بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
الصفحات: ٣٤١
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠ الجزء ٣١ الجزء ٣٥ الجزء ٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨ الجزء ٣٩ الجزء ٤٠ الجزء ٤١ الجزء ٤٢ الجزء ٤٣ الجزء ٤٤ الجزء ٤٥ الجزء ٤٦ الجزء ٤٧ الجزء ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ الجزء ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ الجزء ٥٤ الجزء ٥٥ الجزء ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ الجزء ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ الجزء ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ الجزء ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ الجزء ٧٠ الجزء ٧١ الجزء ٧٢ الجزء ٧٣ الجزء ٧٤ الجزء ٧٥ الجزء ٧٦ الجزء ٧٧ الجزء ٧٨ الجزء ٧٩ الجزء ٨٠ الجزء ٨١ الجزء ٨٢ الجزء ٨٣ الجزء ٨٤ الجزء ٨٥ الجزء ٨٦ الجزء ٨٧ الجزء ٨٨ الجزء ٨٩ الجزء ٩٠ الجزء ٩١ الجزء ٩٢ الجزء ٩٣ الجزء ٩٤ الجزء ٩٥ الجزء ٩٦   الجزء ٩٧ الجزء ٩٨ الجزء ٩٩ الجزء ١٠٠ الجزء ١٠١ الجزء ١٠٢ الجزء ١٠٣ الجزء ١٠٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

عَلِيمٌ ، ولعلمه بكلّ شيء علم المصالح فخلق لكم كلّ ما في الأرض لمصالحكم يا بني آدم .

١٥ ـ ن : الطالقانيّ ، عن ابن عقدة ، (١) عن عليّ بن الحسن بن فضّال ، عن أبيه ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : قلت له : لمَ خلق الله عزَّوجلَّ الخلق على أنواع شتّى ، ولم يخلقهم نوعاً واحداً ؟ فقال : لئلّا يقع في الأوهام أنّه عاجز فلا تقع صورة في وهم ملحد إلّا وقد خلق الله عزَّوجلَّ عليها خلقاً ، ولا يقول قائل : هل يقدر الله عزَّوجلَّ على أن يخلق على صورة كذا وكذا إلّا وجد ذلك في خلقه تبارك وتعالى فيعلم بالنظر إلى أنواع خلقه أنّه عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

١٦ ـ م ، مع : محمّد بن القاسم المفسّر ، عن يوسف بن محمّد بن زياد ، وعليّ بن محمّد بن سيّار ـ وكانا من الشيعة الإماميّة ـ عن أبويهما ، عن الحسن بن عليّ بن محمّد عليهم‌السلام في قول الله عزَّوجلَّ : بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ فقال : الله هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كلُّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من كلّ من دونه وتقطُّع الأسباب من جميع من سواه ، تقول : بسم الله أي أستعين على اُموري كلّها بالله الّذي لا تحقُّ العبادة إلّا له ، المغيث إذا استغيث ، والمجيب إذا دعي ، وهو ما قال رجل للصادق عليه‌السلام : يا ابن رسول الله دلّني على الله ما هو ؟ فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني ، فقال له : يا عبد الله هل ركبت سفينةً قطّ ؟ قال : نعم ، قال : فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ، ولا سباحة تغنيك ؟ قال : نعم ، قال : فهل تعلّق قلبك هنالك أنَّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟ قال : نعم ، قال الصادق عليه‌السلام : فذلك الشيءُ هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي ، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث .

بيان : قال الفيروزآباديُّ : أله إليه كفرح : فزع ولاذ ، وألهه : أجاره وآمنه .

____________________________

(١) بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الدال ، هو أحمد بن محمد بن سعيد السبيعي الهمداني الحافظ ، المكنى بأبي العباس ، ترجمه العامة والخاصة في كتب تراجمهم ، وبالغوا في إكباره والثناء عليه ، قال النجاشي في ص ٦٨ من رجاله : أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عجلان ، مولى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس السبيعي الهمداني ، هذا رجل جليل في أصحاب الحديث ، مشهور بالحفظ ، والحكايات تختلف عنه في الحفظ وعظمه ، وكان كوفياً زيدياً جارودياً على ذلك مات . الخ .

٤١
 &

١٧ ـ ل : الفاميّ وابن مسرور ، عن محمّد بن جعفر بن بطّة ، عن البرقيّ ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سمعت أبي يحدِّث عن أبيه عليه‌السلام أنَّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له : يا أمير المؤمنين بما عرفت ربَّك ؟ قال : بفسخ العزم ، (١) ونقض الهمم ، لمّا أن هممت حال بيني وبين همّي ، وعزمت فخالف القضاء عزمي ، فعلمت أنَّ المدبّر غيري قال : فبماذا شكرت نعماءه ؟ قال : نظرت إلى بلاء قد صرفه عنّي وأبلى به غيري فعلمت أنّه قد أنعم عليَّ فشكرته ، قال : فبماذا أحببت لقاءه ؟ قال : لمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه علمت أنَّ الّذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه .

يد : الهمدانيّ ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن جدّه عليهم‌السلام مثله .

١٨ ـ يد : ماجيلويه ، عن عمّه ، عن البرقيّ ، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ ، عن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي هاشم ، عن أحمد بن محسن الميثميّ قال : كنت عند أبي منصور المتطبّب فقال : أخبرني رجل من أصحابي قال : كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفّع (٢) في المسجد الحرام فقال ابن المقفّع : ترون هذا الخلق ؟ ـ وأومى بيده إلى موضع الطواف ـ ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانيّة (٣) إلّا ذلك الشيخ الجالس ـ يعني جعفر ابن محمّد عليهما‌السلام ـ فأمّا الباقون فرعاع وبهائم ، فقال له ابن أبي العوجاء وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ؟ قال : لأنّي رأيت عنده ما لم أر عندهم ، فقال ابن أبي العوجاء : ما بدّ من اختبار ما قلت فيه منه ، فقال له ابن المقفّع : لا تفعل فإنّي أخاف أن

____________________________

(١) وفي نسخة : بفسخ العزائم .

(٢) قيل : إن اسمه « روزبه » قبل الاسلام وعبد الله بعد الاسلام ، والمقفّع اسمه المبارك ، ولقب بالمقفّع لان الحجاج بن يوسف ضربه ضربا فتقفعت يده ـ ورجل متقفع اليدين أي متشنجهما ـ و قيل : هو المقفّع بكسر العين ، لعمله القفعة ـ بفتح القاف وسكون الفاء ـ والقفعة : شيء يشبه الزنبيل بلا عروة وتعمل من خوص ليست بالكبيرة . ذكر السيد المرتضى في ج ١ ص ٨٩ من أماليه ابن المقفع من جملة الزنادقة والملاحدة الذين يبطنون الكفر ويظهرون الاسلام .

(٣) في نسخة وجب له اسم الانسانيّة .

٤٢
 &

يفسد عليك ما في يدك ، فقال : ليس ذا رأيك ولكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إيّاه المحلَّ الّذي وصفت ، فقال ابن المقفّع : أمّا إذا توهّمت عليَّ هذا فقم إليه وتحفّظ ما استطعت من الزلل ، ولا تثنّ عنانك إلى استرسال يسلمك إلى عقال ، وسمه ما لك أو عليك ، قال : فقام ابن أبي العوجاء وبقيت وابن المقفّع فرجع إلينا وقال : يا ابن المقفّع ما هذا ببشر ، وإن كان في الدنيا روحانيٌّ يتجسَّد إذا شاء ظاهراً ويتروَّح إذا شاء باطناً فهو هذا ، فقال له : وكيف ذاك ؟ قال : جلست إليه فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال : إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون ـ يعني أهل الطواف ـ فقد سلموا وعطبتم ، وإن يكن الأمر كما تقولون ـ وليس كما تقولون ـ فقد استويتم وهم ، فقلت له : يرحمك الله وأيّ شيء نقول ؟ وأيّ شيء يقولون ؟ ما قولي وقولهم إلّا واحداً ، فقال : كيف يكون قولك وقولهم واحداً وهم يقولون : أنَّ لهم معاداً وثواباً وعقاباً ، ويدينون بأنَّ للسماء إلهاً ، وأنّها عمران ، وأنتم تزعمون أنَّ السماء خراب ليس فيها أحد . قال : فاغتنمتها منه فقلت له : ما منعه إن كان الأمر كما تقول أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان ، ولما احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل ؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به . فقال لي : ويلك وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك ؟ نشؤك ولم تكن ، وكبرك بعد صغرك ، وقوَّتك بعد ضعفك ، وضعفك بعد قوَّتك ، وسقمك بعد صحَّتك ، وصحَّتك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبك بعد رضاك ، وحزنك بعد فرحك ، وفرحك بعد حزنك ، وحبّك بعد بغضك ، وبغضك بعد حبّك ، وعزمك بعد إبائك ، وإباؤك بعد عزمك ، وشهوتك بعد كراهتك ، وكراهتك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ، ورهبتك بعد رغبتك ، ورجاؤك بعد يأسك ، ويأسك بعد رجائك ، وخاطرك بما لم يكن في وهمك ، وعزوب ما أنت معتقده من ذهنك . وما زال يعدُّ عليَّ قدرته الّتي في نفسي الّتي لا أدفعها حتّى ظننت أنّه سيظهر فيما بيني وبينه .

بيان : قال الجزريُّ : رعاع الناس أي غوغاؤهم وسقاطهم وأخلاطهم ، الواحد : رعاعة . قوله : ولا تثنّ ، من الثني وهو العطف والميل أي لا ترخ عنانك إليه بأن تميل إلى الرفق والاسترسال والتساهل فتقبل منه بعض ما يلقي إليك . فيسلمك من التسليم أو

٤٣
 &

الإسلام . إلى عقال أي يعقلك بتلك المقدَّمات الّتي تسلّمت منه بحيث لا يبقى لك مفرٌّ كالبعير المعقول . قوله : وسمه ما لك أو عليك ، نقل عن الشيخ البهائيّ ، قدَّس الله روحه أنّه من السوم ، من سام البائع السلعة يسوم سوماً ، إذا عرضها على المشتري وسامها المشتري بمعنى استامها ، والضمير راجع إلى الشيخ على طريق الحذف والإيصال ، والموصول مفعوله . ويروى عن الفاضل التستريّ نوِّر ضريحه أنّه كان يقرأ « سمَّه » بضمِّ السين وفتح الميم المشدّدة ، أمراً من سمَّ الأمر يسمُّه إذا سبره ونظر إلى غوره ، والضمير راجع إلى ما يجري بينهما ، والموصول بدل عنه ، وقيل : هو من سممت سمُّك . أي قصدت قصدك ، والهاء للسكت أي اقصد ما لك وما عليك . والأظهر أنّه من وسم يسم سمةً بمعني الكيّ (١) والضمير راجع إلى ما يريد أن يتكلّم به أي اجعل على ما تريد أن تتكلّم به علامةً لتعلم أيّ شيء لك وأيّ شيء عليك ، فالموصول بدل من الضمير . قوله عليه‌السلام : وهو على ما يقولون اعترض عليه‌السلام الجملة الحاليّة بين الشرط والجزاء للإشارة إلى ما هو الحقّ ، ولئلّا يتوهّم أنّه عليه‌السلام في شكّ من ذلك . والعطب : الهلاك . قوله عليه‌السلام : ليس فيها أحد أي لها أو عليها أو بالظرفيّة المجازيّة لجريان حكمه وحصول تقديره تعالى فيها ، وحاصل استدلاله عليه‌السلام : أنّك لمّا وجدت في نفسك آثار القدرة الّتي ليست من مقدوراتك ضرورةً علمت أنَّ لها بارئاً قادراً ، وكيف يكون غائباً عن الشخص من لا يخلو الشخص ساعةً عن آثار كثيرة يصل منه إليه .

١٩ ـ يد : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن ابن عيسى ، عن أبيه ، عن سعيد بن جناح ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : ما خلق الله خلقاً أصغر من البعوض والجرجس أصغر من البعوض ، والّذي يسمّونه الولغ أصغر من الجرجس ، وما في الفيل شيءٌ إلّا وفيه مثله ، وفضّل على الفيل بالجناحين . (٢)

____________________________

(١) بل الاظهر أنه أمر من التسمية كناية عن تعيين ما هو مقبول عنده من المقدمات وما ليس بمقبول .

(٢) وبالرجلين ، وخرطوم الفيل المصمت ، وخرطومه مجوف نافذ للجوف ، فاذا طعن به جسد الانسان استقى الدم وقذف به إلى جوفه فهو كالبلعوم والحلقوم ولذلك اشتد عضها ، وقويت على خرق الجلود الغلاظ ، ومما ألهمه الله تعالى أنه إذا جلس على عضو من أعضاء الأنسان لا يزال يتوخى *

٤٤
 &

بيان : قال الفيروزآباديُّ : الجرجس بالكسر : البعوض الصغار . انتهى . فالمراد أنّ الجرجس أصغر من سائر أصناف البعوض ليوافق أوَّل الكلام وكلام أهل اللّغة ، على أنّه يحتمل أن يكون الحصر في الأوَّل إضافيّاً كما أنَّ الظاهر أنَّه لا بدَّ من تخصيصه بالطيور إذ قد يحسُّ من الحيوانات ما هو أصغر من البعوض إلّا أن يقال : يمكن أن يكون للبعوض أنواع صغار لا يكون شيءٌ من الحيوانات أصغر منها . والولغ هنا بالغين المعجمة وفي الكافي بالمهملة ، وهما غير مذكورين فيما عندنا من كتب اللّغة ، والظاهر أنَّه أيضاً صنف من البعوض ، والغرض بيان كمال قدرته تعالى فإنَّ القدرة في خلق الأشياء الصغار أكثر وأظهر منها في الكبار كما هو المعروف بين الصنّاع من المخلوقين (١) فتبارك الله أحسن الخالقين .

٢٠ ـ يد : الدقّاق ، عن الكلينيّ بإسناده رفع الحديث : أنَّ ابن أبي العوجاء حين كلّمه أبو عبد الله عليه‌السلام عاد إليه في اليوم الثاني فجلس وهو ساكت لا ينطق ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : كأنّك جئت تعيد بعض ما كنّا فيه ؟ فقال : أردت ذاك يا ابن رسول الله ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : ما أعجب هذا تنكر الله وتشهد أنّي ابن رسول الله ! فقال : العادة

____________________________

* بخرطومه المسام التي يخرج منها العرق ، لانها أرق بشرة من جلد الانسان فاذا وجدها وضع خرطومه فيها ، وفيه من الشره أن يمص الدم إلى أن ينشق ويموت ، او إلى أن يعجز عن الطيران فيكون ذلك سبب هلاكه ، ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الاربع فيبقى طريحا في الصحراء فتجتمع السباع حوله ، والطير التي تاكل الجيف ، فمن أكل منها شيئا مات لوقته . قال وهب بن منبه لما أرسل الله تعالى البعوض على النمرود اجتمع منه في عسكره ما لا يحصى عدداً فلما عاين النمرود ذلك انفرد عن جيشه ودخل بيته ، وأغلق الابواب وأرخى الستور ونام على قفاه مفكراً ، فدخلت بعوضة في أنفه وصعدت إلى دماغه فعذب بها أربعين يوما ، حتى أنه كان يضرب برأسه الارض وكان أعز الناس عنده من يضرب رأسه ثم سقطت منه كالفرخ وهي تقول : كذلك يسلط الله رسله على من يشاء من عباده ، ثم هلك حينئذ . وقد أودع الله في مقدم دماغها قوة الحفظ ، وفي وسطه قوة الفكر وفي مؤخره قوة الذكر ، وخلق لها حاسة البصر ، وحاسة اللمس ، وحاسة الشم ، وخلق لها منفذاً للغذاء ، ومخرجاً للفضلة ، وخلق لها جوفاً وأمعاءاً وعظاما ، فسبحان من قدر فهدى ، ولم يخلق شيئا من المخلوقات سدى . قاله الدميري في كتابه حياة الحيوان.

(١) هذا بحسب الدقة واللطف وكانه عليه السلام في هذا المقام ، وأما بحسب القدرة فالامر بالعكس من جهة توفيق الذرات وتوديع القوى العظيمة الهائلة ، قال تعالى : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . المؤمن : ٥٧ . ط

٤٥
 &

تحملني على ذلك ، فقال له العالم عليه‌السلام : فما يمنعك من الكلام ؟ قال : إجلالاً لك (١) ومهابةً ما ينطق لساني بين يديك فإنّي شاهدت العلماء وناظرت المتكلّمين فما تداخلني هيبةٌ قطّ مثل ما تداخلني من هيبتك . قال : يكون ذلك ولكن أفتح عليكم بسؤال و أقبل عليه ، فقال له : أمصنوع أنت أو غير مصنوع ؟ فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء : بل أنا غير مصنوع ، فقال له العالم عليه‌السلام : فصف لي لو كنت مصنوعاً كيف كنت تكون ؟ فبقي عبد الكريم مليّاً لا يحير جواباً ، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول : طويل عريض عميق قصير متحرّك ساكن ، كلّ ذلك صفة خلقه ، (٢) فقال له العالم عليه‌السلام : فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعاً لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الاُمور ، فقال له عبد الكريم : سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها ، فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : هبك علمت أنّك لم تُسأل فيما مضى فما علمك أنّك لا تُسأل فيما بعد ؟ على أنّك يا عبد الكريم نقضت قولك لأنّك تزعم أنّ الأشياء من الأوّل سواء ، فكيف قدّمت وأخّرت ؟ ثمَّ : قال : يا عبد الكريم أزيدك وضوحاً ، أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر فقال لك قائل : هل في الكيس دينار ؟ فنفيت كون الدينار في الكيس ، فقال لك قائل : صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم ؟ قال : لا ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس فلعلَّ في العالم صنعةٌ من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة ، فانقطع عبد الكريم وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه وبقي معه بعض ، فعاد في اليوم الثالث فقال : اُقلّب السؤال ؟ فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : اسأل عمّا شئت ، فقال : ما الدليل على حدث الأجسام ؟ فقال : إنّي ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلّا وإذا ضمَّ إليه مثله صار أكبر ، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الاُولى ، ولو كان قديماً ما زال ولا حال ، لأنَّ الّذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث ، وفي كونه في الأزل دخوله في القدم ، ولن تجتمع صفة الأزل والحدوث ، والقدم والعدم

____________________________

(١) في نسخة : إجلال لك .

(٢) وفي نسخة : كل ذلك صنعة خلقه .

٤٦
 &

في شيء واحد ، (١) فقال عبد الكريم : هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت على حدوثها فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدلّ على حدثها ؟ فقال العالِم عليه‌السلام : إنّما نتكلّم على هذا العالَم الموضوع ، فلو رفعناه و وضعنا عالماً آخر كان لا شيء أدلُّ على الحدث من رفعنا إيّاه ووضعنا غيره ، ولكن أجبتك (٢) من حيث قدّرت أن تلزمنا ونقول (٣) : إنّ الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنّه متى ما ضمّ شيء (٤) إلى مثله كان أكبر ، وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما بان في تغييره دخوله في الحدث (٥) ليس لك وراءه شيءٌ يا عبد الكريم ، فانقطع وخزى . فلمّا أن كان من العام القابل التقى معه في الحرم فقال له بعض شيعته : إنّ ابن أبي العوجاء قد أسلم ، فقال العالم عليه‌السلام : هو أعمى من ذلك لا يسلم ، فلمّا بصر بالعالِم قال : سيّدي ومولاي ، فقال له العالم : ما جاء بك الى هذا الموضع ؟ فقال : عادة الجسد ، وسنّة البلد . ولنبصر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة ، فقال له العالِم : أنت بعدُ على عتوّك وضلالك يا عبد الكريم ، فذهب يتكلّم فقال له : لا جدال في الحجّ ، ونفض رداءه من يده وقال : إن يكن الأمر كما تقول ـ وليس كما تقول ـ نجونا ونجوت ، وإن يكن الأمر كما نقول ـ وهو كما نقول ـ نجونا وهلكت ، فأقبل عبد الكريم على من معه فقال : وجدت في قلبي حرارةً فردّوني ، فردّوه ومات ، لا رحمه الله .

ج : روى مرسلاً بعض الخبر .

تنوير : لا يحير جواباً بالمهملة أي لا يقدر عليه . والولوع بالشيء : الحرص عليه والمبالغة في تناوله . قوله : كلُّ ذلك صفة خلقه أي خلق الخالق والصانع ، ويمكن أن يقرأ بالتاء أي صفة المخلوقيّة ، والحاصل أنّه لمّا سأل الإمام عليه‌السلام عنه أنّك لو كنت مصنوعاً هل كنت على غير تلك الأحوال والصفات الّتي أنت عليها الآن أم لا أقبل يتفكّر

____________________________

(١) في التوحيد المطبوع : ولن يجتمع صفة الازل والعدم في شيء واحد .

(٢) وفي نسخة : اجيبك .

(٣) وفي نسخة : فنقول .

(٤) وفي نسخة : ما ضم شيء منه إلى شيء منه .

(٥) وفي نسخة : كما أن في تغييره دخوله في الحدث .

٤٧
 &

في ذلك ، فتنبّه أنّ صفاته كلّها صفات المخلوقين ، وكانت معاندته مانعةً عن الإذعان بالصانع تعالى فبقي متحيّراً ، فقال عليه‌السلام : إذا رجعت إلى نفسك ووجدت في نفسك صفة المخلوقين فلمَ لا تذعن بالصانع ؟ فاعترف بالعجز عن الجواب ، وقال : سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك . قوله عليه‌السلام : هبك أي افرض نفسك أنّك علمت ما مضى وسلّمنا ذلك لك ، قال الفيروزآباديُّ : هبني فعلت أي احسبني فعلت وأعددني ، كلمة للأمر فقط . وحاصل جوابه عليه‌السلام : أوّلاً أنّك بنيت اُمورك كلّها على الظنّ والوهم لأنّك تقطع بأنَّك لا تُسأل بعد ذلك عن مثلها مع أنّه لا سبيل لك إلى القطع به . وأمّا قوله عليه‌السلام : على أنّك يا عبد الكريم نقضت قولك يحتمل وجوهاً :

الاول : أن يكون المراد أنّ نفيك للصانع مبنيٌّ على أنّك تزعم أن لا علّيّة بين الأشياء ونسبة الوجود والعدم إليها على السواء ، والاستدلال على الأشياء الغير المحسوسة إنّما يكون بالعلّيّة والمعلوليّة ، فكيف حكمت بعدم حصول الشيء في المستقبل ؟ فيكون المراد بالتقدُّم والتأخُّر العلّيّة والمعلوليّة أو ما يساوقهما .

الثاني : أن يكون مبنيّاً على ما لعلّهم كانوا قائلين به ، وربّما أمكن إلزامهم بذلك ، بناءاً على نفي الصانع من أنّ الأشياء متساويةٌ غير متفاوته في الكمال والنقص ، فالمراد : أنّك كيف حكمت بتفضيلي على غيري ؟ وهو مناف للمقدّمة المذكورة ، فالمراد بالتقدُّم والتأخُّر ما هو بحسب الشرف .

الثالث : أن يكون مبنيّاً على ما ينسب إلى أكثر الملاحدة من القول بالكمون والبروز أي مع قولك بكون كلّ حقيقة حاصلةً في كلِّ شيء كيف يمكنك الحكم بتقدُّم بعض الأشياء على بعض في الفضل والشرف .

قوله عليه‌السلام وفي ذلك زوال وانتقال ، حاصل استدلاله عليه‌السلام إمّا رجع إلى دليل المتكلّمين من أنَّ عدم الانفكاك عن الحوادث يستلزم الحدوث ، أو إلى إنّه لا يخلو إمّا أن يكون يعض تلك الأحوال الزائلة المتغيّرة قديماً أم لا بل يكون كلّها حوادث وكلٌّ منهما محال : أمّا الأوَّل فلمّا تقرّر عند الحكماء من أنَّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، و أمّا الثاني فللزوم التسلسل بناءاً على جريان دلائل إبطاله في الاُمور المتعاقبة ، ويمكن

ـ ٣ ـ بحار الانوار

٤٨
 &

أن يكون مبنيّاً على ما يظهر من الأخبار الكثيرة من أنَّ كلَّ قديم يكون واجباً بالذات ولا يكون المعلول إلّا حادثاً ، ووجوب الوجود ينافي التغيُّر ، ولا يكون الواجب محلّاً للحوادث كما برهن عليه ، ثمَّ قال ابن أبي العوجاء : لو فرضنا بقاء الأشياء على صغرها لم يمكنك الاستدلال على حدوثها بالتغيُّر ، فأجاب عليه‌السلام أوّلاً على سبيل الجدل بأنّ كلامنا كان في هذا العالم الّذي نشاهد فيه التغيّرات ، فلو فرضت رفع هذا العالم ووضع عالم آخر مكانه لا يعتريه التغيُّر فزوال هذا العالم دلّ على كونه حادثاً ، وإلّا لما زال ، وحدوث العالم الثاني أظهر . ثمّ قال : ولكن اُجيبك من حيث قدّرت ـ بتشديد الدال ـ أي فرضت لأن تلزمنا أو بالتخفيف أي زعمت أنّك تقدر أن تلزمنا وهو بأن تفرض في الأوّل مكان هذا العالم عالماً لا يكون فيه التغيّر ، فنقول : يحكم العقل بأنّ الأجسام يجوز عليها ضمُّ شيء إليها وقطع شيء منها . وجواز التغيُّر عليه يكفي لحدوثها بنحو ما مرَّ من التقرير .

٢١ ـ يد : ابن إدريس ، عن أبيه ، عن ابن هاشم ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم قال : سئل أبو عبد الله عليه‌السلام فقيل له : بمَ عرفت ربّك ؟ قال : بفسخ العزم ونقض الهمّ ، عزمت ففسخ عزمي ، وهممت فنقض همّي .

٢٢ ـ يد : المكتّب ، عن الأسديّ ، عن البرمكيّ ، عن محمّد بن عبد الرحمن الخزّاز ، عن سليمان بن جعفر ، عن عليّ بن الحكم ، عن هشام بن سالم قال : حضرت محمّد بن النعمان الأحول فقام إليه رجل فقال له : بمَ عرفت ربّك ؟ قال : بتوفيقه وإرشاده وتعريفه و هدايته ، قال : فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له : ما أقول لمن يسألني فيقول لي : بمَ عرفت ربّك ؟ فقال : إن سأل سائل فقال : بمَ عرفت ربّك ؟ قلت : عرفت الله جلَّ جلاله بنفسي ، لأنّها أقرب الأشياء إليَّ ، وذلك أنّي أجدها أبعاضاً مجتمعةً ، وأجزاءاً مؤتلفة ، ظاهرة التركيب ، متينة الصنعة ، مبنيّةً على ضروب من التخطيط و التصوير ، زائدةً من بعد نقصان ، وناقصةً من بعد زيادة ، قد اُنشىء لها حواسٌّ مختلفةٌ ، وجوارح متبائنةٌ ، من بصر وسمع وشامّ وذائق ولامس ، مجبولةً على الضعف والنقص والمهانة ، لا تدرك واحدةً منها مدرك صاحبتها ، ولا تقوى على ذلك عاجزةٌ عن اجتلاب

٤٩
 &

المنافع إليها ، ودفع المضارِّ عنها ، واستحال في العقول وجود تأليف لا مؤلّف له ، وثبات صورة لا مصوِّر لها ، فعلمت أنّ لها خالقاً خلقها ، ومصوِّراً صوَّرها ، مخالفاً لها في جميع جهاتها ، (١) قال الله جلّ جلاله : وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ .

٢٣ ـ يد : الدقّاق ، عن الأسديّ ، عن الحسين بن المأمون القرشيّ ، (٢) عن عمر بن عبد العزيز ، (٣) عن هشام بن الحكم قال : قال لي أبو شاكر الديصانيّ : إنَّ لي مسألة تستأذن لي على صاحبك فإنّي قد سألت عنها جماعةً من العلماء فما أجابوني بجواب مشبع ، فقلت : هل لك أن تخبرني بها فلعلَّ عندي جواباً ترتضيه ؟ فقال : إنّي اُحبُّ أن ألقي بها أبا عبد الله عليه‌السلام ، فاستأذنت له فدخل فقال له : أتأذن لي في السؤال ؟ فقال له : سل عمّا بدا لك ، فقال له : ما الدليل على أنَّ لك صانعاً ؟ فقال : وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين : إمّا أن أكون صنعتها أنا ، فلا أخلو من أحد معنيين ، إمّا أن أكون صنعتها وكانت موجودةً أو صنعتها وكانت معدومةً ، فإن كنت صنعتها وكانت موجودةً فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومةً فإنّك تعلم أنَّ المعدوم لا يُحدِث شيئاً ، فقد ثبت المعنى الثالث أنَّ لي صانعاً وهو الله ربُّ العالمين ، فقام وما أجاب جواباً .

بيان : هذا برهان متين مبنيٌّ على توقّف التأثير والإيجاد على وجود الموجد والمؤثِّر ، والضرورة الوجدانيَّة حاكمة بحقّيّتها ، ولا مجال للعقل في إنكارها .

٢٤ ـ يد : أبي وابن الوليد معاً ، عن أحمد بن إدريس ، ومحمّد العطّار ، عن الأشعريّ ، عن سهل ، عن محمّد بن الحسين ، عن عليّ بن يعقوب الهاشميّ ، عن مروان بن مسلم قال : دخل ابن أبي العوجاء على أبي عبد الله عليه‌السلام : فقال : أليس تزعم أنَّ الله خالق كلِّ شيء ؟ فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : بلى ، فقال له : أنا أخلق ، فقال له : كيف تخلق ؟ قال : اُحدث في الموضع ثمَّ ألبث عنه فيصير دوابّاً ، فأكون أنا الّذي خلقتها ، فقال أبو عبد الله

____________________________

(١) وفي نسخة : مخالفاً لها في جميع صفاتها .

(٢) لم نقف على ترجمته .

(٣) لعله هو أبو حفص الملقب بزحل الذي ترجمه النجاشي في رجاله ص ٢٠٢ قال : عربي بصري مخلط ، له كتاب .

٥٠
 &

عليه السلام : أليس خالق الشيء يعرف كم خلقه ؟ قال له : بلى ، قال : فتعرف الذكر منها من الاُنثى وتعرف كم عمرها ؟ فسكت .

٢٥ ـ يد : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن ابن هاشم ، عن محمّد بن حمّاد ، عن الحسن بن إبراهيم ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن يونس بن يعقوب قال : قال لي عليُّ بن منصور : (١) قال لي هشام بن الحكم : كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليه‌السلام فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها ، فقيل له : هو بمكّة فخرج الزنديق إلى مكّة ونحن مع أبي عبد الله عليه‌السلام فقاربنا الزنديق ـ ونحن مع أبي عبد الله عليه‌السلام ـ في الطواف فضرب كتفه كتف أبي عبد الله عليه‌السلام ، فقال له جعفر عليه‌السلام : ما اسمك ؟ قال : اسمي عبد الملك ، قال : فما كنيتك ؟ قال : أبو عبد الله ، قال : فمن الملك الّذي أنت له عبد ، أمن ملوك السماء أم من ملوك الأرض ؟ وأخبرني عن ابنك ، أعبد إله السماء أم عبد إله الأرض ؟ فسكت ، فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : قل ما شئت تخصم . قال هشام بن الحكم : قلت للزنديق : أما تردُّ عليه ؟ فقبَّح قولي ، فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : إذا فرغت من الطواف فأتنا ، فلمّا فرغ أبو عبد الله عليه‌السلام أتاه الزنديق فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده ، فقال للزنديق : أتعلم أنَّ للأرض تحت وفوق ؟ قال : نعم ، قال : فدخلت تحتها ؟ قال : لا ، قال : فما يدريك بما تحتها ؟ قال : لا أدري إلّا أنّي أظنُّ أن ليس تحتها شيءٌ ، قال أبو عبد الله عليه‌السلام : فالظنُّ عجز ما لم تستيقن ، قال أبو عبد الله عليه‌السلام : فصعدت إلى السماء ؟ قال : لا ، قال : فتدري ما فيها ؟ قال : لا ، قال : فعجباً لك لم تبلغ المشرق ، ولم تبلغ المغرب ، ولم تنزل تحت الأرض ، ولم تصعد إلى السماء ، ولم تجز هنالك فتعرف ما خلقهنَّ وأنت جاحد ما فيهنَّ وهل يجحد العاقل ما لا يعرف ؟ فقال الزنديق : ما كلّمني بهذا أحد غيرك ، قال أبو عبد الله عليه‌السلام : فأنت في شكّ من ذلك فلعلَّ هو ، أو لعلَّ ليس هو ، قال الزنديق : ولعلّ ذاك : فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم ، فلا حجّة للجاهل ، يا أخا أهل مصر تفهَّم عنّي فإنّا لا نشكُّ في الله أبداً ، أما ترى الشمس والقمر واللّيل والنهار يلجان

____________________________

(١) أورده النجاشي في ص ١٧٦ من رجاله ، قال علي بن منصور أبو الحسن كوفي ، سكن بغداد ، متكلم ، من أصحاب هشام ، له كتب : منها كتاب التدبير في التوحيد والامامة .

٥١
 &

ليس لهما مكان إلّا مكانهما فإن كانا يقدران على أن يذهبا ولا يرجعان فلمَ يرجعان ؟ وإن لم يكونا مضطرّين فلمَ لا يصير اللّيل نهاراً والنهار ليلاً ؟ اضطرّا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما ، والّذي اضطرَّهما أحكم منهما وأكبر منهما ، قال الزنديق : صدقت . ثمَّ قال أبو عبد الله عليه‌السلام : يا أخا أهل مصر الّذي تذهبون إليه وتظنّونه بالوهم فإن كان الدهر يذهب بهم لمَ لا يردُّهم ؟ وإن كان يردُّهم لمَ لا يذهب بهم ؟ القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر ، السماء مرفوعةٌ ، والأرض موضوعةٌ ، لم لا تسقط السماء على الأرض ؟ ولمَ لا تنحدر الأرض فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما ؟ فقال الزنديق : أمسكهما والله ربّهما وسيّدهما ، فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله عليه‌السلام . فقال له حمران بن أعين : جعلت فداك أن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمنت الكفّار على يدي أبيك . فقال المؤمن الّذي آمن على يدي أبي عبد الله عليه‌السلام : اجعلني من تلامذتك . فقال أبو عبد الله عليه‌السلام لهشام بن الحكم : خذه إليك فعلّمه . فعلّمه هشام فكان معلّم أهل مصر وأهل الشام ، وحسنت طهارته حتّى رضي بها أبو عبد الله عليه‌السلام .

ج : عن هشام بن الحكم مثله .

ايضاح : قوله عليه‌السلام : فمن الملك لعلّه عليه‌السلام سلك أوّلاً في الاحتجاج عليه مسلك الجدل ، لبنائه على الأمر المشهور عند الناس أنَّ الاسم مطابق لمعناه ، ويحتمل أن يكون على سبيل المطائبة والمزاح لبيان عجزه عن فهم الواضحات ، وردّ الجواب عن أمثال تلك المطائبات ، أو يكون منبّهاً على ما ارتكز في العقول من الإذعان بوجود الصانع وإن أنكروه ظاهراً لكفرهم وعنادهم ثمّ ابتدأ عليه‌السلام بإزالة إنكار الخصم و إخراجه منه إلى الشكّ لتستعدّ نفسه لقبول الحقّ ، فأزال إنكاره بأنّه غير عالم بما تحت الأرض وليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شيءٌ ، ثمّ زاده بياناً بأنّ السماء الّتي لم يصعدها كيف يكون له الجزم والمعرفة بما فيها وما ليس فيها ؟ وكذا المشرق والمغرب ، فلمّا عرف قبح إنكاره وتنزَّل عنه وأقرَّ بالشكّ بقوله : ولعلّ ذاك ، أخذ عليه‌السلام في هدايته و قال : ليس للشاكّ دليل وللجاهل حجّةٌ ، فليس لك إلا طلب الدليل فاستمع وتفهَّم فإنّا لا نشكُّ فيه أبداً ، والمراد بولوج الشمس والقمر غروبهما ، أو دخولهما بالحركات

٥٢
 &

الخاصّة في بروجهما ، وبولوج اللّيل والنهار دخول تمام كلّ منهما في الآخر ، أو دخول بعض من كلّ منهما في الآخر بحسب الفصول .

وحاصل الاستدلال أنّ لهذه الحركات انضباطاً واتّساقاً واختلافاً وتركّباً فالانضباط يدلُّ على عدم كونها إراديّةً كما هو المشاهد من أحوال ذوي الإرادات من الممكنات ، والاختلاف يدلُّ على عدم كونها طبيعيّةً ، فإنَّ الطبيعة العادمة للشعور لا تختلف مقتضياتها كما نشاهد من حركات العناصر ، كما قالوا : إنّ الطبيعة الواحدة لا تقتضي التوجُّه إلى جهة والانصراف عنه ، ويمكن أن يقال : حاصل الدليل راجع إلى ما يحكم به الوجدان ، من أنّ مثل تلك الأفعال المحكمة المتقنة الجارية على قانون الحكمة لا يصدر عن الدهر والطبائع العادمة للشعور والإراده ، وإلى هذا يرجع قوله عليه‌السلام : إن كان الدهر يذهب بهم أي الدهر العديم الشعور كيف يصدر عنه الذهاب الموافق للحكمة ولا يصدر عنه بدله الرجوع ؟ أو المراد أنّه لم يقتضي طبعه ذهاب شيء ولا يقتضي ردّه وبالعكس ، بناءاً على أنّ مقتضيات الطبائع تابعةٌ لتأثير الفاعل القادر القاهر ، ويمكن أن يكون المراد بالذهاب بهم إعدامهم ، وبرِّدهم إيجادهم ، والمراد بالدهر الطبيعة ، كما هو ظاهر كلام أكثر الدهريّة ، أي نسبة الوجود والعدم إلى الطبائع الإمكانيّة على السواء ، فإن كان الشيء يوجد بطبعه فلمَ لا يعدم ؟ فترجُّح أحدهما ترجُّحٌ بلا مرجّح يحكم العقل باستحالته . ويجري جميع تلك الاحتمالات في قوله عليه‌السلام : السماء مرفوعةٌ إلى آخر كلامه عليه‌السلام . وقوله عليه‌السلام : لمَ لا تسقط السماء على الأرض أي لا تتحرَّك بالحركة المستقيمة حتّى تقع على الأرض . وقوله : ولمَ لا تنحدر الأرض ؟ أي تتحرّك إلى جهة التحت حتّى تقع على أطباق السماء ، أو المراد الحركة الدوريّة فيغرق الناس في الماء ، فيكون ضمير طباقها راجعاً إلى الأرض وطباق الأرض : أعلاها أي تنحدر الأرض بحيث تصير فوق ما علا منها الآن . قوله عليه‌السلام . فلا يتماسكان أي في صورة السقوط والانحدار ، أو المراد فظهر أنّه لا يمكنهما التمسّك بأنفسهما بل لا بدّ من ماسك يمسكهما .

أقول : تفصيل القول في شرح تلك الأخبار الغامضة يقتضي مقاماً آخر وإنّما نشير في هذا الكتاب إلى ما لعلّه يتبصّر به اُولوا الأذهان الثاقبة من اُولي الألباب ،

٥٣
 &

وسنبسط الكلام فيها في كتاب مرآة العقول إن شاء الله تعالى .

٢٦ ـ م : قال الإمام عليه‌السلام : لما توعَّد (١) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اليهود والنواصب في جحد النبوّة والخلافة ، قال مردة اليهود وعتاة النواصب (٢) : مَن هذا الّذي ينصر محمّداً وعليّاً على أعدائهما ؟ فأنزل الله عزَّوجلَّ : « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » بلا عمد من تحتها ، ولا علاقة من فوقها ، تحبسها من الوقوع عليكم ، وأنتم يا أيّها العباد والإماء اُسرائي وفي قبضي ، الأرض من تحتكم لا منجا لكم منها إن هربتم ، والسماء من فوقكم ولا محيص لكم عنها إن ذهبتم ، فإن شئت أهلكتكم بهذه ، وإن شئت أهلكتكم بتلك ، ثمّ ما في السماوات من الشمس المنيرة في نهاركم لتنتشروا في معايشكم ، ومن القمر المضيىء لكم في ليلكم لتبصروا في ظلماته وإلجاؤكم بالاستراحة بالظلمة إلى ترك مواصلة الكدِّ الّذي ينهك (٣) أبدانكم « وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ » المتتابعين الكادّين عليكم بالعجائب الّتي يحدثها ربّكم في عالمه من إسعاد وإشقاء ، وإعزاز وإذلال ، وإغناء وإفقار ، وصيف وشتاء ، وخريف وربيع ، وخصب وقحط ، وخوف وأمن . « وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ » الّتي جعلها الله مطاياكم لا تهدأ (٤) ليلاً ولا نهاراً ، ولا تقتضيكم علفاً ولا ماءاً ، وكفاكم بالرياح مؤونة تسيرها بقواكم الّتي كانت لا تقوم بها لو ركدت عنها الرياح لتمام مصالحكم ومنافعكم وبلوغ الحوائج لأنفسكم « وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ » وابلاً وهطلاً ورذاذاً (٥) لا ينزل عليكم دفعةً واحدةً فيغركم ويهلك معايشكم لكنّه ينزل متفرِّقاً من علا حتّى تعمّ الأوهاد والتلال والتلاع ، (٦) « فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا » فيخرج نباتها وثمارها وحبوبها « وَبَثَّ فِيهَا

____________________________

(١) أي هدّد .

(٢) العتاة جمع للعاتي وهو المستكبر ومن جاوز الحد .

(٣) أي يدنف ويضنى .

(٤) المطايا جمع للمطية وهي الدابة التي تركب . ولا تهدأ أي لا تسكن .

(٥) الوابل : المطر الشديد . الهطل يفتح الهاء ـ : المطر الضعيف الدائم . وتتابع المطر المتفرق العظيم القطر . الرذاد كسحاب : المطر الضعيف ، أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار ، أو هو بعد الطل .

(٦) جمع للتلعة : ما ارتفع من الارض وما انهبط منها ، من الاضداد . ولعل المراد في الخبر المعنى الثاني .

٥٤
 &

مِن كُلِّ دَابَّةٍ » منها ما هو لأكلكم ومعايشكم ، ومنها سباع ضاريةٌ حافظةٌ عليكم لأنعامكم لئلّا تشذَّ عليكم خوفاً من افتراسها لها ، « وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ » المربّية لحبوبكم ، المبلّغة لثماركم ، النافية لركد الهواء والأقتار عنكم ، « وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ » يحمل أمطارها ، ويجري بإذن الله ويصبّها من حيث يؤمر « لَآيَاتٍ » دلائل واضحات « لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » يتفكّرون بعقولهم أنّ مَن هذه العجائب من آثار قدرته قادر على نصرة محمّد وعليّ وآلهما عليهم‌السلام على من يشاء .

بيان : الكادّين من الكدّ بمعنى الشدّة والإلحاح في الطلب كنايةٌ عن عدم تخلّفهما والباء في قوله عليه‌السلام : بالعجائب بمعنى مع . وقوله : والأقتار كأنّه جمع القترة بمعنى الغبرة أي يذهب الأغبرة والأبخرة المجتمعة في الهواء الموجبة لكثافتها وتعفّنها . والضمير في قوله : أمطارها إمّا راجع إلى الأرض ، أو إلى السحاب للجمعيّة .

٢٧ ـ جع : سئل أمير المؤمنين عليه‌السلام عن إثبات الصانع ، فقال : البعرة تدلُّ على البعير ، والروثة تدلُّ على الحمير ، وآثار القدم تدلُّ على المسير ، فهيكل علويّ بهذه اللّطافة ومركز سفليّ بهذه الكثافة كيف لا يدلّان على اللّطيف الخبير ؟ .

٢٨ ـ وقال علیه السلام : بصنع الله يستدلُّ عليه ، وبالعقول تعتقد معرفته ، وبالتفكّر تثبت حجّته ، معروف بالدلالات ، مشهور بالبيّنات .

٢٩ ـ جع : سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه : ما الدليل على إثبات الصانع ؟ قال : ثلاثة أشياء : تحويل الحال ، وضعف الأركان ، ونقض الهمّة .

أقول : سيأتي ما يناسب هذا الباب في أبواب الاحتجاجات ، وأبواب المواعظ و الخطب والحكم إن شاء الله تعالى . ولنذكر بعد ذلك توحيد المفضّل بن عمر ، ورسالة الإهليلجة المرويّتين عن الصادق عليه‌السلام لاشتمالهما على دلائل وبراهين على إثبات الصانع تعالى ، ولا يضرُّ ارسالهما لاشتهار انتسابهما إلى المفضَّل ، وقد شهد بذلك السيّد ابن طاووس وغيره . (١) ولا ضعف محمّد بن سنان والمفضّل لأنّه في محلّ المنع بل يظهر من الأخبار

____________________________

(١) قال ابن طاووس في ص ٩ من كتابه كشف المحجة : وانظر كتاب المفضل بن عمر الذي أملاه عليه مولانا الصادق عليه السلام فيما خلق الله جل جلاله من الاثار ، وانظر كتاب الاهليلجة ومافيه من


٥٥
 &

الكثيرة علوّ قدرهما وجلالتهما ، مع أنّ متن الخبرين شاهدا صدق على صحّتهما ، (١) وأيضاً هما يشتملان على براهين لا تتوقّف إفادتها العلم على صحّة الخبر .

____________________________

* الاعتبار ، فان الاعتناء بقول سابق الانبياء والاوصياء والاولياء عليهم أفضل السلام موافق لفطرة العقول والاحلام . وقال في ص ٧٨ من كتابه الامان من أخطار الاسفار والازمان : ويصحب معه كتاب الاهليلجة وهو كتاب مناظرة مولانا الصادق عليه السلام الهندي في معرفة الله جل جلاله بطريق غريبة عجيبة ضرورية ، حتى أقر الهندي بالالهية والواحدانية ، ويصحب معه كتاب المفضل بن عمر الذي رواه عن الصادق عليه السلام في معرفة وجوه الحكمة في إنشاء العالم السفلى وأسراره ، فانه عجيب في معناه . أقول : وعدّ النجاشي من كتبه كتاب في بدء الخلق والحث على الاعتبار وصية المفضل ، وذكر طريقه إليه هكذا : أخبرني أبو عبد الله بن شاذان ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه ، عن عمران بن موسى ، عن ابراهيم بن هاشم ، عن محمد بن سنان ، عن المفضل . انتهى . ولعل المراد منه هو كتاب توحيده هذا .

(١) أما متن الخبر الاول المشتهر بتوحيد المفضل فهو مطابق لجل الاخبار المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام المطابقة لمعارف الكتاب العزيز وما يشتمل عليه من الادلة براهين تامّة لا غبار عليها . وأما خبر الاهليلجة فمحصل ما فيه إثبات حجية حكم العقل وعدم كفاية الحواس في الاحكام ، واثبات وجود الصانع من طريق السببية ، وإثبات وحدته من طريق اتصال التدبير وهذا لا شك فيه من جهة العقل ولا من جهة مطابقته لسائر النقل ، غير أنه مشتمل على تفاصيل لا شاهد عليها من النقل و العقل بل الامر بالعكس ، كاشتماله على كون علوم الهيئة وأحكام النجوم مستنداً إلى الوحي ، وكذا كون علم الطب والقرابادين مستندين إلى الوحي مستدلا بأن إنسانا واحداً لا يقدر على هذا التتبع العظيم والتجارب الوسيع . مع أن ذلك مستند الى أرصاد كثيرة ومحاسبات علمية وتجاربات ممتدة من امم مختلفة في أعصار وقرون طويلة تراكمت حتى تكونت في صورة فن أنتجه مجموع تلك المجاهدات العظيمة ، والدليل عليه أن النهضة الاخيرة سبكت على الهيئة والطب في قالب جديد أوسع من قالبهما القديم بما لا يقدّر من الوسعة ، ولا مستند له الا الارصاد والتجارب والمحاسبات العلمية ، وكذا ما هو مثلهما في الوسعة كالكيميا والطبيعيات وعلم النبات والحيوان وغير ذلك ، نعم من الممكن استناد أصلهما الى الوحي وبيان النبي .

ومما يشتمل عليه الخبر كون البحار باقية على حال واحدة دائماً من غير زيادة ونقيصة مع أن التغيرات الكلية فيها مما هو اليوم من الواضحات . على أن الكتاب والسنة يساعدانه أيضاً .

والذي أظنه ـ والله أعلم ـ أن أصل الخبر مما صدر عنه عليه السلام لكنه لم يخل عن تصرف المتصرفين فزادوا ونقصوا بما أخرجه عن استقامته الاصلية ، ويشهد على ذلك النسخ المختلفة العجيبة التي سينقلها المصنف رحمه الله فان النسخ يمكن أن تختلف بالكلمة والكلمتين والجلمة والجملتين لسهو من الراوي في ضبطه أو من الكاتب في استنساخه ، وأما بنحو الورقة والورقتين وخمسين سطراً ومائة سطر فمن المستبعد جداً ، الا أن يستند الى تصرف عمدي ، ومما يشهد على ذلك أيضاً الاندماج وعسر البيان الذي يشاهد في أوائل الخبر وأواسطه . والله أعلم . ط

٥٦
 &

( باب ٤ )

* ( الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر ) *

روى محمّد بن سنان قال : حدّثنا المفضّل بن عمر قال : كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر ، وأنا مفكّر فيما خصَّ الله به سيّدنا محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله من الشرف والفضائل ، وما منحه وأعطاه وشرَّفه به وحباه (١) ممّا لا يعرفه الجمهور من الاُمّة ، وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته وخطر مرتبته ، (٢) فإنّي لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء فجلس بحيث أسمع كلامه فلمّا استقرَّ به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه فتكلّم ابن أبي العوجاء فقال : لقد بلغ صاحب هذا القبر العزَّ بكماله ، وحاز الشرف بجميع خصاله ، ونال الحظوة في كلّ أحواله ، فقال له صاحبه : إنّه كان فيلسوفاً ادَّعى المرتبة العظمى والمنزلة الكبرى ، وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول ، وضلّت فيها الأحلام ، وغاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر فرجعت خاسئات وهي حسير ، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء دخل الناس في دينه أفواجاً فقرن اسمه باسم ناموسه ، فصار يهتف به على رؤوس الصوامع في جميع البلدان ، والمواضع الّتي انتهت إليها دعوته ، وعلت بها كلمته ، ظهرت فيها حجّته برّاً وبحراً وسهلاً وجبلاً في كلِّ يوم وليلة خمس مرّات ، مردّداً في الأذان والإقامة ليتجدَّد في كلِّ ساعة ذكره ، لئلّا يخمل أمره . فقال ابن أبي العوجاء : دع ذكر محمّد ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ فقد تحيَّر فيه عقلي ، وضلَّ في أمره فكري ، وحدِّثنا في ذكر الأصل الّذي يمشى به . ثمَّ ذكر ابتداء الأشياء وزعم أنَّ ذلك بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير ، ولا صانع له ولا مدبّر ، بل الأشياء تتكوَّن من ذاتها بلا مدبّر ، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال .

بيان : الحوز : الجمع وكلُّ من ضمَّ إلى نفسه شيئاً فقد حازه . والحظوة بالضمّ والكسر وللحاء المهملة والظاء المعجمة : المكانة والمنزلة . والفيلسوف : العالِم . وخسأ

____________________________

(١) أي أعطاه .

(٢) الخطر : الشرف وارتفاع القدر والمرتبة .

٥٧
 &

البصر أي كلَّ . والناموس : صاحب السرّ المطّلع على أمرك ، أو صاحب سرّ الخير ، و جبرئيل علیه‌السلام ، والحاذق ومن يلطف مدخله ، ذكرها الفيروزآباديُّ ، ومراده هنا الربُّ تعالى شأنه . وخمل ذكره : خفي . والخامل : الساقط الّذي لا نباهة له . وقوله : الّذي يمشى به أي يذهب إلى دين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وغيره بسببه ، أو يهتدى به كقوله تعالى : نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ . (١) وفي بعض النسخ « يسمى » إمّا بالتشديد أي يذكر اسمه ، أو بالتخفيف أي يرتفع الناس به ويدعون الانتساب إليه .

قال المفضّل : فلم أملك نفسي غضباً وغيظاً وحنقاً (٢) فقلت : يا عدوَّ الله ألحدت في دين الله ، وأنكرت الباري جلَّ قدسه الّذي خلقك في أحسن تقويم ، وصوَّرك في أتمّ صورة ، ونقلك في أحوالك حتّى بلغ بك إلى حيث انتهيت ، فلو تفكّرت في نفسك و صدقك لطيف حسّك لوجدت دلائل الربوبيّة وآثار الصنعة فيك قائمةً ، وشواهده ـ جلَّ وتقدَّس ـ في خلقك واضحةً ، وبراهينه لك لائحةً . فقال : يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك ، فإن ثبت لك حجّةٌ تبعناك ، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك ، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد الصادق فما هكذا يخاطبنا ، ولا بمثل دليلك يجادلنا ، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت ، فما أفحش في خطابنا ولا تعدّى في جوابنا ، وإنّه لَلحليم الرزين العاقل الرصين ، لا يعتريه (٣) خرق ولا طيش ولا نزق ، ويسمع كلامنا ويصغي إلينا ويستعرف حجّتنا حتّى استفرغنا ما عندنا وظننّا أنّا قد قطعناه أدحض حجّتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجّة ، ويقطع العذر ، ولا نستطيع لجوابه ردّاً ، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه .

بيان : وصدقك بالتخفيف أي قال لك صدقاً . لطيف حسّك أي حسُّك اللّطيف أي لم يلتبس على حسّك غرائب صنع الله فيك لمعاندتك للحقِّ ، وفي بعض النسخ حسنك فالمراد بصدق الحسن ظهور ما أخفى الله فيه منه على الناظر ، وعلى الوجهين يمكن أن يقرأ صدَّقك بالتشديد بتكلّف لا يخفى على المتأمّل . والرزين : الوقور ، والرصين بالصاد

____________________________

(١) الانعام : ١٢٢ .

(٢) الحنق : شدة الاغتياظ .

(٣) أي لا يصيبه .

٥٨
 &

المهملة : الحكم الثابت . والخرق بالضمّ : ضدّ الرفق . والنزق : الطيش والخفّة عند الغضب . وقوله : استفرغنا لعلّه من الإفراغ بمعنى الصبّ ، قال الفيروزآباديُّ : استفرغ مجهوده : بذل طاقته ، والإدحاض : الإبطال .

قال المفضّل : فخرجت من المسجد محزوناً مفكّراً فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها ، (١) فدخلت على مولاي صلوات الله عليه فرآني منكسراً ، فقال : ما لك ؟ فأخبرته بما سمعت من الدهريّين (٢) وبما رددت عليهما ، فقال : لاُلقينَّ إليك من حكمة الباري جلَّ وعلا وتقدَّس اسمه في خلق العالم والسباع والبهائم و الطير والهوامّ ، وكلّ ذي روح من الأنعام ، والنبات والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول من ذلك وغير المأكول ما يعتبر به المعتبرون ، ويسكن إلى معرفته المؤمنون ، ويتحيّر فيه الملحدون فبكّر عليَّ غداً .

قال المفضّل : فانصرفت من عنده فرِحاً مسروراً وطالت عليَّ تلك اللّيلة انتظاراً لما وعدني به ، فلمّا أصبحت غدوت فاستوذن لي فدخلت وقمت بين يديه ، فأمرني بالجلوس فجلست ، ثمَّ نهض إلى حجرة كان يخلو فيها ، فنهضت بنهوضه فقال : اتّبعني فتبعته فدخل ودخلت خلفه ، فجلس وجلست بين يديه ، فقال : يا مفضّل : كأنّي بك وقد طالت عليك هذه اللّيلة انتظاراً لما وعدتك ؟ فقلت : أجل يا مولاي ، فقال : يا مفضّل إنَّ الله كان ولا شيء قبله ، وهو باق ولا نهاية له ، فله الحمد على ما ألهمنا ، وله الشكر على ما منحنا ، وقد خصّنا من العلوم بأعلاها ومن المعالي بأسناها ، واصطفانا على جميع الخلق بعلمه ، وجعلنا مهيمنين عليهم بحكمه ، فقلت : يا مولاي أتأذن لي أن أكتب ما تشرحه ؟ ـ وكنت أعددت معي ما أكتب فيه ـ فقال لي : افعل .

بيان : أسناها أي أرفعها أو أضوأها . والمهيمن : الأمين والمؤتمن والشاهد .

يا مفضّل إنَّ الشكّاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة ، وقصرت أفهامهم عن تأمّل الصواب والحكمة ، فيما ذرأ (٣) الباري جلَّ قدسه وبرأ (٤) من صنوف خلقه في

____________________________

(١) العصابة : الجماعة من الرجال .

(٢) الدهري : الملحد القائل : بأن العالم موجود أزلا وأبداً ، لا صانع له .

(٣) أي خلق .

(٤) أي خلقه من العدم .

٥٩
 &

البرّ والبحر ، والسهل والوعر (١) فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود ، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود ، حتّى أنكروا خلق الأشياء وأدّعوا أنَّ كونها بالإهمال لا صنعة فيها ولا تقدير ، ولا حكمة من مدبّر ولا صانع ، تعالى الله عمّا يصفون ، وقاتلهم الله أنّى يؤفكون . فهم في ضلالهم وعماهم وتحيّرهم بمنزلة عميان دخلوا داراً قد بنيت أتقن بناء وأحسنه ، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره ، واُعدَّ فيها ضروب الأطعمة والأشربة و الملابس والمآرب (٢) الّتي يحتاج إليها لا يتسغنى عنها ، ووضع كلُّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير وحكمة من التدبير فجعلوا يتردَّدون فيها يميناً وشمالاً ويطوفون بيوتها إدباراً وإقبالاً ، محجوبةً أبصارهم عنها ، لا يبصرون بنية الدار (٣) وما اُعدَّ فيها ، وربّما عثر بعضهم بالشيء الّذي قد وضع موضعه واُعدَّ للحاجة إليه ، و هو جاهل بالمعنى فيه ولما اُعدَّ ولماذا جعل كذلك فتذمّر وتسخط وذمَّ الدار وبانيها فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة ، (٤) فإنّهم لمّا غربت (٥) أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى ، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته وصواب تهيئته ، و ربّما وقف بعضهم على الشيء لجهل سببه والإرب فيه فيسرع إلى ذمّه ووصفه بالإحالة والخطأ ، كالّذي أقدمت عليه المانويّة الكفرة ، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال ، المعلّلين أنفسهم بالمحال ، فيحقّ على من أنعم الله عليه بمعرفته وهداه لدينه ، ووفّقه لتأمّل التدبير في صنعة الخلائق ، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالّة على صانعها ، أن يكثر حمد الله مولاه على ذلك ، ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه فإنَّه جلَّ اسمه يقول : لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إنَّ عذابي لشديد .

____________________________

(١) وعر الارض : صلب وصعب السير فيه ، ضد السهل .

(٢) المآرب : الحوائج .

(٣) وفي نسخة : هيئة الدار .

(٤) وفي نسخة : إثبات الصنعة .

(٥) في نسخة عزبت ، وفي نسخة اخرى : غبت ، وفي ثالثة : وعرت .

٦٠