إستقصاء الإعتبار - ج ٤

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ٤

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-176-1
الصفحات: ٥٥٠

أنّكم تريدون المخالفة كما فعل أبو الخطّاب في التأخير للشفق ، وحينئذٍ يدلّ ذاك الخبر على أنّ التأخير لاشتباك النجوم على وجه كونه وقتاً غير جائز ، بل احتمال الفصل (١) ممكن ، وعليه يحمل الأمر في هذا الخبر المبحوث عنه ، فتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن أبي أُسامة أو غيره قال : صعدت مرّةً جبل أبي قبيس والناس يصلّون المغرب ، فرأيت الشمس لم تغرب (٢) ، إنّما توارت خلف الجبل عن الناس ، فلقيت أبا عبد الله عليه‌السلام يصلّي فأخبرته بذلك ، فقال لي : « ولمَ فعلتَ ذلك؟ بئس ما صنعت ، إنّما نصلّيها إذا لم نَرَها خلف جبل (٣) ، غابت أو غارت ما لم يتجلّلها سحابٌ أو ظلمة تظلّها (٤) ، وإنّما عليك مشرقك ومغربك ، وليس على الناس أن يبحثوا ».

عنه ، عن موسى بن الحسن ، عن أحمد بن هلال ، عن محمد بن أبي عمير ، عن جعفر بن عثمان ، عن سماعة بن مهران قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام في المغرب : إنّا ربما صلّينا ونحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل ، وقد سترنا منها الجبل ، قال : فقال : « ليس‌

__________________

(١) في « رض » : الفضل.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٦٦ / ٩٦١ : لم تغب.

(٣) كذا في النسخ ، وفي الاستبصار ١ : ٢٦٦ / ٩٦١ : فوق الجبل.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٦٦ / ٩٦١ : تظلمها.

٣٤١

عليك صعود الجبل ».

فلا تنافي بين هذين الخبرين وبين ما اعتبرناه في غيبوبة الشمس من زوال الحمرة من ناحية المشرق ؛ لأنّه لا يمتنع أن يكون قد زالت الحمرة عنها وإن كانت الشمس باقية خلف الجبل ، لأنّها تغرب عن قوم وتطلع على آخرين ، وإنّما نهى عن تتبعها وصعود الجبل لرؤيتها لأنّ ذلك غير واجب ، بل الواجب عليه مراعاة مشرقه ومغربه مع زوال اللبس والأعذار.

السند‌ :

في الأوّل : ليس فيه إلاّ الإرسال بعد ما قدّمناه في حريز وغيره (١) ، لكن في الفقيه عن أبي أُسامة فقط (٢) ، ولا يبعد أن يكون « أو » هنا سهواً وإنّما هو الواو.

ثمّ إنّ الطريق في الفقيه إلى أبي أُسامة ضعيف بأبي جميلة (٣) ، لكن على الطريق السابق لشيخنا المحقّق أيّده الله يمكن تصحيح الرواية ؛ لأنّ النجاشي روى كتاب زيد الشّحام عن صفوان (٤) ، وذكر في صفوان : أنّ جميع رواياته أخبره بها جماعة ، عن محمّد بن علي بن الحسين ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمّد بن الحسن الصفار وسعد ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس ، عن محمّد بن الحسين ، عن يعقوب بن يزيد ، عن‌

__________________

(١) في ص ٣٨.

(٢) الفقيه ١ : ١٤٢ / ٦٦١ ، الوسائل ٤ : ١٩٨ أبواب المواقيت ب ٢٠ ح ٢.

(٣) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١١.

(٤) رجال النجاشي : ١٧٥ / ٤٦٢.

٣٤٢

صفوان (١) ، وحينئذ يكون لمحمّد بن عليّ بن الحسين طريق صحيح إلى زيد. وقد قدّمنا الكلام في احتمال المناقشة في هذا.

ويزيد الأمر إشكالاً بأنّ الجماعة المذكورين في السند غير معلومي الحال ، إلاّ أنّ الجواب ممكنٌ بما أسلفناه : من أنّ إخبار النجاشي بأنّ هذا من جملة الروايات كاف ، وإن أمكن أن يقال ـ بتقدير ثبوت الحكم من النجاشي ـ : إنّ الجزم بكون الرواية من زيد غير معلوم إذا كان الراوي وهو أبو جميلة ضعيفاً كما قدّمنا هذا أيضاً (٢) ، إلاّ أنّه يمكن أن يقال : إنّ مشيخة الفقيه إذا علم أنّها من الصدوق فقد تحقّق أنّ من جملة روايات زيد ما ذكر ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فعلى تقدير الإشكال يحتمل أن يحكم بصحّة الخبر من هنا ، نظراً إلى أنّ عدم وجود لفظ « أو غيره » في الفقيه يُنبئ عن انتفائه ، أو كون الواو عُوّض « أو » فإذا كان الطريق هنا إلى أبي أُسامة خالياً من الارتياب ثمّ المطلوب ، إلاّ أن يقال : إنّ الراوي إذا كان أبا جميلة وهو غير مأمون فيجوز تركه لفظ « أو غيره » ولا يتمّ المراد. وفيه أنّ مثل الصدوق إذا نقل الرواية من دون لفظ « أو غيره » يحصل الوثوق بانتفائه لا من مجرّد نقل أبي جميلة ، مضافاً إلى ما كرّرنا القول فيه من رواية الصدوق (٣).

والثاني : فيه موسى بن الحسن ، والظاهر أنّه ابن عامر الثقة ؛ لأنّ‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٩٧ / ٥٢٤.

(٢) في ص ٥٥١.

(٣) في ص ١٢١١.

٣٤٣

الراوي عنه في النجاشي الحميري عن أبيه (١) ، والظاهر من الحميري هنا محمّد بن عبد الله بن جعفر ، فيكون الراوي عن موسى بن الحسن عبد الله ابن جعفر وهو في مرتبة سعد ، وفي الرجال موسى بن الحسن من أصحاب الكاظم عليه‌السلام في كتاب الشيخ مهملاً (٢) ، وموسى بن الحسن النوبختي ، ولا أعلم مرتبته ، إذ لم يذكر في الرجال ذلك ، وهو لا يزيد على الإهمال ، والأمر سهل بعد أحمد بن هلال ، فإنّا قدّمنا تضعيف الشيخ له (٣).

وأمّا جعفر بن عثمان فهو ابن شريك لرواية ؛ ابن أبي عمير عنه في النجاشي ، وهو مهمل فيه (٤). وفي الفهرست ذكر جعفر بن عثمان صاحب أبي بصير مهملاً ، والراوي عنه محمّد البرقي (٥). وقال شيخنا ـ أيّده الله ـ : إنّ الظاهر أنّه غير هذا مع احتمال الاتحاد (٦). والأمر كما قال.

وسماعة بن مهران مضى القول فيه (٧) : من أنّ النجاشي وثّقه مرّتين ولم يذكر الوقف (٨) ، والشيخ ذكره (٩) ، لكنّ الصدوق في الفقيه صرّح بأنّه واقفي (١٠) ، فيتأيّد قول الشيخ ، فتدبّر.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٠٦ / ١٠٧٨.

(٢) رجال الطوسي : ٣٦١ / ٣٥.

(٣) في ص ١٥٤.

(٤) رجال النجاشي : ١٢٤ / ٣٢٠.

(٥) الفهرست : ٤٤ / ١٤٠.

(٦) منهج المقال : ٨٣.

(٧) في ص ٧٨.

(٨) رجال النجاشي : ١٩٣ / ٥١٧.

(٩) رجال الطوسي : ٣٥١ / ٤.

(١٠) الفقيه ٢ : ٧٥ / ٣٢٨.

٣٤٤

المتن :

في الأوّل : لا يخفى ظهوره في خلاف ما قاله الشيخ ، وقد قدّمنا فيه القول بالعرض ، وما تضمنه من إطلاق القول في أنه إذا لم تُرَ الشمس جازت الصلاة لا بدّله من التقييد بما في الرواية وغيره ، لكن دلالته على الأُفق الحسّي على الإطلاق ظاهرة ، وقوله عليه‌السلام : « ما لم يتجلّلها سحابٌ أو ظلمة » واضح.

وينقل عن السيّد المرتضى القول بأنّ الغروب يعلم باستتار القرص وغيبته عن العين مع انتفاء الحائل.

وهذا كما لا يخفى محتمل لأن يراد بالحائل ما تضمّنته الرواية ، ويحتمل أن يراد به الحائل عن الأُفق الحسّي لأكثر البلاد ، فإنّ بعضها يشتمل على جبال شاهقة يحصل بها تواري القرص بمجرّد الميل عن وقت العصر ، بل وقبله أيضاً ، إلاّ أنّ الرواية المبحوث عنها تضمّنت عدم الفرق بين ما إذا غابت خلف الجبل أو غارت ؛ لأنّ قوله عليه‌السلام : « خلف جبل » معمولٌ لقوله : « غارت أو غابت » والمعنى حينئذ : غابت خلف جبل أو غارت خلفه ، واحتمال تعلّقه بقوله : « نَرَها » لا وجه له كما لا يخفى.

ولا يبعد أن يحمل ما دلّ على غيبوبة الحمرة ونحوها على الاستحباب ، من حيث إنّ انضباط الآفاق عَسِرٌ ، كما يدلّ عليه قوله عليه‌السلام في بعض الأخبار : « وتأخذ بالحائطة لدينك » (١).

فإن قلت : كيف يقولون عليهم‌السلام لأصحابهم باتّباع الاحتياط بعد السؤال عن الأحكام منهم عليهم‌السلام وهم معدن الوحي؟.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٥٩ / ١٠٣١ ، الإستبصار ١ : ٢٦٤ / ٩٥٢ ، الوسائل ٤ : ١٧٦ أبواب المواقيت ب ١٦ ح ١٤.

٣٤٥

قلت : لا يبعد ممّا ذكرناه توجيهُ الاحتياط حينئذ ؛ لأنّ عدم انضباط الآفاق يقتضي عدم ثبوت قاعدة كليّة منهم عليهم‌السلام وإن كانوا عالمين بالأحكام ، فيكون غيبوبة القرص هي أوّل الوقت ، إلاّ أنّ الأُفق يتفاوت ، فالاحتياط في الصبر إلى مضيّ الحمرة ، وما دلّ عليه الخبر المبحوث عنه : من إطلاق أنّ عدم الرؤية يقتضي جواز الصلاة. وإن كان ظاهراً في أنّ مجرّد ما قاله عليه‌السلام كاف ، إلاّ أنّ احتمال أن يراد أنّ عليك مشرقك ومغربك بالنسبة إليك لا إلى كلّ أحد ، فالتفحص عن إبطال صلاة الغير لا وجه له ، وإن كان الظاهر من الرواية الإطلاق وغيرها من الأخبار مبيّناً ، والمقام المتضمّن لسؤال زيد الشحّام ربما اقتضى الجواب بهذه الصورة.

وقد ذكر بعض أهل الخلاف (١) بعد حديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( أنّه ) (٢) قال في وقت المغرب : « والشمس إذا وجبت » إلى آخره. أنّ الوجوب السقوط ، ويستدل به على أنّ سقوط قرصها يدخل به الوقت ، والأماكن يختلف فما كان منها فيه حائل بين الرائي وبين قرص الشمس لم يكتف بغيبوبة القرص عن العين ، ويستدل على غروبها بطلوع الليل من المشرق.

وعلى هذا لا يتوجّه أنّ احتمال التقيّة في الجواب لا وجه له ؛ لإمكان أن يقال : إنّ التقيّة من جهة عدم العلم بتفصيل الوقت من السائل ، وسيأتي (٣) ما ينبئ عن الاحتمال الذي ذكرناه من عدم الانضباط للآفاق في رواية شهاب بن عبد ربّه (٤) ، وإن كان للشيخ فيها تفسير آخر لا يوافق ما‌

__________________

(١) كابن حجر في فتح الباري ٢ : ٣٣.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من « رض ».

(٣) في « فض » زيادة : في بعض الاخبار.

(٤) في ص ١٣٢٦.

٣٤٦

قلناه كما ستسمعه (١).

وأمّا الثاني : فالكلام فيه كالأوّل (٢).

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الصدوق روى في الفقيه مرسلاً عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : « ملعون ملعون من أخّر المغرب طلباً لفضلها » وقيل له : إنّ أهل العراق يؤخّرون المغرب حتى تشتبك النجوم ، فقال : « هذا من عمل عدوّ الله أبي الخطّاب » (٣).

وهذا الخبر وإن كان مرسلاً لكن له مؤيَّدٌ وهي رواية الصدوق في الكتاب ، وفيه دلالةٌ على الذم الشديد لمن يؤخّر المغرب طلباً للفضل ، فلو حمل ما دلّ على التأخير على الاستحباب احتياطاً كما قلناه كان طلباً للفضل ، وحينئذ قد يشكل الحمل.

ويمكن الجواب : بأنّ المراد بطلب الفضل اعتقاد أنّ وقت الفضيلة التأخير ، لا أنّ التأخير للاستحباب بسبب اختلاف الآفاق ، وحينئذ ينبغي أن يكون اعتقاد الفضل في غيبوبة القرص والتأخير لما ذكره فليتأمّل.

أمّا ما تضمنه خبر الصدوق من قوله : « هذا من عمل عدوّ الله » ففيه منافاة ما تقدّم (٤) من أنّ أبا الخطّاب جعل الوقت ذهاب الشفق إلاّ أن يحمل‌

__________________

(١) في ص ١٣٢٧.

(٢) في « فض » زيادة : وما ذكره الشيخ من أن الشمس تطلع على قوم آخرين لا يخلو من غرابة ، لأن الكلام في غيبوبة الشمس عن الأفق الحسيّ ثم رؤيتها في الأفق الحسيّ بسبب العلو عن المحل ، والطلوع على قوم آخرين إنّما يتحقق بعد نزولها عن الأفق الحقيقي إلاّ أن يؤوّل كلامه بإرادة أشرافها على قوم آخرين ، أو طلوعها بمعنى انتفاء الظلمة عن آخرين بسبب الحيلولة ، والأمر سهل. انتهى. وهذه الزيادة مشطوبة في « د ».

(٣) الفقيه ١ : ١٤٢ / ٦٦٠ ، الوسائل ٤ : ١٨٨ أبواب المواقيت ب ١٨ ح ٦ و ٧.

(٤) في ص ١٣١١.

٣٤٧

اشتباك النجوم على ذهاب الشفق.

اللغة :

قال في القاموس : الغور الدخول في الشي‌ء ، وذهاب الماء في الأرض ، وغارت الشمس غاراً وغوراً (١) ) (٢).

قوله :

والوجه الثاني في الأخبار التي قدّمناها أن تكون مخصوصة بصاحب الأعذار ومن له حاجة لا بدّ منها ، يدلّ على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار بن موسى الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز أن تؤخّر (٣) ساعة؟ قال : « لا بأس ، إن كان صائماً أفطر وإن كانت له حاجة قضاها ثمّ صلّى ».

عنه ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن محمّد ابن عمر بن يزيد ، عن محمّد بن عذافر ، عن عمر بن يزيد قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن وقت المغرب ، فقال : « إذا كان أرفق بك وأمكن لك في صلاتك وكنت في حوائجك فلك أن تؤخّرها إلى ربع الليل » قال : قال لي هذا وهو شاهد في بلده.

__________________

(١) القاموس المحيط ٢ : ١٠٨ ( الغَوْر ، ) وفيه :. وغارت الشمس غياراً وغؤوراً ، وغوّرت غربت.

(٢) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٣ : يؤخّرها.

٣٤٨

محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن يزيد بن خليفة قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت قال : فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : « إذاً لا يكذب علينا » قلت : قال : وقت المغرب إذا غاب القرص إلاّ أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا جدّ به السير أخّر المغرب ويجمع بينها وبين العشاء الآخرة ، فقال : « صدق » وقال : « وقت العشاء ( حين تغيب الشمس ) (١) إلى ثلث الليل ، ووقت الفجر حين يبدو ( إلى أن ) (٢) يضي‌ء ».

أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن يحيى ، عن طلحة بن زيد ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما‌السلام « أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان في الليلة المَطيرَة يؤخّر (٣) المغرب ويعجّل بالعشاء فيصلّيهما جميعاً ويقول : من لا يَرحَم لا يُرحَم ».

عنه ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه قال : سألته عليه‌السلام عن الرجل تدركه صلاة المغرب في الطريق أيؤخّرها إلى أن يغيب الشفق؟ قال : « لا بأس بذلك في السفر ، أمّا في الحضر فدون ذلك شيئاً ».

فهذه الأخبار كلّها دالّة على أنّ هذه الأوقات لأصحاب الأعذار ، لأنّها مقيّدة بالموانع من السفر والمطر والحوائج وما جرى مجراها (٤).

ويزيد ذلك بياناً :‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٥ و « فض » : حين يغيب الشفق.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٥ ونسخة في « د » : حتّى.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٦ زيادة : من.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٦٧ / ٩٦٧ : وما يجري مجراه ، وفي « فض » : وما يجري مجراها.

٣٤٩

ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن سعيد بن جناح ، عن بعض أصحابنا ، عن الرضا عليه‌السلام قال : « إنّ أبا الخطّاب كان أفسد عامّة أهل الكوفة ، وكانوا لا يصلّون المغرب حتى يغيب الشفق ، وإنّما ذلك للمسافر والخائف ولصاحب الحاجة ».

عنه ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن جميل بن درّاج ، قال ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : ما تقول في الرجل يصلّي المغرب بعد ما يسقط (١) الشفق؟ فقال : « لعلّةٍ لا بأس » قلت : فالرجل يصلّي العشاء الآخرة قبل أن يسقط الشفق؟ قال : « لعلّةٍ لا بأس ».

محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن العباس بن معروف ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن ذريح قال ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّ أُناساً من أصحاب أبي الخطّاب يمسّون بالمغرب حتى تشتبك النجوم قال : « أبرأ إلى الله ممّن فعل ذلك متعمّداً ».

السند‌ :

في الأوّل : معلوم ممّا تقدّم (٢) أنّه موثّق.

والثاني : فيه محمّد بن عمر بن يزيد ، وهو مهمل في النجاشي (٣) ، والفهرست (٤) ، ورجال الرضا عليه‌السلام من كتاب الشيخ (٥). ومحمّد بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦٨ / ٩٦٩ زيادة : من ، والأنسب ما في النسخ.

(٢) أي أحمد بن الحسن بن علي بن فضال : ص ١٢٠ ومصدق بن صدقة : ص ١١٤ وعمار بن موسى : ص ٢٧٥.

(٣) رجال النجاشي : ٣٦٤ / ٩٨١.

(٤) الفهرست : ١٤٠ / ٥٩٦.

(٥) رجال الطوسي : ٣٩١ / ٥٣.

٣٥٠

عبد الحميد ، فيه كلام تقدّم (١). وفي عمر بن يزيد كلام أوضحناه في هذا الكتاب سابقاً (٢).

والحاصل : أنّ في الرجال عمر بن محمّد بن يزيد ثقة في النجاشي (٣) ؛ وفي الفهرست : عمر بن يزيد ثقة له كتاب (٤). وفي رجال الصادق عليه‌السلام من كتاب الشيخ : عمر بن يزيد بيّاع السابري كوفي ، ثمّ في رجال الكاظم عليه‌السلام : عمر بن يزيد بيّاع السابري ثقة ، وفي رجال الصادق عليه‌السلام أيضاً : عمر ابن يزيد الثقفي (٥). والاتّحاد لا يبعد ؛ لأنّ الشيخ في الفهرست ذكر في الطريق إلى عمر بن يزيد : محمّد بن عبد الحميد ، عن محمد بن عمر بن يزيد ، عن الحسين بن عمر بن يزيد ، عن عمر بن يزيد (٦).

والنجاشي ذكر في الطريق إلى عمر بن محمّد بن يزيد : محمد بن عبد الحميد عنه ، وفي طريق آخر : محمد بن عذافر عنه (٧) ، وهذا قرينة الاتّحاد ، إلاّ أنّ ما وقع في النجاشي من رواية محمّد بن عبد الحميد عنه بلا واسطة ، وفي الفهرست من الوسائط قد يستبعد ، ولعلّه قابل للتوجيه.

وأمّا الثقفي فاتّحاده ممكن مع عمر بن محمّد ؛ لأنّ النجاشي صرّح‌

__________________

(١) في ص ١٥١.

(٢) في ص ١٩٤.

(٣) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١.

(٤) الفهرست : ١١٣ / ٤٩١.

(٥) رجال الطوسي : ٢٥١ / ٤٥٠ ، ٣٥٣ / ٧ ، ٢٥١ / ٤٥٧.

(٦) الفهرست : ١١٣ / ٤٩١.

(٧) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١.

٣٥١

بأنّ عمر بن محمد مولى ثقيف (١). والكشّي صرّح بأنّ عمر بن يزيد ( بيّاع ) (٢) السابري مولى ثقيف (٣).

وعلى كلّ حال رواية محمّد بن عذافر هنا قرينة على أنّه عمر بن يزيد كما في النجاشي (٤). وأمّا محمّد بن عمر بن يزيد فظاهر أنّه ليس المتكلَّم فيه أباً له ، كما أوضحناه في معاهد التنبيه أيضاً.

والثالث : فيه محمّد بن عيسى عن يونس مع يزيد بن خليفة ، وقد تقدم (٥) أنّ يزيد بن خليفة واقفي مهمل.

والرابع : فيه محمّد بن يحيى ، ولا يبعد أن يكون الخثعمي أو الخزّاز ، بل احتمال الاتحاد ممكن ، وقد تقدّم (٦) النقل عن الشيخ في هذا الكتاب أنّ محمّد بن يحيى الخثعمي عامّي (٧).

وطلحة بن زيد مصرّح في الرجال بأنّه عامّي (٨) ، وقول الشيخ في الفهرست : إنّ كتابه معتمد (٩). لا يفيد بتقدير السلامة عن غيره من الموانع للصحة ؛ لعدم العلم بأنّ الخبر من كتابه ، ونقل العلاّمة عن الشيخ القول بأنّه بتري (١٠).

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١.

(٢) ما بين القوسين أثبتناه من المصدر.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٢٣ / ٦٠٥.

(٤) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١.

(٥) في ص ١٢٧٦.

(٦) في ص ٧١٩.

(٧) في « فض » زيادة : في الجزء الأول.

(٨) راجع رجال النجاشي : ٢٠٧ / ٥٥٠ ، ورجال ابن داود : ٢٥١ / ٢٤٤.

(٩) الفهرست : ٨٦ / ٣٦٢.

(١٠) خلاصة العلاّمة : ٢٣١ / ١.

٣٥٢

والخامس : لا ارتياب في صحّته.

والسادس : فيه سعيد بن جناح ، وفي النجاشي : سعيد بن جناح ـ إلى أن قال ـ : وأخوه أبو عامر روى عن أبي الحسن والرضا عليهما‌السلام ، وكانا ثقتين (١). والراوي عنه فيه أحمد بن محمد بن عيسى ، وفيه أيضاً : سعيد ابن جناح ( مجهول ) (٢) الأزدي مولاهم بغداديّ روى عن الرضا عليه‌السلام له كتابٌ ـ إلى أن قال ـ : روى عنه عبد الله بن محمد بن خالد (٣). واحتمال الاتّحاد بعيدٌ من النجاشي وإن قرّبه وصف البغداديّ ، فإنّ الأوّل قال فيه : إنّه نشأ ببغداد ، ومات بها ، مولى الأزد.

وبالجملة فالأمر في الرجل لا يخلو من التباس بالنسبة إلى النجاشي ، ووصف الجهالة نقله شيخنا أيّده الله في كتابه الأوسط ، أمّا الكبير فلم يوجد فيه ، والآن لم يحضرني كتاب النجاشي ، وعلى كل حال في هذه الرواية هو الثقة ؛ لرواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه ، لكن فيه الإرسال.

والسابع : فيه الحسن بن علي بن فضّال ، وهو مشهور الحال (٤).

والثامن : لا ارتياب في رجاله.

المتن :

في الأوّل : فيه جواز التأخير ساعةً للصائم ولذي الحاجة ، وهي‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٩١ / ٥١٢.

(٢) ليست في المصدر.

(٣) رجال النجاشي : ١٨٢ / ٤٨١.

(٤) من أنه كان ثقة فطحيّاً فرجع وقال بالحق ، انظر رجال الكشي ٢ : ٨٠١ ، ٨٣٧ ، ورجال النجاشي : ٣٤ / ٧٢ ، والفهرست : ٤٧ / ١٥٣ ، ووثقه الشيخ في رجاله ( ٣٧١ / ٢ ) ولم يذكر كونه فطحياً.

٣٥٣

متناولة للضرورية (١) وغيرها ، لكن فيه نوع تقييد بقضاء الحاجة ساعة ؛ لأنّ السؤال وقع عن تأخيرها ساعةً ، إلاّ أن يقال : إنّ السؤال تضمّن الساعة ، والجواب تضمّن قضاء الحاجة وإن كان الوقت لقضائها أكثر من ساعة ، والفطور محتمل لذلك أيضاً ، إلاّ أن يُدّعى إرادة مجرّد الفطور ، لأنّ الوقت قد يطول فيه بالاعتبار ، والشيخ جعل الحاجة مقيّدة بما لا بدّ منه مستدلاًّ بالخبر ، ودلالته غير ظاهرة.

والثاني : فيه دلالة على التأخير إلى ربع الليل معلّلاً بما إذا كان التأخير أرفق (٢) بك وأمكن ، وربما يستفاد من العلّة الشمول للحوائج الضروريّة وغيرها (٣) ، ويؤيّده ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن محمّد بن يونس وعليّ الصيرفي ، عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أكون في جانب المصر فيحضر المغرب وأنا أُريد المنزل فإن أخّرت الصلاة حتى أُصلّي في المنزل كان أمكن لي وأدركني المساء أفأُصلّي (٤) في بعض المساجد؟ قال : فقال : « صلّ في منزلك » (٥).

وهذا الخبر ربما يحتمل أن يكون صحيح الإسناد ؛ لأنّ محمّد بن يونس لا يبعد أن يكون الثقة بقرينة رواية ابن أبي عمير عنه ، كما يفهم من الكشّي (٦) ، غير أنّك ستسمع القول في احتمال كون الثقة غير‌

__________________

(١) في « رض » : للضّرورة.

(٢) في « رض » و « د » : أوفق.

(٣) في « فض » زيادة : أيضاً.

(٤) في النسخ : فأُصلّي ، وما أثبتناه من المصدر.

(٥) التهذيب ٢ : ٣١ / ٩٢ ، الوسائل ٤ : ١٩٧ أبواب المواقيت ب ١٩ ح ١٤.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٨٥٠.

٣٥٤

ابن عبد الرحمن ، واحتمال غيره وهو المذكور في رجال الصادق عليه‌السلام من كتاب الشيخ (١) ممكن على بُعدٍ ، مع أنّ شيخنا أيّده الله احتمل في كتاب الرجال الاتحاد في الكل (٢).

وقد ينظّر فيه : بأنّ محمّد بن يونس بن عبد الرحمن الثقة ذكره الشيخ في رجال الجواد عليه‌السلام قائلاً : إنّه لحق الرضا عليه‌السلام (٣). وظاهر هذا أنّ لحقوق الرضا عليه‌السلام هو الغاية ، فكيف يكون من أصحاب الصادق عليه‌السلام؟.

فإن قلت : إنّ الشيخ أيضاً قال في أصحاب الكاظم عليه‌السلام : محمّد بن يونس ثقة (٤). فلو كان غرضه الغاية لم يتم ما قاله.

قلت : قد يُدّعى المغايرة بين محمّد بن يونس بن عبد الرحمن المذكور في أصحاب الرضا عليه‌السلام من كتاب الشيخ وبين محمّد بن يونس المذكور في أصحاب الكاظم عليه‌السلام ، لما ذكره الشيخ (٥) من قوله : أدرك الرضا عليه‌السلام. إلاّ أنّ الاعتماد على المغايرة من كلام الشيخ مشكل ، ولعلّ هذا هو السرّ في قول شيخنا ـ أيّده الله ـ : مع احتمال (٦) الاتحاد في الكل (٧).

فإن قلت : الغاية كما يحتمل أن يراد بها عدم إدراك غير الرضا عليه‌السلام

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٠٤ / ٣٨٧.

(٢) منهج المقال : ٣٣٠.

(٣) رجال الطوسي : ٤٠٦ / ١٤ و ٣٩٠ / ٤٧.

(٤) رجال الطوسي : ٣٥٩ / ١٧.

(٥) رجال الطوسي : ٤٠٦ / ١٤.

(٦) في « فض » و « رض » : باحتمال.

(٧) منهج المقال : ٣٣٠.

٣٥٥

يحتمل أن يراد بها غاية من أدرك من الأئمّة عليهم‌السلام الرضا عليه‌السلام ، على معنى أنّه أدرك غيره وانتهى إلى الرضا عليه‌السلام ، بل ربما كان هذا هو الظاهر.

قلت : سياق الكلام يقتضي ظهور الأوّل.

فإن قلت : ما الذي يستفاد من الكشي في كون محمد بن يونس هو الثقة لرواية محمّد بن أبي عمير؟.

قلت : ذكر الكشّي حديثاً أنّ محمّد بن أبي عمير لمّا ضُرب مائة سوط ليُسمّي الشيعة ، قال : فلمّا بلغ الضرب مائة كدت أن اسمّي ، فسمعت نداء محمد بن يونس بن عبد الرحمن يقول : يا محمد بن أبي عمير اذكر وقوفك بين يدي الله (١). وهذا يدلّ على اختلاطه معه.

فإن قلت : محمّد بن أبي عمير أدرك من الأئمة عليهم‌السلام ثلاثة : أبا إبراهيم موسى عليه‌السلام ولم يرو عنه ، وروى عن أبي الحسن الرضا والجواد عليهما‌السلام على ما في الفهرست (٢) في بعض النسخ من ذكر الجواد عليه‌السلام ، والنجاشي ذكر أنّه روى عن أبي الحسن موسى عليه‌السلام والرضا عليه‌السلام (٣) ، ومحمّد بن يونس بن عبد الرحمن حينئذ ينبغي أن يكون في مرتبته أو أعلى منه ، بأن يكون من رجال الصادق عليه‌السلام ، والحال أنّ محمد بن يونس بن عبد الرحمن مذكور في رجال الجواد والرضا عليهما‌السلام غير موثّق ، بل الثقة في رجال الكاظم عليه‌السلام ، فكيف يُحْكم بصحّة الخبر المبحوث عنه.

قلت : لِما ذَكَرْتَ وجهٌ والحكم بالصحّة مشكل ، إلاّ أنّ بعض محقّقي‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٥٥ / ١١٠٥ وفيه : موقفك.

(٢) الفهرست : ١٤٢ / ٦٠٧.

(٣) رجال النجاشي : ٣٢٦ / ٨٨٧.

٣٥٦

المعاصرين سلّمه الله ـ (١) حكم بصحته (٢) والظاهر أنّ الوجه فيه الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن ابن أبي عمير ، وفيه ما فيه ، كما تقدّم (٣) وجهه مفصّلاً في أوّل الكتاب : من أنّ الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن الرجل لو كان المراد به أنّ جميع ما يرويه صحيحٌ ، لزم أن يكون التوقف في مراسيل ابن أبي عمير لا وجه له ، وقد قدّمنا (٤) أنّ الشيخ توقّف فيها ، ولو كانت الصحة من حيث إنّه لا يروي إلاّ عن ثقة ، ففيه أنّ ذلك بتقدير تمامه مع الإرسال ، أمّا بدونه فلا ؛ إذ قد يروي عن ضعيف بلا ريب ، فتأمّل.

ثمّ إنّ هذا الحديث ظاهرُ التأييد لما قلناه : من احتمال عدم الاختصاص بالسفر ، ولا يبعد أن يكون عدم الصلاة في المساجد لبُعد خلوّها من التقيّة ، ويراد حينئذ بالأمكنيّة الخلاص من التقيّة ، فالقول بأنّه يمكن أن يستنبط من الخبر أنّ الصلاة في المنزل باجتماع البال ومزيد الإقبال أفضل من الصلاة في المسجد إذ لم يتيسّر فيه ذلك ، كما ذكره من أشرنا إليه (٥) ، محلّ تأمّل.

وممّا يؤيّد ما قلناه ما رواه الشيخ في التهذيب بسند فيه القاسم بن محمّد الجوهري ، عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أكون مع هؤلاء وأنصرف من عندهم عند المغرب فأمُرّ بالمساجد فأُقيمت الصلاة ، فإذا أنا نزلت أُصلّي معهم لم أستمكن (٦) من الأذان ولا من الإقامة وافتتاح‌

__________________

(١) في « فض » زيادة : ( الحبل المتين ).

(٢) الحبل المتين : ١٤١.

(٣) في ص ٤٠ ٤٣.

(٤) في ص ٤٣.

(٥) أي البهائي في الحبل المتين : ١٤٣.

(٦) في المصدر : لم أتمكّن.

٣٥٧

الصلاة ، فقال : « ائت منزلك وانزع ثيابك وإن أردت أن تتوضّأ فتوضّأ وصلّ فإنّك في وقت إلى ربع الليل » (١) ووجه التأييد ظاهر سيّما مع كون الراوي واحداً.

إذا عرفت هذا فالخبر المبحوث عنه كما ترى يدلّ على التأخير إلى ربع الليل مع كونه في حوائجه ، فلو كان في حاجة غيره يحتمل المشاركة من حيث إنّ الظاهر كون العلّة الرفق والتمكّن.

وقول الراوي : قال لي هذا وهو شاهد في بلده أي حاضر ، وكأنّه يريد به أنّ هذا لا يخصّ السفر ، لكن غير خفّي أنّ حضوره عليه‌السلام لا يخصّ بالحضور ، ولو كان بالسفر لا يخصّ بالسفر ، ولعلّ قول السائل حكاية الحال ، ويحتمل أن يريد الراوي عدم المنافاة لما دلّ على أنّ السفر لا يراعى فيه الأوقات ولا اعتبار التمكن المذكور.

والثالث : فيه إطلاق تأخير المغرب إذا جدّ السير.

والرابع : كذلك.

والخامس : ظاهر الدلالة على أنّ في السفر تؤخّر المغرب إلى غيبوبة الشفق ، لكن الفعل هل هو بعدها بلا فصل أم تؤخّر؟ فهو مطلق.

والظاهر من الجواب الإشارة إلى من أدركه المغرب في الطريق ، فمن سافر بعد المغرب يحتمل اللحوق به من حيث السفر ، ويحتمل الفرق.

وقوله : « وأمّا في الحضر » إلى آخره. فقد قيل : إنّ « دون » بمعنى قبل ، وشيئاً منصوب بنزع الخافض ، وتنوينه للتقليل (٢) ، فتأمّل.

وأمّا الخبران اللذان ادعى الشيخ أنّهما يزيدان ما ذكره بياناً فالأول كما‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٠ / ٩١ ، الوسائل ٤ : ١٩٦ أبواب المواقيت ب ١٩ ح ١١.

(٢) كما في الحبل المتين : ١٤٣.

٣٥٨

ترى يدل على أنّ صاحب الحاجة مطلقا له التأخير إلى غيبوبة الشفق ، والمسافر فيه مطلق ، ولا يبعد تبادر كون السفر عذراً منه ، والشيخ قال في الوجه : إنّ التأخير لصاحب الأعذار ، والظاهر أنّ مراده بالأعذار ما يشمل المسافر كما تقدّم نقله عن المبسوط : من أنّ العذر أربعة : السفر ، والمطر ، والمرض ، وشغل يضّر (١) تركه بدينه أو دنياه (٢). إلاّ أنّ استفادة ما قاله من الشغل محلّ تأمّل.

ثم إنّ السفر قد يدّعى تبادر إرادة ما يوجب القصر ، مع احتمال الإطلاق.

فإن قلت : الخبر المبحوث عنه تضمّن قضيّة أبي الخطّاب ، والمستفاد ممّا سبق أنّ أبا الخطاب كان يعيّن التأخير إلى غيبوبة الشفق ، واللازم من هذا أن يستفاد من الخبر تعيّن التأخير للمسافر والخائف وصاحب الحاجة ، ولا قائل به.

قلت : لا يبعد أن تكون الإشارة في الخبر إلى جواز التأخير ، وإن كان ما ذكر عن أبي الخطاب يقتضي ما ذكرت ، وحينئذ حاصل الخبر أنّ أبا الخطّاب فعل ما فعل في مقام الإنكار لفعله ، حيث إنّه عليه‌السلام سوّغ التأخير في السفر ، فجعله أبو الخطّاب وقتاً متعيّناً.

فإن قلت : إنّ الشيخ قد ذكر قبل هذين الخبرين أنّ الأخبار دالة على أصحاب الأعذار ، لأنّها مقيّدة بالموانع كالسفر ، فدلّ على أنّ مراده أوّلاً في ذكر الأعذار السفر على الإطلاق.

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ قوله : من الموانع من السفر ، إلى‌

__________________

(١) في « د » : مضرّ.

(٢) المبسوط ١ : ٧٢.

٣٥٩

آخره. ربما يدلّ على تحقق الموانع من التقديم الحاصل بعضها من السفر ، ولا يبعد توجيه العبارة على وجه يؤيّد ما ذكرت.

وأمّا الثاني : فقد تضمّن العلّة وهي بظاهرها شاملة للضرورية وغيرها.

والثالث : ظاهره غير موافق لمطلوب الشيخ ، إلاّ بأن يحمل قوله : « متعمّداً » على الفعل لغير عذر ، والبراءة من فعل ذلك لغير عذر مع جواز الفعل بظاهر الأخبار السابقة لا يخلو من إشكال ، وحينئذ لا يبعد أن يكون المراد بالتعمّد قصد الوقت بالتأخير ، على أنّه لا بدّ منه لمناسبة ما ذكر عن أصحاب أبي الخطّاب.

وربما كان في الخبر دلالة على أنّ اشتباك النجوم كناية عن ذهاب الشفق ؛ لأنّه السابق عن أبي الخطّاب في بعض الأخبار (١) ، فقول بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : إنّ اشتباك النجوم كناية عن ذهاب الحمرة المشرقيّة (٢) ، لحديث لعبد الله بن سنان معدود من الصحيح ، ومتنه : « وقت المغرب من حين تغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم » (٣) محل بحث ، بل الظاهر من الخبر انتهاء وقت الفضيلة أو الاختيار إلى ذهاب الشفق ، فليتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن حكيم ، عن شهاب بن عبد ربّه قال ،

__________________

(١) راجع ص ١٣١٨.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٤٣.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٩ / ١٢٣ ، الإستبصار ١ : ٢٧٦ / ١٠٠٣ ، الوسائل ٤ : ١٨٩ أبواب المواقيت ب ١٨ ح ١٠.

٣٦٠