره أن يكون كناية عن قبح الوقت ، كما قاله بعض المفسّرين في قوله تعالى ( طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ) (٢) وله وجه ، وفي الظن أنّ الحمل على التقية أقرب المحامل.

فقد رأيت في صحيح مسلم أخباراً كثيرة دالة على النهي عن الصلاة في الأوقات المذكورة في كلام الأصحاب ، وخصوصاً ما روى فيه أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ، وروى أيضاً طلوع الشمس بين قرني الشيطان (٣) ، وفي الخبر السابق ما يدل على أنّ القائل بهذا من أهل الخلاف ، وبالجملة من اطّلع على أخبارهم لا يكاد يختلجه الشك في أنّ بعض أخبارنا محمول على التقية ، ورأيت أيضاً كثيراً من أخبار المواقيت للصلوات مرويّة عندهم على وجه يخالف أخبارنا.

وقد صرح بعض شرّاح حديثهم : بأنّ قوله عليه‌السلام : « بعد الصبح » يراد به بعد صلاة الصبح ، وكذا بعد العصر ؛ لأنّ الأوقات المكروهة على قسمين ، منها : ما يتعلق الكراهة فيه بالفعل فلو تأخّر الفعل لم تكره الصلاة‌

__________________

(١) كما في النهاية لابن الأثير ٤ : ٥٢ ( قرن ) ، الحبل المتين : ١٥٥.

(٢) الصافات : ٦٥.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٤٢٧ / ١٧٣.

٥١٨

قبله ، وإن تقدم كرهت ، ومنها : ما يتعلق بالوقت كطلوع الشمس إلى الارتفاع (١). وفي كلام بعض الأصحاب أيضاً مذكور بنوع إجمال (٢).

وأمّا خبر إسماعيل بن عيسى فما ذكره الشيخ في توجيهه لا يخلو من نظر :

أمّا الأول : فلأنّ المتقدم منه في النوافل المبتدأة ، والقضاء من ذوي الأسباب كما تقدم (٣).

والثاني : فلأنّ التلبّس بصلاة الليل قد سبق ما يدل على الإتمام بعد الفجر للجميع ، وما استدل به من النهي عن التطوع مخصوص بما مضى ، فالعجب منه رحمه‌الله.

ولا يبعد حمل الأوّل على التقية أو على الإنكار ، والمعنى كيف يصلّي العصر ويقضي نافلتها في يوم آخر؟!.

والثاني : لا يخلو من اعتبار وحمله على استحباب الإعادة ممكن.

قوله :

باب كيفيّة قضاء (٤) النوافل والوتر.

علي بن مهزيار ، عن الحسن ، عن النضر ، عن هشام بن سالم وفضالة ، عن أبان جميعاً عن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قضاء الوتر بعد الظهر؟ فقال : « اقضه وتراً أبداً كما فاتك » قلت‌

__________________

(١) كالقسطلاني في إرشاد الساري ١ : ٥٠٨.

(٢) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٤٩.

(٣) في ص ١٤٥٢.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ زيادة : صلاة.

٥١٩

وتران في ليلة؟ قال : « نعم ، أليس أحدهما قضاءً ».

عنه ، عن الحسن بن علي ، عن علي بن النعمان ، عن محمّد بن سنان وفضالة ، عن الحسين جميعاً عن ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قضاء الوتر ، قال : « اقضه وتراً أبداً ».

عنه ، عن الحسن ، عن أحمد بن محمّد ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سألته عن الوتر يفوت الرجل ، قال : « يقضيه (١) وتراً أبداً ».

عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد الله بن المغيرة ، قال : سألت أبا إبراهيم عليه‌السلام عن الرجل يفوته الوتر ، قال : « يقضيه وتراً أبداً ».

عنه ، عن الحسن ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قلت : أُصبح عن الوتر إلى الليل كيف أقضي؟ قال : « مثلاً بمثل ».

السند‌ :

في الأول : لا يبعد أن يكون الحسن فيه ابن سعيد ، لما يأتي مفصلاً ، وفضالة معطوف على النضر حينئذ ، واحتمال غيره بعيد ، كاحتمال الحسن لغير ابن سعيد ، وأبان وسليمان مضى القول فيهما (٢) كغيرهما من المذكورين.

والثاني : فيه الحسن بن علي ، وهو محتمل لابن فضّال والوشّاء على قرب وغيرهما على بعد ، وربما يؤكّد كون الحسن الأول هو الثاني ، لكن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩٢ / ١٠٧٤ : يقضي.

(٢) في ص ١٣٠ و ٢٧٤.

٥٢٠