إستقصاء الإعتبار - ج ٢

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-174-5
ISBN الدورة:
964-319-172-9

الصفحات: ٤٨٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

بسبب السبب الخاص ، وغيره لا يقصد فيه ذلك ، فليتأمّل .

وممّا يؤيّد التداخل مرسلة جميل بن دراج ، عن بعض أصحابنا ، عن أحدهما عليهما‌السلام أنّه قال : « إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه ذلك اليوم » (١) ولا يبعد أن يكون المراد باللزوم في الخبر ما يتناول المندوب ، بل ربما يدّعىٰ اختصاصه بالمندوب ، كما يعرف من تأمّل الرواية .

أمّا الاستدلال علىٰ التداخل بما دل من الأخبار علىٰ أنّ غسل الجنابة والحيض واحد فلا وجه له ، لأنّ الظاهر من الأخبار الاتحاد في الكيفية .

وما يوجد في كلام بعض : من أنّ الأغسال علىٰ تقدير الاجتماع لا تصير من قبيل تعدّد الأسباب بل هو سبب واحد ، فالظاهر أنّ المراد به علىٰ تقدير العمل بالرواية الدالة علىٰ التداخل ، وحاصل التوجيه أنّ ما يظن من تعدّد الأسباب يندفع باحتمال كون السبب واحداً ، وأثر هذا هيّن ، إلّا أن يقال : إنّ مراد القائل كون التداخل يجعل ثواب فعلين في فعل واحد .

وأنت خبير بأنّ غاية ما تدل عليه الرواية حصول الامتثال بغسل واحد ، أمّا حصول ثواب فعلين بفعل واحد فإثباته مشكل .

نعم علىٰ تقدير اجتماع الواجب ( والندب كما هو مفاد الرواية صريحا في صدرها ، يمكن أن يوجّه ما قيل ، ولا يبعد أن يتكلّف التوجيه مع تعدد الواجب ) (٢) إلّا أنّ الفائدة قليلة .

وبالجملة : فالظاهر من الرواية إجزاء غسل واحد عن المأمور به ، وإثبات ما عدا ذلك لا يخرج عن ربقة التكلّف .

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤١ / ٢ ، الوسائل ٢ : ٢٦٣ أبواب الجنابة ب ٤٣ ح ٢ ، بتفاوت يسير .

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض » .

٤٢١
 &

ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخنا قدس‌سره من أنّ معنىٰ تداخل الواجب والمستحب تأدّي إحدىٰ الوظيفتين بفعل الاُخرىٰ ، كما تتأدّىٰ صلاة التحية بقضاء الفريضة ، وصوم الأيّام المسنون صومها بقضاء الواجب (١) . محل بحث ، لأنّ مفاد الكلام يعطي فهم إرادة الغسل الواحد من أحد الأغسال ، وقد عرفت إجمال الرواية عن إفادة هذا ، بل فيها احتمال ظهور إرادة الإتيان بكيفيّة الغسل متقرّباً من دون التفات إلىٰ إحدىٰ الوظيفتين ، فليتأمّل .

والعجب أنّه قدس‌سره قال بعد ما قدمناه : لظهور تعلّق الغرض بمجرّد إيجاد الماهيّة علىٰ أيّ وجه اتفق (٢) . فإنّ هذا الكلام لا يوافق أوّل الكلام من تأدّي إحدىٰ الوظيفتين بالاُخرىٰ .

وفي المقام أبحاث سيأتي بعضها إن شاء الله في باب تغسيل الميت ، حيث إنّ في أخبار الباب ما يتضمن التداخل في الجملة ، فمن ثَم كان الأولىٰ التأخير إلىٰ بابه ، والله تعالىٰ أعلم بحقائق الاُمور .

قال :

فأمّا ما رواه علىٰ بن الحسن ، عن عثمان بن عيسىٰ ، عن سماعة ابن مهران ، عن أبي عبد الله ( وابي الحسن ) (٣) عليهما‌السلام قالا في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة قال : « غسل الجنابة عليها واجب » .

فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين ، أحدهما : أن نحمله علىٰ

__________________

(١) المدارك ١ : ١٩٦ .

(٢) المدارك ١ : ١٩٦ الهامش رقم ٦ .

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض » .

٤٢٢
 &

ضرب من الاستحباب . والثاني : أن يكون ذلك إخباراً عن كيفيّة الغسل ، لأنّ غسل الحائض مثل غسل الجنابة علىٰ السواء ، فكأنّه قال : الذي يجب عليها أن تغتسل مثل غسل الجنابة ، ولم يقل : إنّ غسل الجنابة واجب ويلزمها مع ذلك غسل الحيض ، والذي يكشف عمّا ذكرناه أوّلاً من الاستحباب :

ما رواه علي بن الحسن ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل ، قال : « إن شاءت أن تغتسل فعلت ، وإن لم تفعل فليس عليها شي‌ء ، فإذا طهرت اغتسلت غسلاً واحداً للحيض والجنابة » .

السند‌ :

في الأوّل : فيه عثمان بن عيسىٰ وقد قدّمنا حاله (١) ، وأنّه لا وجه لعدّ حديثه من الموثّق إذا سلم غيره من رجال السند من منافيات الوصف بالموثق .

والثاني : تكرّر القول فيه أيضاً .

المتن :

لا يخفىٰ أنّ الظاهر من الأوّل كون الغسل من الجنابة واجب علىٰ الحائض ، وهذا لا ينافي الاكتفاء بغسل واحد عن الجنابة والحيض ، إذ مفاد

__________________

(١) راجع ج ١ : ٧١ ـ ٧٣ .

٤٢٣
 &

الأخبار الأوّلة الاكتفاء بغسل واحد لا عدم وجوب الأغسال جميعها ، وحينئذ لا مانع من وجوب الجميع وسقوط الواجب بفعل غسل واحد .

فما قاله الشيخ من الجمع ، محل بحث :

أمّا أوّلاً : فلأنّ الاستحباب لا وجه له بعد التصريح بالوجوب ، وإمكان حمله علىٰ ظاهره بما قلناه .

وأمّا ثانيا : فلأنّ (١) الاستحباب علىٰ ما يأتي من الرواية المستدلّ بها يراد به استحباب غسل الجنابة حال الحيض ، وكلام الشيخ أوّلاً يفيد استحباب غسل الجنابة مع غسل الحيض .

وما عساه يقال : إنّ الرواية الأخيرة لا تأبىٰ ( إرادة ما يفيده ) (٢) أوّل الكلام ، إذ يجوز أن يكون المقصود بقوله : « إن شاءت أن تغتسل فعلت » بعد الطهر ، وفعل غسل الحيض .

يمكن الجواب عنه : بأنّ الظاهر من قوله عليه‌السلام في الرواية : « فإذا طهرت » خلاف ما ذكر .

والحق أنّ كلام الشيخ أوّلاً مجمل ، وإرادة مفاد الرواية غير بعيدة ، فلا إشكال من هذا الوجه .

إنّما الإشكال بأنّ مفاد الأخبار السابقة الاجتزاء بغسل واحد ، فعلىٰ تقدير أن يراد أحد الأغسال أو غيرها بأن يوقع لا بقصد أحدها بل (٣) لمجرّد الامتثال يحتمل الاستحباب في فعل غسل الحيض علىٰ تقدير قصد الجنابة بالغسل أوّلاً ، ويحتمل الاستحباب في الجنابة علىٰ تقدير قصد غسل

__________________

(١) في « رض » زيادة : الحمل علىٰ .

(٢) في « رض » : إفادة ما يريده .

(٣) ليست في « رض » .

٤٢٤
 &

الحيض ، إذ احتمال إرادة قصد غسل الحيض أوّلاً بخصوصه لا دليل عليه في المقام ، والرواية المستدل بها إنّما يقتضي ظاهرها ما قدّمناه ، والقول به استحباباً لم أعلم مشارك الشيخ فيه الآن .

وأمّا الوجه الثاني من توجيه الشيخ فهو من الغرابة بمكان .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ مفاد الخبر الأوّل بظاهره أنّ غسل الجنابة واجب مع الحيض وقد عرفت ما ذكرناه ، لكن إذا قلنا : بأنّ غسل الجنابة واجب لنفسه ، فالمانع من إيقاعه حال الحيض غير معلوم إلّا من جهة عدم الصلاحية للرفع أو الاستباحة ، والمطلوب منه الرفع .

وأنت خبير بأنّ ملاحظة الأمرين تقتضي الخروج عن الوجوب لنفسه ، إلّا أن يقال : بأنّ معنىٰ الوجوب لنفسه عدم اختصاصه بحالة وجوب المشروط بالطهارة ، وهذا لا ينافي اعتبار الصلاحية للدخول به في العبادة ، ولم أقف علىٰ شي‌ء شافٍ في تحقيق الحال بالنسبة إلىٰ تفسير الوجوب لنفسه .

وعلىٰ الاحتمال الذي ذكرناه فالخبر ( الأخير ) (١) لا يخلو من دلالة علىٰ أن الغسل من الجنابة بتقدير الوجوب لنفسه موسّع حيث قال فيه عليه‌السلام : « إن شاءت أن تغتسل فعلت ، وإن لم تفعل فليس عليها شي‌ء ، فإذا طهرت اغتسلت غسلاً واحداً » فإنّ هذا يعطي لمن تأمّله أنّ غسل الجنابة لو قدّمته حال الحيض كفاها ويكون الغسل بعد الطهر للحيض ، ولو لم تغتسل كفاها الغسل الواحد عن الأمرين ، فينبغي تأمّل جميع ذلك ، وإن كانت الثمرة بالنسبة إلىٰ عدم صحّة الروايتين قليلة ، إلّا أنّ كلامنا علىٰ تقدير العمل .

__________________

(١) في « رض » : الأوّل .

٤٢٥
 &

وقد نقل العلّامة في المختلف عن الشيخ أنّه قال : إذا اغتسل ونوىٰ به غسل الجنابة دون غسل الجمعة أجزأه عنهما ، ولو لم ينوِ غسل الجنابة ولا الجمعة لم يجز عن واحد منهما ، ولو نوىٰ غسل الجمعة دون الجنابة لم يجز عن واحد منهما .

ثم قال العلّامة : والوجه عندي أن نقول : إن كانت نيّة السبب شرطاً في الغسل لم يجزه غسل الجنابة عن الجمعة ، لأنّه نوىٰ الجنابة خاصّة فلا يقع عن غيره فيبقىٰ في العهدة ، وإن لم تكن شرطاً فإذا نوىٰ غسلاً مطلقاً ونوىٰ الوجوب أو الندب أجزأ عن الجنابة إن نوىٰ الوجوب ، وعن الجمعة إن نوىٰ الندب ، قال : وقوله ـ يعني الشيخ ـ : إنّه لا يجزيه عن الجمعة . غير معتمد ، بل الوجه أنّه يقع عن الجمعة ، لنا أنّه نوىٰ غسلاً مندوباً ويصح منه إيقاعه ، فيكون صحيحاً كغيره من العبادات الواقعة علىٰ الوجه المطلوب .

وحكىٰ العلّامة احتجاج الشيخ لما قاله بأنّ غسل [ الجمعة ] (١) إنّما يراد للتنظيف وزيادة التطهير ، ومن حيث هو جنب لا يصح منه ذلك ، وأجاب بالمنع من الغاية التي ذكرها وهي زيادة التطهير إن عنىٰ به رفع الحدث ، وإن أراد به النظافة فهو مسلّم ، لكنه يصحّ من الجنب كما يصحّ غسل الإحرام من الحائض (٢) . انتهىٰ .

ولقائل أن يقول : إنّ الكلام من الشيخ والعلّامة بعد ورود خبر زرارة لا يخلو من غرابة ، وكذلك (٣) عدم التفات العلّامة إلىٰ نقله في المسألة ،

__________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ ، الجنابة ، والصحيح ما أثبتاه من المصدر .

(٢) المختلف ١ : ١٥٦ و ١٥٧ وهو في الخلاف ١ : ٢٢١ و ٢٢٢ .

(٣) في « فض » : ولذلك .

٤٢٦
 &

وقوله : إن كانت نيّة السبب شرطاً ، إلىٰ آخره ، فيه : أنّ نيّة السبب (١) قد دلّ الدليل ـ وهو الخبر الدال علىٰ التداخل ـ بإطلاقه علىٰ عدم ضرورتها بالحال لو وقعت .

وما قاله من جهة غسل الجمعة في الاستدلال : من أنّه نوىٰ غسلاً مندوباً ، إلىٰ آخره ، ليس علىٰ ما ينبغي ، فإنّ ثبوت الندبيّة في حال الحيض مصادرة ، بل الأولىٰ الاستدلال بالعمومات الدالّة علىٰ استحباب غسل الجمعة المتناولة لحالة الحيض وغيره .

أمّا ما أجاب به عن حجة الشيخ فهو موجّه .

قال :

باب مقدار الماء الذي تغتسل به الحائض‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيىٰ ، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن المثنىٰ الحناط (٢) ، عن الحسن الصيقل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « الطامث تغتسل بتسعة أرطال من ماء » .

وبهذا الإسناد عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « الحائض ما بلغ من (٣) بلل الماء من شعرها أجزأها » .

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ،

__________________

(١) في « فض » زيادة : بها .

(٢) في الاستبصار ١ : ١٤٧ / ٥٠٧ : الخيّاط .

(٣) ليست في الاستبصار ١ : ١٤٨ / ٥٠٨ .

٤٢٧
 &

عن محمد بن الفضيل ، قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الحائض كم يكفيها من الماء ؟ فقال : « فرق » .

فهذا الخبر والخبر الأوّل محمولان علىٰ الإسباغ والفضل ، والخبر الثاني علىٰ الإجزاء دون الفضل .

السند :

في الأوّل : فيه المثنىٰ الحنّاط ، والموجود في الرجال المثنىٰ (١) بن عبد السلام ، وقد نقل الكشي عن محمد بن مسعود عن علي بن الحسن أنّه قال : إنّ المثنىٰ بن عبد السلام حنّاط لا بأس به (٢) . وفي الرجال أيضاً المثنىٰ ابن الوليد الحنّاط ذكره النجاشي (٣) ، والشيخ في الفهرست من غير توثيق ولا مدح (٤) . والعلّامة في الخلاصة ذكر المثنىٰ بن الوليد ، وقال عن الكشي ما نقلناه في ابن عبد السلام (٥) ، ولا يخلو من غرابة .

ولعلّ العلّامة ظن الاتحاد في ابن عبد السلام وابن الوليد (٦) ، والحال أنّ النجاشي ذكرهما (٧) ، واعتماد العلّامة علىٰ النجاشي في الخلاصة كما يظهر من الملاحظة ، وعلىٰ كل حال فالمثنّىٰ قد عرفت حقيقته .

__________________

(١) كما في رجال النجاشي : ٤١٥ / ١١٠٧ ، ورجال بن داود : ١٥٨ / ١٢٥٩ ، وخلاصة العلّامة : ١٦٨ / ١ .

(٢) رجال الكشي ٣ : ٦٢٩ / ٦٢٣ .

(٣) رجال النجاشي : ٤١٤ / ١١٠٦ .

(٤) الفهرست : ١٦٧ / ٧٣٦ .

(٥) خلاصة العلّامة : ١٦٨ / ٢ .

(٦) خلاصة العلّامة : ١٦٨ / ١ ، ٢ .

(٧) رجال النجاشي : ٤١٤ / ١١٠٦ ، ٤١٥ / ١١٠٧ .

٤٢٨
 &

وأمّا الحسن الصيقل فالموجود في الرجال الحسن بن زياد الصيقل ذكره الشيخ في أصحاب الباقر عليه‌السلام ، وكذلك ذكره في أصحاب الصادق عليه‌السلام (١) ، وهو مهمل في الموضعين .

وما يوجد في كلام المتأخّرين : من أنّ الحسن بن زياد العطار الثقة هو الصيقل . لا أعلم وجهه ، وفي بعض الأسانيد أبو القاسم الصيقل ، وفي بعضها أبو إسماعيل .

وذكر شيخنا المحقق ـ أيّده الله ـ في كتاب الرجال أنّ هذا يؤيّد عدم الاتحاد مع العطّار (٢) . ولم يظهر لي وجه ذلك .

نعم ذكر الشيخ في كتابه : أنّ كنية الحسن بن زياد الصيقل أبو الوليد (٣) . وهذا ربما يقتضي المغايرة للموجود في الأسانيد .

والثاني : ليس فيه ارتياب .

والثالث : كذلك ، إلّا من جهة محمد بن الفضيل ، فإنّه مشترك بين الثقة وغيره (٤) ، وربما يظن عدم الاشتراك ، بل هو من المهملين أو ضعيف ، لأنّ الثقة من أصحاب الصادق عليه‌السلام ، ويعقوب بن يزيد من أصحاب الرضا والجواد (٥) عليهما‌السلام والأمر سهل . ولا يخفىٰ تأييد السند لما قدّمناه : من أنّ يعقوب بن يزيد يروي عنه محمد بن علي بن محبوب ، فالإطلاق في الإسم ينصرف إليه في الظاهر .

__________________

(١) رجال الطوسي : ١١٥ / ٢٠ ، ١٦٦ / ١٣ .

(٢) منهج المقال : ٩٩ .

(٣) رجال الطوسي : ١٨٣ / ٢٩٩ .

(٤) هداية المحدثين : ٢٤٩ .

(٥) ليست في « رض » .

٤٢٩
 &

المتن :

ما ذكره الشيخ من أنّ الخبر الثاني محمول علىٰ الإجزاء كأنّه لظنّ المنافاة .

وقد يقال : إنّه لا ينافي مضمون الخبرين ، لأنّ مورده بيان الاكتفاء في غَسل الشعر بوصول البلل من الماء إليه ، وهذا يجامع كثرة الماء وقلّته .

ولا يخفىٰ أنّ الظاهر من الخبر ما ظنّه الشيخ ، غير أنّه كان عليه أن يبيّن الوجه في مدلول الأوّل والأخير لما تسمعه من تفسير الفرق ، ولعلّ التفسير لو تحقق لحمل علىٰ الأكمل .

وقد يشكل بأنّ الظاهر من قوله : كم يكفيها ؟ أنّه لبيان أقلّ المجزي ، ومقام الاستحباب واسع الباب .

اللغة :

قال في القاموس : الفرق مكيال المدينة يسع ثلاثة آصُعٍ ، ويحرّك وهو أفصح ، أو يسع ستّة عشر رطلاً أو أربعة أرباع ، والجمع فُرقان (١) . وفي النهاية : الفَرَق بالتحريك مكيال يسع ستّة عشر رطلاً ، وهي اثنىٰ عشر مدّاً ، أو ثلاثة آصُع عند أهل الحجاز ، وقيل : الفَرَق خمسة أقساط ، والقسط نصف صاع ، فأمّا الفَرْق بالسكون فمائة وعشرون رطلاً (٢) . ولا يخفىٰ أنّ التفسير بالنصف صاع أقرب إلىٰ مدلول الخبر ، نظراً إلىٰ ما قدّمناه من لفظ : يكفيها ، وعلىٰ هذا لا يتمّ إطلاق الشيخ إلّا علىٰ أنّ النصف صاع زائد علىٰ

__________________

(١) القاموس المحيط ٣ : ٢٨٣ ، ٢٨٤ .

(٢) النهاية لابن الاثير ٣ : ٤٣٧ .

٤٣٠
 &

ما يجزئ في الغسل ، وحينئذ يكون الصاع أكمل ، بعكس التفسير الآخر للفرق .

قال :

باب في أنّ (١) الحيض والعدّة إلىٰ النساء‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : « العدّة والحيض إلىٰ النساء » .

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن محمد بن عيسىٰ ، عن عبد الله ابن المغيرة ، عن إسماعيل بن أبي زياد ، عن جعفر ، عن أبيه أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : في امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض فقال : « كلّفوا نسوة من بطانتها أنّ حيضها كان فيما مضىٰ علىٰ ما ادّعت ، فإن شهدن فصدّقت وإلّا فهي كاذبة » .

فالوجه في الجمع بينهما أنّ المرأة إذا كانت مأمونة قُبِل قولها في الحيض والعدّة ، وإذا كانت متّهمة كلّف نسوة غيرها علىٰ ما تضمنه الخبر .

السند‌ :

في الأوّل : واضح بعد ما قدّمناه .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٤٨ لا يوجد : أنّ .

٤٣١
 &

والثاني : فيه إسماعيل بن أبي زياد ، وهو مشترك بين العامي المشهور وبين ثقة (١) ، ولا يبعد أن يكون هو العامي ، لظاهر الرواية عن علي بهذا النحو ، وقد يوجد رواية الثقة بهذا النحو أيضاً ، لكنه نادر .

المتن :

في الأوّل : يدل بظاهره علىٰ قبول قول المرأة في العدّة سواء في ذلك الحيض والأشهُر ، وكذلك في الحيض فيحرم علىٰ الزوج وطؤها بمجرّد قولها ، وكذلك سائر ما يتوقف علىٰ الطهر ، وقد استدل بعض الأصحاب علىٰ ما قلناه بالرواية .

ثم إنّ متنها المذكور هو الموجود في التهذيب والكتاب ، وفي التهذيب أسنادها عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن جميل ابن دراج ، عن زرارة (٢) .

وروىٰ الشيخ في كتاب الطلاق من التهذيب عن محمد بن يعقوب ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « العدّة والحيض للنساء إذا ادّعت صدّقت » (٣) ولا يبعد أن يكون الرواية واحدة ، ولفظ : « إذا ادّعت صدّقت » ساقط منها ، ولا ريب في وضوح الدلالة مع الزيادة علىٰ قبول قول المرأة في الحيض والعدّة .

وأمّا الثاني : فالذي يظهر منه أنّ الوجه في عدم قبول قولها بمجرّد ادّعاء خلاف الغالب من النساء ، وحينئذ يقيّد إطلاق الاُولىٰ علىٰ تقدير

__________________

(١) هداية المحدثين : ١٨٠ .

(٢) التهذيب ١ : ٣٩٨ / ١٢٤٣ ، الوسائل ٢ : ٣٥٨ أبواب الحيض ـ ب ٤٧ ذ ح ٢ .

(٣) التهذيب ٨ : ١٦٥ / ٥٧٥ ، الوسائل ٢ : ٣٥٨ أبواب الحيض ب ٤٧ ح ١ .

٤٣٢
 &

العمل بالثانية بما لا ينافي الغالب من عادات النساء ، فما ذكره الشيخ من التهمة وكونها مأمونة لا يخلو من نظر بعد احتمال ما ذكرناه وإن أمكن إرجاعه إلىٰ ما قلناه بتقريبٍ ما .

وذكر بعض الأصحاب أنّ قبول قول المرأة في العدّة والحيض إنّما يقبل في الزمان المحتمل وإن بعد (١) . وكأنّ الوجه فيه ما ذكرناه ، إلّا أنّ قوله : وإن بعد . لا يلائمه ، وسيأتي إن شاء الله القول في ذلك في بابه .

وينبغي أن يعلم أنّ بعض الأصحاب استدل علىٰ قبول قول المرأة في الحيض بقوله تعالىٰ ( وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ) (٢) ووجّه الاستدلال بأنّه لولا وجوب القبول لما حرم الكتمان ؛ واعترض عليه بالمنع من الملازمة ، ولعلّ لتكليفها بإظهار ذلك ثمرة لا نعلمها ، كما يجب علىٰ الشاهد عدم كتمان الشهادة وإن علم عدم قبول الحاكم لها (٣) .

وفي نظري القاصر أنّ الآية تحتمل احتمالاً ظاهراً أن يراد بما خلق الله في أرحامهنّ من الولد .

قال :

باب الاستظهار للمستحاضة‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم ، عن أبان ، عن إسماعيل الجعفي ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « المستحاضة تقعد أيّام‌

__________________

(١) لم نعثر عليه .

(٢) البقرة : ٢٢٨ .

(٣) الشيخ البهائي في الحبل المتين : ٥٢ .

٤٣٣
 &

قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين فإن هي رأت طهراً اغتسلت ، وإن هي لم تَرَ طهراً اغتسلت واحتشت فلا تزال تصلّي بذلك الغسل حتىٰ يظهر الدم علىٰ الكرسف ، فإذا (١) ظهر (٢) أعادت الغسل وأعادت الكرسف » .

عنه ، عن عثمان بن عيسىٰ ، عن سعيد بن يسار قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن المرأة تحيض ثم تطهر وربما رأت بعد ذلك الشي‌ء (٣) من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها فقال : « تستظهر بعد أيّامها بيوم أو يومين أو ثلاثة ثم تصلّي » .

سعد بن عبد الله ( عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ ) (٤) عن أبي جعفر ، عن ابن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : سألته عن الحائض كم تستظهر ؟ فقال : « تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة » .

عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن محمد بن عمرو بن سعيد ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : سألته عن الطامث كم حدّ جلوسها ؟ فقال : « تنتظر عدّة ما كانت تحيض ثم تستظهر بثلاثة أيّام ثم هي مستحاضة » .

السند :

في الأوّل : القاسم ، وهو علىٰ الظاهر أنّه ابن محمد الجوهري ، وقد تكرّر القول فيه (٥) .

__________________

(١) في « رض » : فإن .

(٢) في الاستبصار ١ : ١٤٩ / ٥١٢ زيادة : الدم .

(٣) ليست في « فض » .

(٤) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ١٤٩ / ٥١٤ .

(٥) راجع ص ١٣٠ وج ١ : ١٨٢ ، ٢٨٦ .

٤٣٤
 &

وإسماعيل الجعفي يحتمل أن يكون ابن جابر ، وفي رجال الصادق عليه‌السلام من كتاب الشيخ : إسماعيل بن حازم (١) الجعفي (٢) . لكن الرواية كما ترىٰ عن أبي جعفر عليه‌السلام فاحتماله منتف ، نعم في رجال الباقر عليه‌السلام من كتاب الشيخ : إسماعيل بن عبد الرحمان الجعفي (٣) . وليس بثقة ، واحتماله قائم .

ثم إنّ إسماعيل بن جابر وثّقه الشيخ في كتاب الرجال (٤) ، والنجاشي ذكره من غير توثيق (٥) ، والكشي ذكر فيه ما يقتضي الذم (٦) . إلّا أنّها مدفوعة بما ذكره شيخنا ـ أيّده الله ـ في كتاب الرجال (٧) ، أما ما في بعض نسخ كتاب الشيخ من الخثعمي بدل الجعفي (٨) ، وكذلك نقله ابن داود عن كتاب الشيخ (٩) فالاعتبار يقتضي أنّ الصحيح الجعفي ، والخثعمي تصحيف .

والثاني : فيه عثمان بن عيسىٰ ، وضمير « عنه » راجع إلىٰ الحسين بن سعيد ، كما صرح به في التهذيب (١٠) (١١) ، وسعيد بن يسار ثقة (١٢) .

وأمّا الثالث : فلا يخلو من تشويش علىٰ ما رأيناه من النسخ ، ولا يبعد أن يكون لفظ « عن » في قوله : عن ابن أبي نصر . زائدة ،

__________________

(١) في « رض » : جابر .

(٢) رجال الطوسي : ١٤٧ / ٩٧ .

(٣) رجال الطوسي : ١٠٤ / ١٥ ، وكذا في أصحاب الصادق عليه‌السلام : ١٤٧ / ٨٤ .

(٤) رجال الطوسي : ١٠٥ / ١٨ .

(٥) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١ .

(٦) رجال الكشي ٢ : ٤٥٠ / ٣٤٩ و ٣٥٠ .

(٧) منهج المقال : ٥٦ .

(٨) رجال الطوسي : ١٠٥ / ١٨ ، ١٤٧ / ٩٣ .

(٩) رجال ابن داود : ٥٠ / ١٧٩ .

(١٠) التهذيب ١ : ١٧٢ / ٤٩٠ .

(١١) في « فض » زيادة : وغيره .

(١٢) وثّقه النجاشي في رجاله : ١٨١ / ٤٧٨ .

٤٣٥
 &

والصحيح عن أبي جعفر ابن أبي نصر ، أو أنّ الأصل عن أحمد بن محمد ابن عيسىٰ أبي جعفر ، ويحتمل أن يكون المراد بأبي جعفر الجواد عليه‌السلام ، والواو ساقطة قبل عن ابن أبي نصر ، ولا يخلو من بُعدٍ بَعد التأمّل في مساق الرواية .

والرابع : فيه محمد بن خالد وأظنه البرقي ، وفيه كلام (١) ، واحتمال غيره بعيد ؛ ومحمد بن عمرو بن سعيد هو ابن الزيّات الثقة .

المتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّ المراد بقوله : « فإن هي رأت طهراً اغتسلت » أن يراد بالطهر النقاء من الدم بالكلية ، كما يدل عليه قوله : « وإن لم تر طهراً اغتسلت » إلىٰ آخره ، فإنّ هذا يقتضي وجود الدم ، ويحتمل أن يراد بالطهر عدم دم الحيض إلّا أنّ التأمّل فيما ذكرناه يدفعه .

أما قوله : « وإن هي لم تر طهراً اغتسلت » فالظاهر أنّ المراد بالغسل غسل الحيض ، كما يدل عليه قوله : « فلا تزال تصلّي حتىٰ يظهر الدم علىٰ الكرسف » إلىٰ آخره .

وهذا يدل أيضاً علىٰ أنّ مجرّد الظهور علىٰ الكرسف يوجب الغسل ، لكنه مجمل بالنسبة إلىٰ أنّ إعادة الغسل محتملة لما يقوله القائلون بالمتوسطة ، ولما يقوله النافون لها وجعل هذا النوع من الكثيرة ، إلّا أنّه لا يخفىٰ عدم الانطباق علىٰ القولين في ظاهر الحال ، لأنّ المتوسطة في كلام القائلين وقع التعبير بغسل الغداة لها ، والكثيرة وقع التعبير بثلاثة أغسال .

__________________

(١) ينشأ من قول النجاشي فيه : وكان ضعيفاً في الحديث . رجال النجاشي : ٣٣٥ / ٨٨٩ .

٤٣٦
 &

والحق ما قدّمناه من جهة المتوسطة ، وأمّا الكثيرة فعلىٰ تقدير إرادة وقت الصلاة كما قدّمنا إليه الإشارة ، فالحديث لا يأبىٰ الرجوع إلىٰ ذلك ، غاية الأمر أنّه مطلق بالنسبة إلىٰ عدم ذكر أوقات الصلاة ، ولولا ضعف الحديث لأمكن زيادة القول فيه ، والمهمّ ما ذكرناه .

والثاني : دالّ بتقدير العمل به علىٰ أنّ وجود الدم الرقيق بعد الاغتسال يقتضي الاستظهار ، لكنّه من كلام السائل ، فلا يفيد حكماً ، وتوهّم تقرير الإمام عليه‌السلام واضح الردّ .

وفي صحيح الأخبار في التهذيب ما رواه محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة فإن خرج فيها شي‌ء من الدم فلا تغتسل ، وإن لم تر شيئاً فلتغتسل ، وإن رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضّأ ولتصلّ » (١) .

وقد ذكرت في حاشية التهذيب كلاماً في الحديث ، والملخّص منه أنّ الظاهر من قوله : « وإن لم تر شيئاً » إرادة الدم بقرينة قوله أوّلاً : « شي‌ء من الدم » وكذلك قوله بعد : « وإن رأت بعد ذلك صفرة » وعلىٰ هذا لا حاجة إلىٰ تكلّف الجمع بينه وبين ما دل علىٰ الاستظهار .

فإن قلت : حاصل ما ذكرت أنّ المرأة إذا رأت دم الحيض فلا تغتسل ، وإن لم تر دم الحيض اغتسلت ، وهذا ينافي ما دل علىٰ الاستظهار ، فإنّه لا يشترط فيه عدم دم الحيض ، كما يستفاد من خبر ابن نعيم السابق وغيره من الأخبار ، كما يعلم من مراجعة التهذيب .

قلت : ليس الأمر كما ذكرت ، بل (٢) المقصود هنا إمكان حمل

__________________

(١) التهذيب ١ : ١٦١ / ٤٦٠ ، الوسائل ٢ : ٣٠٨ أبواب الحيض ب ١٧ ح ١ .

(٢) ليست في « فض » .

٤٣٧
 &

الحديث علىٰ ما لا ينافي جواز الاستظهار ، فإنّ الأمر بالغسل في الحديث يقتضي عدمه ، وإذا حمل علىٰ عدم الدم تم الحديث في عدم المنافاة للاستظهار ، لا أنّ عدم الدم يوجب الغسل من غير استظهار ، وما قلته من أنّ المراد دم الحيض هو الموجب للإشكال .

نعم قد حكىٰ العلّامة في المختلف عن الشيخ أنّه قال : إذا انقطع الدم عن ذات العادة وكانت عادتها دون عشرة أيّام أدخلت قطنة ، فإن خرجت نقيّة فقد طهرت ووجب عليها الغسل ، وإن خرجت ملوّثة بالدم استظهرت بيوم أو يومين في ترك العبادة ، ونقل عن ابن إدريس أنّه لا استظهار مع الانقطاع ، بل إنّما يكون مع وجود الصفرة والكدرة .

ثم إنّ العلّامة استدل علىٰ مختاره ـ وهو قول الشيخ ـ برواية محمد ابن مسلم المنقولة هنا من التهذيب ، ورواية ابن أبي نصر المذكورة في الكتاب ، وحكىٰ عن ابن إدريس الاحتجاج لقوله بأنّ الأصل وجوب العبادة ، وأجاب العلّامة بأنّ الأصل براءة الذمّة (١) .

وفي نظري القاصر أنّ الكلام أوّلاً وآخراً لا يخلو من نظر .

أمّا الأوّل : فلأنّ الظاهر من كلام الشيخ المنقول أنّ خروج القطنة ملوّثة بالدم يقتضي الاستظهار ، وكلام ابن إدريس مفاده أنّه لا استظهار مع الانقطاع ، بل مع وجود الصفرة والكدرة ، وهذا كما ترىٰ لا يقتضي المخالفة بين الكلامين إلّا من حيث ذكر ابن إدريس الصفرة ، فكأن العلّامة ظنّ أن قول الشيخ يفيد كون الاستظهار مع الدم ، وبدونه لا استظهار ، ومع الصفرة لا دم فلا استظهار .

__________________

(١) المختلف ١ : ١٩٩ .

٤٣٨
 &

وأنت خبير بأنّ الصفرة لا تنافي الدم ، بل الدم ينقسم إلىٰ الأصفر وغيره ، إلّا أن يقال : مع إطلاق الدم إنّما يراد غير الأصفر ، وفيه ما لا يخفىٰ .

وأما الثاني : فلأن استدلال العلّامة بالرواية إن كان المراد إثبات الاستظهار مع وجود الدم فالرواية غير مقيّدة بالدم ، بل الظاهر من قوله : « وإن لم تر شيئاً » نفي الدم بجميع صفاته ، ولو حملت الرواية علىٰ أنّ الدم إذا وجد اقتضىٰ الاستظهار ، وإن لم يوجد انتفىٰ ، سواء كانت الصفرة أو لا زاد الإشكال بأنّ الظاهر من الدم دم الحيض ، واللازم حينئذ أنّه مع وجود دم الحيض تحقق الاستظهار ، ومع عدم دم الحيض لا استظهار ، والحال أنّ القائل بهذا غير معلوم ، والأخبار المعتبرة لا تساعد عليه ، بل تدل علىٰ نفيه .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ احتجاج ابن إدريس لا أدري موافقته لدعواه ، فإن الظاهر منها أنّه لا استظهار مع انقطاع الدم أصلاً ، بل هو مع الصفرة والكدرة ، والاستدلال حينئذ بأنّ الأصل وجوب العبادة إن أراد به مع عدم الصفرة والكدرة كما هو ظاهر دعواه فالجواب من العلّامة بأنّ الأصل براءة الذمّة غير تامّ ، لأن العلّامة قائل بعدم الاستظهار ، فكيف يقول بالأصل المذكور ؟ وإن أراد ابن إدريس غير ما ذكرناه فلا وجه له .

وبالجملة : ـ فكلام العلّامة مجمل المرام علىٰ ما أظنّه ، ولا يبعد أن يكون التفات العلّامة إلىٰ ما تضمنه الرواية من قوله : « وإن رأت بعد ذلك صفرة » فإنّ ظاهر هذا أنّ ما سبق إنّما كان دماً ولا يكون الصفرة دماً ، وأنت خبير بما في هذا من التأمّل ، علىٰ أنه يبقىٰ الإشكال في الاستدلال منه ومن ابن إدريس ، فليتأمّل .

وينبغي أن يعلم أنّ الخبر الأخير دال علىٰ أنّ المرأة بعد الاستظهار‌

٤٣٩
 &

مستحاضة ، والخبر وإن لم يكن صالحاً للاعتماد عند بعض ، إلّا أنّ له مؤيّدات دالّة علىٰ مدلوله ، متطابقة الدلالة علىٰ أنّ ما بعد أيّام الاستظهار استحاضة ، و ما يوجد في كلام المتأخّرين : من أنّ الدم إن انقطع علىٰ العشرة فالجميع حيض ، وإن تجاوز فالعادة حيض فقط (١) . لم أقف الآن علىٰ خبر صحيح يتضمنه .

والوالد قدس‌سره كثيراً ما كان يقول ذلك ، ويبني عليه إشكالات في مواضع أهمّها : الحج ، وسيأتي إن شاء الله ذكر ما لا بدّ منه فيه .

وإذا تمهّد جميع ما ذكرناه ، فليعلم أنّ للأصحاب اختلافاً في أنّ الاستظهار هل هو علىٰ سبيل الوجوب أو الاستحباب ؟ فالموجبون (٢) استدلوا بظواهر الأخبار الوارد فيها الأمر كصحيح محمد بن مسلم (٣) ، والقائلون بالاستحباب جمعوا بين الأخبار المشار إليها وغيرها مثل قوله عليه‌السلام : « تحيّضي أيّام أقرائك » بالحمل علىٰ الاستحباب (٤) .

وقد يقال : إنّ ما دلّ علىٰ أنّ التحيّض لا يكون إلّا أيّام الأقراء غير موجود ، والأمر بالتحيّض أيّام الأقراء لا ينافي التحيّض في غيرها بدليل .

أو يقال : إنّ التحيّض أيّام الأقراء علىٰ الإطلاق ، وأمّا غيرها فله شروط ، ومثل هذا يصلح وجهاً للجمع .

__________________

(١) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان : ٧٤ .

(٢) منهم الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٤ ، وفي الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٦٣ ومنهم ابن إدريس الحلّي في السرائر ١ : ١٤٩ .

(٣) المتقدم في ص ٤٣٧ .

(٤) منهم المحقق في المعتبر ١ : ٢١٥ ، وجامع المقاصد ١ : ٣٣٢ ، روض الجنان : ٧٣ . وسائل الشيعة ٢ : ٢٨٨ ابواب الحيض ب ٨ ح ٣ ، الفروع من الكافي ٣ : ٨٣ / ١ ، التهذيب ١ : ٣٨١ / ١١٨٣ .

٤٤٠