إستقصاء الإعتبار - ج ٢

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-174-5
الصفحات: ٤٨٨

الوجه ، بل كلما يقال في أحمد من جهة كونه من مشايخ الإجازة يقال في محمد بن إسماعيل.

وتصحيح العلاّمة لبعض الطرق الواقع فيها (١) غير المنصوص عليه بالتوثيق مشترك ، وحينئذ : فإمّا أن تردّ جميع الروايات ، أو يقبل جميعها ، فالفرق لا يظهر لي وجهه ، وذكر أحمد بن محمد بن يحيى من الشيخ ( في كتابه ) (٢) لا يسمن ولا يغني من جوع ، فينبغي من جوع ، فينبغي التأمل فيما قلته ، ليتضح الفرق أو عدمه.

وإذا عرفت هذا يظهر لك أنّ ما قيل من أنّ البول والغائط إذا خرجا من غير السبيلين نقضا مطلقاً (٣). لا يخلو من تأمّل عند من يعمل بالأخبار ، أمّا مثل ابن إدريس كما نقل عنه القول بذلك (٤) ، فيمكن توجيه كلامه ، نظراً إلى إطلاق الآية ، وإن أمكن المناقشة أيضاً باحتمال انصراف المطلق إلى الفرد الشائع.

وكذلك ما نقل عن الشيخ في المبسوط والخلاف ـ من الفرق بين ما يخرج من تحت المعدة وما يخرج من فوقها ، فإنّه حكم بأنّ ما يخرج من تحت المعدة ينقض وإن لم يكن معتاداً (٥) ـ محل كلام ، وتوجيه بعض محققي المتأخّرين (٦) لكلام الشيخ حق ، إلاّ أنّه لا بُدّ من نوع تقييد بما أشرنا‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢٧٥.

(٢) في « رض » : وكتابه.

(٣) التذكرة ١ : ١٠.

(٤) نقله عنه العلاّمة في المختلف ١ : ٩٧ ، وهو في السرائر ١ : ١٠٦.

(٥) نقله عنه المحقق في المعتبر ١ : ١٠٦ ، وهو في المبسوط ١ : ٢٧ ، والخلاف ١ : ١١٥.

(٦) كالشيخ البهائي في الحبل المتين : ٢٩.

٤١

إليه ، وقد ذكرنا جميع ذلك في موضعه ممّا قدمنا إليه الإشارة ، والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.

اللغة :

قال في المغرب : الناصور ، قرحة غائرة قلّما تندمل (١).

قال :

وأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن الحسن أخيه ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عمّا ينقض الوضوء ، قال : « الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه ، والقرقرة في البطن ، إلاّ شيئاً (٢) تبصر عليه ، والضحك في الصلاة ، والقي‌ء ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من الاستحباب ، أو على الضحك الذي لا يملك معه نفسه ، ولا يأمن أن يكون قد أحدث.

والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن رهط سمعوه يقول : « إنّ التبسم في الصلاة لا ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء ، إنّما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة ». قوله عليه‌السلام : « إنّما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة » ( راجع إلى الصلاة دون الوضوء ألا ترى أنّه قال : « يقطع الضحك الذي فيه القهقهة » ) (٣) والقطع لا يقال إلاّ في الصلاة ،

__________________

(١) المغرب ٢ : ٢١٣ ( نص ).

(٢) في النسخ : إلاّ شي‌ء ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٨٦ / ٢٧٣.

(٣) ما بين القوسين ساقطة من « فض ».

٤٢

لأنه لم تجر العادة أن يقال : انقطع الوضوء ، وإنّما يقال : انقطعت الصلاة ، ويحتمل أن يكون الخبران وردا مورد التقية ، لأنّهما موافقان لمذاهب (١) العامّة.

السند‌

في الأوّل : موثّق ، وقد تقدّم (٢).

والثاني : مرسل ، وكونه من ابن أبي عمير سبق القول فيه (٣) ، وتأييد العمل به لأنّه عن رهط محل كلام.

المتن :

في الأوّل : قد ذكرنا ما فيه عن قريب ، والاحتمال المذكور من الشيخ أنّه محمول على الضحك الذي لا يملك معه نفسه ولا يأمن أن يكون قد أحدث ، غير تام ؛ لأنّ احتمال الحدث لا ينقض الطهارة ، ولو أراد ذهاب العقل ، ففيه ـ مع البعد ـ أنّ احتمال الحدث لا وجه له ، إذ مجرد زوال العقل كاف عند الأصحاب.

ثم إنّ الحمل على الاستحباب قد يشكل ، بأنّ ذكر الضحك مع الحدث يقتضي المشاركة في الاستحباب ، وعدم تماميته واضح ، واختصاص الاستحباب ببعض ما تضمنه الخبر بعيد ، فكان الحمل على التقية متعيّناً.

أمّا الخبر الثاني : فتوجيه الشيخ فيه له وجه ، أمّا رجوعه إلى الحمل‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٨٦ / ٢٧٤ زيادة : بعض.

(٢) راجع ج ١ : ٣٥٦.

(٣) راجع ج ١ : ١٠٢ ـ ١٠٣.

٤٣

على التقية بعد جعله دالاًّ على عدم نقض الوضوء فقد ينكر إلاّ أنّ التوجيه ليس بالبعيد ، فيقال على تقدير الدلالة هو محمول على التقية ، وقد عرفت ممّا تقدم النقل عن ابن الجنيد (١) واحتجاجه بالخبر الأوّل.

وتخيل صلاحية الاستدلال بهذا الخبر المرسل نظراً إلى المفهوم ، أو لأنّ القطع يتناول ، مدفوع بأدنى ملاحظة في المفهوم ، وبما قاله الشيخ في القطع ، ولو ذكر الشيخ رواية زرارة السابق نقلها منّا ، كان أولى في حسم مادّة الاحتمال.

اللغة :

قال في القاموس : القهقهة ، هي الترجيع في الضحك ، أو شدة الضحك (٢). وفي الصحاح : القهقهة في الضحك معروف ، وهو أن يقول : قه قه (٣).

قال :

باب إنشاد الشعر‌

أخبرني الشيخ قدس‌سره عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد ابن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن معاوية بن ميسرة ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن إنشاد الشعر ، هل ينقض الوضوء؟ قال : « لا ».

__________________

(١) راجع ص ٣٠.

(٢) القاموس المحيط ٤ : ٢٩٣ ( قهقه ).

(٣) الصحاح ٦ : ٢٢٤٦ ( قهقه ).

٤٤

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن أخيه الحسن ، عن زرعة ، عن (١) سماعة قال : سألته عن نشد (٢) الشعر هل ينقض الوضوء ، أو ظلم الرجل صاحبه ، أو الكذب؟ فقال : « نعم : إلاّ أن يكون شعراً يصدق فيه ، أو يكون يسيرا من الشعر الأبيات الثلاثة والأربعة ، فأمّا إن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء ».

فيحتمل الخبر وجهين : أحدهما : أن يكون تصحّف (٣) على الراوي ، فيكون (٤) روي بالصاد غير المعجمة دون الضاد المنقطة ، لأنّ ذلك ممّا ينقص ثواب الوضوء. والثاني : أن يكون محمولاً على الاستحباب.

السند‌

في الأوّل : معاوية بن ميسرة وهو مهمل في الرجال (٥).

والثاني : موثّق.

المتن :

على تقدير تساوي الخبرين في العمل يمكن حمل المطلق على المقيد ، إذ الثاني مقيّد ، غير أنّ الشيخ كما ترى ذكر في التوجيه أمرين ، وأوّلهما غير واضح ، لأنّ الراوي إن نقل من الكتابة غير خط الإمام عليه‌السلام

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٨٧ / ٢٧٦ : بن بدل : عن.

(٢) في نسخة من الإستبصار ١ : ٨٧ / ٢٧٦ : إنشاء.

(٣) في « رض » : تصحيف.

(٤) في الاستبصار ١ : ٨٧ / ٢٧٦ يوجد : قد.

(٥) رجال النجاشي : ٤١٠ / ١٠٩٣.

٤٥

أمكن التصحيف ، إلا أنّ الظاهر السماع من الإمام ، فلا مجال لتصحيف الراوي الأوّل ، وإن كان من الراوي الذي نقل عن الراوي عنه عليه‌السلام من خطه أمكن ، لكنه غير متعين ، لجواز أن يكون من غيره كما لا يخفى.

وأمّا الحمل على الاستحباب ، فيحتاج ترجيحه على ما قدمناه من إمكان حمل المطلق على المقيد إلى ثبوت أنّ الكذب غير ناقض مطلقاً ، وكأنّه للإجماع وظاهر الأخبار الدالة على النواقض ، وأنت خبير بأنّ الأخبار لا يخلو من كلام ، فالاعتماد على الإجماع أولى ، هذا كله على تقدير العمل بالخبر الموثق ، وبدونه فالأمر سهل.

قال :

باب القُبلة ومسّ الفرج‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ومحمد بن أبي عمير ، عن جميل بن دراج وحماد بن عثمان ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « ليس في القُبلة ولا في المباشرة ولا مسّ الفرج وضوء ».

وبهذا الاسناد : عن الحسين بن سعيد ، عن أحمد بن محمد ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي مريم قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام ، ما تقول في الرجل يتوضّأ ثم يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي إلى المسجد فإنّ من عندنا يزعمون أنّه (١) الملامسة؟ فقال : « لا والله ما بذلك بأس ،

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٨٧ / ٢٧٨ : أنّها.

٤٦

وربما فعلته ، وما يعني بهذا : « أو لامستم النساء » إلاّ المواقعة في الفرج ».

وبهذا الاسناد : عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن القُبلة تنقض الوضوء؟ قال « لا بأس ».

السند‌

في الأوّل : واضح.

والثاني : أحمد بن محمد فيه هو ابن أبي نصر على الظاهر ، لأنّه الراوي عن أبان بن عثمان في الفهرست (١) ؛ وأبو مريم هو الأنصاري الثقة ، واسمه عبد الغفار.

والثالث : واضح.

المتن :

ظاهر الأوّل عدم الوضوء من القُبلة والمباشرة ومسّ الفرج ، وبه يندفع قول ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلاّمة في المختلف ، من أن من قبّل بشهوة الجماع ولذة في المحرّم نقض الطهارة ، والاحتياط إذا كان في محلّل إعادة الوضوء (٢) ، واحتجاجه على ما حكاه العلاّمة برواية أبي بصير الآتية غير ظاهر الدلالة على مطلوبه ، ولو دلّ لم يصلح للاعتماد عليه ، وسيأتي جواب العلاّمة عنه عند ذكر الرواية.

__________________

(١) الفهرست : ١٨ / ٥٢.

(٢) المختلف ١ : ٩٢.

٤٧

وبالخبر أيضاً يندفع ما ينقل عن ابن الجنيد أنّه قال : ومسّ ظاهر الفرج من الغير إذا كان بشهوة فيه الطهارة واجبة في المحرّم والمحلّل احتياطاً ، ومسّ باطن الفرجين من الغير ناقض للطهارة من المحلّل والمحرّم (١) ، واحتجاج العلاّمة له برواية أبي بصير الآتية (٢) فيه ما قدمناه.

وأمّا الخبر الثاني فواضح الدلالة ، وفي التهذيب : « إلاّ المواقعة دون الفرج » (٣) وما هنا أوضح ، وعبارة الحديث في التهذيب لا تخلو من خفاء ، وأظنّ أنّ المراد بها دون إرادة لمس الفرج ، وتفسيرها بغير ذلك ليس بواضح ، وربما يستفاد من الخبر على تقدير ما هنا أنّ المواقعة في الدبر بدون إنزال لا يوجب الغسل ، إلاّ أنّ فيه كلاما.

وأمّا قوله عليه‌السلام في الخبر الثالث : « لا بأس » ففيه احتمالات :

أحدها : أنّه لا بأس بعدم الوضوء ، وفيه : أنّ المسئول عنه نقض الوضوء والجواب لا يطابقه حينئذ ، إلاّ أن يقال : إنّ نفي البأس لا يوافقه إلاّ هذا ، وفيه ما فيه مما يذكر بعد.

وثانيها : أنّه لا بأس بالنقض ، ويكون فائدة نفي البأس إرادة الاستحباب فيدل على أنّها لا تنقض ولكن يستحب الوضوء ، وعلى هذين الاحتمالين يتم مطلوب الشيخ.

وثالثها : أن يراد لا بأس بنقض الوضوء على سبيل اللزوم ، وفيه بُعد ظاهر.

ورابعها : أن يكون الجواب مجملاً للتقية ، فيحمله كل من المخالف‌

__________________

(١) المختلف ١ : ٩١.

(٢) يأتي في ص ٤٤ ٤٥.

(٣) التهذيب ١ : ٢٢ / ٥٥ ، الوسائل ١ : ٢٧١ أبواب نواقض الوضوء ب ٩ ح ٤.

٤٨

والمؤالف على (١) مذهبه ، غير أنّه لا يصلح للاستدلال على عدم النقض ، كما يظهر من الشيخ والعلاّمة في المختلف حيث استدل به على عدم نقض القُبلة (٢) ، والحال ما ترى.

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان (٣) ، عن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « إذا قبّل الرجل المرأة من شهوة ، أو مسّ فرجها أعاد الوضوء ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من الاستحباب ، أو على أنّه يغسل يده ، وذلك يسمى وضوءاً على ما تقدم القول فيه.

والذي يدل على هذا التأويل :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن أبان بن عثمان ، بن (٤) عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن رجل مسّ فرج امرأته قال : « ليس عليه شي‌ء وإن شاء غسل يده ، والقُبلة لا يتوضّأ منها ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن معاوية بن عمار ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن الرجل يعبث بذكره في الصلاة المكتوبة فقال : « لا بأس ».

__________________

(١) في « فض » زيادة : ما.

(٢) المختلف ١ : ٩٣.

(٣) في الاستبصار ١ : ٨٨ / ٢٨٠ لا يوجد : عن صفوان.

(٤) في « فض » والاستبصار ١ : ٨٨ / ٢٨١ : بن ، بدل : عن.

٤٩

عنه ، عن أخيه (١) ، عن زرعة ، عن سماعة ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن الرجل يمسّ ذكره ، أو فرجه ، أو أسفل من ذلك ، وهو قائم يصلي ( يعيد وضوءه؟ قال ) (٢) : « لا بأس بذلك إنّما هو من جسده ».

السند‌

في الأوّل معلوم ؛ وكذا الثاني بالقاسم بن محمد الجوهري ؛ والثالث معتبر ؛ والرابع موثّق (٣).

المتن :

ما ذكره الشيخ في الأوّل من الاستحباب له وجه (٤) ، وقد ذكرنا سابقاً أن العلاّمة في المختلف جعله دليلاً لابن الجنيد ، وهو غير دال على جميع (٥) مطلوبه ، وأجاب عنه بقصور السند (٦) وما ذكره الشيخ من غَسل اليد.

وأنت خبير بأنّ الحمل على غَسل اليد يتم في مسّ الفرج ، والرواية كما ترى وقع الجواب بالوضوء عن الأمرين : القُبلة والمسّ ، فالحمل لا يخفى ما فيه ، وما ذكره من الخبر الدال على غَسل اليد صحيح ظاهر الدلالة ، إلاّ أنّه خاص واضح الدلالة على أنّ القُبلة لا يتوضّأ منها ، وحمل‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٨٨ / ٢٨٣ : عن أخيه الحسن.

(٢) في الاستبصار ١ : ٨٨ / ٢٨٣ : أيعيد وضوءه؟ فقال.

(٣) د » : معتبر.

(٤) في « رض » : وجوه.

(٥) ليس في « رض ».

(٦) المختلف ١ : ٩٢ ، ٩٣.

٥٠

الوضوء على غَسل اليد لا وجه له ، بل هو قرينة على أنّ الوضوء في الأوّل على الاستحباب محمول.

وأمّا الخبر الثالث (١) فواضح الدلالة.

وقول السائل في الخبر الرابع : أو فرجه ، يحتمل أن يريد به المخرج ، واحتمال الدبر لا يخفى ما فيه (٢).

وفي الحديث بتقدير ( العمل به دلالة بتقدير ) (٣) الاحتمال الأوّل بإطلاقه على ردّ ما ينقل عن ابن بابويه أنّه قال : مسّ باطن الدبر والإحليل ناقض للوضوء (٤). وكذا ما ينقل عن ابن الجنيد ، من أنّ مسّ ما انضم إليه الثقبان ينقض الوضوء (٥).

وعلى تقدير عدم العمل بالخبر فيمكن دفع قولهما بالأخبار الدالة على الحصر ، والأخبار الدالة على النقض بغير ما نحن فيه ، فيبقى إثبات النقض به موقوفاً على الدليل ، وسيأتي القول فيما استدل به القائلون.

فإن قلت : الأخبار الدالة على الحصر لا ريب أنّ الحصر فيها إضافي فلا ينافي نقض غيرها ، والأخبار الدالة على نقض غير ما تضمنه الحصر لا يدل على الحصر ، وحينئذ يمكن الاستدلال بأنّ الآية الشريفة تضمنت وجوب الوضوء على كل من أراد القيام إلى الصلاة ، فإذا خرج المتطهّر بلا خلاف بقي ما عداه ، ومن جملته ما فيه الخلاف ، وهو ما نحن فيه.

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّه من المقرر أنّ الخطاب في الآية‌

__________________

(١) في « رض » : الثاني.

(٢) في « فض » يوجد : بتقدير العمل به.

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٤) حكاه عنهما في المختلف ١ : ٩١ ، وهو في الفقيه ١ : ٣٩ ذيل الحديث ١٤٨.

(٥) حكاه عنهما في المختلف ١ : ٩١ ، وهو في الفقيه ١ : ٣٩ ذيل الحديث ١٤٨.

٥١

للمحدثين ، وكون المبحوث عنه من المحدثين ، محل كلام ، وإن كان في هذا بحث حررناه في محله.

ثم إنّ في رواية زرارة المتقدمة من قوله عليه‌السلام : « ولا مسّ الفرج » (١) دلالة على نفي الوضوء ، إذ الفرج يتناول الذكر على ما يظهر من شيخنا قدس‌سره والعلاّمة في المختلف (٢) وإن أمكن المناقشة في ذلك وادعاء عدم صراحة كلامهما أيضاً ، وبالجملة لا خروج عن المشهور.

قال :

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار بن موسى ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سئل عن الرجل يتوضّأ ثم يمس باطن دبره ، قال : « نقض وضوءه ، وإن مسّ باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء ، وإن كان في الصلاة قطع الصلاة ويتوضّأ ويعيد الصلاة ، وإن فتح إحليله أعاد الوضوء وأعاد الصلاة ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّه إذا صادف هناك شيئاً من النجاسة ، فإنه يجب عليه حينئذ إعادة الوضوء والصلاة ، ومتى لم يصادف شيئاً من ذلك لم يكن عليه شي‌ء حسب ما قدمناه.

السند‌

موثق.

__________________

(١) راجع ص ٤١.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ١٥٣ و ١٥٤ ، المختلف ١ : ٩١ و ٩٢.

٥٢

المتن :

قد ذكره العلاّمة في المختلف دليلاً لابن بابويه وابن الجنيد ، مع رواية أبي بصير السابقة (١).

وقد قلنا : إن رواية أبي بصير غير وافية بقول ابن الجنيد ؛ وهذه الرواية أيضاً كذلك ، ودلالتها على قول ابن بابويه ظاهرة ، والعامل بالموثق في الظن أنّه [ مستبعد منه إنكار (٢) ] القول بذلك ، لأن الأخبار الدالة على الحصر غير وافية بردّ مدلول هذا الخبر ، لما قدمناه من أنّه إضافي ، وما دل على مس الفرج بتقدير الاحتمال السابق ، فيه : أن هذا الخبر ظاهر والاحتمال المقدم مرجوح ، إذ المتبادر من الفرج غير ما ذكر.

وما استدل به العلاّمة ، مع ما أشرنا إليه من رواية ابن أبي عمير ، عن غير واحد من أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام وسيأتي ، حيث قال فيه : « ليس في المذي من الشهوة ولا من الإنعاظ ولا من القُبلة ولا من مسّ الفرج ولا من المضاجعة وضوء ، ولا يغسل منه الثوب » (٣) فيه نظر واضح.

لأنّ الظاهر من الرواية أنّ المذي الحاصل من المذكورات ليس فيه وضوء ، بقرينة قوله عليه‌السلام أخيراً : « ولا يغسل منه الثوب » وعلى تقدير عدم الظهور فالاحتمال كاف في ردّ الاستدلال ، مضافا إلى ما ذكرناه من أنّ الفرج لا يتبادر منه الذكر ، ويبقى مع القائل بالنقض الآية الشريفة مؤيدة.

__________________

(١) المختلف ١ : ٩٢.

(٢) في « فض » : ليستبعد منه والإنكار ، وفي « رض » : مستبعد منه الإنكار ، وفي « د » مستبعد منه لإنكار ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) الإستبصار ١ : ٩٣ / ٣٠٠ ، الوسائل ١ : ٢٧٠ أبواب نواقض الوضوء ب ٩ ح ٢.

٥٣

ومن هنا يعلم أن ما أجاب به العلاّمة عن حجة ابن بابويه وابن الجنيد ؛ من الحمل على الاستحباب (١) ، لأن ما ذكرناه يعني به الأخبار التي أشرنا إليها يدل على نفي الوجوب ، فلو لم يحمل الأمر هنا على الاستحباب لزم الجمع بين الضدين ؛ محل بحث على تقدير العمل بالموثق ، فليتأمّل في هذا حق التأمّل.

وإذا عرفت حقيقة الحال فما ذكره الشيخ في توجيه الخبر لا يخفى ما فيه من البُعد ، ولو حمل على التقية أمكن ، والاستحباب ربما أمكن أيضا ، إلاّ أن فيه ما فيه.

قال :

باب مصافحة الكافر ومسّ الكلب‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن أبي عبد الله الرازي ، عن الحسن ابن علي بن أبي حمزة ، عن سيف بن عميرة ، عن عيسى بن عمر (٢) مولى الأنصار ، أنّه سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل يحل له أن يصافح المجوسي (٣)؟ قال (٤) : « لا » فسأله أيتوضّأ (٥) إذا صافحهم؟ فقال : « نعم ، إنّ مصافحتهم تنقض الوضوء ».

__________________

(١) المختلف ١ : ٩٢.

(٢) في نسخة من الاستبصار ١ : ٨٩ / ٢٨٥ : عمرو.

(٣) في « رض » : المجوس.

(٤) في الاستبصار ١ : ٨٩ / ٢٨٥ : فقال.

(٥) في الاستبصار ١ : ٨٩ / ٢٨٥ : هل يتوضأ.

٥٤

قال (١) أبو جعفر (٢) : الوجه في هذا الخبر أن نحمله على غَسل اليد ، لأنّ ذلك يسمى وضوءاً على ما بيّناه ، وإنّما يجب ذلك لكونهم أنجاساً ، وإنّما قلنا ذلك لإجماع الطائفة على أنّ ذلك لا يوجب نقض الوضوء ، وأيضاً فقد قدّمنا الأخبار التي تضمنت أنّه لا ينقض الوضوء إلاّ ما خرج من السبيلين أو النوم ، وهي محمولة على عمومها ، لا يجوز تخصيصها لأجل هذا الخبر الشاذ.

السند‌

فيه أبو عبد الله الرازي وهو الجاموراني ، ولم يوثّقه أصحاب الرجال ولا مدحوة ، بل قيل إنّه ضعيف (٣) ؛ والحسن بن علي بن أبي حمزة ، قيل : إنّه واقفي ورمي بالكذب (٤) ؛ وعيسى بن عمر مجهول الحال لإهماله في الرجال (٥) ، والذي في رجال الصادق والباقر عليهما‌السلام من كتاب الشيخ عيسى بن عمرو مولى الأنصار (٦) ، والأمر سهل.

المتن :

ما قاله الشيخ فيه بعيد عن ظاهر اللفظ ، لأنّ نقض الوضوء لا يفيد ذلك ، ولعلّ الحمل على الاستحباب أولى.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٨٩ / ٢٨٥ يوجد : الشيخ.

(٢) في نسخة من الإستبصار ١ : ٨٩ / ٢٨٥ زيادة : محمد بن الحسن.

(٣) كما في خلاصة العلاّمة : ٢٦٨ / ٢٦.

(٤) انظر رجالي النجاشي : ٣٦ والكشي ٢ : ٨٢٧.

(٥) رجال الطوسي : ٢٥٨ / ٥٧٥.

(٦) رجال الطوسي : ٢٥٨ / ٥٧٥ و ١٣٠ / ٤٨.

٥٥

وقول الشيخ : إنّ إجماع الطائفة على أنّ ذلك لا يوجب نقض الوضوء. لا يقتضي الحصر في الحمل على غَسل اليد ، بل الاستحباب ممكن ، والأخبار التي أشار إليها قد قدّمنا القول فيها.

ثم إنّ ظاهر كلام الشيخ يعطي حمل الرواية على غَسل اليد ، سواء كانت المصافحة برطوبة أو لا ، وهذا الحكم غير معلوم القائل ، سوى الشيخ هنا ، والعلاّمة في المختلف حكى عن ابن حمزة إيجاب رشّ الثوب من ملاقاة الكافر باليبوسة (١) ، ولم ينقل غير ذلك.

والشيخ رحمه‌الله روى في الصحيح ، عن عبيد الله بن علي الحلبي ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن الصلاة في ثوب المجوسي ، فقال : « يرشّ بالماء » (٢).

وروى أيضاً في الصحيح ، عن معاوية بن عمار ، عنه عليه‌السلام ، في الثياب السابرية يعملها المجوسي ، ألبسها ولا أغسلها وأصلّي فيها؟ قال : « نعم » (٣).

ولا يبعد أن يكون مراد الشيخ هنا مع الرطوبة ، على أنّ قوله في آخر الكلام : إنّ الخبر شاذ ، يدل على عدم العمل به.

قال :

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي بصير ، عن‌

__________________

(١) المختلف ١ : ٣٣٤ ، وهو في الوسيلة : ٧٧.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٦٢ / ١٤٩٨ ، الوسائل ٣ : ٥١٩ أبواب النجاسات ب ٧٣ ح ٣.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٦٢ / ١٤٩٧ ، الوسائل ٣ : ٥١٨ أبواب النجاسات ب ٧٣ ح ١.

٥٦

أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « من مسّ كلباً فليتوضّأ ».

فالكلام في هذا الخبر كالكلام على الخبر الأوّل ، من حمله على غَسل اليد ، للإجماع الذي ذكرناه والأخبار التي قدّمناها ، وأيضاً :

فقد روى الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن الكلب يصيب شيئاً من جسد الرجل ، قال : « يغسل المكان الذي أصابه ».

السند‌

في الأوّل والأخير معلوم بالردّ والقبول.

المتن :

ما ذكره الشيخ في الأوّل له وجه وجيه ، والفرق بين الأوّل وهذا واضح ، كما قدّمنا إليه الإشارة.

ثم إنّ إطلاق الشيخ الغَسل تبعاً للرواية لعلّه محمول على الرطوبة ، إذ المنقول عن الشيخ في المبسوط أنّه قال : كل نجاسة أصابت الثوب وكانت يابسة لا يجب غَسلها ، إنّما يستحب نضح الثوب (١) ، والفرق بين الثوب واليد محتمل ، إلاّ أنّي لا أعلم الفارق.

وفي النهاية للشيخ : إذا أصاب ثوب الإنسان كلب ، أو خنزير ، أو ثعلب ، أو أرنب ، أو فأرة ، أو وزغة ، وكان يابساً وجب أن يرشّ الموضع بعينه ، فإن لم يتعين رشّ الثوب كله (٢).

__________________

(١) المبسوط ١ : ٣٨.

(٢) النهاية : ٥٢.

٥٧

والمفيد في المقنعة قال : إذا مسّ ثوب الإنسان كلب ، أو خنزير ، وكانا يابسين فليرشّ موضع مسهما منه بالماء (١).

وقد يحتمل أن يريد الشيخ استحباب غَسل اليد مع اليبوسة (٢) ، وعليه يحمل الخبر الأخير ، نظراً إلى إطلاقه ، ولو حمل على الرطوبة كان بعيداً عن ظاهره.

ونقل في المختلف عن ابن حمزة إيجاب مسح البدن بالتراب إذا أصابه الكلب أو الخنزير (٣).

والشيخ في النهاية قال : وإن مسّ الإنسان بيده كلباً ، أو خنزيراً ، أو ثعلباً ، أو أرنباً ، أو فأرة أو وزغة ، أو صافح ذميا معلناً بعداوة آل محمد عليهم‌السلام وجب غَسل يده إن كان رطباً ، وإن كان يابساً مسّه بالتراب (٤).

وفي المنتهى قال العلاّمة بعد ذكر وجوب الغسل : أمّا مسح الجسد فشي‌ء ذكره بعض الأصحاب ولم يثبت (٥).

قال :

باب الريح يجدها الإنسان في بطنه‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن علي ، عن أحمد بن هلال ، عن محمد بن الوليد ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي‌

__________________

(١) المقنعة : ٧٠.

(٢) في « رض » : الثوب.

(٣) المختلف ١ : ٣٣٤ ، وهو في الوسيلة : ٧٧.

(٤) النهاية : ٥٢.

(٥) المنتهى ١ : ١٧٧.

٥٨

عبد الله ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال ، قلت له : أجد الريح في بطني حتى أظن أنّها قد خرجت ، فقال : « ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح » ثم قال : « إنّ إبليس يجي‌ء فيجلس بين أليتي الرجل فيفسو ليشكّكه ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن معاوية بن عمار ، قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : « إنّ الشيطان ينفخ في دبر الإنسان حتى يخيل إليه أنّه قد خرجت منه ريح ، فلا ينقض وضوءه إلاّ ريح يسمعها أو يجد ريحها ».

السند‌

في الأوّل : أحمد بن هلال ، والشيخ قد ضعّفه وبالغ فيه (١).

والحسن بن علي الراوي عنه ، ذكر شيخنا المحقّق سلّمه الله في فوائده على الكتاب ما هذا لفظه : قيل : هو ابن فضّال ، وفيه نظر ، فإنّ ابن فضّال يروي سعد كتبه ورواياته بواسطة أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين وبنان (٢) بن محمّد ونحوهم ، نعم : يحتمل الزيتوني الأشعري ، إذ يروي عنه محمد بن يحيى ، وهو في مرتبة سعد ، والحسن بن علي بن النعمان ، إذ (٣) روى عنه الصفار ، وغير ذلك. انتهى. والأمر كما قال.

ومحمد بن الوليد مشترك بين ضعيف ومن فيه كلام (٤).

__________________

(١) الفهرست : ٣٦ / ٩٧.

(٢) في « رض » : وبيان.

(٣) في « رض » : إذا.

(٤) هداية المحدثين : ٢٥٧.

٥٩

وفي الثاني : لا ريب فيه بعد ما قدّمناه.

المتن :

في الخبرين ظاهر الدلالة.

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن أخيه الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عما ينقض الوضوء ، قال : « الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه ، والقرقرة في البطن إلاّ شيئاً (١) تصبر عليه و (٢) الضحك في الصلاة والقي‌ء ».

وقد تكلّمنا على هذا الخبر فيما تقدم وقلنا : الوجه فيه أن نحمله على حال لا يملك الإنسان فيها نفسه ليعلم (٣) ما يكون منه ، ويجوز أن نحمله أيضاً على الاستحباب.

السند‌

قد تقدم.

والمتن : كذلك ، إلاّ أنّ الشيخ رحمه‌الله كلامه غير واف بالمطلوب ، لأنّ المتقدم‌

__________________

(١) في النسخ : شي‌ء ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٩٠ / ٢٩٠.

(٢) في الاستبصار ١ : ٩٠ / ٢٩٠ : أو.

(٣) كذا في النسخ ، وفي الاستبصار ١ : ٩١ / ٢٩٠ : فيعلم.

٦٠