إستقصاء الإعتبار - ج ١

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني

إستقصاء الإعتبار - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-173-7
الصفحات: ٥١٨

والذي نقله الصدوق في الفقيه (١) أنّ الحنيفية عشر سنن ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، فأمّا التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والسواك وقصّ الشارب ، وذكر الباقي ، ولم يعيّن المضمضة بالوضوء ، فإن كان العلاّمة استفاد ذلك من خبر آخر فالأولى ذكره ، ولعلّ المعلومية أغنت عن الذكر ، غير أنّ المقام مجمل المرام ، فليراجع ما هو مظنة توضيح هذه الأحكام.

قال :

باب التسمية على حال الوضوء‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن العيص بن القاسم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « من ذكر اسم الله تعالى على وضوئه فكأنّما اغتسل ».

وأخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا سمّيت في الوضوء طهر جسدك كلّه ، وإذا لم تسمّ لم يطهر من جسدك إلاّ ما مرّ عليه الماء ».

وبهذا الإسناد عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن داود العجلي مولى أبي المعزى ، عن‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٣ والهداية ( المقنع والهداية ) : ١٧.

٤٤١

أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : « يا أبا محمّد ، من توضّأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده ، ومن لم يسمّ لم يطهر من جسده إلاّ ما أصابه الماء ».

السند‌

في الأوّل كما ترى : الحسن بن علي ، عن عبد الله بن المغيرة ، وهو في النسخ التي رأيناها ، وفي فوائد شيخنا قدس‌سره على الكتاب ، أنّ الظاهر ابن عبد الله بن المغيرة.

وقال شيخنا المحقّق سلّمه الله في فوائده : الحسن بن علي هو ابن فضال ، ورواية أحمد عنه معلومة ، كروايته عن عبد الله بن المغيرة ، فما أدري ما الباعث على توهّم أنّه الحسن بن عبد الله بن المغيرة ، بعد أنّ اتفقت النسخ ، مع أنّ العيص أعلى مرتبة من أنّ يروي عنه الحسن بن عبد الله بن المغيرة ، فالحسن بن علي بن فضال لشهرته وكثرة روايته جدير بالإطلاق. انتهى.

ولما قاله وجه ظاهر.

وفي الثاني إرسال ، وقد تقدم القول فيه.

وفي الثالث داود العجلي ، ولم أقف عليه الآن في الرجال ، وأبو بصير معلوم الحال.

المتن :

في الأوّل دال على مجرّد ذكر اسم الله ، وفي الثاني ظاهر في أنّ‌

٤٤٢

التسمية المعهودة هي المرادة ، للانصراف إليها (١) ، والثالث كالأوّل.

وفي رواية زرارة المعتبرة عن الباقر عليه‌السلام : « إذا وضعت يدك في الماء ، فقل : بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوّابين ، واجعلني من المتطهّرين » (٢).

وفي رواية عن (٣) أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه كان يقول : « بسم الله وبالله وخير الأسماء كلها لله » إلى آخر الدعاء (٤).

ويمكن حمل المطلق على المقيد ، أو يقال : إنّ هذا من جملة الأفراد ، فلا منافاة. وفيه ما فيه ، وكذا القول في الأخبار المبحوث عنها بالنسبة إلى بعضها ، كما أشرنا إليه ، والأمر سهل بعد ما عرفت الحال.

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه (٥) ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إنّ رجلاً توضّأ وصلّى ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أعد صلاتك ووضوءك ، ففعل وتوضّأ وصلّى ، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أعد وضوءك وصلاتك (٦) ، فأتى أمير المؤمنين عليه‌السلام فشكى ذلك إليه ، فقال : هل سمّيت حين توضّأت؟ فقال : لا ، قال‌

__________________

(١) في « د » زيادة : وفي كتاب الحجّ من الفقيه خبر معتبر يدلّ على ذلك.

(٢) التهذيب ١ : ٧٦ / ١٩٢ ، الوسائل ١ / ٤٢٣ أبواب الوضوء ب ٢٦ ح ٢.

(٣) في « رض » : علي.

(٤) الفقيه ١ : ٢٧ / ٨٧ ، الوسائل ١ : ٤٢٤ أبواب الوضوء ب ٢٦ ح ٧.

(٥) في « رض » : أصحابنا.

(٦) في الاستبصار ١ : ٦٨ / ٢٠٦ يوجد ففعل وتوضّأ وصلّى فقال له النبي عليه‌السلام : أعد وضوئك وصلاتك.

٤٤٣

سمّ على وضوءك ، فسمّى وصلّى ، ( ثم أتى ) (١) النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يأمره أنّ يعيد ».

فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمل التسمية فيه على النية التي ثبت وجوبها ، فأما ما عداها من الألفاظ فإنّما هي مستحبة دون أنّ تكون واجبة فرضاً ، يدلّ على ذلك قوله عليه‌السلام في الخبرين الأولين : « إنّ من لم يسمّ طهر من جسده ما مرّ عليه الماء » فلو كانت فرضاً لكان من تركها لم يطهر شي‌ء من جسده على حال ، لأنّه لا يكون قد تطهّر.

السند‌

غير خفي بعد تكرّر القول سابقاً.

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من بعدٍ ، بل غير تامّ ، لأنّ أمره عليه‌السلام بالإعادة من دون بيان الواجب وهو النية لا يليق بالحكمة ، لأنّ الإعادة من دون العلم إنّ وجبت فلا وجه للإعادة ثانياً ، وإنّ لم تجب لا وجه للأمر بها ثانياً.

واحتمال الاستحباب إنّما يتم بعد العلم ، كما لا يخفى ، ولو حملت التسمية على حقيقتها ، والإعادة على الاستحباب يوجّه المحذور بنوع من التقريب ، فليتأمّل.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٨ / ٢٠٦ : فأتى.

٤٤٤

قال :

باب كيفية استعمال الماء في غسل الوجه.

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن معاوية بن حكيم ، عن ابن المغيرة ، عن رجل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا توضّأ الرجل فليصفق ( في وجهه الماء ) (١) ، فإنّه إنّ كان ناعساً فزع واستيقظ ، وإنّ كان برداً فزع ولم يجد البرد ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن ابن المغيرة عن السكوني ، عن جعفر عليه‌السلام قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضّأتم ، ولكن شنّوا الماء شنّاً ».

فالوجه في الجمع بينهما أنّ نحمل أحدهما على الندب والاستحباب ، والآخر على الجواز ، والإنسان مخيّر في العمل بهما.

السند‌

في الأوّل مع الإرسال فيه معاوية بن حكيم ، وقد قال الكشي : إنّه فطحي (٢). والنجاشي لم يذكر ذلك ، بل قال : إنّه ثقة جليل (٣). وهذا يوجب الارتياب في كونه فطحيّاً ، إلاّ أنّ تحقيق الحال هنا لا يظهر له ثمرة بعد الإرسال.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٩ / ٢٠٧ : وجهه بالماء.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.

(٣) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.

٤٤٥

وكذلك الحال في ابن المغيرة ، والإجماع على تصحيح ما يصح عن ابن المغيرة (١) قد يظن أنّه يدفع الوهن من جهة الإرسال لو زال الريب عن معاوية بن حكيم ، إلاّ أنّ ما قدمناه في أوّل الكتاب في معنى هذا الإجماع (٢) يشكل معه الاعتماد.

وفي الثاني : السكوني وحاله قد ذكرناه سابقاً (٣).

المتن :

لا ريب أنّ الأمر في الأوّل بصفق الوجه بالماء ، والنهي عن ضرب الوجه بالماء [ في الثاني ] (٤) يقتضي المنافاة ظاهراً.

وما ذكره الشيخ لا يخلو من إجمال ، لأنّ حمل أحد الخبرين على الاستحباب والآخر على الجواز ، إنّ أراد به أنّ ما ورد بالأمر بالصفق نحمله على الجواز ، وما ورد بالنهي نحمله على الكراهة واللازم منها استحباب عدم فعله ، ففيه : أنّ إرادة الجواز من الأمر بعيدة ، والتزامها بسبب المعارض ممكن لو تعيّن وجه الجمع ، وفيه ما فيه ، وإرادة الكراهة لا يستلزم الاستحباب ، كما قدّمنا فيه قولاً.

وإنّ أراد أنّ صفق الوجه مستحب وعدمه جائز لوجود النهي ، فما فيه أظهر من أنّ يخفى.

وإنّ أراد أنّ الأمر بشنّ الماء شنّاً للاستحباب ، والأمر بالصفق للجواز ،

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.

(٢) في ص ٤١.

(٣) في ص ١٤١.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاقتضاء السياق.

٤٤٦

ففيه مع ما تقدم فيه عدم التعرض للنهي عن الضرب ، وهو غير مناسب.

وستسمع ما ذكره شيخنا المحقق سلمه الله في التوجيه بعد حكاية كلام بعض أهل اللغة ، ويخطر في البال أنّ الأمر بالصفق يراد به الضرب باليد مع الماء على الوجه ، والنهي عن الضرب يراد به رمي الماء من غير إيصال الكفّ إلى الوجه.

وأظنّ أنّ الصفق يناسب ما قلناه في الأوّل ، فإنّ المنقول عن بعض أهل اللغة أنّ الصفق : الضرب الذي له صوت (١).

وما عساه يقال : إنّ الحديث الأوّل مع الإرسال لا ينبغي الاعتناء به ، وكذلك الثاني مع السكوني. ففيه : أنّ الصدوق في الفقيه نقل متن الرواية الأُولى مرسلاً (٢) ، ولمراسيله اعتبار ظاهر لمن راجع كلامه في الكتاب (٣) وإنّ أمكن أنّ يقال : إنّ قوله لا يفيد إلاّ أن (٤) ما يذكر فيه حجة فيما بينه وبين ربه ، وهذا من باب الاجتهاد ، فلا يصلح للاعتماد بالنسبة إلى غير مقلّديه ، إلاّ أنّ الحق كون المنقول من رواياته المرسلة لا ينقص عن توثيق الرجال الموجود في الكتب ، لأنّه لا يخرج عن الاجتهاد إلاّ بتكلف أنّ يقال : إنّهم ناقلون التوثيق عن المتقدّمين.

وفيه : أنّ الاختلاف في الجرح والتعديل الواقع في الرجال يوجب الاجتهاد في الجزم بالتوثيق ، فيرجع إلى الاجتهاد ، كما يعلم من ملاحظة كتب الرجال بعين العناية ، وهذا على سبيل البحث ، وإلاّ فالظاهر حصول‌

__________________

(١) مجمع البحرين ٥ : ٢٠٢ ( صفق ).

(٢) الفقيه ١ : ٣١ / ١٠٦ ، الوسائل ١ : ٤٣٤ أبواب الوضوء ب ٣٠ ح ١.

(٣) الفقيه ١ : ٣.

(٤) ليست في « فض ».

٤٤٧

الفرق بين توثيق أصحاب الرجال وكلام الصدوق في الجملة.

اللغة :

قال ابن الأثير في النهاية : في الحديث : « إذا حُمّ أحدكم فليَشُنّ عليه الماء » أي فليرشّه عليه رشّاً متفرّقاً ، الشنّ : الصبّ المنقطع ، والسنّ : الصبّ المتصل ، ومنه حديث ابن عمر : كان يسنّ الماء على وجهه ولا يشنّه ، أي يجريه عليه ولا يفرّقه (١).

وفي كلام غير ابن الأثير : شنّ الماء على الشراب فرّقه عليه ، ومنه قولهم : شنّ عليهم الغارة وأشنّها : فرّقها عليهم من كل وجه (٢).

قال شيخنا أيّده الله في فوائده على الكتاب بعد نقل كلام النهاية : قيل : الظاهر على هذا أنّ يكون الشنّ بالمهملة ، مع أنّ الموجود في كتابي الشيخ والكافي بالمعجمة ؛ ولا يخفى عليك أنّ موافقة حديثنا لحديث ابن عمر غير لازم ، وأنّ الجمع بين الروايتين يمكن على وجهين : أحدهما : أن يراد بهما إيراد الماء على الوجه بسرعة وشدّة على وجه يتفرّق عليه وهو الرشّ ، والآخر الضرب على وجه يتفرّق الماء على الوجه ، والمنفي الضرب على وجه لا يوجب التفرّق ، وربما يكون المراد في الحديث الأوّل صفق الوجه بالماء (٣) قبل الوضوء. انتهى كلامه سلّمه الله فينبغي تأمّله حق التأمّل ، والله تعالى أعلم.

__________________

(١) النهاية لابن الأثير ٢ : ٥٠٧ ( شنن ).

(٢) الصحاح ٥ : ٢١٤٥ ، ٢١٤٦ ( شنن ).

(٣) في « رض » : في الماء.

٤٤٨

قال :

باب عدد مرّات الوضوء‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، وفضالة بن أيوب ، عن فضيل بن عثمان ، عن أبي عبيدة الحذّاء قال : وضّأت أبا جعفر عليه‌السلام بجمع (١) وقد بال : فناولته ماءً فاستنجى ، ثم أخذ كفاً فغسل به وجهه ، وكفاً غسل به ذراعه الأيمن ، وكفاً غسل به ذراعه الأيسر ، ثم مسح بفضلة النَّدى رأسه ورجليه.

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حماد بن عثمان ، عن علي بن أبي المغيرة ، عن ميسرة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « الوضوء واحدة واحدة ، ووصف الكعب في ظهر القدم ».

وأخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد ابن يعقوب ، عن محمّد بن الحسن ، وغيره ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رباط ، عن يونس بن عمار ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الوضوء للصلاة فقال : « مرّة مرّة ».

وبهذا الإسناد عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد الكريم قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الوضوء ، فقال : « ما كان وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ مرّة مرّة ».

__________________

(١) في المصباح المنير ١ : ١٠٨ : ويقال لمزدلفة : جمع ، وفي القاموس المحيط ٣ : ١٤ : وبلا لام المزدلفة ، ويوم جمع يوم عرفة ، وأيّام جمع أيّام منى.

٤٤٩

السند :

في الأوّل : قد تقدم غير بعيد (١).

والطريق إلى الحسين بن سعيد : ابن أبي جيد ، عن محمّد بن الحسن ابن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، وذكرنا ما لا بُدّ منه فيه (٢).

وفي الثاني : علي بن المغيرة وهو ثقة ذكره النجاشي في ابنه الحسن (٣) ، وأمّا ميسرة فإنّه مشترك بين مهملين في الرجال (٤).

والثالث : حاله غير خفيّة ، ومحمّد بن الحسن فيه : هو الصفار على ما فهمته من شيخنا سلّمه الله تعالى (٥) وابن محبوب : هو الحسن ؛ وابن رباط : هو الحسن ، ولم يوثق في الرجال (٦) ، وإنّما ذكرنا أنّ ابن محبوب هو الحسن لأنّ النجاشي ذكر أنّ الحسن بن رباط له كتاب يرويه عنه الحسن بن محبوب (٧) ، وأمّا يونس بن عمار : هو مهمل في رجال الشيخ رحمه‌الله (٨).

والرابع : فيه مع سهل بن زياد عبد الكريم ، والظاهر أنّه ابن عمرو ، وهو واقفي وإنّ كان ثقة ، والراوي عنه في الفهرست أحمد بن محمّد ابن أبي نصر (٩) ، والظاهر أنّ أحمد بن محمّد هنا هو ابن أبي نصر ، إلاّ أنّ رواية‌

__________________

(١) في ص ٣٦٩.

(٢) في ص ٦٩.

(٣) رجال النجاشي : ٤٩ / ١٠٦.

(٤) منهج المقال : ٣٥١.

(٥) منهج المقال : ٢٩١.

(٦) منهج المقال : ٩٩.

(٧) رجال النجاشي : ٤٦ / ٩٤.

(٨) رجال الطوسي : ٣٣٧ / ٦٧.

(٩) الفهرست : ١٠٩.

٤٥٠

سهل عنه في الظنّ أنها نادرة ، والأمر في الخبر سهل بوجود سهل.

المتن :

في الجميع ما عدا الأوّل ظاهره أنّ الوضوء مرّة مرّة (١) ، وصريح الأوّل أنّه عليه‌السلام غسل وجهه بكف (٢) وكلاً من ذراعيه بكف ، وحينئذ لا يبعد أنّ يكون ( المراد بالإطلاق ) (٣) في غيره إرادة الكف الواحد والغسلة الواحدة ، إلاّ أنّ هذا على تقدير الاكتفاء بالكف الواحد ، فلو لم يكف وجب ما يحصل الاكتفاء به ، غير أنّه ينبغي عدم الزيادة على الاثنين للغسلة ، كما يأتي بيانه في الخبر الآتي (٤).

وعلى هذا لا يتوجه أنّ الأخبار الدالة على أنّ الوضوء مثنى مثنى يراد بها الغُرفتان لا الغسلتان.

فإنّ قلت : ما ذكرته لا يدفع الاحتمال ، لأنّ غير الخبر الأوّل لا دلالة فيه على غير المرّة ، فإذا أُريد بها الغسلة لا ينفى الغرفتين ، والخبر الأوّل الدال على الغرفة يدل على أنّها أحد الأفراد ، وحينئذٍ تحمل الأخبار الدالة على أنّ الوضوء مثنى مثنى على الاستحباب في الغرفات لا في الغسل.

قلت : إذا رجع الأمر إلى الاستحباب يقع ما يأتي ذكره من أنّ الإمام كيف يترك المستحب مع أنّ المعلوم منهم المواظبة على المستحبات؟ فالإشكال الذي يذكر في إرادة الغسلات يأتي هنا ، فلا ينفع الفرار بإرادة‌

__________________

(١) في « رض » : مرّة بدون التكرار.

(٢) ليس في « رض ».

(٣) في « رض » : الإطلاق.

(٤) في ص ٤١٩ ٤٢٧.

٤٥١

الغرفات ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في المختلف قال : إنّه لا خلاف في وجوب غَسل الوجه واليدين مستوعباً للجميع ، فلو لم يكف الكفّ الأوّل وجب الثاني ، ولو لم يكفيا وجب الثالث ، وهكذا ، ولا يتقدّر الوجوب بقدر معيّن ، وأمّا إذا حصل الوجوب بالكفّ الأوّل والمرّة الاولى هل يستحب الثانية في غَسل الوجه واليدين؟ أكثر علمائنا على استحبابها ـ إلى أنّ قال ـ : وقال أبو جعفر ـ يعني ابن بابويه ـ : الثانية لا يؤجر عليها ، وقال ابن إدريس : إنّ الثانية لا تجوز ، ثم أخذ في الاستدلال لاستحباب الثانية (١) ، وسنذكر ما لا بُدّ منه بعد ذكر الأخبار الآتية إن شاء الله تعالى (٢).

قال رحمه‌الله :

وأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن معاوية ابن وهب ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الوضوء؟ فقال : « مثنى مثنى ».

وما رواه أحمد بن محمّد ، عن صفوان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « الوضوء مثنى مثنى ».

فالوجه في هذين الخبرين أنّ نحملهما على السنّة ، لأنّه لا خلاف بين المسلمين أنّ الواحدة هي الفريضة ، وما زاد عليه سنّة ، وأيضاً فقد قدّمنا من الأخبار ما يدل على ذلك ، ويزيده بياناً :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن عروة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « الوضوء مثنى مثنى ، ومن زاد‌

__________________

(١) المختلف ١ : ١١٤ وهو في الفقيه ١ : ٢٩.

(٢) في ص ٤٢٦.

٤٥٢

لم يؤجر عليه » وحكى لنا وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فغسل وجهه مرّة واحدة وذراعيه مرّة واحدة ، ومسح رأسه بفضله ورجليه.

قال محمّد بن الحسن : حكايته لوضوء رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّة مرّة يدل على أنّه أراد بقوله (١) : « مثنى مثنى » السنّة ، لأنّه لا يجوز أنّ يكون الفريضة مرّتين ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعل مرّة (٢) ، مع إجماع المسلمين على أنّه مشارك لنا في الوضوء وكيفيته.

السند‌

في الأوّل لا ريب فيه على ما أظنّ ، والاشتراك (٣) في معاوية بن وهب بين [ ثقة و] (٤) من ليس بثقة ، يدفعه أنّ الإطلاق ينصرف إلى المعروف المتكثر.

وفي الثاني : لا يبعد أنّ يكون أحمد بن محمّد هو ابن أبي نصر ، لأنّ رواية ابن عيسى عن صفوان قد يظن أنّها مستبعدة ، لكن سيأتي في باب الجبائر (٥) ما يقربها إنّ كان صفوان بن يحيى ، وإنّ كان ابن مهران فهو أقرب ، كما يعرف بالممارسة ، والطرق إلى صفوان في النجاشي (٦) والفهرست (٧).

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٠ / ٢١٥ : الوضوء.

(٢) في الاستبصار ١ : ٧٠ / ٢١٥ : مرة مرة.

(٣) هداية المحدثين : ٢٦٠.

(٤) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٥) في ص ٤٥٣ ، ٤٥٤.

(٦) رجال النجاشي : ١٩٧ ، ١٩٨ / ٥٢٤ ، ٥٢٥.

(٧) الفهرست : ٨٣ ، ٨٤ / ٣٤٦ ، ٣٤٧.

٤٥٣

المتن :

قد اختلف العلماء في المراد بقوله : « مثنى مثنى » على أقوال :

الأوّل : ما يظهر من كلام الشيخ‌ أنّ المراد الغسل مرّتين في كل عضو من أعضاء الغسل ، ويكون على سبيل الاستحباب ، لدلالة الأخبار الأوّلة على المرّة.

وقول الشيخ : إنّه لا خلاف بين المسلمين أنّ الواحدة هي الفريضة ، وما زاد عليه سنّة ، لا ينافيه نقل العلاّمة عن ابن إدريس القول : بأنّ الثانية لا تجوز (١). لجواز أنّ يكون ابن إدريس لم يعمل بنقل الشيخ الإجماع.

وما تضمنه الأخبار الأولة (٢) من أنّ وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن إلاّ مرّة مرّة ، وكذلك وضوء عليّ ، لا ينافي حمل الشيخ على الاستحباب في الثانية ، لأنّ مفاد الأخبار حصر الواجب في المرّة ، وذلك لا ينافي فعل الثانية مستحبّةً ، إذ حاصل معنى تلك الأخبار [ أنّه (٣) ] لم يكن وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الواجب إلاّ مرّة ، لا أنّه لم يكن وضوءه مطلقاً إلاّ مرّة.

غاية الأمر أنّه يتوجه عليه أنّ فعل أبي جعفر عليه‌السلام في الحديث الأوّل من الباب ينافي ما ذكره الشيخ من الحمل على الاستحباب ؛ إذ لا يليق من الإمام عليه‌السلام ترك المستحب.

وقد يجاب عنه : بأنّ فعله عليه‌السلام المرّة للتنبيه على أنّها الواجبة ، خوفاً من توهّم (٤) أبي عبيدة وجوبها (٥) ، كما يعلم من الاطلاع على الأخبار‌

__________________

(١) راجع ص ٤١٦.

(٢) المتقدمة في ص ٤١٧.

(٣) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٤) في « د » زيادة : غير.

(٥) اي وجوب المرة الثانية. ويحتمل ان تكون الكلمة : وجوبهما.

٤٥٤

الواردة في أفعالهم عليهم‌السلام لدفع الوهم.

ومن هنا يعلم أنّ ما أورده شيخنا قدس‌سره على الشيخ في فوائد الكتاب : من أنّ هذا الحمل بعيد جدّاً ، لأنّ المرّة الثانية لو كانت مستحبّة لم يقتصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين عليه‌السلام على المرّة في وضوءهما ، خصوصاً مع مداومتهما على ذلك ، كما يدل عليه الأخبار المروية في وصف وضوء رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقول الصادق عليه‌السلام : « ما كان وضوء رسول الله إلاّ مرّة مرّة » (١) وقول الشيخ : إنّه لا خلاف بين المسلمين أنّ الواحدة هي الفريضة ، وما زاد عليه سنّة. غير جيّد ؛ لأنّ الخلاف في استحباب الثانية متحقق ، وكذا قوله : قدّمنا من الأخبار ما يدل على ذلك ، لا يخلو من نظر ؛ إذ لم يسبق منه ما يدل على استحباب المرّتين. وأعجب من ذلك قوله : حكايته لوضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّة مرّة يدل على أنّه أراد بقوله : « الوضوء مثنى مثنى » السنّة. والأجود الحكم بأفضليّة المرّة وحمل ما تضمن المرّتين على الجواز كما ذكره الكليني (٢).

محل بحث :

أمّا أوّلاً : فلما قرّرناه.

وأمّا ثانياً : فلأنّ ما قاله من أنّ الأخبار الواردة في وصف وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تدل على المداومة يشكل عليه بأنّه استدل على عدم الوجوب بالأعلى بجواز أنّ يكون الواقع في الحكاية لأحد أفراد الكلي.

وأمّا ثالثاً : فلأنّ الجواز الذي اعتمد عليه إنّ أُريد به الإباحة فلا وجه لها في المقام بعد ورود قوله عليه‌السلام : « مثنى مثنى » وإنّ أُريد الإباحة الشرعية ،

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥ / ٧٦ ، الوسائل ١ : ٤٣٨ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ١٠.

(٢) الكافي ٣ : ٢٧.

٤٥٥

على معنى أنّ الشارع أباح الفعل والترك ، فمن لوازمه الثواب على الفعل ليفارق مباح الأصل ، وغير خفيّ أنّ هذا لا يخرج عن الاستحباب ، إلاّ أن يقال : إنّ ثوابه أقل ، وذلك لا يضرّ بالحال.

وما عساه يقال : إنّ مباح الشرع لو أُريد به تساوي الفعل والترك في الثواب أشكل بأنّ الترك لا يليق بحكمة الشارع مساواته في الثواب للفعل ، وإنّ لم يتحقق الثواب في الترك فهو المستحب ، ولا وجه لجعل المباح شرعياً.

فله وجه ، غير أنّي لم أقف على من كشف قناع هذا الإشكال ، فينبغي تأمّل ذلك.

وقد وجدت في كتاب الصوم من التهذيب حديثاً يدل على التخيير بين الفعل والترك في السحور لغير شهر رمضان ، فإنّ فيه الأمر بالسحور لشهر رمضان ، ثم قال : « ومن صام غيره فإنّ شاء فليسحر وإنّ شاء لم يفعل » (١).

غير أنّ الإشكال الذي ذكرناه لا مدفع له على ما أظنّ إلاّ بأن يقال : إنّ الثواب الحاصل في الفعل إذا كان الإنسان مخيّراً أقل من ثواب المستحب ، للتميّز عنه ، وفائدة هذا سهلة فيما نحن فيه ، إذ الغسلة الثانية في الوضوء إذا تحقق فيها الثواب لكنّه أقل من كونها مستحبة ، فالعدول من الجمع بالحمل على الاستحباب [ إلى الحمل (٢) ] على الجواز لا يفيد دفع المحذور ، من عدم فعل النبي عليه‌السلام لما فيه الثواب مداومة ، وكذلك علي عليه‌السلام ، ولو أُريد مباح الأصل فلا أظنّه في المقام لائقاً ، بعد ورود الأخبار التي سمعتها.

__________________

(١) التهذيب ٤ : ١٩٧ / ٥٦٥ ، الوسائل ١٠ : ١٤٣ أبواب آداب الصائم ب ٤ ح ٥.

(٢) في النسخ : للحمل ، غيّرناه لاستقامة العبارة.

٤٥٦

وما ذكره شيخنا قدس‌سره عن الكليني ففيه : أنّ كلام الكليني لا يخلو من إجمال كما يعلمه من راجعه ، والعجب من شيخنا المحقق سلّمه الله أنّه في فوائد الكتاب وافق شيخنا قدس‌سره في الإيراد على الشيخ ، ولم ينبه على الإشكال في ذلك ، مع أنّه كثير التفحص عن مثل هذا.

وبالجملة : فكلام الشيخ وإنّ كان محل نظر من وجه أسلفناه ، وغيره وهو ذكر الحديث الذي ظنّ أنّه يزيد ما قدّمه بياناً ، فإنّ سنده لا يخلو من قصور بالقاسم بن عروة ، كما قدّمناه في هذا الموضع (١) ، واكتفينا به عن الإعادة ، وحاصل الأمر في الخبر أنّه يدل على أنّ من زاد لم يؤجر ، مع أنّ الظاهر كون الثالث بدعة ، فينبغي أن يقال : إنّ من زاد يأثم ، وسيأتي منه حديث تضمّن أنّ من فعل الغسلتين لا يؤجر ، وحمله على اعتقاد الفرض ، ( مع أنّ اعتقاد الفرض ) (٢) يعطي الإثم لا عدم الأجر.

واحتمال أنّ يقال : إنّ عدم الأجر لا ينافي الإثم. ينافيه الحكم في الحديث بأن الثالث بدعة ، ومن لوازم البدعة الإثم ، فلو كان في الثانية الإثم لَما صلح التقسيم ، كما لا يخفى ، وسيجي‌ء القول فيه.

والغرض هنا أنّ استدلال الشيخ بالحديث لا يخلو من خلل ، مضافاً إلى تضمّنه حكاية وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( واحدة واحدة ، فإنّ هذا ينافي قول الشيخ ، لأنّ غاية ما ذكرناه سابقاً في توجيهه أنّ وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) (٣) الواجب لم يكن إلاّ مرّة ، وهو لا ينافي الزيادة مستحبة ، وهذا الخبر يقتضي أنّ فعله عليه‌السلام كان مرّة ، ويمكن الجواب بأن الفعل وقع لدفع احتمال‌

__________________

(١) في ص ٤٠٥.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

٤٥٧

وجوب الغسلتين ، وهذا في حق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشد ، كما يعلم من الأخبار ، والله تعالى أعلم بالحال.

الثاني : أنّ الأحاديث المتضمنة لكون الوضوء مثنى مثنى ، يراد بها أن الوضوء غسلان ومسحان ، وهذا حكاه الشيخ في التهذيب (١) ، وحينئذٍ فالاخبار المتضمنة لأنّ الوضوء مرّة مرّة تبقى على مقتضاها.

وممّا يدل على التوجيه المذكور موثق يونس بن يعقوب ، قال : قلت : لأبي عبد الله عليه‌السلام الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال ، قال : « يغسل ذكره ، ويُذهب الغائط ، ثم يتوضّأ مرّتين مرّتين » (٢) وقد تقدم.

وتوجيه دلالته أنّ السؤال عن الوضوء المفروض ، فلا يمكن أنّ يكون المرّتان للاستحباب.

فإنّ قلت : المأمور به في الآية الغَسل ، وهو كما يتحقّق بالمرّة يتحقق بالمرّتين ، فيكون المرّتان أحد الفردين ، ويجوز حينئذٍ أنّ يلاحظ الاستحباب باعتبار أنّه أفضل الفردين الواجبين تخييراً ، فلا يكون هذا التوجيه مغايراً للأوّل ، إلاّ من حيث إنّ القائلين بأن الثانية مستحبة (٣) ، ظاهر كلامهم أنّها مستحبة لا على هذا الوجه ، والشيخ رحمه‌الله من جملة القائلين ، وكلامه لا يأبى هذا ، لأنّ قوله : الواحدة هي الفريضة وما زاد عليه سنّة ؛ في أوّل الكلام ، وقوله في آخره : حكايته لوضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى آخره ،

__________________

(١) التهذيب ١ : ٦٣ / ١٧٦.

(٢) التهذيب ١ : ٤٧ / ١٣٤ ، الوسائل ١ : ٣١٦ أبواب أحكام الخلوة ب ٩ ح ٥.

(٣) منهم ابنا عقيل والجنيد والشيخان واتباعهم على ما حكاه عنهم في المختلف ١ : ١١٤ والمحقق في الشرائع ١ : ٢٣ وصاحب المدارك ١ : ٢٣٠.

٤٥٨

فيه الاحتمال المذكور ، ويكون حكاية وضوئه عليه‌السلام أحد أفراد الوضوء ، لا الفرد الكامل.

قلت : هذا لا يتم ، كما يقتضيه السياق ، وصرّح به العلاّمة (١) أيضاً (٢) ، والأخبار يأباه إذا تأمّلها الإنسان بعين الاعتبار ، وقول الشيخ أخيراً : إنّه لا يجوز أنّ يكون الفريضة مرّتين والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعل مرّة مرّة ؛ ينادي بخلافه.

فإنّ قلت : قول الشيخ بعد هذا : مع إجماع المسلمين على أنّه مشارك لنا في الوضوء وكيفيته. ما المراد به؟ والحال أنّ الكلام في تحقيق وضوئه عليه‌السلام بأيّ وجه فكيف يقال : الإجماع واقع على مشاركته لنا؟

قلت : مقصود الشيخ أنّ كون المرتين فرضاً يقتضي أنّ الفرض علينا المرّتان ، والإجماع على أنّه حكمه حكمنا يفيد أنّ المرتين فرض عليه ، والحال أنّ وضوءه كان مرّة مرّة ، فلا يجوز أنّ يكون المرّتان هي الفريضة في الأخبار.

وإذا تمّ هذا لا يمكن أنّ يحمل الأخبار الواردة في أنّ الوضوء مثنى مثنى على الفرض ، وعلى ما احتملناه من كون المرّة أحد الأفراد لا يتمّ في حق النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّ ترك الأفضل على المداومة غير جائز.

الثالث : ما ذكره الصدوق في الفقيه : أنّ الأخبار التي رويت في أنّ الوضوء مرّتين مرّتين ، فأحدها بإسناد منقطع يرويه أبو جعفر الأحول ، عمّن رواه (٣) ـ إلى أنّ قال ـ : وفي ذلك حديث آخر بإسناد منقطع رواه‌

__________________

(١) في « فض » : العلماء.

(٢) المختلف ١ : ١١٦.

(٣) الفقيه ١ : ٢٥ / ٧٧ ، الوسائل ١ : ٤٣٩ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ١٥.

٤٥٩

عمرو بن أبي المقدام ، قال : حدثني من سمع أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : « إني لأعجب ممّن يرغب أنّ يتوضأ اثنتين اثنتين ، وقد توضّأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثنتين اثنتين ، فإنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يجدّد الوضوء لكل فريضة وكل صلاة » فمعنى الحديث هو أنّي لأعجب ممّن يرغب عن تجديد الوضوء وقد جدّده النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم قال : وكذا ما روي : أنّ مرّتين أفضل ، معناه التجديد ، وكذلك ما روي في مرّتين أنّه إسباغ (١). انتهى.

وظاهره حمل ما تضمّن المرّتين على التجديد والإسباغ ، إلاّ أنّ كلامه في الأخبار أنها منقطعة مع رواية الشيخ بأسانيد متّصلة لما يضاهيها في الجملة لا يخلو من إجمال.

والشهيد في الذكرى ردّ قوله : بأنّ الأخبار التي رويناها بالمرّتين في التهذيب متصلة صحيحة الإسناد ، والحمل على التجديد خلاف الظاهر (٢).

ولا يخفى عليك أنّ الأحاديث التي ذكرها الصدوق مقتصراً عليها وردّها بما قاله في الكتاب لا يستبعد فيها قوله ، والذي حمله على التجديد منها له نوع قرب.

وما ذكره الشهيد لعلّه في أخبار التهذيب ، إذ لا شك في أنّ الحمل على التجديد فيها خلاف الظاهر ، غير أنّ ضرورة الجمع بين الأخبار ينتج العدول عن الظاهر ، فلو قال الشهيد رحمه‌الله : إنّ الحمل على غير التجديد له قرب ، كان أولى.

ثم ما ذكره الصدوق من الإسباغ ربما كان قابلاً للتوجيه ، إلاّ أنّ الذي وقفت عليه من الأخبار لا يدل على ما قاله ، وهو أعلم بالحال ، وستسمع‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥ / ٨٠ ، الوسائل ١ : ٤٣٩ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ١٦ ٢٠.

(٢) الذكرى ٢ : ١٨٣.

٤٦٠