إستقصاء الإعتبار - ج ٣

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ٣

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-175-3
الصفحات: ٥٠٢

والثاني من الأخبار المنافية عند الشيخ يدل على ( النسيان كما قدمناه (١) أيضاً ، ففيه المنافاة لثاني الأُول من حيث إطلاق عدم الإعادة على ) (٢) من لم يعلم ، وفيه أنّ المتبادر من عدم العلم : الجهالة ، لا النسيان ، وإن كان باب الاحتمال واسعاً.

والثالث من الأخبار المنافية يدل على أنّ العلم في الأثناء يقتضي الإعادة ، وثاني الأُول يدل على عدم الإعادة مع عدم العلم ، فهو قابل للتخصيص بغير الأثناء غاية الأمر أنّ فيه احتمال ( أنّ يكون ناسياً ثم علم في الأثناء ، وهذا لا ينافي ثاني الأول ، لجواز التخصيص أيضاً ) (٣).

ورابع الأخبار المنافية واضح المنافاة ، والحمل على الاستحباب محتمل.

أمّا ما قاله الشيخ رحمه‌الله من الحمل على ما إذا علم الإنسان وفرّط ، وإنّ لم يعلم أصلاً إلاّ بعد فراغه لم تلزمه الإعادة (٤) ، ففيه أوّلاً أنّه لا يدفع تنافي الجميع ؛ إذ بعضها فيه ذكر الأثناء ، وبعضها تضمّن النسيان ، وبعضها شامل للجهل.

وقوله : إنّ الأخبار المذكورة في باب أحكام الدماء يدل على التفصيل (٥). غريب ؛ فإنّ رواية محمد بن مسلم في الجملة تدل على أن الناسي يعيد مع تضييع (٦) الغَسل ، لكن مفهومها شامل لما إذا لم يره ولما إذا رآه ولم يضيّع غَسله ، بل تعذّر عليه ، ومقتضى تفصيله هنا أنّه إذا لم يعلم‌

__________________

(١) راجع ص ٨٨٩.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) راجع ص ٨٨٨.

(٥) راجع ص ٨٨٨.

(٦) في « رض » : ما يضيع.

٢٤١

أصلاً لا إعادة عليه فالتفصيل مخلّ ببعض الأفراد.

وخبر إسماعيل الجعفي يدل على أنّه إذا لم يكن رآه لا يعيد ، وإنّ رآه يعيد ، فإطلاق الإعادة فيه قابل للتقييد بخبر ابن مسلم الدال على التضييع.

وأمّا خبر ابن أبي يعفور فله نوع إطلاق أيضاً ، وهو قابل للتقييد. وأمّا خبر جميل فهو من حيّز الإجمال وإنّ أمكن بيانه ، إلاّ أنّه لا يصلح للدلالة على تفصيل الشيخ رحمه الله تعالى (١).

اللغة :

قال في القاموس : النكتة بالضم : النقطة ، الجمع : نكات (٢).

قوله (٣) :

ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن سنان ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل (٤) أصاب ثوبه جنابة أو دم ، قال : « إنّ كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة (٥) قبل أنّ يصلّي ثم صلّى فيه ولم يغسله فعليه أنّ يعيد ما صلّى ، وإن كان يرى أنّه أصابه شي‌ء فنظر فلم ير شيئاً أجزأه أنّ ينضحه بالماء ».

وروى الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن أبي بصير ، عن‌

__________________

(١) راجع ص ٨٥٥ ٨٦٠.

(٢) القاموس المحيط ١ : ١٦٥.

(٣) في « رض » : الرجل.

(٤) في « رض » : قال.

(٥) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٣٦ زيادة : أو دم.

٢٤٢

أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إنّ أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى (١) فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه ، وإن هو (٢) علم قبل أنّ يصلّي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة ».

عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أنّ يغسله حتى يصلّي ، قال : « يُعيد صلاته كي يهتمّ بالشي‌ء إذا كان في ثوبه ، عقوبة لنسيانه ».

السند‌ :

في الأوّل : حسن علي الظاهر كما تقدّم الوجه فيه (٣).

والثاني : فيه ابن سنان ، وهو محمد على ما يظهر من التتبع ، وقد أسلفنا الكلام في دفع ما وقع للمحقق ( واعتراض الشهيد رحمه‌الله (٤) ) (٥) وبالجملة فالسند ضعيف بالاحتمال.

مضافاً إلى أبي بصير ، فإنّه لا يخلو من إشكال (٦) وإنّ كان في الظن أنّ مثل هذا السند الراوي فيه أبو بصير عن أبي عبد الله لا يحتمل المجهول ، بل إمّا الإمامي ( الثقة (٧) أو ) (٨) المخلط الوارد فيه الذم في معتبر الأخبار كما‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٣٧ : فيصلي.

(٢) ليست في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٣٧.

(٣) من جهة إبراهيم بن هاشم كما تقدم في ص ٨٧٠ ، راجع ص ٣٦ ، ٣٣٩.

(٤) راجع ص ٨٥ ، ٨٦.

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٦) لأنّه مشترك بين الثقة وغيره ، هداية المحدثين : ٢٧٢.

(٧) في « د » زيادة : النقه.

(٨) ما بين القوسين ليس في « رض ».

٢٤٣

قدّمناه (١) ، وسيأتي إنّ شاء الله في هذا الكتاب أيضاً في باب النكاح.

والثالث : فيه عثمان بن عيسى ، وقد كرّرنا القول فيه بأنّه ضعيف (٢).

المتن :

في الأول لا دلالة فيه على تفصيل الشيخ ، بل إنّما يدلّ على أنّ الناسي عليه الإعادة ، ومع ظن إصابة النجاسة أو توهّمها ولم ير بعد النظر ينضح الثوب ، وهذا أمر خارج عن التفصيل.

والثاني : دال على الناسي من غير فرق بين من قصّر في غسله أم (٣) لا ، وتقييده بما إذا قصّر لما يستفاد من بعض الأخبار (٤) ليس بأولى من الحمل على الاستحباب ، لما يأتي في الخبر الصحيح عن العلاء من عدم إعادة الناسي (٥) ، وغيره أيضاً من الأخبار (٦).

واحتمال الحمل على عدم إعادة الناسي خارج الوقت ، فيبقى ما دل على الإعادة وارداً في الوقت ، يشكل أوّلاً : بأنّ تفصيل الشيخ لم يتناول هذا.

وعلى تقدير توجيهه من غير نظر إلى مقالة الشيخ ، يمكن أنّ يقال : إنّ الحكم بهذا التفصيل يتوقف على ما يدل عليه ، إلاّ أنّ يقال : إنّ وجه الجمع لا يحتاج إلى دليل. وفيه : أنّ مع تعدّد الاحتمالات يحتاج الترجيح إلى الدليل ، فالاعتراض على الشيخ متوجه ، على أنّه يمكن من التعليل في‌

__________________

(١) راجع ص ٥١ ، ٩٢.

(٢) راجع ص ٥٠.

(٣) في « فض » و « رض » : أو.

(٤) التهذيب ١ : ٢٥٤ / ٧٣٦ ، الوسائل ٣ : ٤٣١ أبواب النجاسات ب ٢٠ ح ٦.

(٥) التهذيب ١ : ٤٢٣ / ١٣٤٥ ، الوسائل ٣ : ٣٨٠ أبواب النجاسات ب ٤٢ ح ٣.

(٦) التهذيب ٢ : ٣٦٠ / ١٤٨٩ ، الوسائل ٣ : ٤٧٤ أبواب النجاسات ب ٤٠ ح ٢.

٢٤٤

خبر العلاء استفادة ما يتناول الوقت وخارجه ، ويؤيد الاستحباب ، وما يأتي منه في خبر العلاء ستسمعه إنّ شاء الله تعالى.

والثالث : ظاهر التعليل فيه وإن أفاد بعض ما فصّله الشيخ ، إلاّ أنّه لا ينافي الاستحباب مع تحقق المعارض ، وذكر العقوبة لا يدل على الوجوب ؛ لأنّ العقوبة منتفية عن الناسي ببعض الأخبار المعتبرة (١) ، والاعتبار العقلي المؤيد له ، فلا بد من حمل العقوبة على ما يقتضي الاستحباب ، فيؤيّد الحمل عليه فليتأمّل.

اللغة :

قال في القاموس : همّه الأمر همّاً حزنه كأهمّه فاهتَمّ ، ثم قال : والهَمّة بالفتح ما هُمّ به من أمر ليفعل (٢).

قوله (٣) :

فأمّا ما رواه محمد بن الحسن الصفار ، عن محمد بن الحسين ، عن وهب (٤) بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل صلّى وفي ثوبه بول أو جنابة ، فقال : « علم به أو لم يعلم فعليه الإعادة إعادة الصلاة إذا علم ».

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٦ / ١٣٢ ، الخصال : ٤١٧ / ٩ ، الوسائل ٨ : ٢٤٩ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٣٠ ح ٢.

(٢) القاموس المحيط ٤ : ١٩٤.

(٣) في « رض » : قال.

(٤) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٣٩ : وهيب.

٢٤٥

فالوجه في قوله : « علم به أو لم يعلم » أنّ يكون المراد به (١) في حال قيامه إلى الصلاة بعد أنّ يكون سبقه العلم ؛ لأنّه متى تقدّم العلم بحصول النجاسة ثمّ نسي كان عليه الإعادة على ما بيّناه.

ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن الحسن بن علي بن عبد الله (٢) ، عن عبد الله بن جبلة ، عن سعد (٣) ، عن ميمون (٤) الصقيل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : قلت له رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل فلمّا أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة ، فقال : « الحمد لله الذي لم يدع شيئاً إلاّ وله حدّ ، إنّ كان حين قام نظر فلم ير شيئاً فلا إعادة عليه ، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الإعادة ».

الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، قال : قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو شي‌ء من مني فعلّمت أثره إلى أنّ أُصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصلّيت ثم إنّي ذكرت بعد ذلك ، قال : « تعيد الصلاة وتغسله ».

قلت : فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنّه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلمّا صلّيت وجدته ، قال : « تغسله وتعيد الصلاة ».

قلت : فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئاً ثم صلّيت فرأيت فيه ، قال : « تغسله ولا تعيد الصلاة ».

__________________

(١) ليست في « فض ».

(٢) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٤٠ : عبيد الله.

(٣) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٤٠ : سيف.

(٤) في الاستبصار ١ : ١٨٢ / ٦٤٠ : منصور.

٢٤٦

قلت : ولِمَ ذاك؟ قال : « لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أنّ تنقض اليقين بالشك أبداً » (١).

قلت : فإنّي قد علمت أنّه أصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟ قال : « تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارته ».

قلت : فهل عليّ إنّ شككت في أنّه أصابه شي‌ء أن أنظر فيه ، فقال : « لا (٢) ولكنّك إنّما تريد أنّ تُذهب الشك الذي وقع في نفسك ».

قلت : إن (٣) رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ، قال : « تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع فيه ثم رأيته ، وإنّ لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت وغسلته ثم بنيت على الصلاة ، لأنّك لا تدري لعله شي‌ء أُوقع عليك فليس ينبغي أنّ تنقض اليقين بالشك ».

السند‌ :

في الأول : فيه وهب بن حفص على ما وجدته ، والذي في الرجال وهيب مصغّراً (٤) ، والشيخ في الفهرست ذكر أنّ الراوي عنه محمد بن الحسين (٥) ، والرجل واقفي ثقة (٦) ، وأبو بصير تكرر القول فيه (٧).

__________________

(١) ليست في « فض » و « رض ».

(٢) ليست في « فض ».

(٣) في الإستبصار ١ : ١٨٣ / ٦٤١ : فإن.

(٤) راجع رجال النجاشي : ٤٣١ / ١١٥٩ ، رجال الطوسي : ٣٢٨ / ٢٧.

(٥) الفهرست : ١٧٣ / ٧٥٨.

(٦) رجال النجاشي : ٤٣١ / ١١٥٩.

(٧) راجع ص ٥١ ، ٩٢ ، ٨٩٢.

٢٤٧

والثاني : فيه عبد الله بن جبلة وهو واقفي ثقة (١) ، وميمون الصيقل مجهول الحال إذ لم أجده في الرجال. أمّا الحسن بن علي بن عبد الله فهو ابن المغيرة الثقة (٢). وأمّا سعد فهو مشترك (٣).

والثالث : ليس في شأن رجاله ارتياب.

المتن :

في الأول : كما ترى لا يخلو من إجمال ، فالشيخ حمله على أنّ المراد علم به حين القيام للصلاة أو لم يعلم مع سبق العلم على ذلك ليكون الرجل ناسياً ، أمّا لو حمل على أنّ المراد علم سابقاً أو لم يعلم ليدخل فيه الجاهل لنا في ما دلّ على عدم إعادة الجاهل ، ولا يخفي أنّه يتوجه على الشيخ أنّ الجاهل وإنّ سبق منه عدم الإعادة عليه إلاّ أنّه قائل في المبسوط علي ما نقل بإعادة الجاهل في الوقت (٤).

ورواية وهب بن عبد ربه السابقة تدل بإطلاقها على الإعادة إذا علم ، سواء كان ناسياً أو جاهلاً ، وحمله في التهذيب الرواية ـ على أنّه إذا لم يعلم في حال الصلاة ولكن سبقه العلم ليكون ناسياً ـ (٥) في غاية البعد ، والحمل على الاستحباب ممكن في رواية وهب ، فليكن في هذه الرواية على الاستحباب ، ولا يشكل الحال بتضمنها الناسي أيضاً في قوله : « علم أو لم يعلم » لإمكان القول بالاستحباب في الناسي أيضاً كما سبقت إليه‌

__________________

(١) النجاشي : ٢١٦ / ٥٦٣.

(٢) وثقه النجاشي في رجاله : ٦٢ / ١٤٧.

(٣) انظر هداية المحدثين : ٧٠.

(٤) نقله عنه في المدارك ٢ : ٣٤٨ ، وهو في المبسوط ١ : ٣٨.

(٥) التهذيب ٢ : ٣٦٠ / ١٤٩١.

٢٤٨

الإشارة (١).

وما ذكره العلاّمة في المختلف : من أنّ الجاهل يعيد في الوقت فقط مستدلاًّ برواية حفص بن غياث المذكورة أول الباب من قوله عليه‌السلام : « ما أُبالي أبول أصابني أو (٢) ماء إذا لم أعلم » معلّلاً بأنّ المساواة تنفي الإعادة خارج الوقت كما في الماء (٣).

لا يخلو من غرابة في نظري القاصر ؛ لأنّ مقتضى الرواية عدم العلم ، فإن حمل على الجهل بالنجاسة بمعنى عدم العلم بكون الشي‌ء نجساً كما هو الظاهر من قوله : « أو ماء » فيكون الغرض بيان الطهارة ، فإعادة الصلاة وعدمها إذا علم بعدُ لا دخل لها في الرواية ، وإنّ حمل على أنّ المراد بيان حال الصلاة لزم أنّ يكون المراد بعدم المبالاة عدم الإعادة مطلقاً كالماء ، والحال أنّ العلاّمة قائل بالإعادة في الوقت ، والتشبيه بالماء في شي‌ء دون شي‌ء لا يخفى ما فيه ، على أنّ الظاهر من الرواية أنّ المراد إذا لم أعلم أصلاً ، أما لو علم بعد الوقت فالنجاسة لا ريب فيها ، وحينئذ فذكر الماء غير لائق على الإطلاق ، وبالجملة فالاستدلال بالحديث مبني على ما ذكره الشيخ.

وأعجب من ذلك استدلاله أيضاً برواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله السابقة حيث قال فيها عليه‌السلام : « فإن كان لم يعلم فلا يعيد » (٤) ، ووجّه الاستدلال بأنّا إنّما حملناها على عدم الإعادة مع خروج الوقت لما رواه‌

__________________

(١) راجع ص ٨٩٠.

(٢) في « د » و « فض » : أم.

(٣) المختلف ١ : ٧٩.

(٤) راجع ص ٨٨٠.

٢٤٩

أبو بصير ، وذكر الرواية السابقة المتضمنة لأنّه إذا علم بالنجاسة في الأثناء يبتدئ الصلاة (١) ، ثم ذكر رواية وهب بن عبد ربه السابقة أيضاً حيث قال فيها : « يعيد إذا لم يكن علم » (٢) قال رحمه‌الله فنقول : هذان الحديثان ولا على الإعادة ، والأوّلان على عدمها ، والتنافي محال فلا بدّ من حمل أحدهما على عين والآخر على أخرى ، وإيجاب الإعادة مع خروج الوقت وعدمها مع بقائه غير معقول ، فتعيّن العكس ، ولأنّه في الوقت لم يأت بالمأمور به وهو الصلاة في ثوب طاهر ، فيبقى في عهدة التكليف ، وبعد الوقت خرج عن العهدة ، لأنّ القضاء شرع جديد (٣). انتهى.

وأنت خبير بما يتوجّه على هذا الكلام ، أمّا أوّلاً : فلأنّ رواية أبي بصير تضمنت الإعادة لو علم في الأثناء ، وأيّ ملازمة بين هذا والعلم بعده؟ وأظن أنّ الذي حداه على ما ذكره ما ينقل عن الشيخ في المبسوط (٤) أنّه احتجّ للإعادة في الوقت على الجاهل بأنه لو علم في أثناء الصلاة وجب عليه الإعادة فكذا ( إذا علم في الوقت. وهذا من الشيخ أيضاً غريب.

وأمّا ثانياً : فما ذكره من أنّ التنافي محال. صحيح ، ولكن لا ) (٥) ينحصر دفعه فيما قاله بل الاستحباب ممكن.

وأمّا ثالثاً : فقوله : إنّه لم يأت بالمأمور به. محلّ تأمّل ؛ لأنّ الامتثال ظاهراً يقتضي الإجزاء.

وما قيل : من أنّ الذمّة مشغولة بيقين ولم يعلم خلوصها إلاّ بالإعادة.

__________________

(١) راجع ص : ٢٣٤.

(٢) راجع ص : ٢٣٥.

(٣) المختلف ١ : ٧٩.

(٤) نقله عنه في المنتهى ١ : ١٨٤ ، ولم نعثر عليه في المبسوط.

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».

٢٥٠

ففيه : أنّ اشتغال الذمّة إنّ أُريد به قبل هذه الصلاة الواقعة فمسلّم ، والمدّعى بعد وقوعها ، والمنع من يقين اشتغال الذمّة لا يمكن دفعه ، فليتأمّل.

وقول العلاّمة رحمه‌الله : إنّ القضاء بأمر جديد مسلّم ، لكن ليت شعري كيف غفل عن وروده عليه في الناسي ، فإنّه ذهب في الكتاب إلى وجوب الإعادة عليه في الوقت وخارجه ، واستدلاله على إعادة الناسي بالأخبار ، فيه أنّها متعارضة ، مع أنّه ذكر في جملة الاحتجاج عدم الإتيان بالمأمور به ، وبالجملة فالمقام واسع الباب والله الموفق للصواب.

ثم الثاني : كما ترى يدلّ على التفصيل بالنظر وعدمه ، والشيخ لا يعتبر هذا في التفصيل السابق ، وعلى تقدير الحمل على الاستحباب يسهل الخطب.

وقوله عليه‌السلام : « الحمد لله » إلى آخره ، كأنّه يريد به الشكر على علمه بحدود الأشياء ، ويحتمل أنّ يريد الشكر على بيان الحدود للناس.

وأمّا الثالث : فدلالته على مطلوب الشيخ لا يتم إلاّ بذكر ما اشتمل عليه الخبر من الأحكام وهي ستة :

الأوّل : ما تضمنه صدره من أنّه علّم الأثر إلى أنّ يصيب الماء ، يدل على أنّ الماء غير موجود فلا تقصير ، والجواب تضمن الإعادة ، والشيخ فيما تقدم قيّد إعادة الناسي بالتفريط ، فلا دلالة على مطلوبه من هذه الجهة.

الثاني : مفاد الخبر أنّه إذا لم يكن رأى موضع المني مع علم الإصابة عليه الإعادة ، وهذا مع عدم النسيان واضح الوجه ، أمّا مع النسيان ففيه إطلاق الإعادة سواء كان قصّر في غَسله أم لا ، والشيخ قد مضى تقييده (١) ،

__________________

(١) راجع ص ٨٨٨.

٢٥١

فلا يدل على مطلوبه ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ ما تضمنه أوّل الخبر ملحوظ في ثانيه وهو اعتبار النسيان وعدم الماء ، وهذا وإن بَعُد إلاّ أنّ اعتبار النسيان لا بدّ منه في الخبر ، كما لا يخفى.

الثالث : مفاد الخبر أنّه لو ظنّ الإصابة ونظر فلم ير شيئاً ثم صلّى ورآى عدم الإعادة ؛ لأنّ الشك لا يرفع اليقين ، وهذا كما ترى يدل على عدم الاعتداد بالظنّ في النجاسة ، ولا ينافي ما قدّمناه ؛ لأنّا بيّنا أنّ مطلق الظن غير كافٍ (١).

وفي الخبر دلالة على أنّ عدم اعتبار الظن لسبق اليقين ، وهو لا ينفي الاعتداد به مع سبق ظنّ الطهارة على تقدير إقامة الدليل على ظنّ النجاسة ، كما لا يخفى.

غير أنّ في نظري القاصر إمكان أنّ يقال : إنّ اليقين السابق يصير ظنا الآن ؛ إذ مرجعه إلى الاستصحاب وهو ظني ، وإذا تعارض الظنان (٢) خفي الوجه في ترجيح الأوّل على الثاني وإطلاق اليقين على الأوّل في الرواية.

ويمكن أنّ يقال : إنّ اليقين وإنّ صار ظنا الآن ، إلاّ أنّ سبق اليقين لا ريب فيه ، والظنّ الآن للطهارة مع ظن النجاسة يصير شكّاً ، إذ هو مع تساوي الظنين ، وإذا صار شكاً لا يعارض اليقين السابق ، وهذا هو السرّ في الظاهر لقوله عليه‌السلام : « ثم شككت » ولو لا ما قلناه لم يكن الشك حاصلاً ، بل الظنّ.

فإن قلت : لو فرض أنّ ظن النجاسة أرجح من ظن البقاء على الطهارة ينبغي على ما ذكرت تقديمه على ظن الطهارة لأنّ الشك إنّما هو‌

__________________

(١) راجع ص ٨٨١ ٨٨٢.

(٢) في « د » : الظنيان.

٢٥٢

مع (١) التساوي.

قلت : الأمر كما ذكرت إلاّ أنّه عليه‌السلام لما قال : « ثم شككت » كأنّه علم من زرارة تساوي الظنين ، وحينئذ يمكن القول بترجيح النجاسة إذا رجح ظنّها ودل عليه دليل كما أسلفناه (٢) ، والخبر حينئذ لا ينافيه بهذا التوجيه.

ويمكن أيضاً أنّ يقال : إنّ اليقين إذا لم يعارضه يقين مثله لا يلتفت إلى المعارض ، وتسميته شكّاً لا مانع منه ؛ لأنّ اصطلاح المتأخّرين لا يقتضي المشاركة لزمن الأئمة عليهم‌السلام ، فينبغي التأمّل في هذا ، فإنّي لم أجد من فصّل ذلك.

والعجب من عدم ذكر الوالد قدس‌سره الرواية في حجة عدم الاكتفاء بالظنّ في النجاسة ، ولكن (٣) الاحتمال الذي قدّمناه من الاختصاص في الرواية يصلح لدفع التعجب ، لكن لم يذكره قدس‌سره على ما رأيت ولا غيره.

ومن هنا يعلم أنّ ما في الحبل المتين : من أنّه ربما استفيد من الحديث أنّ ظن النجاسة لا يقوم مقام العلم ، وأنّ الظن قد يطلق عليه اسم الشك ، وليس بشي‌ء ؛ لأنّ قول زرارة : فنظرت فلم أر شيئاً. يعطي تغير ذلك الظن ، وقوله : « ثم شككت » ينبئ عن انقلاب ذلك الظن شكاً (٤). محلّ بحث :

أمّا أوّلاً : فلأنّ مفاد الرواية أنّ زرارة نظر فلم يرَ شيئاً ، وهذا كما يجوز أنّ يكون حصل منه الشك في النجاسة أو ظنّ عدمها ، ومع الاحتمال‌

__________________

(١) ليس في « فض ».

(٢) راجع ص ٨٨١ ٨٨٢.

(٣) ليست في « رض » وفي « فض » : لكن.

(٤) الحبل المتين : ١٧٤.

٢٥٣

فحمل الشك من الإمام على ما ذكره موقوف على العلم بانقلاب ظن زرارة شكّاً ، وهو مشكل ، على أنّ الظاهر من عدم الرؤية انتفاء الشك.

فإن قلت : قول الإمام : « ثم شككت » يدل على شكّ زرارة وهو المطلوب.

قلت : لا ريب أنّه يدل على شكّه ، أمّا كونه بأيّ نوع فلا ، والمعارضة بأنّ دلالته على كون الظنّ شكاً موقوف على العلم بذلك ، ومع قيام احتمال غيره وهو ما ذكره المُورد من انقلاب ظنه لا يحصل العلم ، يمكن الجواب عنها بأنّ قوله عليه‌السلام : « لأنك كنت على يقين ثم شككت » والحال أنّه لم يتعقب اليقين إلاّ الظن.

فإن قلت : الظنّ وإنّ تعقّب إلاّ أنّ الشك لما تعقّبه صدق تعقب الشك لليقين.

قلت : لو تم ما ذكرت يبقى حكم الظن خارجاً عن الرواية لو خلا من الشك ، والظاهر من الرواية بيان أنّ اليقين لا يرفعه إلاّ اليقين ، ولو كان يرفعه الظن لذكر في مقام جواب السؤال.

إلاّ أنّ يقال : إنّ السؤال إنّما تضمن الشك ، والجواب وقع مطابقاً.

وفيه أنّ الظاهر من السؤال هو الظن ، وإنّما أتى عليه‌السلام بالشك ، فالظاهر مطابقة السؤال فيصير الظنّ ممّا يطلق عليه الشك على الوجه الذي قررناه لا مطلقاً.

والحق أنّ باب الاحتمال واسع ، والجزم بكل من الطرفين مشكل ، إلاّ أنّا ندعي الظهور ، فتأمّل.

وأمّا ثانياً : فلأنّ الجواب يقتضي الاعتراف بقول المعترض في قيام الظن مقام العلم على الإطلاق ، والحال أنّ الخبر بتقدير تسليم الدلالة يدل‌

٢٥٤

على عدم قيام الظن مقام العلم إذا سبقه العلم ، لا مطلقاً كما لا يخفى.

الرابع : يستفاد من الرواية الاكتفاء بغَسل الناحية التي أصابها المني ، وقد تقدّم من الأخبار هنا ما يدل على غَسل الثوب كلّه مع الاشتباه (١) ، وفي التهذيب روى الشيخ أيضاً ما يدل على ذلك (٢) ، ولعلّ الجمع ممكن بحمل غَسل الثوب على الاشتباه فيه كله.

ولا يتوجه علينا أنّ هذا الخبر مناف لما أسلفناه من دفع كلام البعض حيث قال : إنّ غَسل البعض من المشتبه يزيل يقين النجاسة ، فأجبنا عنه بأنّ يقين النجاسة لا يزول بعد أمر الشارع بغَسل كل المشتبه (٣).

وهذا الخبر لا ينافي ما قلناه لأنّه عليه‌السلام أوجب غَسل الناحية ، ومعلوم أنّ قدر المني قد يكون أقلّ ممّا غسل ، غاية الأمر أنّ الناحية في هذا الخبر مجملة وبيانها من غيره الدال على غَسل موضع الاشتباه ، وحينئذ ما تيقن خلوّه لا يغسل ، والمشتبه يغسل ، وهو المعبَّر عنه في هذا الخبر بالناحية.

وقوله عليه‌السلام : « حتى تكون على يقين من طهارتك » في نظري القاصر يدل على أنّ النجاسة إذا تحققت لا بد في رفعها من اليقين ، وكثيراً ما يعترض على الشيخ حيث يستدل بالاحتياط موجّهاً له بأنّ اليقين يحصل به ، فيقال : بأنّ اليقين يحصل بما أعدّه الشارع ، وأنت خبير بأنّ ما أعدّه الشارع قد عارضه هذا الحديث ، ويمكن الجواب بأنّ المراد باليقين هنا ما يتناول الظن ، كما يدل عليه التأمّل في الأحكام الشرعية.

فإن قلت : لو أُريد بالخبر ما يعم الظن لم يتم الحكم ؛ لأنّه عليه‌السلام

__________________

(١) راجع ص ٨٤٧ و ٨٥١ و ٨٦٩.

(٢) التهذيب ١ : ٢٥٢ / ٧٢٧ ٧٢٩.

(٣) راجع ص ٨٤٩ ٨٥٠.

٢٥٥

جعل غَسل الناحية موجب اليقين ، فلو كان أعم من الظن لما وجب غَسل جميع الناحية ، بل لو غسل البعض قد يحصل الظن بالطهارة.

قلت : الظاهر عدم تحقق الظن ، بل يزول يقين النجاسة ، وهو أعم من ظن الطهارة فليتأمّل.

فإن قلت : إذا حمل اليقين هنا على ما يشمل الظن ففي الأوّل كذلك ، ويشكل الحال من جهات.

قلت : وإنّ أشكل الأمر إلاّ أنّه قابل للتوجيه.

الخامس : ما تضمنه الحديث من قوله : إنّ رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة قال : « تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع فيه ثم رأيته » فيه احتمالان :

أحدهما : أنّ يكون الكلام مرتبطاً بما تضمنه أوّل الخبر من نسيان النجاسة ، وحينئذ يدلّ على أنّ الناسي إذا ذكر في الأثناء يقطع الصلاة ، لكن لا يخفى أنّ قوله : « إنّ شككت » لو جعل من إتمام الكلام يشكل بأنّه على تقدير النسيان لا وجه للشك.

( وقد يظهر هذا ) (١) من شيخنا قدس‌سره حيث استدل على أنّ الناسي إذا ذكر في الأثناء يقطع الصلاة بالخبر المذكور ( هذا ، لكنه ) (٢) أجمل العبارة فإنّه ذكر أول الرواية ثم قال : ولحديث طويل إلى أنّ قال عليه‌السلام : « تنقض الصلاة » (٣) وهذا كما ترى قد يظن منه أنّه جعل « وتعيد » كلاماً مستأنفاً ، وستسمع الكلام فيه.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « فض » : والذي يظهر.

(٢) بدل ما بين القوسين في « فض » : لكن.

(٣) المدارك ٢ : ٣٥١.

٢٥٦

وثانيهما : أنّ يكون منقطعاً عن الأول لكنه يراد به مع العلم والشك في الموضع ، إذ لو أُريد مجرّد الشك من دون علم الإصابة أشكل الفرق في الرواية بين ما ذكر في آخرها وبين هذه المسألة كما تنبّه عليه.

ويمكن أنّ يوجه إرادة الشك مع عدم العلم بالإصابة ، ولا يضر خفاء الحكمة.

وربما يستدل به على أنّه مع العلم بالإصابة والنسيان يجب القطع بطريق أولى ، ويكون هو مقصود شيخنا قدس‌سره وإنّ أوهمت العبارة خلافه.

وفيه : أنّ مفهوم الموافقة محلّ بحث كما قدّمناه ، وبتقدير تمامه فهو موقوف على العلّة.

ثم إنّ المفهوم من الرواية على هذا الاحتمال يدل على أنّه لو لم يشكّ أوّلاً ثم رآه لا ينقض الصلاة ، وعدم الشك متحقق (١) بظن العدم والجهل بالنجاسة.

السادس : مقتضى قوله : « وإنّ لم تشك » الى آخره ، أنّ احتمال التجدّد كاف في الحكم المذكور مطلقاً ، والحال أنّه قد يعلم الانتفاء كذلك ، ولعل المراد إذا تحقق الاحتمال ولم يعارضه أرجح منه.

ثم إنّ هذا الحكم كما ترى صريح في الانقطاع عن السابق أعني حكم اللباس الموجود فيه النجاسة مع الشك في الإصابة. وإبداء احتمال (٢) في المقام لا وجه له ، نعم قد يستفاد من الحديث أنّ المني لو وجد رطباً واحتمل التجدد من غير الواجد يحكم بكونه منيّاً ، وحينئذ فيه دلالة على اعتبار الأوصاف الخارجة (٣) للمنيّ كما ذكره الأصحاب الذين رأينا كلامهم ،

__________________

(١) في « فض » و « رض » : يتحقق.

(٢) في « رض » الاحتمال.

(٣) في « فض » : الخارجية.

٢٥٧

وقد قدّمنا في أوّل الكتاب كلاماً في هذا واسعاً (١) ، لكن ينبغي أنّ يعلم أن ليس في هذا الخبر حينئذ منافاة لما تقدّم في أول الباب من قوله عليه‌السلام : « لا أُبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم » (٢) لأنّ الظاهر من الخبر حصول العلم ، وبالجملة فالظاهر أنّ هذا الحكم لا يخلو من إشكال ، والله تعالى أعلم بالحال.

بقي شي‌ء في المقام وهو أنّ في الحبل المتين ما هذا صورته : واعلم أنّ بعض الأصحاب جعل ما تضمنه الحديث من قول زرارة : إنّ رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ، وقوله عليه‌السلام في جوابه : « تنقض الصلاة » دالاّ على أنّ من علم النجاسة في ثوبه ثم نسيها ورآها في أثناء الصلاة فإنّه يقطع الصلاة ، وهو مبني على أنّ هذا القول من زرارة مندرج تحت قوله في أول الحديث : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره ، إلى قوله : ونسيت ، وأنّ قوله عليه‌السلام : « تنقض الصلاة » منقطع عن قوله : « وتعيد إذا شككت » إلى آخره ، وهو كما ترى ، ( فإن الظاهر أنّ ) (٣) هذا القول من زرارة غير مندرج تحت كلامه ذاك ولا منخرط في سلكه ، و (٤) أنّ قوله عليه‌السلام : « تنقض الصلاة » غير منقطع عن قوله : « وتعيد إذا شككت » بل هو مرتبط به ، وظنّي أنّ هذا القول من زرارة إنّ جعل مرتبطاً بما قبله فليجعل مرتبطاً بقوله : فهل عليّ إنّ شككت. فكأنّه قال : إذا شككت قبل الصلاة في إصابته ثوبي ثم رأيته فيه وأنا في الصلاة فما الحكم؟ فأجابه عليه‌السلام بأنّه إذا سبق شكك في‌

__________________

(١) راجع ص ٤٦٨.

(٢) راجع ص ٨٨٠ ٨٨١.

(٣) في المصدر بدل ما بين القوسين : فان من تأمل هذا الحديث لا يرتاب في أنّ ، والموجود جعل نسخة في الهامش.

(٤) في المصدر زيادة : لا في.

٢٥٨

موضع من الثوب أنّه أصابه نجاسة ثم رأيتها وأنت في الصلاة فانقض الصلاة وأعدها ، وإنّ لم يكن سبق منك شك في إصابة النجاسة (١) ثم رأيتها على وجه يحتمل تجدده قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت (٢). انتهى المراد منه.

وفي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل :

أمّا أوّلاً : فما ذكر (٣) من أنّه مبني على الانتظام في سلك أوّل الكلام ، ففيه : أنّه لا ملازمة ، وإنّما وقع ما قاله في عبارة القائل وهو شيخنا قدس‌سره اختصاراً (٤) ، وقد يمكن القول بما نقل من دون الارتباط ؛ لأنّ الظاهر من الرواية عدم انقطاع لفظ « وتعيد » عن لفظ « تنقض الصلاة » وحينئذ فالشك في موضعه ينبئ عن العلم بالنجاسة والشك في الموضع ثم الصلاة ناسياً ، إذ العمد معلوم الانتفاء ، ولو كان المراد الشك في الإصابة وعدمها لنا في قوله السابق : هل عليّ إنّ شككت ، إلى آخره. فإنّ الجواب حينئذ ينبغي أن يكون ببيان لزوم قطع الصلاة إذا رأيته في الأثناء ، لا إطلاق النفي في الجواب ، وحينئذ فالظاهر الدلالة على النسيان.

وأمّا ثانياً : فما ذكر (٥) من أنّ الارتباط بما قبله يقتضي الارتباط بقوله : فهل عليّ إلى آخره. إنّ أُريد به أنّ الارتباط بالأمرين معاً كان حاصل السؤال أنّي لو نسيت بعد أنّ علمت إصابته ثوبي وشككت في موضعه ، والحال أن تتمّة الكلام من قوله : فكأنه قال : إذا شككت قبل الصلاة في‌

__________________

(١) في الحبل المتين زيادة : وكنت خالي الذهن من ذلك.

(٢) الحبل المتين : ١٧٤.

(٣) في « رض » : ذكره.

(٤) المدارك ٢ : ٣٥١.

(٥) في « رض » : ذكره.

٢٥٩

إصابته ثوبي. وهذه الصورة لا تعين فيها كما لا يخفى ، وإنّ جعل الارتباط بالأول مجرّد ذكر الثوب فغير مرتبط.

وأمّا ثالثاً : فقوله عليه‌السلام : « وإنّ لم تشك ثم رأيته رطباً » لو عاد إلى ما سبق لما كان فرق بين الرطوبة وعدمها ؛ لاحتمال التجدّد في الجميع ، ولعلّ قوله عليه‌السلام : « وإنّ لم تشك » مستأنف ، والمراد نفي الشكّ أصلاً.

والحق أنّ الاستدلال بالخبر غير تامّ مع قيام الاحتمال بل الاحتمالات ، والله وليّ التوفيق.

قوله (١) :

فأما ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن العلاء ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشي‌ء ينجّسه فينسى أنّ يغسله فيصلّي فيه ثم يذكر أنّه لم يكن غسله أيعيد الصلاة؟ قال : « لا يعيد ، قد مضت الصلاة وكتبت له ».

فلا ينافي في التفصيل الذي ذكرناه ؛ لأنّ الوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّ يكون قد مضى وقت الصلاة ، لأنّه متى نسي غَسل النجاسة عن الثوب إنّما يلزمه إعادتها ما دام في الوقت ، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه ، وقد مضى ذلك في رواية أبي بصير.

والذي يدل على التفصيل الذي ذكرناه :

ما أخبرني به الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن‌

__________________

(١) في « رض » : قال.

٢٦٠