إستقصاء الإعتبار - ج ٤

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ٤

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-176-1
الصفحات: ٥٥٠

قوله :

فإنّ قيل : كيف يمكنكم العمل على هذه الأخبار مع اختلاف ألفاظها وتضادّ معانيها ؛ لأنّ بعضها يتضمّن ذكر القامة ، وبعضها ذكر الذراع ، وبعضها ذكر القدم ، وهذه مقادير مختلفة؟!

قلنا : هذه الألفاظ وإن كانت مختلفةً فالمعنى غير مختلف ؛ لأنّ القامة عبارة عن الذراع على ما نبيّنه فيما بعد ، فهما عبارتان عن شي‌ء واحد ، وذكر القدمين يطابقهما ، وما ورد في بعض الأخبار من ذكر القدم يكون لمن خفَّف نوافله ؛ لأنّ المعتبر في ذلك مقدار ما تصلّى فيه النوافل قلّ ذلك أم كثر ، غير أنّه لا يتجاوز بذلك مقدار الذراع أو القامة أو القدمين ، وما دون ذلك يكون مجزياً.

والذي يدلّ على ذلك : ما قدّمناه من الأخبار من قوله لعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم والحرث بن المغيرة وغيرهم : « إنّ ذلك إليك إن شئت طوّلت وإن شئت قصّرت فحين تفرغ من نوافلك تصلّي الفريضة ».

والذي يدلّ على أنّ القامة عبارة عن الذراع والقدمين :

ما رواه علي بن الحسن الطاطري ، عن محمّد بن زياد ، عن علي بن حنظلة قال ، قال لي أبو عبد الله عليه‌السلام : « القامة والقامتين الذراع والذراعين في كتاب عليّ عليه‌السلام ».

عنه ، عن عليّ بن زياد ، عن عليّ بن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : « القامة هي الذراع ».

عنه ، عن محمّد بن زياد ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن‌

٢٤١

أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قال له أبو بصير : كم القامة؟ قال ، فقال له : « ذراع ، إنّ قامة رحل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت ذراعاً ».

السند‌ :

في الأوّل : علي بن الحسن الطاطري ، وهو من وجوه الواقفة ثقة في النجاشي (١) ، والطريق إليه فيه جهالة. ومحمّد بن زياد فيه اشتراك (٢). وعلي ابن حنظلة مجهول لذكره في رجال الصادق عليه‌السلام من كتاب الشيخ مهملاً (٣).

والثاني : لا يخلو من خلل على ما أظنّ ، والظاهر عن علي بن رباط ومحمّد بن زياد ، أو أنّ لفظ علي سهو وهو محمّد.

وفي فوائد شيخنا المحقّق أيّده الله على الكتاب علي بن الحسن الطاطري روى عن عليّ بن رباط ومحمّد بن زياد أيضاً كما يأتيان ، حتى قد شاع أن يقال : الطاطري عنهما. انتهى.

والذي أظنّ أنّ المروي عن الطاطري عنهما يراد به درست ومحمد ابن أبي حمزة ؛ فإنّ الشيخ في هذا الكتاب (٤) ، والتهذيب في كتاب الحجّ روى عن موسى بن القاسم ، عن علي الجرمي ، عن محمّد بن أبي حمزة ودرست (٥). ثمّ قال في موضع آخر ـ وهو باب من رمى صيداً فكسر يده من هذا الكتاب ـ : موسى بن القاسم ، عن الطاطري ، عن محمد ودرست (٦). وفي موضع آخر : عن علي بن الحسن الجرمي ، عن محمد‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٥٤ / ٦٦٧.

(٢) راجع هداية المحدثين : ٢٣٧.

(٣) رجال الطوسي : ٢٤١ / ٢٩٦.

(٤) الاستبصار ٢ : ٢٠٥ / ٧٠٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٥٨ / ١٢٤٥.

(٦) الاستبصار ٢ : ٢٠٥ / ٧٠٠.

٢٤٢

ودرست (١). وفي باب الطواف : موسى بن القاسم ، عن الجرمي ، عنهما (٢).

أمّا ما قاله شيخنا أيّده الله فلم أقف عليه الآن ، وفي بعض فوائده أيّده الله أيضاً في رواية علي بن الحسن الطاطري عن علي بن زياد أو علي ابن رباط نظر انتهى.

وعلى كلّ حال : السند ليس بصالح للتعب في تصحيحه.

المتن :

ما ذكره الشيخ من دلالته على مدعاه محلّ تأمّل :

أمّا أوّلاً : فلأنّ بعض الأخبار المتقدّمة صريحٌ في نفيه كما قدّمناه (٣) ، وما قاله رحمه‌الله من حمل القامة على الذراع لا ينفي الاختلاف ؛ لأنّ ما وجّه به القدم يقال في القامة بتقدير كونها غير الذراع.

وقوله : لا يتجاوز مقدار الذراع. محلّ كلام ، وادّعاؤه دلالة قوله عليه‌السلام لعمر بن حنظلة ومن معه على مطلوبه محلّ تأمّل ، كما ذكره شيخنا المحقق سلّمه الله في فوائد الكتاب.

أمّا قوله : وما دون ذلك يكون مجزياً ( فلا يخلو من إجمال ، وقد أسلفنا احتمال إرادة كون فعل الفرض قبل الوقت المذكور مجزيا (٤) ) (٥) وذكرنا ما لا بدّ منه ، غير أنّه ينبغي أن يعلم هنا أنّ الإجزاء لمّا لم يكن مذهباً للشيخ ، وإن أمكن توجيهه بما يوافقه على نحو ما تقدّم ، إلاّ أنّه يمكن أن‌

__________________

(١) الاستبصار ٢ : ٢٣٥ / ٨١٦.

(٢) الإستبصار ٢ : ٢١٩ / ٧٥٤.

(٣) راجع ص ١٢١٣.

(٤) في « فض » زيادة : كما أنّه وقت فضيلة.

(٥) ما بين القوسين ساقط من « رض ».

٢٤٣

يريد هنا أنّه مع عدم تجاوز المقادير يكون الفعل مجزياً ، ومع التجاوز لا يجزي على أن يكون أدّى الفعل على جهة الموافقة للشارع بناءً على اعتقاد الشيخ.

ومن هنا يعلم أنّ ما يظنّ من موافقة الشيخ للوالد قدس‌سره حيث كان يقول : إنّ للظهر وقتي أجزاء. محلّ تأمّل. والذي قدّمناه بناءً على الاحتمال من ظاهر كلام الشيخ. وبالجملة فالتأمّل في كلام الشيخ يعلم وجهه ممّا ذكرناه عن قريب ، وقد ذكرنا في حاشية التهذيب أيضاً ما لا بدّ منه في المقام وهو الموجب هنا لتلخيص الكلام.

ثمّ إنّ ما تضمّنه الأوّل من قوله : والقامتين والذراعين ، كأنّه على سبيل الحكاية ، وفي الظنّ احتمال أنّ المراد وجود كلّ من المذكورات في كتاب عليّ ، فيكون من العطف بحذف حرفه ( وقد ذكر بعض العامّة في شرح الحديث ) (١) أنّ حرف العطف يسقط في الجمل بكثرة ، مثل : كيف أصبحت ، كيف أمسيت ، وأمّا في المفردات فهو أضعف. ولعلّ مراده بالضعف القلّة ، على أنّ أخبارنا غير معلومة النقل باللفظ ، وإن كان الظاهر في مثل هذا الخبر النقل باللفظ ؛ إذ هو مقتضى الحكاية.

فإنّ قلت : ما معنى الحكاية هنا؟.

قلت : كأنّ السابق على الكلام منه عليه‌السلام ما وقع بهذا اللفظ ؛ لاقتضاء التركيب إيّاه ، فلمّا أراد الإخبار عليه‌السلام أتى بذلك اللفظ ، وهو في أخبارنا موجود النظير ، هذا.

ولا يخفى أنّ الخبر الأخير الدال على أنّ قامة رحل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « فض » وبدله في « رض » : وقيل.

٢٤٤

كانت ذراعاً لا يدلّ على حصر القامة في الذراع ، على أنّ المعنى فيه لا يخلو من إجمال.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الرحل مركب البعير وما يستصحبه من الأثاث (١). انتهى. وقد صحَّف بعض اللفظ فجعله بالخاء المعجمة.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسن بن محمد بن سماعة ، عن عبد الله بن جبلة ، عن ابن بكير ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال ، قلت له : إنّي صلّيت الظهر في يوم غيْمٍ فانجلت فوجدتُني ( صلّيت حين الزوال ) (٢) قال ، فقال : « لا تُعِد ولا تَعُد ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إنّما نهاه عن (٣) المعاودة إلى مثله لأنّ ذلك فعل من لا يصلّي النوافل ، وليس ينبغي الاستمرار على ترك النوافل ، وإنّما يسوغ ذلك عند الأعذار والعلل.

والذي يدلّ على ذلك :

ما رواه الحسن بن محمد ( بن سماعة ) (٤) ، عن أحمد بن أبي بشير ، عن معاوية بن ميسرة قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إذا زالت‌

__________________

(١) القاموس المحيط ٣ : ٣٩٤ ( الرحل ).

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٣ ، ونسخة في « د » : قد صلّيت حين زال النهار.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٣ : من.

(٤) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٤.

٢٤٥

الشمس في طول النهار ، للرجل أن يصلّي الظهر والعصر؟ قال : « نعم وأنا أُحبّ أن يفعل ذلك في كلّ يوم ».

عنه ، عن محمد بن زياد ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي ، عن زرارة قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أصوم فلا أقيل حتى (١) تزول الشمس ، فإذا زالت الشمس صلّيت نوافلي ثمّ صلّيت الظهر ثمّ صلّيت نوافلي ثمّ صلّيت العصر ثمّ نُمْتُ ، وذلك قبل أن يصلّي الناس ، فقال : « يا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت ، ولكنّي أكره لك أنّ تتخذه وقتاً دائماً ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه الطريق إلى الحسن بن سماعة ، وهو نفسه (٢) ، وقد تقدّم ما فيهما (٣). وكذلك عبد الله بن جبلة (٤). وابن بكير مضى القول فيه مفصّلاً (٥) ، وأمّا بكير أبوه فأظنّ تقدّمه ، والحاصل أنّ العلاّمة قال في ترجمته : إنّه مشكورٌ مات على الاستقامة ، روى الكشي عن حمدويه عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير والفضل وإبراهيم بن محمّد الأشعري أنّ الصادق عليه‌السلام قال فيه بعد موته : « لقد أنزله الله بين رسوله وبين أمير المؤمنين عليهما‌السلام » (٦).

والشيخ ذكره في رجال الباقر عليه‌السلام من كتابه من غير ما يدلّ على‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٥ : حين.

(٢) في « د » و « رض » : ثقة.

(٣) في ص ٩٧٦.

(٤) في ص ٨٩٤.

(٥) في ص ٨٩.

(٦) خلاصة العلاّمة : ٢٨ / ٤.

٢٤٦

المدح والتوثيق ، وكذلك في أصحاب الصادق عليه‌السلام (١).

والمنقول عن الكشي في الخلاصة موجود فيه ، لكن السند عن ابن أبي عمير عن الفضل وإبراهيم ابني محمد الأشعري (٢) (٣). وعلى كلّ حالٍ الحديث صحيحٌ ، إلاّ أنّ استفادة التوثيق محلّ كلامٍ ؛ لأنّ المقرّر في معنى التوثيق أمرٌ وراء الصلاح والتقوى ، كما يُعلم من الدراية بل المدح قد يمكن توجيهه.

والثاني : فيه من تقدّم. وأمّا أحمد بن أبي بشير فهو كما ترى في النسخة التي نقلت منها ، والموجود في الرجال أحمد بن أبي بشر بغير ياء (٤) ، وفي النجاشي أنّه ثقة (٥). وفي الفهرست كذلك (٦) ، والراوي عنه فيهما ابن سماعة ( وأمّا معاوية بن ميسرة فقد مضى (٧).

والثالث : فيه مع من تقدم محمد بن زياد المتقدم قبله (٨). ) (٩) وأمّا عبد الله بن يحيى الكاهلي فأظنّ أنّه قد تقدّم (١٠) ، والحاصل أنّ النجاشي قال : إنّه كان وجهاً عند أبي الحسن عليه‌السلام ووصّى به علي بن يقطين فقال :

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٠٩ / ١٧ و ١٥٧ / ٤٣.

(٢) في « رض » و « فض » : الأشعريين.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٤١٩.

(٤) رجال النجاشي : ٧٥ / ١٨١ ، الفهرست : ٢٠ / ٥٤.

(٥) رجال النجاشي : ٧٥ / ١٨١.

(٦) الفهرست : ٢٠ / ٥٤.

(٧) في ص ٣٩٣.

(٨) راجع ص ٢٠٤.

(٩) ما بين القوسين متأخر في النسخ عن القول في عبد الله بن يحيى الكاهلي ، وما أثبتناه هو الأنسب بسياق العبارة.

(١٠) في ج٣ : ١٢١.

٢٤٧

« أضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنّة » (١) والعلاّمة في الخلاصة ذكر نحو ذلك ، وزاد : فلم يزل عليّ بن يقطين يُجْري لهم الطعام والدراهم ، إلى آخره (٢).

وفي فوائد جدّي قدس‌سره : في الكشي في طريق الوصيّة : محمد بن عيسى ، وحاله معلوم ، ( وأمّا النجاشي فذكرها ) (٣) بغير سند (٤). انتهى.

والذي في الكشي حدثني حمدويه بن نصير قال : حدّثني محمد بن عيسى قال : زعم ابن أخي الكاهلي أنّ أبا الحسن عليه‌السلام قال لعلي بن يقطين‌ « اضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنّة » فزعم ابن أخيه أنّ علياً لم يزل يُجري عليهم الطعام والدراهم ، إلى آخره (٥).

وغير خفي أنّ الطريق مشتمل على ابن أخي الكاهلي ولم نعلمه الآن ، فاقتصار جدّي قدس‌سره على محمد بن عيسى غير واضح الوجه بتقدير اطلاعه على ابن أخي الكاهلي ، على أنّ محمد بن عيسى في الظن أنّه لا وجه للتوقّف فيه ، واعتماد النجاشي إن كان على هذه الرواية فهو شهادة بتوثيق ابن أخي الكاهلي ، إلاّ أنّ ذلك غير معلوم.

والعلاّمة في المختلف وصف بعض روايات فيها الكاهلي بالصحّة (٦) ، والأمر كما ترى.

__________________

(١١) رجال النجاشي : ٢٢١ / ٥٨٠.

(٢) الخلاصة : ١٠٨ / ٣١.

(٣) بدل ما بين القوسين في « رض » : وأنّ النجاشي قد ذكرها.

(٤) فوائد الشهيد على الخلاصة : ١٨.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٧٠٤ / ٧٤٩ و ٧٤٥ / ٨٤١.

(٦) المختلف ١ : ٢٢٧.

٢٤٨

المتن :

في الأوّل (١) يحتمل أن يكون الوجه في قوله عليه‌السلام : « لا تعد » إشارة إلى أنّ الصلاة مع الغيم مبنية على ظن دخول الوقت واعتبار العلم أولى ، ويحتمل أن يكون الوجه وقوع الصلاة في غير وقت الفضيلة على القول به ، ويحتمل أن يكون المراد بزوال النهار غير زوال الشمس بل ذهاب أكثر النهار بحيث وقعت الصلاة بعد المثل ونحوه.

أمّا ما ذكره الشيخ : من أنّ ذلك فعل من لا يصلّي النوافل. ففيه أوّلاً : أنّ فعل النوافل على تقدير جواز اتباع الظنّ في الوقت لا مانع منه ، كما صحّ فعل الفريضة بالظنّ ، ولا صراحة في الرواية على عدم فعل النوافل. واحتمال فعل النوافل واتفاق كونها قبل الوقت فيكون صلّى بغير نوافل ، خلاف ظاهر السؤال والجواب.

وأمّا ثانياً : فلأنّ الشيخ في التهذيب صرّح بأنّ ما دلّ على التأخير إلى القدم محمول على من يصلّي النوافل (٢).

ويمكن أن يقال : إنّ غرض الشيخ هنا لا ينافي ما قاله في التهذيب ؛ لأنّ المراد عدم الاستمرار على ترك النافلة ، لا عدم فعل الصلاة في أول الوقت ، أو أنّ فعل الصلاة في أوّل الوقت إذا اقتضى ترك النافلة كان مرجوحاً من هذه الجهة.

وفيه : أنّ الخبر لا يدلّ على الاستمرار بوجه.

__________________

(١) في « فض » زيادة : كما ترى.

(٢) التهذيب ٢ : ١٩ و ٢٠.

٢٤٩

ثمّ إنّ قوله : وإنّما يسوغ ذلك ، إلى آخره. محتمل لأنّ يريد أنّ الاستمرار على ترك النوافل إنّما يسوغ لذوي الأعذار والعلل ، ويحتمل أن يريد به أنّ الصلاة في أوّل الزوال إنّما يسوغ لذوي الأعذار والعلل.

والفرق بين هذا وما قبله أنّ الأوّل : يراد به أنّ وقت المختار وإن كان من أوّل الزوال إلاّ أنّه بعد النافلة ، والفعل من دونها إنّما يجوز لذوي الأعذار ، فيكون إطلاق أنّ الأوّل للمختار مقيّداً بما بعد النافلة جمعاً بين الأخبار.

وأمّا الثاني : فالمراد فيه أنّ ترك النافلة إنّما هو سائغ لذوي الأعذار والعلل ، وحينئذ يصير ما ذكره هنا غير ما ذكره في التهذيب من أنّ الأخبار الدالة على المقادير لمن يصلّي النوافل ، أو يريد بما ذكره في التهذيب بيان من يصلّي النوافل غير المعذور.

وقد يحتمل كلامه في التهذيب إرادة من يسوغ له فعل النوافل احترازاً عن المسافر ( لأنّ تعبيره وإن كان فيه ) (١) ما يدلّ على صلاة النوافل بالفعل ، حيث (٢) قال : والذي يدلّ على أنّ هذه الأوقات خاصة بمن صلّى النوافل ما رواه سعد ، وذكر رواية الحارث وعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم السابقة (٣) ، و [ لكن (٤) ] هي (٥) دالّة على الأعمّ من الفعل ، وتقدّم منه في التهذيب ما يدلّ على أنّ الأخبار واردة فيمن يصلّي (٦) ، ولفظ « من يصلّي » ‌

__________________

(١) في « فض » : لأنه وإن كان في تعبيره.

(٢) في « فض » : لأنّه.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٢.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(٥) في « رض » : وهذه الروايات.

(٦) التهذيب ٢ : ١٩.

٢٥٠

أقرب من قوله : « صلّى ». وعلى كلّ حال لا يخفى ظهور الاحتمال الأوّل من الاحتمالات المذكورة في عبارة الكتاب.

وأمّا الثاني : فدلالته على مطلوبه موقوفة على بيان معنى الخبر ، والظاهر منه أنّ السؤال وقع عن الصلاة في أوّل الزوال في النهار الطويل ، والجواب يدلّ على رجحان الفعل في كلّ يوم سواء كان طويلاً أو قصيراً.

وفي فوائد شيخنا المحقّق أيّده الله على الكتاب ما هذا لفظه : أي إذا زالت في النهار الطويل فللرجل فعل ذلك ، وإذا زالت في جميع الأيّام كأيّام السنة فله ذلك أي بنوافلهما وآدابهما وكأنّ الشيخ أراد أحدهما ، وإذا زالت فللرجل أن يصلّيهما كذلك في طول النهار أي من الزوال إلى الغروب وأنا أُحبّ أن يفعل ذلك كلّ يوم ، أي على مقتضى ذلك كلّ يوم فلا تفوته النافلة. انتهى.

ولا يخفى بُعد استفادة ما ذكره من الخبر ، لكن على مقتضى استدلال الشيخ لا بدّ من الحمل على بعض ما قاله سلّمه الله والظاهر أنّه لولا تقدير فعل النوافل لما بقي للحديث وجه يُعْتدّ به.

فإنّ قلت : يجوز أن تكون الرواية : وما أحبّ أن يفعل ، فصحّف بما ترى قلت : لا وجه لاحتمال التصحيف وإنّ قرّبه ظاهر استدلال الشيخ.

وأمّا الثالث : فدلالته على خلاف مطلوب الشيخ ظاهرة ؛ لأنّ مراده إن كان الاستدلال على أنّ ترك النوافل على الاستمرار لا ينبغي ، فالخبر ظاهرٌ في خلافه ، وإن كان مراده الاستدلال على أنّ الصلاة في أوّل الوقت فعل من لا يصلّي النوافل ، فالخبر تضمّن فعل النافلة ، وقوله عليه‌السلام : « ولكنّي‌

٢٥١

أكره لك » إلى آخره. ظاهرٌ في أنّ هذا الفعل وهو فعل النوافل في أوّل الزوال ثمّ الصلاة ثمّ فعل النوافل على أثر ذلك لا ينبغي فعله دائماً ، وأين هذا من مطلوب الشيخ؟.

وفي فوائد شيخنا أيّده الله على الكتاب : كأنّ كراهية ذلك لأنّه يقتضي الانفراد عن الناس ، ولعلّ الاجتماع معهم أفضل تقيّةً أو مطلقاً ، وأيضاً يقتضي نوع عجلة كما لا يخفى. انتهى. ولا يخفى عليك الحال ، وبالجملة فالدلالة على مطلوب الشيخ غير واضحة.

وربما يحتمل أن يكون المراد بقوله عليه‌السلام : « ولكنّي أكره » إلى آخره. أنّ جعل الوقت بعد النافلة دائماً لا ينبغي ، بل ينبغي إمّا فعل النافلة أو الصبر إلى القدم أو القدمين ، فيؤيّد إرادة اختلاف الفضل في المقادير ، لا أنّ الاعتبار بفعل النافلة ثمّ الفريضة بعدها كما جمع به الشيخ ومن تابعه.

وقد يحتمل إرادة كراهة النوم بعد الظهر ، إلاّ أنّ التعبير بالوقت ظاهرٌ في خلافه ، والظاهر أنّ ملاحظة التقيّة لا وجه لها.

ويحتمل أن يكون الجواب تضمّن بيان دخول الوقت من أوّل الزوال ، ولكن لا ينبغي أن يصلّي في أوّله دائماً ، بل مع الضرورة ، وحينئذ لا تعلّق له بخصوص السؤال ، فليتأمّل.

قوله :

فإنّ قيل : قد ذكرتم أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الفرض ، ثمّ قلتم : البدأة (١) بالنوافل أفضل ، وهذا ينافي ما ورد (٢) في‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٥ : البداية.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٢ / ٩٠٥ : ما روي.

٢٥٢

الأخبار : أنّه لا تطوّع في وقت فريضةٍ.

روى ذلك : الحسن بن محمد بن سماعة ، عن عبد الله بن جبلة ، عن علاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « قال لي رجل من أهل المدينة : يا أبا جعفر مالي لا أراك تتطوّع بين الأذان والإقامة كما يصنع الناس؟ » قال : « قلت (١) : إنّا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت فريضة ، فإذا دخلت الفريضة فلا تطوّع ».

عنه ، عن صالح بن خالد ، عن عبيس بن هشام ، عن ثابت ، عن زياد بن أبي غياث ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سمعته يقول : « إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها ولا يضرّك أن تترك ما قبلها من النافلة ».

وما قدّمتموه من الأخبار أيضاً : من (٢) أنّ أوّل الوقت أفضل ، يؤكّد هذه الأخبار ، فكيف تجمعون بينها؟.

قلنا : أمّا الذي تضمّن الأخبار التي قدّمناها من أنّ الصلاة في أوّل الوقت أفضل ، فهي محمولة على الوقت الذي يلي وقت النافلة ؛ لأنّ النوافل إنّما يجوز تقديمها إلى أن يمضي مقدار قدمين أو ذراع ، فإذا مضى ذلك فلا يجوز الاشتغال بالنوافل بل ينبغي أن يبدأ بالفرض ، ويكون ذلك الوقت أفضل من الوقت الذي بعده ، وهو وقت المضطر وأصحاب الأعذار ، وقد بيّنا فيما تقدّم ما يدلّ على ذلك واستوفيناه في كتابنا الكبير.

__________________

(١) في « رض » زيادة : له.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٣ / ٩٠٧ لا توجد : من.

٢٥٣

السند‌ :

في الأوّل : قد تقدّم فيه ما يُغني عن الإعادة.

والثاني : فيه مع ما تقدّم صالح بن خالد ، والذي وقفت عليه الآن في الرجال صالح بن خالد القمّاط في النجاشي (١) والفهرست مهملاً (٢) ، وصالح بن خالد المحاملي أبو شعيب في النجاشي مهملاً (٣) أيضاً ، ولا يبعد كونه المحاملي ؛ لما يأتي في زياد بن أبي غياث.

أمّا عبيس بن هشام ، فهو ثقة في النجاشي (٤). وفي إيضاح الاشتباه : عُبيس بالعين المهملة مصغراً بعدها باء موحّدة ثمّ ياء مثنّاة تحت وبعدها سين مهملة واصلة العبّاس (٥). انتهى ملخصا.

وثابت هو ابن جرير المذكور مهملاً في النجاشي (٦) ؛ لأنّ الراوي عنه في الكتاب عبيس بن هشام ، والشيخ ذكر في أصحاب الصادق عليه‌السلام ثابت مولى جرير مهملاً (٧). والظاهر أنّه المذكور.

وأمّا زياد بن أبي غياث فقد ذكر النجاشي أنّه ثقة سليم (٨). والشيخ ذكره في الفهرست مهملاً (٩).

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٠١ / ٥٣٦.

(٢) الفهرست : ٨٥ / ٣٥٤.

(٣) رجال النجاشي : ٢٠١ / ٥٣٥.

(٤) رجال النجاشي : ٢٨٠ / ٧٤١.

(٥) إيضاح الاشتباه : ٢١٠.

(٦) رجال النجاشي : ١١٧ / ٢٩٩.

(٧) رجال الطوسي : ١٦١ / ١٧.

(٨) رجال النجاشي : ١٧١ / ٤٥٢.

(٩) الفهرست : ٧٣ / ٢٩٥.

٢٥٤

ثمّ إنّ كلاًّ منهما ذكر أنّ الراوي عنه صالح بن خالد المحاملي عن ثابت بن شريح ، وقد تقدّم أنّ الراوي عن ثابت بن جرير عُبَيْس في النجاشي ، وحينئذ لا يبعد أنّ قول الشيخ : ثابت مولى جرير. أقرب إلى الاعتبار ، فابن شريح مولى جرير ، إلاّ أنّ احتمال كون الراوي عن زياد ثابت ابن شريح وثابت بن جرير أيضاً لا مانع منه ، كما أنّ احتمال صالح بن خالد لغير المحاملي كذلك ؛ لأنّ رواية المحاملي عن ثابت لا عن عبيس ، لكن في التهذيب روى حديثاً ثاني (١) عن صالح بن خالد وعيسى (٢) بن هشام عن ثابت عن زياد (٣). ومعه يقوى بعض ما ذكرناه فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل : لا يخلو من إجمال ، والذي أظنّه أنّ المراد به عدم التطوّع في وقت الفضيلة وهو ما بعد المقادير السابقة في الأخبار ، لأنّه عليه‌السلام انّما يفعل الفرض غالباً في وقت فضيلته ، وعلى هذا يحمل ما دلّ على أنّه لا تطوّع في وقت الفريضة ؛ إذ من المعلوم وقوع النوافل في وقت الفرائض ، لكن وقت الفضيلة من خصوصيّاته عدم التطوّع فيه ، كما يدلّ عليه بعض الأخبار السابقة ، وما رواه الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب عن الحسن بن محمّد ، عن صالح بن خالد وعيسى بن هشام ، عن ثابت عن زياد بن أبي غياث ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سمعته يقول : « إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا يضرّك أن تترك ما قبلها من النافلة » (٤).

__________________

(١) كذا في النسخ ، والأنسب : ثانياً.

(٢) في المصدر : عبيس.

(٣) التهذيب ٢ : ٢٤٧ / ٩٨٤ ، الوسائل ٤ : ٢٢٧ أبواب المواقيت ب ٣٥ ح ٤.

(٤) التهذيب ٢ : ٢٤٧ / ٩٨٤ وفيه : عبيس بن هشام ، الوسائل ٤ : ٢٢٧ أبواب المواقيت ب ٣٥ ح ٤.

٢٥٥

وهذه الرواية الظاهر أنّ عيسى فيها تصحيف عبيس كما تقدّم الكلام فيه (١) ، وإن كان عيسى بن هشام موجوداً في الرجال (٢) ، مع احتمال عيسى ، وعبيس يكون تصحيفاً ، فلا ينبغي الغفلة عن هذا في الأسانيد.

وعلى كلّ حالٍ فهذا الخبر له دلالة على ما أشرنا إليه من إرادة وقت الفضيلة ؛ لأنّ حضور المكتوبة لو أُريد به دخول الوقت ولو من الأوّل يستبعد الإخبار من الإمام بجواز ترك النافلة ، لأنّ المستحب لا ريب في جواز تركه ، بل (٣) إذا أُريد وقت الفضيلة كان للكلام وجه.

واحتمال أن يقال : إنّ الخبر لو أُريد به وقت الفضيلة دلّ على جواز فعل النافلة وما دلّ على أنّه لا تطوّع في وقت فريضة ، ولو حمل على وقت الفضيلة اقتضى المنع ، فيكون الفعل تشريعاً ، يمكن دفعه بأنّ احتمال إرادة الفضل في ترك النافلة ممكن أيضاً.

وروى أيضاً في الزيادات عن معاوية بن عمّار ، عن نجيّة قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : تُدركني الصلاة فأبدأُ بالنافلة؟ قال : فقال : « لا ، ابدأ بالفريضة واقض النافلة » (٤). وهذا يؤيّد ما قلناه ، غاية الأمر أنّ ما دلّ على إتمام النافلة بتقدير الشروع فيها يقيّد هذا الإطلاق.

ولا يخفى أنّ الكلام مبنيّ على ظاهر الأخبار ، وإلاّ فقد روى في الصحيح عن عمر بن يزيد في الفقيه أنّه سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة ما حدّ الوقت؟ قال : « إذا أخذ المقيم » فقال : إنّ الناس يختلفون في الإقامة قال : « الإقامة التي‌

__________________

(١) راجع ص ١٢٤٧.

(٢) انظر رجال النجاشي : ٢٩٧ / ٨٠٨.

(٣) ليست في « د » و « رض ».

(٤) التهذيب ٢ : ٢٤٧ / ٩٨٣ ، الوسائل ٤ : ٢٢٧ أبواب المواقيت ب ٣٥ ح ٥.

٢٥٦

تصلّي معهم » (١).

وهذه الرواية وإنّ أمكن الدخل فيها من جهة احتمال التقيّة كما يشعر به بعض ألفاظها إذا تأمّلها المتأمّل ، إلاّ أنّ تأويلها على وجه يوافق مذهبنا ممكن ، بأن يراد بالإقامة الواقعة في وقت الفضيلة ، جمعاً بين الأخبار ، وأمّا الخبر المبحوث عنه فلو حُمِلَ على التقيّة أمكن أيضاً ويكون القائل من أهل المدينة مخالفاً فألزمه عليه‌السلام بمذهبه.

وفي فوائد شيخنا المحقّق أيّده الله على الكتاب : المراد بوقت الفريضة في هذه الرواية الوقت المختص بالفريضة ، وأمّا رواية زياد بن أبي غياث فالظاهر أنّ المراد منه إذا حضرت الفريضة ، بأن حضرت الجماعة وتهيّأت للاشتغال بها فلا بأس بالابتداء بها وإنّ لم تكن قد صلّيت النافلة ، وإن كان الأولى حينئذ قضاء النافلة ، مع احتمال أن يراد دخول الوقت المختص كالأوّل. انتهى. ولا يخفى عليك (٢) حقيقة الحال.

وأمّا الثاني : فقد قدّمنا فيه كلاماً يغني عن الإعادة ، وما ذكره الشيخ لا يخلو من تأمّل :

أمّا أوّلاً : فما ذكره : من الحمل على الوقت الذي يلي وقت النافلة معلّلاً بأنّ النوافل إنّما يجوز تقديمها إلى أن يمضي مقدار القدمين أو الذراع. ينافي ما قدّمه من الجمع بين الأخبار بحملها على فعل النافلة طالت أو قصرت ؛ لأنّ اعتبار مضيّ القدمين يقتضي أنّ الفراغ من النافلة ليس هو الوقت الأفضل للفريضة.

وأمّا ثانياً : فما ذكره : من أنّه لا يجوز الاشتغال بالنوافل. يقتضي‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥٢ / ١١٣٦ ، الوسائل ٤ : ٢٢٨ أبواب المواقيت ب ٣٥ ح ٩.

(٢) ليست في « رض » و « فض ».

٢٥٧

عدم الفرق بين الشروع فيها في وقتها وعدمه.

ويمكن الجواب عن الوجهين بما لا ينافي ما تقدّم منه وهو ضيق العبارة ، لكن دلالة قوله على الأفضليّة بعد القدمين ، ظاهرة في أنّه وإنّ قال بأنّ الأوّل للمختار ، لكن الأفضل له التأخير إلى ما ذكر ، وغير خفيّ أنّ حمل الأخبار الدالة على أنّ أوّل الوقت أفضل ، إذا أُريد به بعد المقدار لا يتم احتمال أنّ وقت المختار أفضل من وقت المعذور كما أطلقه البعض.

وقوله : فيكون ذلك الوقت أفضل من الوقت الذي بعده ، إلى آخره. وإن دلّ على أنّ الأفضليّة بالنسبة إلى المعذور ، لا ينافي ما قلناه : من أنّ الشيخ لا يطلق أنّ وقت المختار أفضل. غاية الأمر أنّه يتوجّه عليه أنّ الأفضليّة لا تنحصر بالنسبة إلى المعذور ، بل يتحقّق بالنسبة إلى ما قبل القدمين أيضاً.

وبالجملة فالمقام واسع البحث والملخّص ما ذكرناه.

وينبغي أن يعلم أنّ الظاهر من الخبرين سيّما الثاني الاختصاص بالراتبة المؤدّاة ، واحتمال الفائتة الراتبة ممكن على بُعد ، وسيأتي إن شاء الله الكلام في الراتبة وغيرها.

قوله :

( ويزيد ذلك بياناً ) (١) :

ما رواه الحسن بن محمد بن سماعة ، عن وهيب بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « الصلاة في الحضر ثماني ركعات إذا زالت الشمس ما بينك وبين أن يذهب ثلثا القامة ، فإذا ذهب ثلثا القامة بدأت بالفريضة ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٣ / ٩٠٧ بدل ما بين القوسين : ويزيده بياناً.

٢٥٨

عنه ، عن ابن جبلة ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « الصلاة في الحضر ثماني ركعات إذا زالت الشمس ما بينك وبين أن يذهب ثلثا القامة ، فإذا ذهب ثلثا القامة بدأت بالفريضة ».

عنه ، عن حسين بن هاشم ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي الظهر على ذراع والعصر على نحو ذلك ».

فإنّ قيل : الأخبار التي تضمّنت أنّ أوّل الوقت أفضل ، عامّة وليس فيها تخصيص للوقت الذي ذكرتموه فمن أين قلتم ذلك؟ وهلاّ حملتموها على العموم؟.

قلنا (١) : حملنا ذلك على ما قلناه (٢) لئلاّ تتناقض الأخبار وقد ورد بشرحها أيضاً آثار :

روى الحسن بن محمد بن سماعة ، عن الميثمي ، عن معاوية بن وهب ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن أفضل وقت الظهر ، قال : « ذراع بعد الزوال » قال : قلت : في الشتاء والصيف سواء؟ قال : « نعم ».

الحسين بن سعيد ، عن عبد الله بن محمد قال : كتبت إليه : جعلت فداك روى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام أنّهما قالا : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلاّ أنّ بين يديها سبحة إن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥٤ / ٩١٠ : قيل له.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥٤ / ٩١٠ : ما قلنا.

٢٥٩

شئتَ طوّلت وإن شئت قصّرت » وروى بعض مواليك عنهما عليهما‌السلام أنّ « وقت الظهر على قدمين من الزوال ، ووقت العصر على أربعة أقدام من الزوال ، فإنّ صلّيت قبل ذلك لم يجزك » وبعضهم يقول : يجوز ذلك ولكن الفضل في انتظار القدمين والأربعة أقدام وقد أحببت جعلت فداك أنّ أعرف موضع الفضل في الوقت ، فكتب عليه‌السلام : « القدمان والأربعة أقدام صواب جميعاً ».

السند‌ :

في الجميع قد تقدّم ما يغني عن الإعادة ، غير أنّ عبد الله بن محمّد الراوي في الأخير مشترك (١) ، ويحتمل أن يكون الحضيني الثقة ؛ لأنّه أهوازيّ كالحسين بن سعيد ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان.

المتن :

في الأوّل : لا يخفى دلالته على ما يخالف ما سبق ؛ لأنّ الأخبار المتقدّمة دلّت على القدم والقدمين للظهر ، وثلثا القامة بتقدير ما ذكره الشيخ من الاتّحاد مع الذراع يكون قدماً وثلثاً ، وليس في الأخبار ما يقتضي ذلك على ما تقدّم من الشيخ ، ولو حملت على ظاهرها كان الثلثان قدمين وثلثي قدم ، ولم يتقدم ما يدلّ عليه بخصوصه.

نعم ما تقدّم من رواية سعيد الأعرج ، حيث قال فيها عن وقت الظهر : « بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك » ربما يدلّ على ما نحن فيه في‌

__________________

(١) أنظر هداية المحدثين : ٢٠٦.

٢٦٠