إستقصاء الإعتبار - ج ١

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-173-7
الصفحات: ٥١٨

المفيد والحسين بن عبيد الله ، فكيف حكمت باختصاص الحسين بن عبيد الله بأحمد بن محمد بن يحيى؟.

قلت : الأمر كما ذكرت ، إلاّ أنّ كلامنا في عادة الشيخ في الأسانيد المذكورة ، ولم نقف على حديث يتضمن سنده : الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ؛ وأثر هذا هيّن ، فإنّ أحمد بن محمد بن يحيى وإنّ ذكره الشيخ في من لم يرو عن أحد من الأئمّة عليهم‌السلام (١) ؛ إلاّ أنّه لم يوثّق ، وإنّما استفاد البعض توثيقه من تصحيح العلاّمة بعض طرق الشيخ وهو فيها.

وفي السند أيضاً الحسين بن الحسن بن أبان ، وقد ذكره الشيخ فيمن لم يرو عن الأئمّة عليهم‌السلام (٢) ، وفي رجال الهادي عليه‌السلام ولم يوثّقه (٣) ؛ إلا أنه يستفاد من بعض الاعتبارات أنّ له جلالة ، كما ذكره الوالد قدس‌سره ـ (٤).

وما ذكره ابن داود من أنّه روى عن محمد بن أُورمة وكان ثقة ـ (٥) لا يعتمد عليه.

وما قيل : من احتمال أنّ يعود التوثيق لمحمد بن أُورمة ، بمعنى أنّه روى عنه حال كون محمد ثقة (٦).

بعيد ؛ لأنّ محمد بن أُورمة لم ينقل توثيقه في زمن من الأزمان في‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤٤٤ / ٣٩.

(٢) رجال الطوسي : ٤٦٩ / ٤٤.

(٣) لم يتعرض له في رجال الهادي عليه‌السلام ، بل ذكره في أصحاب العسكري عليه‌السلام ، رجال الطوسي : ٤٣٠ / ٨.

(٤) منتقى الجمان ١ : ٤٢.

(٥) رجال ابن داود : ٢٧٠ / ٤٣١.

(٦) مشرق الشمسين : ٨١.

٤١

الموجود من كتب الرجال.

على أنّ اللازم من هذا صحة الخبر ( أو حسنه إذا رواه الحسين عن محمد بن أُورمة ، ولا أعلم موافقة أحدٍ على هذا ) (١).

نعم نقل الشيخ في الفهرست عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه : أنّ كل ما كان في كتبه مما يوجد في كتب الحسين بن سعيد وغيره فإنّه يعتمد عليه (٢).

وهذا لا يفيد شيئاً في شأن محمد كما لا يخفى.

وذكر شيخنا المحقق ميرزا محمد أيّده الله أنّه يستفاد من تصحيح بعض طرق التهذيب من العلاّمة توثيقه (٣). وقد سمعت الكلام في ذلك (٤).

وبالجملة لا مجال للقول في ردّ حديث هو فيه ، والله تعالى أعلم بالحال.

فإنّ قلت : إنّ التوقف في الحسين بن الحسن بن أبان لا يضر بحال الحديث ؛ لأنّه معطوف على محمد بن الحسن الصفار ، لأنّ رواية أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه عن الحسين بن الحسن بن أبان كثيرة في الأخبار.

قلت : الأمر كما ذكرت ، وبتقدير غيره من احتمال العطف على القريب ، الأمر كذلك ، إلاّ أنَّ ذِكرنا لحال الحسين من حيث هو لفائدة التنبيه على شأنه.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : إذا اشتمل سنده على من ذكر ، وفيه ما فيه.

(٢) الفهرست : ١٤٣.

(٣) منهج المقال : ٤٢٠.

(٤) راجع ص ٣٩.

٤٢

فإنّ قلت : المعهود من الشيخ أنّه إذا روى مثل ذلك يقول : جميعاً ، وبتقدير الاعتماد على المعلوميّة فعطف سعد على محمد بن الحسن الصفار دون الحسين بن الحسن مع أنّه شريك في العطف معه غير ظاهر الوجه.

قلت : الوجه فيه أنّ الراوي عن الحسين بن سعيد ، أحمد بن محمد بن عيسى والحسين بن الحسن بن أبان ، فلو عطف الحسين على محمد بن الحسن لم يتمّ هذا ، كما يظهر بالتأمّل.

فإنّ قلت : إذا كان الأمر كذلك فليكن الحسين معطوفاً على أحمد بن محمد بن عيسى.

قلت : إذا عطف عليه سبق الوهم إلى أنّ الراوي عن الحسين ، الصفار وسعد ، والحال ما سمعته من معهودية رواية الشيخ عن أحمد بن محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان.

وفي فوائد شيخنا المحقق أيّده الله أنّه عطف على أبيه. ولم يظهر لي وجهه.

المتن :

قد استدل (١) بمفهوم الشرط فيه على نجاسة القليل وهو ما دون الكثير (٢) بالملاقاة ، فيدفع به قول ابن أبي عقيل (٣).

واعترض الوالد قدس‌سره عليه : بأنّ المفهوم ليس بعام ، بل العموم في‌

__________________

(١) المعتبر : ٤٨.

(٢) كذا في النسخ والأنسب : الكرّ.

(٣) نقله عنه في المختلف ١ : ١٣.

٤٣

المنطوق موجود بسبب النكرة في سياق النفي ، وحينئذ لا بد من ضميمة عدم القائل بالفصل بين نجاسة ونجاسة. وبهذا يندفع الاستدلال بمفهومه على نجاسة الغسالة ؛ لوجود القائل بالفصل (١).

أقول : والظاهر أنّ مراد الوالد قدس‌سره بضميمة الإجماع ، إنّما هو لإثبات تنجّس القليل ، أمّا ردّ قول ابن أبي عقيل فيكفي فيه ثبوت التنجّس بشي‌ء ما ؛ لأنّه قائل بعدم التنجّس بكل شي‌ء.

وما قد يقال : إنّ ابن أبي عقيل قائل بتنجّس القليل بالتغيّر ، فلا يضره المفهوم في الحديث.

يمكن الجواب عنه : بأنّ المراد بالشي‌ء في الحديث النجاسة من حيث هي ، والتغيّر خارج عنها ، وإنّ نوقش في هذا.

والأولى الجواب : بأنّ التغيّر في الحديث لا يمكن إرادته من المفهوم ؛ لأنّ التغيّر لا فرق فيه بين الكرّ وغيره ؛ فليتأمّل.

ويمكن أنّ يقال : إنّ المفهوم إذا أفاد تنجّسه بشي‌ء ما أفاد تنجّسه بكل من النجاسات ؛ لأنّ الإنسان مأخوذ عليه أنّ لا يستعمل في المشروط بالطهارة إلاّ الطاهر ، فإذا دلّ الحديث على تنجس القليل بشي‌ء ما فلا بد من العلم بذلك الشي‌ء ، وإذا لم يعلم لم يمكن الحكم بطهارة القليل مع إصابة شي‌ء من النجاسات من دون العلم بشخص المنجّس ، وحينئذ يجب اجتنابه إذا أصابه شي‌ء من النجاسات ، وهو المطلوب.

وقد يجاب : بأنّ الشي‌ء إذا كان غير عام كان مجملاً ، ومع الإجمال لا يجب الاجتناب من دون البيان ، فلا يتمّ الحكم بالعموم ، ولو فرض‌

__________________

(١) معالم الفقه : ١٢٤.

٤٤

تأخير البيان مع وجود محل الحاجة يحكم بالعموم ؛ لعدم جواز التأخير ، ومن دون حضور محل الحاجة لا دلالة فيه على العموم ، فالاستدلال على العموم مطلقاً غير تامّ.

على أنّ التأخير عن محل الحاجة إنّما يفيد العموم إذا كان الشي‌ء منجّساً (١) وأُخِّر بيان تنجيسه ، وهذا غير معلوم ، فليتأمّل.

وربما يقال : إنّ المفهوم إنّما يفيد إذا كان الماء عامّاً ، وهو في الحديث محتمل للعهدية احتمالاً ظاهراً ، وبتقدير عدم العهدية فالماء من المفرد المُحلّى ، وعمومه محلّ تأمّل.

ويجاب : بأنّ الماء لا ظهور له في العهدية ، والعموم فيه من حيث منافاة غير العموم من المعاني للحكمة ، كما ذكره المحقق رحمه‌الله ؛ على أنّ الماء من باب الجنس المحلّى ، والعموم فيه لا يخلو من وجه ؛ وفي البين كلام.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحديث قد يستفاد منه نجاسة أبوال الدوابّ من حيث إقرار الإمام عليه‌السلام للسائل ، ولم ينكر عليه في ذكر بول الدوابّ ، على نحو ما ذكروه في غيره من وجوه تقرير الإمام عليه‌السلام ، ولم أرَ من ذكره في الاستدلال لذلك ، حتى أنّ الوالد قدس‌سره سبر الأخبار في باب بول الدوابّ ، وردّها بالطعن في الأسانيد (٢) ، وهذا الحديث لا ينكر الوالد قدس‌سره صحته (٣).

ويمكن الجواب عن ذلك : بأنّ التقرير في مثله غير معلوم ، وذكر‌

__________________

(١) في « د » و « فض » : نجساً.

(٢) معالم الفقه : ٢٠٢ ٢٠٦.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٤٧.

٤٥

ولوغ الكلاب كافٍ في الجواب. وفيه ما فيه.

ثم ما تضمنه الحديث من اغتسال الجنب ، لعلّ المراد به مع عدم خلوّ البدن من النجاسة كما هو الغالب ، ولو أُريد الأعمّ من خلوّه وعدمه ليصير الماء مستعملاً أشكل : بأنّ الجواب لا يوافقه إلاّ بأن يراد بالنجاسة ما يتناول المستعمل ، وإثبات الحكم في المستعمل مشكل كما سيأتي بيانه (١) ودلالة الرواية أشدّ إشكالاً ، والكلام السابق في التقرير يأتي هنا بنوع من التقريب.

قوله (٢) رحمه‌الله :

وأخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ، عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان ؛ وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، جميعاً عن معاوية بن عمار قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : « إذا كان الماءُ قدرَ كُرٍّ لم ينجّسه شي‌ء ».

السند :

لا يخفى أنّه يشتمل على طريقين يرويهما محمد بن يعقوب :

أحدهما : عن محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان.

وثانيهما : عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى.

__________________

(١) يأتي في ص : ٢٠٤ ٢٠٥.

(٢) لم يتعرض رحمه‌الله لبيان الحديث الثاني ، ولعلّه لاتحاده مع الأوّل والثالث في المتن وتضمّنهما لسنده.

٤٦

وقوله : جميعاً ، عائد إلى صفوان وحماد.

ثم إنّ محمد بن إسماعيل ليس هو ابن بزيع بغير ارتياب ؛ لوجوه ، أوضحها : أنّ محمد بن يعقوب يروي عن محمد بن إسماعيل بن بزيع بواسطتين غالباً ، وبدون واسطة لم يوجد إلاّ في بعض الطرق ، ( وفي الظنّ أنّه سهو من الكاتب ) (١).

ثم إنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع يروي عنه (٢) الفضل بن شاذان دون العكس ، على أنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع لو روى عنه الكليني يكون قد أدرك خمسةً من الأئمّة عليهم‌السلام ، لأنّه من رجال أبي الحسن موسى عليه‌السلام ، وهذه المرتبة أحقّ بالذكر في الرجال ؛ لأنّ من يروي عن أربعة أئمة قد ذكروه ، ومحمد بن إسماعيل ، قد ذكر أصحاب كتب الرجال أنّه ( من أصحاب موسى عليه‌السلام ) (٣) أدرك أبا جعفر الثاني عليه‌السلام وهذه العبارة تفيد أنّه غاية من أدرك ؛ ولو رام محتمل فتح باب الاحتمال في المقام فالتكلّف فيه ظاهر.

وقد حقق الوالد قدس‌سره ذلك في المنتقى (٤).

إذا عرفت هذا مجملاً فاعلم أنّه لا يبعد أنّ يكون محمد بن إسماعيل هذا هو البندقي النيسابوري ؛ لأنّ الكشي كثيراً ما يروي عنه بغير واسطة ، وهو في مرتبة محمد بن يعقوب.

وفيه في ترجمة الفضل بن شاذان ما هذه صورته : ذكر أبو الحسن‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : وفي الظنّ أنّه لا يدل على إرادة ابن بزيع هنا ، وسيأتي تفصيل القول في وجهه هنا إن شاء الله.

(٢) في « د » : عن.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) منتقى الجمان ١ : ٤٤.

٤٧

محمد بن إسماعيل البندقي النيسابوري : أنّ الفضل بن شاذان بن الخليل نفاه عبد الله بن طاهر عن نيسابور بعد أنّ دعا به ، واستعلم كتبه ، وأمره أن يكتبها إلى أنّ قال : فذكر أنّه يحبّ أنّ يقف على قوله في السلف ، فقال أبو محمد : أتولّى أبا بكر ، وأتبرّأ من عمر ، فقال له : ولِمَ تتبرّأ من عمر؟ قال : لإخراجه العباس من الشورى (١).

وهذا الحديث من القرائن الواضحة على ما قلناه ، غير أنّ الرجل غير معلوم الحال.

واعتمد الوالد قدس‌سره على عدّ (٢) الحديث من الحَسَن بسبب محمد بن إسماعيل ؛ نظراً إلى اعتناء محمد بن يعقوب بالرواية عنه كثيراً (٣).

وفي الظنّ أنّ الرواية عن الرجل في بعض الأحيان أيضاً لا تقصر عن ذلك ؛ لما يظهر من النجاشي في ترجمة أحمد بن محمد بن عياش حيث قال : سمعت منه شيئاً كثيراً ، ورأيت شيوخنا يضعّفونه ، فلم أروِ عنه ، وتجنّبته (٤).

وفي ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي قال : إنّه ثقة في نفسه ، يروي عن الضعفاء ، واعتمد المراسيل (٥).

وظاهر قوله : يروي عن الضعفاء أنّه نوع قدح ، بقرينة اعتماد المراسيل.

وقد يخطر في البال : أنّ الاعتماد على المراسيل لا يصلح للقدح ؛

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨١٨ / ١٠٢٤.

(٢) في « رض » و « فض » : هذا.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٤٥ ، ٥٠.

(٤) رجال النجاشي : ٨٥ / ٢٠٧.

(٥) رجال النجاشي : ٧٦ / ١٨٢.

٤٨

لأنّ مرجعه إلى الاجتهاد.

إلاّ أنّ يقال : إنّ المراد روايته بالإرسال من دون البيان ، فهو نوع تدليس يقتضي القدح.

وفيه : أنّ بعض علماء الدراية جوّز الرواية بالإجازة من دون ذكر لفظ الإجازة (١) ، [ فضرره ] (٢) بحال المُرسل محلّ تأمّل إذا كان مذهباً له.

وكلام النجاشي بعد تأمّل ما قلناه ربما يفيد القدح ، وإنّما ذكرناه في مقام التأييد ؛ لأنّ رواية الثقة عن الضعفاء نادر ، فإذا وقع ذكروه ، ومثل الثقة الجليل محمد بن يعقوب لو كان يروي عن الضعفاء لذكر.

فإنّ قلت : لا ريب في روايته عن الضعفاء في كتابه ، لكن الاعتماد على القرائن المصحّحة للخبر ، فلا يضر ضعف الرجل ، وحينئذ لا يدل ما ذكرت على جلالة شأن محمد بن إسماعيل.

قلت : لما ذكرت وجه ؛ إلاّ أنّ ذكر الرواية عن الضعفاء في ترجمة محمد (٣) بن خالد يقتضي مخالفة قاعدة المتقدمين إنّ عمل بالخبر ، وإنّ كان مجرد الرواية عن الضعفاء من دون عمل بالخبر فلا يضر بحال الشخص ، وظاهر الحال نوع خدش.

فإنّ قلت : عدم التفات المتقدمين إلى الخبر من جهة رواته (٤) لو كان تامّاً لما صرّحوا باستثناء رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن جماعة ، كما يأتي بيانه في مواضع من الكتاب.

__________________

(١) الدراية : ٩٥.

(٢) في النسخ : فضرورته ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) كذا في النسخ ، والظاهر : أحمد بن محمد. راجع ص ٤٨.

(٤) في النسخ : رواية ، والظاهر ما أثبتناه.

٤٩

قلت : وما ذكرته أيضاً لا يخلو من وجه ، وإنّي متعجّب من ذلك ؛ غير أنّه يخطر في البال احتمال توجيه الجمع بين ما ذُكِرَ وبين الاستثناء ، بأنّ العمل بالقرائن يقتضي تخفيفها إذا كان الرواة معتَمَداً عليهم ، وعدم تخفيفها إذا لم يكن كذلك ، وحينئذ إذا استثني من روايات محمد بن أحمد ابن يحيى ما يرويه عن الجماعة ، فإذا وردت الرواية عن محمد بن أحمد ابن يحيى عن أحدهم يحتاج إلى تحصيل قرائن زائدة ، ولو روى عن غير الجماعة يفتقر إلى أقلّ ممّا احتيج إليه لو روى عن الجماعة ، فليتأمّل.

فإنّ قلت : كيف يوافق ما عليه المتقدّمون تصريح الصدوق في الفقيه في باب صلاة الغدير بعد ذكر رواية : أنّ راويها لم يوثّقه شيخه محمد بن الحسن بن الوليد ، وما لم يصحّحه لا يحكم بصحته (١).

قلت : لا يبعد التوفيق بأنّ عدم توثيق شيخه للراوي يقتضي وجود قرينة الردّ للرواية ، فمن ثَمّ لم يعمل بها ، لا أنّ الأمر منحصر في تصحيح شيخه.

فإنّ قلت : الذي يظهر من الكشي في ترجمة الحسن بن علي بن أبي حمزة عدم الرواية عن الضعيف وإنّ لم يعمل بالرواية ، لأنّه نقل عن محمد ابن مسعود أنّه سأل علي بن الحسن بن فضال ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، فقال : كذّاب ملعون ، رويت عنه أحاديث كثيرة ، وكتبت عنه تفسير القرآن من أوّله إلى آخره ، إلاّ أنّي لا أستحلّ أنّ أروي عنه حديثاً واحداً (٢).

وكذلك نقل العلاّمة في الخلاصة عن ابن الغضائري ، عن علي بن الحسن بن فضال أنّه قال : إنّي لأَستحيي من الله أنّ أروي عن الحسن بن‌

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٥٥.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٢٧ / ١٠٤٢.

٥٠

علي (١).

قلت : وهذا أيضاً يوجب التعجّب ، إلاّ أنّ قول عليّ بن الحسن بن فضال بتقدير اعتباره يمكن أنّ يحمل على روايات الحسن بن علي في تفسير القرآن ؛ لأنّ الاحتياط فيه مطلوب.

وربما كان القول المحكي من ابن الغضائري على الإطلاق فيه نوع توهم ، أو التعبير بالاستحياء كناية عن فعل خلاف الأولى ، ( أو أنّ تحقّق كذب الراوي يعترض بكثرة توجب عدم الرواية عنه ) (٢) وبالجملة فالمقام واسع البحث ؛ إلاّ أنّ الدخول في هذا الباب يوجب شيئاً ما (٣) غير خفي.

وإذا عرفت مجمل الأمر فلنعد إلى ما نحن بصدده ، فاعلم أنّه ربما يقال : إنّ غرض النجاشي بقوله في ترجمة أحمد بن محمد بن خالد : إنّه يروي عن الضعفاء ـ (٤) إرادة كثرة روايته عن الضعفاء ، كما فهمه العلاّمة في الخلاصة ، حيث قال في ترجمته : إنّه أكثر الرواية عن الضعفاء (٥).

وإنّ أمكن أنّ يقال : إنّ إكثار الرواية من دون عمل لا يقتضي الطعن في الرجل ، وما ذكره النجاشي في ترجمة أحمد بن عياش (٦) ، له نوع دلالة على رجحان ترك الرواية عن الضعيف ، وهو أعلم بالوجه.

لكن المقصود أنّ المتقدمين لهم حرص على الرواية عن غير الضعفاء ، فربما كان في رواية الكليني عن الرجل المبحوث عنه نوع دلالة‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢١٣.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض » و « د ».

(٣) لفظة ما ليست في « رض ».

(٤) رجال النجاشي : ٧٦ / ١٨٢.

(٥) خلاصة العلامة : ١٤ / ٧.

(٦) رجال النجاشي : ٨٥ / ٢٠٧.

٥١

على جلالة شأنه.

وفي ترجمة جعفر بن محمد بن مالك قال النجاشي : إنّه ضعيف ، ثم تعجّب من شيخه أبي غالب وابن همام ؛ حيث رويا عنه (١) ؛ إلاّ أنّ الظاهر كون التعجّب من زيادة ضعفه في أنّه يضع الحديث.

نعم في ترجمة علي بن الحسن بن فضال قال ـ في مقام الثناء عليه ـ : إنّه قلّ ما روى عن ضعيف (٢) و (٣) نحو ذلك كثير ، ومجال القول واسع.

وأمّا غير محمد بن إسماعيل المذكور فقد ذكر أصحاب الرجال جماعة من المُسمّينَ بهذا الاسم (٤) ؛ إلاّ أنّ بعضهم منفي الإرادة بغير ريب ، كمحمد بن إسماعيل العلوي ، فإنّه من أصحاب الباقر عليه‌السلام ، ومحمد بن إسماعيل بن رجا من أصحاب الصادق عليه‌السلام ، ومحمد بن إسماعيل المخزومي كذلك ، وكذلك محمد بن إسماعيل بن سعيد ، ومحمد بن إسماعيل الجعفي ، ومحمد بن إسماعيل الزعفراني ، فإنّه لقي أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام.

وأمّا محمد بن إسماعيل الجعفري فقد ذكر الشيخ في الفهرست أنّ الراوي عنه ابن نهيك (٥) ، وأين هو من محمد بن يعقوب.

ومحمد بن إسماعيل البلخي ذكره الشيخ في رجال الهادي عليه‌السلام (٦) ، وظاهر عدم إدراك محمد بن يعقوب له إلاّ بتقدير بعيد ، وقد أوضحت القول في هذا في محلّ آخر على الانفراد ، وملخّص المرام ما ذكرناه.

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٢٢ / ٣١٣.

(٢) رجال النجاشي : ٢٥٧ / ٦٧٦.

(٣) في « رض » زيادة : بالجملة.

(٤) انظر رجال الطوسي : ١٣٦ ، ٢٨٠ ، ٢٨١.

(٥) الفهرست : ١٥٢ / ٦٥٥.

(٦) رجال الطوسي : ٤٢٤ / ٣٦.

٥٢

ثم إنّ الحديث لا ريب في حسنه ؛ نظراً إلى الطريق الآخر ، بل قال شيخنا قدس‌سره : إنّ حديث إبراهيم بن هاشم لا يقصر عن الصحيح (١).

وفيه تأمّل يظهر من ملاحظة كتب الرجال ، وموافقة الاصطلاح في تعريف الصحيح ؛ فإنّ شأن إبراهيم لا يصل إلى التوثيق على ما وقفت عليه.

وتصحيح العلاّمة في المختلف بعض الطرق الذي هو فيها (٢) ، قد مضى فيه القول (٣).

غير أنّه ينبغي أنّ يعلم أنّ النجاشي قال في ترجمة إبراهيم بن هاشم : قال أبو عمرو الكشي : إنّه يعني إبراهيم تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا عليه‌السلام ، وفيه نظر (٤).

وقد ذكرت وجوهاً للنظر في حاشية الفقيه ، والذي يخطر الآن في البال أنّ أوجهها : كون النظر راجعاً إلى أنّه من أصحاب الرضا عليه‌السلام ؛ لأنّ النجاشي ذكر في ترجمة محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني : وروى إبراهيم بن هاشم ، عن إبراهيم بن محمد الهمداني ، عن الرضا عليه‌السلام (٥).

وهذا الكلام يعطي أنّه روى عن الرضا عليه‌السلام بواسطة إبراهيم المذكور.

وإنّ أمكن أنّ يقال : إنّه لا مانع من كونه من أصحاب الرضا عليه‌السلام وقد روى عنه بواسطة ، إمّا دائماً أو في بعض الأحيان ؛ إلاّ أنّ سياق المقال يقتضي عدم لقاء الرضا عليه‌السلام.

__________________

(١) انظر المدارك ٦ : ١٨١.

(٢) المختلف ٣ : ٣٨٤.

(٣) راجع ص ٣٩.

(٤) رجال النجاشي : ١٦ / ١٨.

(٥) رجال النجاشي : ٣٤٤ / ٩٢٨.

٥٣

وما ذكره الشيخ ؛ من أنّه من أصحاب الرضا عليه‌السلام ، في كتاب الرجال (١) ؛ كأنّه تبع فيه الكشي ، وهذا على سبيل الإجمال ، وتوضيح القول فيما أشرنا إليه ، والله تعالى أعلم بالحال.

المتن :

قد تقدم القول فيه بما يغني عن إعادته (٢) ، غير أنّه ينبغي أن يعلم أنّ دلالة الشرط ومفهومه في هذا الحديث ( أظهر.

وينبغي أنّ يعلم أنّه ) (٣) استُدل بهذا الحديث ونحوه على اشتراط الكريّة في البئر ، كما ذهب إليه البصروي (٤) ، نظراً إلى العموم في الماء.

وأُجيب عنه : بأنّ العموم مخصوص بخبر محمد بن إسماعيل ، الوارد في البئر ، معلّلاً : بأنّ له مادّة ؛ فإنّ التعليل يقتضي عدم الفرق بين القليل والكثير.

وهذا الجواب ذكره الوالد (٥) قدس‌سره أيضاً.

وقد يقال عليه : إنّه قدس‌سره كثيراً ما ذكر : أنّ عموم الماء ليس من حيث الصيغة ، بل من حيث منافاة الحكمة لو أُريد غير العموم من المعاني (٦) ،

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٦٩.

(٢) راجع ص ٤٣ ٤٥.

(٣) بدل ما بين القوسين في « د » : أشهر ، وقد.

(٤) حكاه عنه في الذكرى ١ : ٨٨ ، والمداك ١ : ٥٥ ، والحبل المتين : ١١٧ ، وهو الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد البصروي ، فقيه فاضل من قدمائنا ، قرأ على السيد المرتضى ، وأجاز له السيد مصنفاته ، له كتاب المفيد في التكليف ، وكتاب المعتمد. رياض العلماء ٥ : ١٥٨.

(٥) معالم الفقه : ٣٤.

(٦) كما في معالم الفقه : ١٢ ، ومعالم الأُصول : ١١٠.

٥٤

ولا ريب أنّ انصراف الماء إلى البئر في الحديث السابق بعيد جدّاً ، وفي هذا الحديث لو اعتبر العموم بما ذكر أمكن القول باندفاع منافاة الحكمة بالأفراد الكثيرة للمحقون.

ويمكن الجواب عن ذلك : بمنع ظهور غير ماء البئر بل هو متساوٍ.

ولا يتوجه أنّ يقال : إنّ الماء في الحديث يتناول الجاري حينئذ ، فيدل بمفهومه على نجاسة القليل منه.

لأنّه قد أُجيب عن ذلك : بأنّ التعليل في حديث محمد بن إسماعيل لا يوافقه.

والوالد قدس‌سره قال في الجواب : إنّ العموم في الأحاديث مخصوص بصحيح ابن بزيع ؛ لدلالته على أنّ وجود المادّة سبب في نفي الانفعال بالملاقاة ، فلو كانت الكريّة معتبرة في ذي المادّة لكانت هي السبب في عدم الانفعال ، فلا يبقى للتعليل بالمادّة معنى (١).

وقد يقال : إنّ التعليل بالمادّة لو اختصّ بعدم النجاسة كان الجواب متوجهاً ، أمّا لو عاد إلى طيب الطعم كما ذكره شيخنا البهائي (٢) أيّده الله لا يتمّ الجواب.

لكن لا يخفى أنّ تحقيق الكلام لا يتمّ إلاّ بذكر خبر ابن بزيع ، وسيأتي إنّ شاء الله في بابه (٣) ، وإنّما قدّمنا هذا القول للتعلّق بهذين الخبرين في الجملة.

__________________

(١) معالم الفقه : ١١١.

(٢) الحبل المتين : ١١٧.

(٣) يأتي في ٢٤٣.

٥٥

قوله رحمه‌الله :

فأما ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير (١) ؛ ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، جميعاً ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة [ عن أبي جعفر عليه‌السلام ] (٢) قال : « إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شي‌ء ، تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ فيه ؛ إلاّ أنّ يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء ».

فليس ينافي ما قدّمناه من الأخبار ؛ لأنّه [ قال ] (٣) « إذا كان الماء أكثر من راوية » فتبيّن أنّه [ إنّما ] (٤) لم يحمل نجاسة إذا زاد على الراوية ، وتلك الزيادة لا يمتنع أنّ يكون المراد بها ما يكون به تمام الكرّ.

السند :

قد تقدم القول في مثله (٥).

وحريز لا ارتياب فيه عند المتأخرين ، وإنّ كان فيه نوع كلام في الرجال ، ففي النجاشي : كان ممّن شهر السيف في قتال الخوارج بسجستان في حياة أبي عبد الله عليه‌السلام وروى أنّه جفاه ، وحجبه عنه (٦).

وفي الكشي : ذكر في حذيفة بن منصور حديثاً معتبر الاسناد عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦ : محمد بن أبي عمير.

(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ٧.

(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من الاستبصار ١ : ٧ / ٤.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه من الاستبصار ١ : ٧ / ٤.

(٥) راجع ص : ٤٦ ٥٣.

(٦) رجال النجاشي : ١٤٤ / ٣٧٥.

٥٦

عبد الرحمن بن الحجاج قال : سأل أبو العباس فضل البقباق لحريز الإذن على أبي عبد الله عليه‌السلام ، فلم يأذن له ، فعاوده فلم يأذن له ، فقال : أيّ شي‌ء للرجل أنّ يبلغ في عقوبة غلامه؟ فقال : « على قدر جريرته » قال : قد عاقبتَ واللهِ حريزاً بأعظمَ ممّا صنع ، فقال : « ويحك أما إنّي فعلت ذلك أنّ حريزاً جرّد السيف » (١) الحديث.

وأجاب العلاّمة في الخلاصة : بأن الحجب لا يستلزم الجرح ؛ لعدم العلم بالسرِّ فيه (٢).

قال شيخنا المحقق أيّده الله في كتاب الرجال : لاحتمال كون الحجب تقيّة على نفسه ؛ من حيث إنّ شهر السيف عظيم عند المخالفين (٣).

ولا يخلو من وجه إلاّ أنّ في البين شيئاً.

وأمّا زرارة فحاله مشهور (٤) ، والأخبار الواردة بالقدح فيه (٥) محمولة على الخوف عليه من أهل الخلاف ، كما هو صريح الخبر الصحيح (٦).

المتن :

ظاهره أنّ الماء إذا كان أكثر من راوية لم ينجس ، إلاّ أن يجي‌ء له‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٦٢٧ / ٦١٥ بتفاوت يسير.

(٢) خلاصة العلامة : ٦٣ / ٤.

(٣) لم نعثر عليه.

(٤) انظر رجال الكشي ١ : ٣٤٥ / ٢٠٨ ٢٣٠ ، رجال النجاشي : ١٧٥ / ٤٦٣.

(٥) كما في رجال الكشي ١ : ٣٥٨ / ٢٣٠ ٢٤٤.

(٦) رجال الكشي ١ : ٣٤٩.

٥٧

ريح تغلب على ريح الماء ، وغير خفيّ أنّ الراوية غير معلومة القدر ، والأكثرية في حيّز الإجمال ، والشيخ رحمه‌الله كما ترى قال : إنّه لا يمتنع أنّ يكون الزائد على الراوية يحصل به تمام الكرّ.

وهذا لا ريب فيه ، لكن كان الأولى أنّ يذكر الأخبار الدالة على مقدار الكرّ قبل ذكر هذا الخبر ، وما ذكره من الأخبار ، وإنّ تضمن الكرّ ؛ إلاّ أن المقدار مفصلاً لا يعلم منها.

والحديث المتضمن للراوية إنما تتحقق فيه المنافاة إذا علم أوّلاً مقدار الكرّ مفصلاً ؛ ليفهم منه أنّ الراوية لا تكون هذا القدر غالباً ، فتحمل الزيادة على تمام الكرّ.

والأمر سهل ، غير أنّ ما تضمنه الحديث من أنّ الريح إذا غلب على ريح الماء يراد به ريح النجاسة لا ريح المنجّس.

واعتبار الغلبة على ريح الماء ، وإنّ ظنّ منه أنه لا بد أنّ يكون للماء ريح ؛ إلاّ أنّه غير خفيّ عدم اللزوم.

ثم الذي عليه الأكثر هو أنّ المعتبر من التغيير ما يظهر للحسّ ، فلو كانت النجاسة مسلوبة الصفات لم تؤثّر في الماء ، وإنّ كثرت.

واختار العلاّمة وجوب تقدير النجاسة على أوصافٍ مخالفة ، فإنّ كان الماء يتغيّر بها على ذلك التقدير حكم بالنجاسة ، وإلاّ فلا (١).

ونقل عنه الاحتجاج بأنّ التغيّر الذي هو المناط (٢) مع الأوصاف (٣) ،

__________________

(١) قواعد الأحكام ١ : ١٨٣.

(٢) أي مناط النجاسة.

(٣) أي دائر مدار وجود الأوصاف.

٥٨

فإذا فقدت وجب تقديرها (١).

وهذا الاحتجاج غريب ، فإنّه نفس المدعى.

واحتجّ ولده فخر المحققين : بوجود المقتضي ، وهو صيرورة الماء مقهوراً ؛ لأنه كلّما لم يكن الماء مقهوراً لم يتغيّر بها على تقدير المخالفة ، وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا : كلّما تغيّر على تقدير المخالفة كان مقهوراً (٢).

وهذه الحجّة مردودة ؛ لتوجّه المنع إلى كلّية الأُولى ، وإطلاق النص يقتضي توقّف النجاسة على غلبة الريح.

وما قد يقال ؛ من أنّ عدم وجوب التقدير يقتضي جواز الاستعمال ، وإنّ زادت النجاسة على الماء أضعافاً ، وهو كالمعلوم البطلان ؛ فهو استبعاد ، لكن لا يصلح دليلاً ، فليتأمّل.

قوله رحمه‌الله :

وأما ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « الكرّ من الماء نحو حبّي هذا » ، وأشار إلى حبّ من تلك الحباب التي تكون بالمدينة.

فلا يمتنع أنّ يكون الحبّ يسع من الماء مقدار الكرّ ، وليس هذا ببعيد.

__________________

(١) حكاه في معالم الفقه : ١٦.

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ١٦.

٥٩

السند :

فيه إرسال ، غير أنّ عبد الله بن المغيرة قد ذكر الكشي : أنّه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (١). وفهم بعض الأصحاب أنّ المراد بهذا الكلام صحة كل ما رواه (٢) ؛ بحيث تصح الرواية إليه ، وحينئذ لا يضرّ الإرسال ، ولا ضعفُ من روى عنه عبد الله بن المغيرة.

وتوقّف في هذا بعض قائلاً : إنّا لا نفهم منه إلاّ كونه ثقة.

والذي يقتضيه النظر القاصر أنّ كون الرجل ثقة أمر مشترك ، فلا وجه لاختصاص الإجماع بهؤلاء المذكورين ، وحينئذ لا بدّ من بيان الوجه.

ثم ما ذكره القائل الأوّل ينافيه ما قاله الشيخ في الرواية الآتية عن عبد الله بن المغيرة : من أنّها مرسلة (٣) ؛ فإنّ الشيخ أعلم بمقاصد الكشي من المتأخرين.

ولا يبعد أنّ يكون الوجه في ذكر الإجماع على الجماعة المخصوصين ، أنّ عمل المتقدمين بالأخبار إنّما هو مع اعتضادها بالقرائن ، فإذا كان الرواة ممّن اجمع على تصحيح ما يصح عنهم ؛ كان الإجماع من جملة القرائن ، وبدون هذا يحتاج إلى زيادة القرائن.

فإنّ قلت : هذا الوجه إنّما يفيد في نفس الرجل ، والعبارة هي تصحيح ما يصح عنه ، فلا يوافق ما ذكرت.

قلت : بل الموافقة حاصلة ، فإنّ الخبر إذا صح إليه على طريقة‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠.

(٢) انظر الخلاصة : ٢٧٧ ، مشرق الشمسين : ٣٢ ، الرواشح السماوية : ٤٧.

(٣) يأتي في ص ٦٣.

٦٠