إستقصاء الإعتبار - ج ٢

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-174-5
ISBN الدورة:
964-319-172-9

الصفحات: ٤٨٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

لأنّ غاية ما يستفاد منها عدم إعادة الغُسل مع البول لا وجوب البول .

وربما احتمل الاستدلال للوجوب بخبر أحمد بن محمد السابق نقله عن الشيخ في التهذيب ، حيث قال فيه : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن غسل الجنابة ، فقال : « تغسل يدك اليمنىٰ من المرفق (١) إلىٰ أصابعك ، وتبول إن قدرت علىٰ البول » (٢) فإنّ الجملة الخبرية بمعنىٰ الأمر في هذه المواضع .

وفيه : أنّ الظاهر جريان الجملتين علىٰ وَتيرة واحدة ، كما كرّرنا القول فيه ، ولمّا كان غَسل اليد مستحباً فالبول مثله .

وما عساه يقال : إنّ الغَسل إذا خرج بالإجماع لا يلزم خروج ما فيه الخلاف ، فجوابه : استبعاد اختلاف الجمل .

ولزوم الإشكال بوجوب بعض مقتضيات الخبر ، فلا يتم التوجيه . يمكن الجواب عنه : بأنّ العدول إلىٰ الأمر بقوله : « ثم اغسل ما أصابك منه ، وأفض الماء (٣) علىٰ رأسك » قرينة علىٰ استحباب ما قبله .

وقد يشكل : بأنّ تسليم كون الجملة الخبرية بمعنىٰ الأمر يقتضي أن لا فرق بين الأمر وما يقوم مقامه .

وما قاله بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ في جواب الاعتراض بأنّ دلالة الجملة الخبرية في المقامات الطلبيّة علىٰ الوجوب ممّا لا ينبغي التوقف فيه : من أنّ قول علماء المعاني في العدول عن الطلبية إلىٰ الإخبارية لشدّة الاهتمام ليس منحصراً في ذلك ، بل له أسباب اُخر (٤) .

__________________

(١) في التهذيب ١ : ١٣١ / ٣٦٣ : المرفقين .

(٢) تقدّم في ص ٢٣٥ .

(٣) ليست في التهذيب .

(٤) الحبل المتين : ٤٠ .

٢٤١
 &

لا يخلو من وجه ، غير أنّا لو سلّمنا إرادة الاهتمام بالنحو الذي ذكروه ، فالدلالة علىٰ الوجوب معارضة بما قدمناه ، وحينئذ يحمل علىٰ الطلب الاستحبابي للمعارض ، كما يقع بالأمر .

فإن قلت : الأمر يدل علىٰ الاستحباب ، فلا بد للعدول عنه من أمر زائد عنه .

قلت : يحتمل تأكد الاستحباب .

وما تضمنه الخبر المبحوث عنه من حكم المرأة لا يخلو من إجمال ، فإنّ حصر ما يخرج منها في ماء الرجل ( لا يوافقه الوجدان في بعض الأحيان ) (١) إلّا أن يقال : إن الحديث يراد منه حال الاشتباه ، ( وقوله عليه‌السلام إنّما هو حال الاشتباه ، وفيه ما فيه ، والإمام عليه‌السلام أعلم بالحال إن صح الخبر ) (٢) .

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « د » : واضح الإشكال .

(٢) بدل ما بين القوسين في « د » :

والوجه فيه : أنّ ظاهر السؤال عن الرجل المجنب والمرأة المجنبة بالاحتلام في كل منهما ، لقول السائل ، قلت : فما الفرق ، إلىٰ آخره ، فإنّ السؤال من الفرق بين المرأة والرجل إذا كانت جنابة الرجل بالاحتلام وجنابة المرأة بالجماع من دونه لا وجه [ له ] للظهور ، أمّا علىٰ تقدير الاتحاد في الجنابة فيمكن توجه الجواب بأن العلم بكون الماء من ماء المرأة مع تحقق ماء الرجل أيضا غير حاصل ، ومع الاشتباه لا يعاد الغسل ، لكن التعبير بقوله عليه‌السلام . إنّما هو إلىٰ آخره خفي المرام ، ولا يبعد أن يقال إن المرأة لا يخرج [ ماؤها ] إلا دفعة واحدة فالخارج بعد إنّما هو ماء الرجل فلا استبراء فلا إعادة للغسل . ويحتمل أن يستفاد من الخبر نفي الاستبراء ، وما يقتضيه كلام المفيد من الاستبراء علىٰ المرأة لم نقف علىٰ [ ما ] يفيده صريحا ، والشيخ [ استدل ] له في التهذيب بالخبر المبحوث عنه ونحوه خبر آخر ، وفي الظن إمكان أن يقال : إن ظاهر الخبر سقوط الاستبراء لكون الماء من ماء

=

٢٤٢
 &

وظاهر الخبر أيضاً أنّ خروج شي‌ء هو المقتضي للغُسل إذا لم يبل ، سواء تحقق كونه منياً ، أو علم عدمه ، أو اشتبه الحال ، وفي عبارات كثير من العلماء التعبير بالبلل المشتبه (١) .

والحديث الثاني : تضمن البلل ، والقول فيه كالأول .

وكذلك الثالث : إلّا أنّ ما تضمنه من أنّه لو بال لا يعيد غسله ولكن يتوضّأ ويستنجي ، يدل علىٰ نجاسة الخارج ، وربما يحصل التوقف في ذلك عند من لا يعمل بالموثق ، من حيث عدم معلومية كون الماء من النجاسات .

وفي كلام بعض المتأخرين : أنّ البلل المشتبه والمعلوم كونه ليس بولاً ولا غيره لا نزاع فيه ، كما لا نزاع في أنّه لو علم أنّه بول أو مني يجب الوضوء أو الغسل ، وأمّا إيجاب الغسل علىٰ تقدير الاشتباه بالمني ، فهو المذكور في أكثر الكتب ، وعليه يدل بعض الأخبار بالمفهوم ، والبعض بالتصريح ، ولكنه معارض ببعض الأخبار ، والأصل ينفيه ، وكذلك الأخبار التي دلت علىٰ أنّ اليقين لا ينقضه الشك ، وحصر الموجب في بعض الأخبار ، فحمل الأخبار علىٰ ما هو غالب الظن أنّه مني أولىٰ ، لترجيح الظاهر علىٰ الأصل ، مع احتمال الاستحباب ، سيما مع [ عدم ] الظن الغالب (٢) . انتهىٰ .

__________________

= الرجل ولو كان من ماء المرأة ففيها الاستبراء وحينئذ يدل علىٰ مطلوب الشيخ في الجملة بحيث يخرج كلامه عن الغرابة ، وقد يمكن الدخل فيه باحتمال ما قدمناه من أن المرأة لا تمني بعد والجواب لا بد فيه من مثل هذا إذ لولاه لم يطابق السؤال ، إلا أن يقال : إن السؤال عن المرأة في قول وعدم الإنزال منها ، وفيه ما فيه .

(١) منهم الشيخ البهائي في الحبل المتين : ٤٣ .

(٢) مجمع الفائدة ١ : ١٣٨ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر .

٢٤٣
 &

وأنت تعلم أنّ الأخبار المعتبرة لا دلالة فيها علىٰ المشتبه ، والحمل عليه كما ذكره جماعة من المتأخّرين (١) ، محل بحث ، إلّا أن يقال : إنّ الأخبار متناولة للمشتبه والمحقَّق ، ولمّا خرج المحقَّق بقي المشتبه ، وفيه كلام من حيث ما قاله المذكور كلامه ، فإنّه متوجه لولا أنّ ظاهر الأخبار يفيد خلافه ، وبالجملة فالمقام لا يخلو من إشكال ، والله تعالىٰ أعلم بالحال .

والخبر الرابع : كما ترىٰ ظاهره إعادة الصلاة الواقعة بين رؤية البلل والغسل ، إلّا أنّ جماعة من المتأخّرين قالوا بعدم إعادة الصلاة ، لأنّ هذا حدث جديد (٢) ، وحمل بعض الأصحاب الحديث علىٰ الاستحباب ، أو علىٰ من صلّىٰ بعد وجدان البلل (٣) ، وفيه : أنّه احتمال بعيد من الرواية ، والاستحباب لا بد له من موجب مع ظهور الرواية ، وكون البلل حدثا جديدا محل كلام .

ونقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب القول بوجوب إعادتها (٤) . وفي الذكرىٰ : لعل مستنده الحديث المتقدم عن محمد ، ويمكن حمله علىٰ الاستحباب ـ إلىٰ أن قال ـ : وربما يخيل فساد الغسل الأوّل ، لأنّ المني باق بحاله في مخرجه لا في مقرّه ، كما قال بعض العامة ، وهو خيال ضعيف ، لأن المتعبد به هو الغسل ممّا خرج لا ممّا بقي ، ولهذا لو حبسه لم يجب الغسل إلّا بعد خروجه عندنا وعند أكثرهم (٥) . . . انتهىٰ .

__________________

(١) منهم المحقق في المعتبر ١ : ١٩٣ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ١٣٨ ، وصاحب المدارك ١ : ٣٠٤ .

(٢) منهم المحقق في المعتبر ١ : ١٩٣ ، والشهيد في الذكرىٰ ٢ : ٢٣٦ ، والشيخ البهائي في الحبل المتين : ٤٤ .

(٣) كالشهيد في الذكرىٰ ٢ : ٢٣٦ .

(٤) السرائر ١ : ١٢٣ .

(٥) الذكرىٰ ٢ : ٢٣٦ .

٢٤٤
 &

ولقائل أن يقول : إنّ الموجب إذا كان حدثاً جديداً موجباً للغسل لم يتحقق شريطة المني الموجب للغسل وقد قرّروا ذلك في الغسل ، إلّا أن يقال : إنّ الشرط في أوّل الخروج ، ولا يخفىٰ أنّ الأمر سهل ، ولعلّ التعلق بالرواية أولىٰ ، والمعارض غير واضح ، فليتأمّل .

فإن قلت : قوله في الرواية : قال محمد . هل هو متعلق بما سبق ؟ فيكون السند واحداً في الخبرين ، وهو صحيح ، أم هو مرسل ؟

قلت : الظاهر أنّ السند الأوّل لتمام الخبر (١) ، والاحتمال قائم ، ومحمد هو ابن مسلم علىٰ ما يظن ، والله تعالىٰ أعلم بالحال .

ثم الحديث دلالته علىٰ وجوب الوضوء من مجرد البول يتناول الاستبراء وعدمه ، ولعلّه مقيد بما سبق من الأخبار الدالة علىٰ أنّ البلل بعد الاستبراء من البول لا يؤثّر شيئاً ، إلّا أن يقال : إنّ تلك الأخبار في غير المجنب ، وغير بعيد أن يكون إطلاق الاستبراء بعد البول يتناول الجنب ، وفي البين كلام يعرف بالنظر فيما سبق من الأخبار .

قال :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن عبد الله ابن محمد الحجال (٢) ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عبد الله بن هلال ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن الرجل يجامع أهله ، ثم يغتسل قبل أن يبول ، ثم يخرج منه شي‌ء بعد الغسل ، فقال : « لا شي‌ء عليه ، إنّ ذلك ممّا وضعه الله عنه » .

__________________

(١) في « فض » و « د » زيادة : الأخير .

(٢) كذا في النسخ والتهذيب ١ : ١٤٥ / ٤١١ ، وفي الاستبصار ١ : ١١٩ / ٤٠٤ : الحجاج .

٢٤٥
 &

عنه ، عن موسىٰ بن الحسن ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن أبي جميلة المفضل بن صالح ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن رجل أجنب ، ثم اغتسل قبل أن يبول ، ثم رأىٰ شيئاً ، قال : « لا يعيد الغسل ليس ذلك الذي رأىٰ شيئاً » .

فالوجه في هذين الخبرين أحد شيئين ، أحدهما : أن يكون الغاسل قد اجتهد في البول فلم يتأتّ له ، فحينئذ لم يلزمه إعادة الغسل ، والثاني : أن يكون ذلك مختصاً بمن فعل ذلك ناسياً .

والذي يدل علىٰ ذلك :

ما أخبرني (١) به الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ ، عن أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن علي بن السندي ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل تصيبه الجنابة فينسىٰ أن يبول حتىٰ يغتسل ، ثم يرىٰ بعد الغسل شيئا ، أيغتسل أيضاً ؟ قال : « لا قد ( تعصّرت ونزل ) (٢) من الحبائل » .

وأخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن محمد بن عيسىٰ ، عن أحمد بن هلال ، قال : سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول ، فكتب : « إنّ الغسل بعد البول ، إلّا أن يكون ناسياً فلا يعيد منه الغسل » .

فجاء هذا الخبر مفسِّراً للأحاديث كلّها بالوجه الذي ذكرناه من أنّه يختص ذلك بمن تركه ناسياً ؛ فأمّا ما يتضمن خبر سماعة ومحمد بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٢٠ / ٤٠٦ : ما أخبرنا .

(٢) في « فض » : تقصرت ، وفي « رض » : تعصّرت وانزلت .

٢٤٦
 &

مسلم ، من ذكر إعادة الوضوء ، فمحمول علىٰ الاستحباب ، ويجوز أن يكون المراد بما خرج بعد البول والغسل ما ينقض الوضوء [ فحينئذ يجب عليه الوضوء ولاجل ذلك قال عليه‌السلام ] (١) : « عليه الوضوء والاستنجاء » في حديث سماعة ، وذلك لا يكون إلّا فيما ينقض الوضوء .

السند‌ :

في الأول : عبد الله بن هلال ، وهو مجهول الحال .

والثاني : فيه أبو جميلة ، وحاله بالضعف لا يخفىٰ ، وتقدم أيضاً قول في بقية الرجال .

والثالث : فيه علي بن السندي ، وقد ذكرنا القول فيه (٢) .

وفي فوائد شيخنا ـ أيّده الله ـ علىٰ الكتاب : وإن كان هذا ـ يعني علي ابن السندي ـ هو علي بن إسماعيل علىٰ ما وصل إلينا من نسخ الكشي ، وقد وثّقه نصر بن الصباح ، فإنّ توثيقه لا يعتمد عليه ، علىٰ أنّ العلّامة نقله علي بن السري ، وهو يوجب نوع وهن ، كما لا يخفىٰ . انتهىٰ .

والرابع : فيه أحمد بن هلال ، والشيخ قد ضعفه (٣)

المتن :

في الخبر الأوّل : لو صحّ سنده أمكن حمله علىٰ سقوط الوجوب ،

__________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ هكذا : ولأجل قال ، والصواب ما أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٢٠ / ٤٠٧ .

(٢) راجع ص ١٨٧ وج ١ : ٣٣٥ .

(٣) الفهرست : ٣٦ / ٩٧ .

٢٤٧
 &

وتحمل الأخبار الأولة علىٰ الاستحباب ، كما سلفت إليه إشارة من كلام البعض ، إلّا أنّ السند قد علمته ، ومع الأخبار السابقة الشهرة ، وإن كان فيها كلام ، غير أنّ الأمر سهل .

وقد يمكن أن يراد من الحديث أنّه لا شي‌ء عليه في عدم البول من الإثم ، وإن كان الغسل لا بد من إعادته ، إلّا أنّ ظاهر الخبر يأباه ، وأنّ الاحتمال واسع الباب .

وأما الثاني : فلا مجال للحمل فيه إلّا علىٰ ما تكلّفه الشيخ ، وفيه ما تعلمه ، أما الوجه الأوّل من وجهي الشيخ : فقد ذكر شيخنا قدس‌سره في فوائده علىٰ الكتاب أنّه لا دليل عليه .

وشيخنا ـ أيّده الله ـ يفهم من بعض فوائده إمكان التوجيه له ، بأنّ الاستبراء بالبول إذا وجب فمع العمد يخالف المأمور به ، ومع النسيان يعذر .

وهذا الوجه ذكره ـ أيّده الله ـ في مقام الردّ علىٰ شيخنا قدس‌سره حيث قال في بعض الفوائد : التوجيه الثاني من وجهي الشيخ بأنّ السؤال فيها وإن وقع عن حكم الناسي ، إلّا أنّ التعليل المستفاد من الجواب من قوله : « قد تعصّرت ونزل من الحبائل » يقتضي عدم الفرق بينه وبين غيره .

واعتراض شيخنا ـ أيّده الله ـ كما ترىٰ يقتضي الفرق ، وقد يقال : إنّه لا ينحصر في النسيان ، لأنّ عدم التكليف يتحقق في الجاهل أيضاً ، بناءً علىٰ عدم تكليفه . ولعلّ شيخنا ـ أيّده الله ـ أراد توجيه كلام الشيخ ، ولعلّ (١) الشيخ يقول بالتكليف في غير الناسي ، ومقام التوجيه واسع ، غير أنّه قد

__________________

(١) ليست في « د » .

٢٤٨
 &

يستفاد منه ما أشرنا إليه من توجيه الوجه الأول ، وهو عدم القدرة علىٰ البول ، فإنّه لا ريب أنّ وجوب البول فرع القدرة ، وكأنّ الشيخ ناظر في حمل الأخبار إلىٰ هذا في الوجه الأول ، فليتأمّل .

فإن قلت : علىٰ تقدير التقصير وعدم جواز الغسل تنتفي الإعادة مع عدم البول حال كونه غير ناس وغير متعذر منه ، وسواء وجد بللاً أم لا فما وجه ذكر الشيخ وجود البلل مع النسيان ؟

قلت : لما ذكرت وجه ، إلّا أنّ الشيخ مشىٰ مع الأخبار ، فلا يبعد وقوفه علىٰ مضمونها ، من أنّ الإعادة مع وجود البلل ، غير أن مقتضىٰ قوله بوجوب البول ، لزوم الإعادة من دونه مطلقاً ، والله أعلم بالحال .

ويبقىٰ الكلام هنا أنّ شيخنا ـ أيّده الله ـ قال في أول الفائدة : الوجه الأوّل لا دليل عليه ، كما قال شيخنا قدس‌سره فربما ينكر علينا في أنّا استخرجنا من كلامه توجيهاً يصلح دليلاً له ، والحال أنّه نفاه ، ولعلّ مراده لا دليل عليه من الأخبار والاعتبارات الصالحة ، وإن كان ما قلناه لا يخلو من وجه .

ونقل في توجيهه : أنّه إذا اجتهد واخترط ولم يتأتّ له البول كان الظاهر عدم بقاء شي‌ء في المجرىٰ ، كما في البول ، وأنّ التكليف بأكثر من ذلك كالحرج ، وأنّ القائل بخلافه غير ظاهر ، وأنت خبير بما في الوجوه من التكلّف .

وما تضمنه خبر جميل من قوله : « قد تعصرت » إلىٰ آخره ، لم أفهم معناه ، ولا قول شيخنا قدس‌سره إنّه متناول للناسي وغيره (١) ، فإن كان المراد أنّ نزول المني إلىٰ الخارج يقتضي عدم بقاء شي‌ء منه ، فالكلام لا يساعد

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٣٠٦ .

٢٤٩
 &

عليه ، وإن كان المراد أنّ السائل نسي البول ، ولكنه استبرأ ، فهو خلاف ظاهر الرواية ، فلا ينبغي الغفلة عن ذلك .

وما قد يقال : من أنّ الرواية إنّما تضمنت حكم النسيان من كلام السائل فلا اعتبار فيه . يمكن توجيهه بأنّ ظاهر إقرار الإمام عليه‌السلام يفيد المطلوب ، وفيه ما فيه .

وبالجملة : فالأخبار مع اختلال (١) الأسانيد غير تامّة المعاني ، والأخبار المعتبرة قد سمعت القول فيها .

وينبغي أن يعلم أنّ في البين اُموراً :

الأول : صريح كلام الشيخ هنا وفي التهذيب القول بالنسيان (٢) ، وبين المتأخّرين ليس هذا مذكوراً في الأقسام ، ولا أدري الوجه فيه .

الثاني : المعروف بين الأصحاب ونقل ابن إدريس فيه الإجماع علىٰ ما حكي (٣) عنه ، أنّ من ترك البول والاستبراء يعيد الغسل ، والأخبار الدالّة علىٰ ذلك قد سمعتها .

وفي الفقيه ـ بعد أن أورد الخبر المتضمن لإعادة الغسل ـ قال : وروي في حديث آخر : « إن كان قد رأىٰ بللاً ولم يكن بال فليتوضّأ ولا يغتسل » قال مصنف الكتاب : إعادة الغسل أصل ، والخبر الثاني رخصة (٤) .

واستعمال الصدوق للرخصة في كتابه كثير ، أمّا معناها فلا يخلو من إجمال ، كما نبّهنا عليه في حاشيته ، وإرادة المعنىٰ الاُصولي بعيدة من

__________________

(١) في « رض » : اختلاف .

(٢) التهذيب ١ : ١٤٥ .

(٣) السرائر ١ : ١٢٢ ، وحكاه عنه في الذكرىٰ ٢ : ٢٣٤ .

(٤) الفقيه ١ : ٤٧ / ١٨٧ ، الوسائل ٢ : ٢٥٠ أبواب الجنابة ب ٣٦ ح ١ ، ٢ .

٢٥٠
 &

كلامه ، علىٰ أنّ الخبر الثاني لا يخفىٰ حاله .

الثالث : في كلام المحقق في بعض كتبه ما يعطي عدم إعادة الغسل لو حصل أحد الأمرين ، من البول أو الاستبراء ، سواء كان البول ممكناً أم لا (١) . وقد يستبعد ذلك مع إطلاق الأخبار ، ويقربه النظر فيما أسلفناه بعين الاعتبار .

الرابع : ما قاله الشيخ أخيراً : من أنّ خبر محمد بن مسلم الدال علىٰ إعادة الوضوء محمول علىٰ الاستحباب . يدل علىٰ أنّه فهم من الرواية حصول البول والاستبراء ، وقد علمت أنّ خبر سماعة تضمن الاستنجاء ، فلا يتم ما فهمه الشيخ إلّا بتكلّف .

نعم : رواية محمد ربما كان ظاهرها ما قاله الشيخ أخيراً في الحمل علىٰ خروج ما ينقض الوضوء ، ولعلّ مراده به عدم الاستبراء ، فإنّ ذلك يوجب نقض ما خرج للوضوء ، إلّا أنّ عبارة الشيخ لا تخلو من حزازة ، وربما ظهر منها أنّ مفاد الروايات مع الاشتباه ، وقد سبق منا نوع كلام لا ينبغي الغفلة عنه .

ولشيخنا قدس‌سره هنا كلام في المدارك ، ذكرنا ما فيه في موضع آخر ، وحاصله : أنّه اعتمد في وجوب الوضوء إذا حصل البول من دون الاستبراء ثم وجد البلل علىٰ صحيح محمد المذكور هنا ، ومفهوم حسنة حفص بن البختري : في الرجل يبول : « ينتره ثلاثاً ، ثم إن [ سال ] (٢) حتىٰ يبلغ الساق فلا يبالي » (٣) .

__________________

(١) المعتبر ١ : ١٩٤ .

(٢) في النسخ : بال ، وما أثبتناه من المدارك ١ : ٣٠٦ .

(٣) التهذيب ١ : ٢٧ / ٧٠ ، الوسائل ١ : ٢٨٣ أبواب نواقض الوضوء ب ١٣ ح ٣ .

٢٥١
 &

ثم قال : قدس‌سره ولا ينافي ذلك ما رواه عبد الله بن [ أبي ] يعفور في الصحيح ، أنّه سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل بال ثم توضّأ وقام إلىٰ الصلاة فوجد بللاً ، قال : « لا شي‌ء عليه ولا يتوضّأ » (١) لأنّ هذه الرواية مطلقة وأخبارنا (٢) مفصلة ، والمفصل يحكّم علىٰ المطلق (٣) . انتهىٰ .

وأنت خبير بأنّ الإطلاق والتقييد ليس علىٰ الإطلاق ، والتناول للبول بعد الجنابة محل كلام ، ورواية محمد غير صريحة ، فليتأمّل .

قال :

باب مقدار الماء الذي يجزئ في غسل الجنابة والوضوء‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الوضوء ، فقال : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يتوضّأ بمُدٍّ ويغتسل بصاع » .

وبهذا الإسناد ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يتوضّأ بمُدّ ويغتسل بصاع ، والمُدّ رطل ونصف ، والصاع ستة أرطال » .

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ ، عن علي بن محمد ، عن سليمان بن حفص المروزي ، وأخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٨ / ١٤٧ ، الوسائل ١ : ٢٨٢ أبواب نواقض الوضوء ب ١٣ ح ١ .

(٢) في المدارك : والرواية السابقة .

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٣٠٦ .

٢٥٢
 &

محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن موسىٰ بن عمر ، عن سليمان بن حفص المروزي قال : قال أبو الحسن عليه‌السلام « الغسل بصاع من ماء ، والوضوء بمدٍّ من ماء ، وصاع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله خمسة أمداد ، والمد مائتان وثمانون درهما ، والدرهم ستة دوانيق ، والدانق وزن ستّ حبّات ، والحبّة وزن حبّتي شعير من أوساط الحب ، لا من صغاره ولا من كباره » .

وبهذا الاسناد ، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ ، عن أبي جعفر عن أبيه ، عن زرعة ، عن سماعة ، قال : سألته عن الذي يجزئ من الماء للغسل فقال : « اغتسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بصاع وتوضّأ من مدٍّ (١) ، وكان الصاع علىٰ عهده خمسة أمداد ، وكان المدّ قدر رطل وثلاث أواق » .

قوله عليه‌السلام في هذا الخبر : « الصاع خمسة أمداد » وتفسير المدّ برطل وثلاث أواق مطابق للخبر الذي رواه زرارة ، لأنّه فسّر المدّ برطل ونصف ، فالصاع يكون ستة أرطال ، وذلك مطابق لهذا المقدار (٢) ، فأمّا تفسير سليمان المروزي المدّ بمأتين وثمانين درهماً فمطابق للخبرين ، لأنّه يكون مقداره ستة أرطال بالمدني ، ويكون قوله عليه‌السلام : « خمسة أمداد » وهماً من الراوي ، لأنّ المشهور من هذه الرواية أربعة أمداد ، ويجوز أن يكون ذلك إخباراً عما كان يفعله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا شارك في الاغتسال بعض أزواجه ، يدل علىٰ ذلك :

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٢١ / ٤١١ : بمد .

(٢) في الاستبصار ١ : ١٢١ / ٤١١ القدر .

٢٥٣
 &

ما رواه محمد (١) بن يحيىٰ ، عن محمد بن الحسين (٢) ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما‌السلام قال : سألته عن وقت (٣) غسل الجنابة كم يجزئ من الماء ؟ قال : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يغتسل بخمسة أمداد بينه وبين صاحبته ، ويغتسلان جميعاً من إناء واحد » .

الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن محمد بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمار ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يغتسل بصاع ، وإذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع ومدّ » .

السند :

في الأول : فيه ابن سنان ، وهو محمد علىٰ الظاهر ، كما قدمنا القول فيه (٤) ، وأبو بصير تكرّر أيضاً (٥) .

والثاني : لا ارتياب فيه .

والثالث : علي بن محمد الواقع فيه لا يخلو من اشتباه ، وفي التهذيب رواية علي بن محمد عن رجل (٦) ، وأمّا سليمان بن حفص فهو مجهول الحال ، وموسىٰ بن عمر لا يبعد أن يكون ابن بزيع الثقة ، إلّا أن باب الاحتمال فيه متّسع ، وتحقيق الحال فيه هنا خال عن الفائدة .

__________________

(١) في نسخة من الاستبصار ١ : ١٢٢ / ٤١٢ زيادة : بن أحمد .

(٢) في « رض » : الحسن .

(٣) يقال لكلّ شي‌ء محدود : موقّت ، مجمع البحرين ٢ : ٢٢٨ ( وقت ) .

(٤) راجع ج ١ : ١٢١ .

(٥) راجع ص ١٠١ ـ ١٠٤ وج ١ : ٧٣ ، ٨٤ .

(٦) التهذيب ١ : ١٣٦ / ٣٧٤ .

٢٥٤
 &

والرابع : فيه محمد بن عيسىٰ الأشعري المعبّر عنه بقوله : عن أبيه ، لأن أبا جعفر هو أحمد ( بن محمد ) (١) بن عيسىٰ ، وعلىٰ ما يظهر من الرجال أنّ محمّداً لا يزيد على (٢) أنّ له شأناً في الجملة (٣) ، أمّا كونه ثقة فلا ، وتصحيح العلّامة بعض الطرق الذي هو فيها (٤) محل كلام كررنا فيه القول ، وعلىٰ ظاهر قواعدهم عدّ الحديث من الموثق .

وأما الخامس : فواضح الطريق .

والسادس : كذلك علىٰ ما قدمنا فيه القول بالنسبة إلىٰ محمد بن أبي حمزة (٥) .

المتن :

في الأول : ظاهر ، وربما دل لفظ كان علىٰ المداومة ، كما صرّح به ابن الأثير في إحكام الأحكام ، حيث قال بعد رواية مثل هذا : عندهم يقال : كان يفعل كذا ، إذا تكرر منه فعله وكان عادته ، وقد يستعمل لإفادة مجرد الفعل ووقوعه من دون الدلالة علىٰ التكرار ، والأوّل أكثر في الاستعمال . انتهىٰ .

والخبر الثاني : كالأوّل ، وذكر بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّ في كلام بعض العامة أنّ معنىٰ الحديث أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يتوضّأ بمدّ من ذلك الصاع ، فيكون اغتساله بثلاثة أمداد ، وفساده ظاهر (٦) ، انتهىٰ . والمذكور في

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض » .

(٢) في « فض » زيادة : إهمال .

(٣) رجال النجاشي : ٣٣٨ / ٩٠٥ .

(٤) المختلف ١ : ٢٦٢ .

(٥) راجع ج ١ : ١٤٦ .

(٦) الحبل المتين : ٤٤ .

٢٥٥
 &

كلام من رأينا كلامه من الأصحاب ، استحباب أن يكون الوضوء بمدّ والغسل بصاع (١) .

وما تضمنه حديث زرارة من أنّ الصاع أربعة أمداد وأنّ المدّ رطل ونصف ، فيكون الصاع ستة أرطال بالمدني ، علىٰ ما قاله الشيخ رحمه‌الله في غير هذا الكتاب ، وسيأتي ما لا بدّ منه في الفطرة إن شاء الله .

وأمّا خبر المروزي ، فلا يخفىٰ منافاته لما تقدم من الأخبار وللمشهور بين من رأينا كلامه ، من كون الدانق ست حبّات ، (٢) إلىٰ آخره ، إذ المنقول أنّه ثماني حبات (٣) ، وفي المنتهىٰ في بحث الفطرة : الصاع أربعة أمداد ، والمدّ رطلان وربع بالعراقي ، وهو مائتان واثنان وتسعون (٤) درهماً ونصف ، والدرهم ستة دوانيق ، والدانق ثماني (٥) حبات من أوسط حبات الشعير ، يكون مقدار الصاع تسعة أرطال بالعراقي ، وستة بالمدني ، ذهب إليه علماؤنا أجمع (٦) (٧) .

وما قاله الشيخ في التوجيه واضح في عدم التمامية ، وفي فوائد شيخنا قدس‌سره علىٰ الكتاب علىٰ قوله : وتفسير المدّ برطل وثلاثة أواق مطابق للخبر . . . فيه نظر ، فإنّ المدّ إذا كان رطلاً وثلاث أواق تكون الخمسة أمداد خمسة أرطال وخمسة عشر أوقية ، وذلك لا يطابق التقدير

__________________

(١) المنتهىٰ ١ : ٨٦ ، المدارك ١ : ٣٠٢ .

(٢) بيان لحاصل خبر المروزي .

(٣) كما في السرائر ١ : ٤٦٩ .

(٤) في المنتهىٰ : وسبعون .

(٥) في المنتهىٰ : ثمانون .

(٦) ليست في المنتهىٰ .

(٧) المنتهىٰ ١ : ٥٣٧ .

٢٥٦
 &

بستة أرطال ، إلّا إذا كانت الخمسة عشر أوقية رطلاً ، وهو بعيد . انتهىٰ .

وأنت خبير بأنّ الخمسة عشر أوقية إذا كانت رطلاً ، فإمّا أن تكون الأرطال كلها كذلك ، أو بعضها خمسة عشر ، والباقي اثنىٰ عشر أوقية ، فإن كان الأول : احتمل جمع ما قاله الشيخ ، وإن كان الثاني : فلا معنىٰ لاختلاف الرطل ، ولا يبعد أن يكون مراد الشيخ أنّ الثلاث الأواق الزائدة لا تضر بحال المطلوب إرادته من الستة الأرطال ، إذ هي يسيرة ، وغير هذا لا يمكن إرادته كما لا يخفىٰ .

نعم : يتوجه علىٰ الشيخ ما في الرواية من الإشكالات غير هذا ، كما أشرنا إلىٰ بعضها ، ومنها تفسير المدّ في خبر زرارة برطل ونصف ، وهنا مفسّر برطل وثلاث أواق ، وما قاله الشيخ : من أنّ تفسير سليمان المدّ بمأتين وثمانين ، إلىٰ آخره ، قد اعترض عليه شيخنا قدس‌سره بأنّ المطابقة غير متحققة ، فإنّ المدّ إذا كان وزن مائتين وثمانين درهماً ، تكون الأربعة أمداد ألفاً ومائة وعشرين ، وذلك ينقص عن وزن ستة أرطال المدينة بخمسين درهماً . والأمر كما قاله ، ويزيد أنّ ما قاله الشيخ : إنّ لفظ خمسة أمداد وقعت وهماً من الراوي . يضر بحال ما تقدم من الشيخ ، كما يعرف بأيسر نظر .

وبالجملة : فالكلام في الرواية لا يخلو من اختلال ، والشيخ قد مشىٰ علىٰ مسلك الراوي ، والله تعالىٰ أعلم بالحال .

وأمّا الاحتمال الأخير الذي ذكره الشيخ ففي غاية البعد ، إلّا أنّه قابل للتوجيه ، والخبران المستدل بهما لا يدلّان علىٰ أن المدّ لها ، والصاع له صلى‌الله‌عليه‌وآله .

نعم روىٰ الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير ،

٢٥٧
 &

عن أبي جعفر وأبي عبد الله ، أنّهما قالا : « توضّأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بمدّ (١) واغتسل بصاع » ثم قال : « اغتسل هو وزوجته بخمسة أمداد من إناء واحد » قال زرارة : فقلت : كيف صنع ؟ قال : « بدأ هو فضرب بيده في الماء قبلها وأنقىٰ فرجه ، ثم ضربت فأنقت فرجها ، ثم أفاض هو وأفاضت هي علىٰ نفسها حتىٰ فرغا ، وكان الذي اغتسل به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثة أمداد ، والذي اغتسلت به مدّين ، وإنّما أجزأ عنهما لأنّهما اشتركا جميعاً ، ومن انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع » (٢) .

وهذه الرواية لولا أنّي أشم منها رائحة التقية من حيث ذكر الوضوء أوّلا وذكر غير ذلك أيضاً ، لكانت دالّة علىٰ أنّ مع المشاركة يزول استحباب الصاع .

ثم فيها دلالة علىٰ اُمور اُخر ، منها : جواز المستعمل من الغير في الغسل في الجملة ، فينفىٰ به بعض أقوال الأصحاب .

ومنها : حصول إنقاء الفرج بشي‌ء من الماء ، بل قد يستفاد منها الاكتفاء في غسل المني مرّة واحدة .

وما قاله في المنتهىٰ من أنّ التقدير لم يحصل بعد الاغتسال بل قبله ، وذلك يستلزم إدخال ما غسل الفرجين في المقدار (٣) . لا يخلو من غرابة ، فإنّ ظاهر النص سقوط المقدار بالاجتماع ، اللهم إلّا أن يريد (٤) مطلق المقدار من الصاع وغيره ، وفيه : أنّ الخبر ظاهر في خلاف ما قاله .

__________________

(١) ليست في النسخ ، أثبتناه من التهذيب ١ : ٣٧٠ / ١١٣٠ .

(٢) التهذيب ١ : ٣٧٠ / ١١٣٠ ، الوسائل ٢ : ٢٤٣ أبواب الجنابة ب ٣٢ ح ٥ ، بتفاوت يسير .

(٣) المنتهىٰ ١ : ٨٦ .

(٤) في « رض » : يريدوا .

٢٥٨
 &

ثم إنّ الرطل العراقي علىٰ ما قاله العلّامة في المنتهىٰ في الزكاة : إنّه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم ، إنّه تسعون (١) مثقالاً ، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم (٢) .

ونقل غيره أنّ الرطل مائة وثلاثون درهماً (٣) .

والرطل المدني : قيل إنّه رطل ونصف عراقي (٤) . وسيجي‌ء ذكر ما لا بد منه إن شاء الله في محله ، وبالجملة فللكلام في المقام مجال واسع ، ولعلّ في هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالىٰ .

قال :

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ ، عن الحسن بن موسىٰ الخشاب ، عن غياث بن كلوب ، عن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما‌السلام « إنّ علياً عليه‌السلام كان يقول : الغسل من الجنابة والوضوء يجزئ منه ما أجزأ من الدهن الذي يبلّ الجسد » .

عنه ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب والحسن بن موسىٰ الخشاب ، عن يزيد بن إسحاق (٥) ، عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « يجزيك من الغسل والاستنجاء ما بللت يدك » .

وما يجري مجراها (٦) من الأخبار : فإنّها محمولة علىٰ الإجزاء‌

__________________

(١) في المنتهىٰ : سبعون .

(٢) المنتهىٰ ١ : ٤٩٧ .

(٣) نقله في المعتبر ١ : ٤٧ .

(٤) كما في الحبل المتين : ١٠٧ .

(٥) في الاستبصار ١ : ١٢٢ / ٤١٥ زيادة : عن إسحاق .

(٦) في الاستبصار ١ : ١٢٢ / ٤١٥ : مجراهما .

٢٥٩
 &

والأوّلة علىٰ الفضل ، إلّا أنّ مع ذلك فلا بد أن يجري الماء علىٰ الأعضاء ليكون غاسلاً وإن كان قليلاً مثل الدهن ، فإنّه متىٰ لم يجر لم يسمّ غاسلاً ، ولا يكون ذلك مجزئاً .

والذي يدل علىٰ ذلك :

ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : قال : « الجنب ما جرىٰ (١) عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزأه » .

الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن جميل ، عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام في الوضوء ، قال : « إذا مسّ جلدك الماء فحسبك » .

عنه ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن محمد الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « أسبغ الوضوء إن وجدت ماءً ، وإلّا فإنّه يكفيك اليسير » .

السند :

في الأوّل : غياث بن كلوب ، ولم يذكر أصحاب الرجال مدحه فضلاً عن كونه ثقة .

والثاني : فيه يزيد بن إسحاق ، ولم أفهم من كتب الرجال مدحه ، فضلاً عن الثقة ، إلّا أنّ جدي قدس‌سره في شرح الدراية يفهم منه توثيقه (٢) ، وكأنّه أخذه من تصحيح العلّامة طريق الصدوق إلىٰ هارون بن حمزة (٣) ، وهو فيه ، ولا يخفىٰ عليك حقيقة الحال ، وأمّا هارون بن حمزة فهو ثقة .

__________________

(١) في « رض » : ما أجرىٰ .

(٢) شرح الدراية : ١٣١ .

(٣) خلاصة العلّامة : ٢٧٩ .

٢٦٠