بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
الصفحات: ٣٤١
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠ الجزء ٣١ الجزء ٣٥ الجزء ٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨ الجزء ٣٩ الجزء ٤٠ الجزء ٤١ الجزء ٤٢ الجزء ٤٣ الجزء ٤٤ الجزء ٤٥ الجزء ٤٦ الجزء ٤٧ الجزء ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ الجزء ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ الجزء ٥٤ الجزء ٥٥ الجزء ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ الجزء ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ الجزء ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ الجزء ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ الجزء ٧٠ الجزء ٧١ الجزء ٧٢ الجزء ٧٣ الجزء ٧٤ الجزء ٧٥ الجزء ٧٦ الجزء ٧٧ الجزء ٧٨ الجزء ٧٩ الجزء ٨٠ الجزء ٨١ الجزء ٨٢ الجزء ٨٣ الجزء ٨٤ الجزء ٨٥ الجزء ٨٦ الجزء ٨٧ الجزء ٨٨ الجزء ٨٩ الجزء ٩٠ الجزء ٩١ الجزء ٩٢ الجزء ٩٣ الجزء ٩٤ الجزء ٩٥ الجزء ٩٦   الجزء ٩٧ الجزء ٩٨ الجزء ٩٩ الجزء ١٠٠ الجزء ١٠١ الجزء ١٠٢ الجزء ١٠٣ الجزء ١٠٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

بيان : الموفق : هو الّذي أعضاؤه موافقة لحسن الخلقة ؛ أو المستوي من قولهم : أوفقت الإبل : إذا اصطفت واستوت . وقيل : إنّه تصحيف الريق أي ذا البهجة والبهاء وقيل : هو تصحيف الموقّف ـ بتقديم القاف ـ بمعنى المزيّن ، فإنَّ الوقف سوار من عاج ، ووقّفت يديها بالحنّاء نقّطتها ، ويحتمل أن يكون تصحيف المونق . (١)

٣٤ ـ يد : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن سهل ، عن حمزة بن محمّد قال : كتبت إلى أبي الحسن عليه‌السلام أسأله عن الجسم والصورة فكتب عليه‌السلام : سبحان من ليس كمثله شيء لا جسم ولا صورة .

يد : العطّار ، عن أبيه ، عن سهل ، عن بعض أصحابه مثله .

يد : العطّار ، عن أبيه ، عن سهل ، عن حمزة بن محمّد إلى قوله : شيء .

أقول : رواه الكراجكيّ عن الحسين بن عبيد الله الواسطيّ ، عن التلعكبريّ ، عن الكلينيّ ، عن محمّد بن الحسن ، عن سهل .

٣٥ ـ يد : أبي ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن صفوان بن يحيى ، عن عليّ بن أبي حمزة (٢) قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أنَّ الله جلَّ وعزَّ جسمٌ صمديٌّ نوريٌّ ، معرفته ضرورة ، يمنّ بها على من يشاء من خلقه . فقال عليه‌السلام : سبحان من لا يعلم كيف هو إلّاهو ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، (٣) لا يحدّ ولا يحسّ ولا يجسّ ولا يمسّ ، ولا يدركه الحواسّ ، ولا يحيط به شيء لا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد .

بيان : معرفته ضرورة أي تقذف في القلب من غير اكتساب ، أو تحصل بالرويّة تعالى الله عن ذلك . وقد يأوّل كلامه بأنَّ مراده بالجسم الحقيقة العينيّة القائمة بذاتها لا بغيرها ، وبالصمديّ ما لا يكون خالياً في ذاته عن شيء فيستعدَّ أن يدخل هو فيه ، أو مشتملاً على شيء يصحّ عليه خروجه عنه ، وبالنوريّ ما يكون صافياً عن ظلم الموادّ و قابليّاتها بل عن الماهيّة المغائرة للوجود وقابليّاتها له .

____________________________

(١) المونق : الحسن المعجب .

(٢) هو البطائني الواقفي الضعيف ، وقد ورد أحاديث كثير في ذمه .

(٣) وفي نسخة : وهو السميع العليم .

٣٠١
 &

٣٦ ـ يد : الدقّاق ، عن محمّد الأسديّ ، عن البرمكيّ ، عن الحسين بن الحسن ، و الحسين بن عليّ ، عن صالح بن أبي حمّاد ، (١) عن بكر بن صالح ، (٢) عن الحسين بن سعيد ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن محمّد بن زياد قال : سمعت يونس بن ظبيان (٣) يقول : دخلت على أبي عبد الله عليه‌السلام فقلت له : أنَّ هشام بن الحكم يقول قولاً عظيماً إلّا أنّي أختصر لك منه أحرفاً ؛ يزعم أنَّ الله جسم لأنَّ الأشياء شيئان ، جسم ، وفعل الجسم ، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل . فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : ويله ! أما علم أنَّ الجسم محدودٌ متناه ، والصورة محدودةٌ متناهيةٌ ، فإذا احتمل الحدّ احتمل الزيادة والنقصان ، وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقاً . قال : قلت : فما أقول ؟ قال عليه‌السلام : لا جسم ولا صورة ، وهو مجسّم الأجسام ، ومصوّر الصور لم يتجزّأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص ؛ لو كان كما يقول لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ، ولا بين المنشىء والمنشأ ، لكنَّ هو المنشىء ، فرق بين من جسّمه وصوّره وأنشأه ، إذ كان لا يشبهه شيء ، ولا يشبه هو شيئاً .

ايضاح : استدلَّ عليه‌السلام على نفي جسميّته تعالى بأنّه لو كان جسماً لكان محدوداً بحدود متناهياً إليها ، لاستحالة لاتناهي الأبعاد ، وكلّ محتمل للحدّ قابل للانقسام بأجزاء متشاركة في الاسم والحدّ ، فله حقيقة كلّيّة غير متشخّصة بذاتها ولا موجودة بذاتها

____________________________

(١) قال النجاشي في ص ١٤٠ من رجاله : صالح بن أبي حمّاد أبو الخير الرازي ، واسم أبي الخير زاذويه ، لقى أبا الحسن العسكري عليه السلام وكان أمره ملبسا ، يعرف وينكر الخ اقول : و حكى عن ابن العضائري تضعيفه .

(٢) ضعفه النجاشي وابن الغضائري والعلامة وغيرهم .

(٣) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة : يونس ظبيان ـ بالظاء المعجمة المفتوحة ، والباء المنقطة تحتها نقطة ، قبل الياء والنون أخيراً ـ قال أبو عمرو الكشي : قال الفضل بن شاذان في بعض كتبه : الكذابون المشهورون : أبو الخطاب ، ويونس بن ظبيان ، ويزيد الصائغ ، ومحمد بن سنان ، وأبو سمينة أشهرهم ؛ وقال النجاشي : انه مولى ، ضعيف جدا ، لا يلتفت الى ما رواه ، كل كتبه تخليط ؛ قال ابن الغضائري : يونس بن ظبيان كوفي غال كذاب وضاع للحديث ، روى عن أبي عبد الله عليه السلام ، فانا لا أعتمد على روايته لقول هؤلاء المشايخ العظماء فيه .

٣٠٢
 &

أو هو مركّب من أجزاء حال كلّ واحد منها ما ذكر فيكون مخلوقاً ، أو بأنَّ كلَّ قابل للحدّ والنهاية قابلٌ للزيادة والنقصان لا يتأبّى عنهما في حدِّ ذاته ، وإن استقرَّ على حدّ معيّن فإنّما استقرَّ عليه من جهة جاعل . ثمَّ استدلّ عليه‌السلام بوجه آخر وهو ما يحكم به الوجدان من كون الموجد أعلى شأناً وأرفع قدراً من الموجَد ، وعدم المشابهة والمشاركة بينهما ، وإلّا فكيف يحتاج أحدهما إلى العلّة دون الآخر ؟ وكيف صار هذا موجداً لهذا بدون العكس ؟ ويحتمل أن يكون المراد عدم المشاركة والمشابهة فيما يوجب الاحتياج إلى العلّة فيحتاج إلى علّة اُخرى . قوله : فرق بصيغة المصدر أي الفرق حاصل بينه وبين من صوّره ؛ ويمكن أن يقرأ على الماضى المعلوم .

٣٧ ـ يد : عليُّ بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقيِّ ، عن أبيه ، عن جدِّه أحمد ، عن البزنطيّ ، عن محمّد بن حكيم قال : وصفت لأبي إبراهيم عليه‌السلام قول هشام الجواليقيّ ، وحكيت له قول هشام بن الحكم : إنّه جسم فقال : إنَّ الله لا يشبهه شيء ؛ أيّ فحش أو خناء أعظم من قول من يصف خالق الأشياء بجسم ، أو صورة ، أو بخلقة ، او بتحديد وأعضاء ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .

بيان : الخناء : الفحش في القول ، ويحتمل أن يكون الترديد من الرواي .

٣٨ ـ يد : ابن المتوكّل ، عن محمّد العطّار ، عن سهل ، عن محمّد بن عليِّ القاسانيّ قال : كتبت إليه عليه‌السلام : أنَّ من قبلنا قد اختلفوا في التوحيد . قال : فكتب عليه‌السلام : سبحان من لا يحدّ ولا يوصف ولا يشبه شيء ، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير .

٣٩ ـ يد : ماجيلويه ، عن محمّد العطّار ، عن الأشعريّ ، عن عمران بن موسى ، عن الحسن بن جريش الرازيّ ، عن بعض أصحابنا ، عن الطيّب ـ يعني عليّ بن محمّد ـ وعن أبي جعفر عليهما‌السلام أنّهما قالا : من قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة ولا تصلّوا وراءه .

٤٠ ـ نص : أبو المفضّل الشيبانيّ ، عن أحمد بن مطوّق بن سوار ، عن المغيرة بن محمّد بن المهلب ، عن عبد الغفّار بن كثير ، عن إبراهيم بن حميد ، عن أبي هاشم ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس قال . قدم يهوديٌّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ يقال له : نعثل ـ فقال : يا محمّد إنّي سائلك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين ، فإن أنت أجبتني عنها أسلمت على يدك

٣٠٣
 &

قال : سل يا أبا عمّارة . فقال : يا محمّد صف لي ربّك ، فقال عليه‌السلام : إنَّ الخالق لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه ، وكيف يوصف الخالق الّذي يعجز الحواسُّ أن تدركه ، و الأوهام أن تناله ، والخطرات أن تحدّه ، والأبصار عن الإحاطة به ، جلَّ عمّا يصفه الواصفون ، نأى في قربه ، وقرب في نأيه كيّف الكيفيّة فلا يقال له : كيف ، وأيّن الأين فلا يقال : له : أين ، هو منقطع الكيفوفيّة والأينونيّة ، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه والواصفون لا يبلغون نعته ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد .

قال : صدقت يا محمّد أخبرني عن قولك : إنّه واحد لا شبيه له ، أليس الله واحد والإنسان واحد ؟ فوحدانيّته اشبهت وحدانيّة الإنسان . فقال عليه‌السلام : الله واحد و وأحديّ المعنى ، والإنسان واحد ثنويّ المعنى ، جسم وعرض ، وبدن وروح ، فإنّما التشبيه في المعاني لا غير ، قال : صدقت يا محمّد .

٤١ ـ يد : ابن الوليد ، عن محمّد العطّار ، عن الأشعري ، عن محمّد بن عيسى ، عن هشام بن إبراهيم العبّاسيّ قال : قلت : له ـ يعني أبا الحسن عليه‌السلام ـ جعلت فداك أمرني بعض مواليك أن أسألك عن مسألة ، قال : ومن هو ؟ قلت : الحسن بن سهل قال : وفي أيّ شيء المسألة ؟ قلت : في التوحيد ، قال : وأيّ شيء من التوحيد ؟ قال : يسألك عن الله جسم أو لا جسم ؟ فقال لي : إنَّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب : إثبات بتشبيه ، ومذهب النفي ، ومذهب إثبات بلا تشبيه ، فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز ، ومذهب النفي لا يجوز ، والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه .

٤٢ ـ يد : ابن المتوكّل ، عن الحميريّ ، عن ابن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن يعقوب السرّاج قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّ بعض أصحابنا يزعم أنّ لله صورة مثل الإنسان وقال آخر إنّه في صورة أمرد جعد قطط ! فخرّ أبو عبد الله عليه‌السلام ساجداً ثمَّ رفع رأسه فقال : سبحان الله الّذي ليس كمثله شيء ، ولا تدركه الأبصار ، ولا يحيط به علم ، لم يلد لأنّ الولد يشبه أباه ، ولم يولد فيشبه من كان قبله ، ولم يكن له من خلقه كفواً أحد ، تعالى عن صفة من سواه علوّاً كبيراً .

بيان : الجعد : ضدّ السبط ، قال الجزريّ في صفة شعره عليه‌السلام : ليس بالسبط

ـ ١٩ ـ بحار الأنوار

٣٠٤
 &

ولا الجعد القطط ؛ السبط من الشعر : المنبسط المسترسل ، والقطط ، الشديدة الجعودة .

٤٣ ـ كش : محمّد بن مسعود ، عن عليّ بن محمّد القميّ ، عن البرقيّ ، عن محمّد بن موسى ابن عيسى ، (١) عن اسكيب بن أحمد الكيسانيّ ، (٢) عن عبد الملك بن هشام الخيّاط (٣) قال : قلت لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام أسألك جعلني الله فداك ؟ قال : سل يا جبليّ ، عمّا ذا تسألني ؟ فقلت : جعلت فداك زعم هشام بن سالم أنّ لله عزَّوجلَّ صورة ، وأنّ آدم خلق على مثال الربّ ، فيصف هذا ويصف هذا ـ وأومأت إلى جانبيَّ وشعر رأسي ـ وزعم يونس مولى آل يقطين وهشام بن الحكم أنَّ الله شيء لا كالأشياء ، وأنَّ الأشياء بائنة منه ، وأنّه بائن على من الأشياء ، وزعما أنَّ إثبات الشيء أن يقال : جسم ، فهو جسم لا كالأجسام ، شيء لا كالأشياء ، ثابت موجود غير مفقود ولا معدوم ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، فبأيّ القولين أقول ؟ قال : فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : أراد هذا الإثبات ، و هذا شبّه ربّه تعالى بمخلوق ، تعالى الله الّذي ليس له شبه ولا مثل ولا عدل ولا نظير ، ولا هو بصفة المخلوقين ، لا تقل بمثل ما قال هشام بن سالم ، وقل بما قال مولى آل يقطين وصاحبه . قال : فقلت : يعطى الزكاة من خالف هشاماً في التوحيد ؟ فقال برأسه : لا .

بيان : أراد هذا الإثبات أي يونس وهشام بن الحكم ، ولعلّه عليه‌السلام إنّما صوّب قولهما في المعنى لا في إطلاق لفظ الجسم عليه تعالى ، ويظهر ممّا زعما ، « من أنَّ إثبات الشيء أن يقال جسم » أنَّ مرادهم بالجسم أعمّ من المعنى المصطلح كما مرَّ .

____________________________

(١) الظاهر هو أبو جعفر السمان الهمداني الذي قال النجاشي في حقه : ضعفه القميون بالغلو وكان ابن الوليد يقول : إنه كان يضع الحديث والله أعلم . أقول : حكى عن ابن الغضائري أيضاً تضعيفه وأنه يروى عن الضعفاء ، ويجوز أن يخرج شاهداً ، تكلم القميون فيه بالردّ . واستثنوا من نوادر الحكمة ما رواه .

(٢) لم نجد له ذكراً في التراجم ، والموجود في الكشي : اسكيب بن عبدك الكيساني .

(٣) لم نجد له ذكراً في التراجم ، نعم قال صاحب تنقيح المقال : عبد الملك بن هشام الحناط . الجبلي روى عنه الكشي مسنداً عنه عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام رواية تأتي في هشام بن سالم يظهر منها كونه من الشيعة المتدينين ، بل يستشم من مجموع الرواية كونه مورد لطف الرضا عليه السلام فلاحظ وتدبر . انتهى . أقول : وأنت ترى أن الرواية خالية عما ذكره رحمه الله .

٣٠٥
 &

٤٤ ـ يد : ماجيلويه ، عن عمّه ، عن محمّد بن عليّ الصيرفيّ ، عن عليّ بن حمّاد ، عن المفضّل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إنّ الله تبارك وتعالى لا يقدَّر قدرته ولا يقدر العباد على صفته ، ولا يبلغون كنه علمه ، ولا مبلغ عظمته ، وليس شيء غيره ، وهو نورٌ ليس فيه ظلمةٌ ، وصدقٌ ليس فيه كذب ، وعدلٌ ليس فيه جورٌ ، وحقٌّ ليس فيه باطلٌ ، كذلك لم يزل ولا يزال أبد الآبدين ، وكذلك كان إذ لم تكن أرضٌ ولا سماءٌ ، ولا ليلٌ ولا نهارٌ ، ولا شمسٌ ولا قمرٌ ، ولا نجومٌ ولا سحابٌ ، ولا مطرٌ ولا رياحٌ ، ثمَّ إنَّ الله تبارك و تعالى أحبّ أن يخلق خلقاً يعظّمون عظمته ، ويكبّرون كبرياءه ، ويُجلّون جلاله ، فقال : كونا ظلّين ، فكانا كما قال الله تبارك وتعالى .

قال الصدوق رحمه الله : معنى قوله : هو نور أي هو منير وهاد ، ومعنى قوله : كونا ظلّين الروح المقدّس والملك المقرّب ، والمراد به أنَّ الله كان ولا شيء معه فأراد أن يخلق أنبياءه وحججه وشهداءه فخلق قبلهم الروح المقدّس ، وهو الّذي يؤيّد الله عزَّ وجلَّ به أنبياءه وشهداءه وحججه صلوات الله عليهم ، وهو الّذي يحرسهم به من كيد الشيطان ووسواسه ، ويسدّدهم ويوفّقهم ويمدّهم بالخواطر الصادقة ، ثمَّ خلق الروح الأمين الّذي نزل على أنبيائه بالوحي منه عزَّوجلَّ وقال لهما : كونا ظلّين ظليلين لأنبيائي ورسلي وحججي وشهدائي ، فكانا كما قال الله عزَّوجلَّ ظلّين ظليلين لأنبيائه و رسله وحججه وشهدائه ، يعينهم بهما ، وينصرهم على أيديهما ، ويحرسهم بهما ، وعلى هذا المعنى قيل للسلطان العادل : إنّه ظلّ الله في أرضه لعباده ، يأوى إليه المظلوم ، ويأمن به الخائف الوجل ، ويأمن به السبل ، وينتصر به الضعيف من القويّ ، (١) وهذا هو سلطان الله وحجّته الّتي لا تخلو الأرض منه إلى أن تقوم الساعة . (٢)

____________________________

(١) وفي نسخة : وينتصف به الضعيف من القوي .

(٢) ما ذكره الصدوق رحمه الله وما أورده المصنف في البيان لا ينطبق شيء منهما على فقرات الرواية ، والذي يظهر من الروايات الواردة في هذا اللسان أن المراد بقوله : ليس شيء غيره : انّه الشيء بحقيقة الشيئية والوجود كما يؤيده الفقرات التاليات . والمراد بالظلين : العالمين العلوي والسفلى وهو المعنى المناسب لقوله : ليس شيء غيره . ط

٣٠٦
 &

بيان : قوله عليه‌السلام : وليس شيء غيره أي كذلك ، أو كان كذلك حين لا شيء غيره ، ويحتمل اتّصاله بما بعده أي هو متّصف بتلك الأوصاف المذكورة بعد ذلك لا شيء غيره . وقوله عليه‌السلام : كونا ظلّين يحتمل أن يكون إشارة إلى خلق أرواح الثقلين ، فإنّ الظلال تطلق على عالم الأرواح في الأخبار كما سيأتي ، أو إلى الملائكة وأرواح البشر ، أو إلى نور محمّد وعليّ صلوات الله عليهما ، أو نور محمّد ونور أهل بيته عليهم‌السلام ، ويؤيّده ما سيأتي في باب بدء خلق أرواح الأئمّة عليهم‌السلام عن جابر عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : كان الله ولا شيء غيره ، فأوَّل ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمّداً وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته ، فأوقفنا أظلّة خضراء بين يديه ، حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ، ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر الخبر . وعن صفوان ، عن الصادق عليه‌السلام قال : لمّا خلق الله السماوات والأرضين استوى على العرش فأمر نورين من نوره فطافا حول العرش سبعين مرّة ، فقال عزَّوجلَّ ، هذان نوران لي مطيعان ، فخلق الله من ذلك النور محمّداً وعليّاً والأصفياء من ولده عليهم‌السلام . وعن الثماليّ قال : دخلت حبابة الوالبيّة (١) على أبي جعفر عليه‌السلام فقالت : أخبرني يا ابن رسول الله أيّ شيء كنتم في الأظلّة ؟ فقال عليه‌السلام : كنّا نوراً بين يدي الله قبل خلق خلقه . الخبر .

ويحتمل أن يكون المراد بهما مادّتي السماء والأرض .

٤٥ ـ فس : أبي ، عن البزنطيّ ، عن الرضا عليه‌السلام قال : قال لي : يا أحمد ما الخلاف بينكم وبين أصحاب هشام بن الحكم في التوحيد ؟ فقلت : جعلت فداك قلنا نحن بالصورة للحديث الّذي روي أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رأى ربّه في صورة شابّ ! فقال هشام ابن الحكم بالنفي بالجسم . فقال : يا أحمد إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا اُسري به إلى السماء وبلغ عند سدرة المنتهى خرق له في الحجب مثل سمّ الابرة فرأى من نور العظمة ما شاء الله أن يرى ، وأردتم أنتم التشبيه ، دع هذا يا أحمد لا ينفتح عليك منه أمر عظيم .

بيان : بالنفي أي نفي الصورة مع القول بالجسم ، والمراد بالحجب إمّا الحجب المعنويّة وبالرؤية الرؤية القلبيّة ، أو الحجب الصوريّة ، فالمراد بنور العظمة آثار عظمته برؤية عجائب خلقه .

____________________________

(١) الحبابة بفتح الحاء وتخفيف الباء .

٣٠٧
 &

٤٦ ـ سن : محمّد بن عيسى ، عن أبي هاشم الجعفريّ قال : أخبرني الأشعث بن حاتم أنّه سأل الرضا عليه‌السلام عن شيء من التوحيد فقال : ألا تقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : اقرأ : لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ . فقرأت فقال : وما الأبصار ؟ قلت : أبصار العين قال : لا إنّما عنى الأوهام ، لا تدرك الأوهام كيفيّته وهو يدرك كلّ فهم .

سن : محمّد بن عيسى ، عن أبي هاشم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام نحوه ، إلّا أنّه قال : الأبصار ههنا أوهام العباد ، والأوهام أكثر من الأبصار ، وهو يدرك الأوهام ولا تدركه الأوهام .

بيان : كون الأوهام أكثر لأنّ البصر في الشخص متّحد ، وله واهمة ومتفكّرة و متخيّلة وعاقلة ، وكثيراً ما يسلب عن الشخص البصر وتكون له تلك القوى ، ويحتمل أن يكون المراد بها أكثريّة مدركاتها فإنّها تدرك ما لا يدركه البصر أيضاً .

٤٧ ـ شى : عن الثماليّ ، عن عليّ بن الحسين عليهما‌السلام قال : سمعته يقول : لا يوصف الله بمحكم وحيه ، عظم ربّنا عن الصفة ، وكيف يوصف من لا يحدُّ ، وهو يدرك الأبصار و لا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير .

بيان : أي دلّ محكم الآيات على أنّه لا يوصف كقوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » وقوله : « لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ » .

أقول : قد مرَّ كثير من الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب إثبات الصانع ، و باب النهي عن التفكّر ، وسيأتي بعضها في باب جوامع التوحيد ، وباب احتجاج أمير المؤمنين عليه‌السلام على النصارى ، وباب الرؤية .

____________________________

٣٠٨
 &

( باب ١٤ )

* ( نفي الزمان والمكان والحركة والانتقال عنه تعالى ) *

* ( وتأويل الايات والاخبار في ذلك ) *

١ ـ لى : السنانيّ ، عن الأسديّ ، عن النخعيّ ، عن عمّه النوفليّ ، عن عليّ بن سالم عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام قال : إنَّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون ؛ بل هو خالق الزمان والمكان والحركة و السكون والانتقال ، تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً .

٢ ـ شا ، ج : روى أنَّ بعض أحبار اليهود جاء إلى أبي بكر فقال له : أنت خليفة رسول الله على الاُمّة ؟ (١) فقال : نعم ، فقال : إنّا نجد في التورية أنَّ خلفاء الأنبياء أعلم اُممهم ، فخبّرني عن الله أين هو ؟ في السماء هو أم في الأرض ؟ فقال له أبو بكر : في السماء على العرش ، قال اليهوديُّ : فأرى الأرض خاليةً منه ، فأراه على هذا القول في مكان دون مكان ! فقال له أبو بكر : هذا كلام الزنادقة ، اعزب عنّي وإلّا قتلتك ؛ فولّى الرجل متعجّباً يستهزىء بالإسلام ، فاستقبله أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له : يا يهوديّ قد عرفت ما سألت عنه وما اُجبت به وإنّا نقول : إنَّ الله عزَّ وجلَّ أيّن الأين فلا أين له ، وجلَّ من أن يحويه مكان ، وهو في كلّ مكان بغير مماسّة ولا مجاورة ، يحيط علماً بما فيها ، ولا يخلو شيء من تدبيره تعالى ، وإنّي مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم ، يصدّق بما ذكرته لك فإن عرفته أتؤمن به ؟ قال اليهوديّ : نعم ، قال : ألستم تجدون في بعض كتبكم أنَّ موسى بن عمران كان ذات يوم جالساً . إذ جاءه ملك من المشرق فقال له : من أين جئت ؟ قال : من عند الله عزَّوجلَّ ، ثمَّ جاءه ملك من المغرب فقال له : من أين جئت ؟ قال : من عند الله عزَّوجلَّ ، ثمَّ جاءه ملك آخر ، فقال له : من أين جئت ؟ قال : قد جئتك من السماء السابعة من عند الله عزَّوجلَّ ، وجاءه ملك آخر فقال : من أين جئت ؟ قال : قد جئتك من الأرض السابعة السفلى من عند الله عزَّوجلَّ ، فقال موسى عليه‌السلام : سبحان

____________________________

(١) في نسخة : أنت خليفة رسول هذه الامة .

٣٠٩
 &

من لا يخلو منه مكان ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان ؛ فقال اليهوديّ : أشهد أنَّ هذا هو الحقُّ المبين ، وأنّك أحقّ بمقام نبيّك ممّن استولى عليه .

بيان : عزب عنه يعزِب ويعزُب أي بعد وغاب ، وفسّر عليه‌السلام قوله : وهو في كلّ مكان بما ذكره بعده ليظهر أنَّ المراد به الإحاطة بالعلم والتدبير .

٣ ـ شا ، ج : روى الشعبيّ أنّه سمع أمير المؤمنين عليه‌السلام رجلاً يقول : والّذي احتجب بسبع طباق ؛ فعلاه بالدرّة ، (١) ثمَّ قال له : يا ويلك إنّ الله أجلّ من أن يحتجب عن شيء ، أو يحتجب عنه شيء سبحان الّذي لا يحويه مكان ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ؛ فقال الرجل : أفاُكفّر عن يميني يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا لم تحلف بالله فيلزمك الكفّارة (٢) وإنّما حلفت بغيره .

٤ ـ ج : في جواب اسؤلة الزنديق المنكر للقرآن عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال : معنى قوله : « هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ » فإنّما خاطب نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله هل ينتظر المنافقون والمشركون إلّا أن تأتيهم الملائكة فيعاينوهم ، أو يأتي ربّك ، أو يأتي بعض آيات ربّك ؟ يعني بذلك أمر ربّك ، والآية هي العذاب في دار الدنيا كما عذّب الاُمم السالفة ، والقرون الخالية ، وقال : « أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا » يعنى بذلك ما يهلك من القرون فسمّاه إتياناً ، و قوله : « الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ » يعني استوى تدبيره وعلا أمره ، وقوله : « وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَـٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَـٰهٌ » وقوله : « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ » وقوله : « مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ » فإنّما أراد بذلك استيلاء اُمنائه بالقدرة الّتي ركّبها فيهم على جميع خلقه ، وأنَّ فعلهم فعله . الخبر .

يد : في هذا الخبر : وقال في آية اُخرى : « فَأَتَاهُمُ اللَّـهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا » يعني أرسل عليهم عذاباً ، وكذلك إتيانه بنيانهم ؛ وقال الله عزَّوجلَّ : « فَأَتَى اللَّـهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ » فإتيانه بنيانهم من القواعد إرسال العذاب .

____________________________

(١) الدرة بكسر الدال وتشديد الراء : السوط .

(٢) في شا : فيلزمك الكفارة كفارة الحنت .

٣١٠
 &

تبيان : قال البيضاويّ : هل ينظرون أي ما ينتظرون يعني أهل مكّة وهم ما كانوا منتظرين لذلك ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبّهوا بالمنتظرين . إلّا أن تأتيهم الملائكة ملائكة الموت أو العذاب . أو يأتي ربّك أي أمره بالعذاب ، أو كلّ آية يعني آيات القيامة والهلاك الكلّي لقوله : « أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ » يعني أشراط الساعة . (١)

أقول : لعلّه عليه‌السلام فسّر إتيان الربّ بالقيامة ، وإتيان أمره تعالى بقيامها ، وإتيان بعض الآيات بنزول العذاب في الدنيا ، وإتيان الملائكة بظهورهم عند الموت ، أو الأعمّ منه ومن غيره .

وقال الطبرسيّ رحمه الله أولم يروا أنّا نأتي الأرض أي نقصدها . ننقصها من أطرافها اختلف في معناه على أقوال : أحدها : أولم ير هؤلاء الكفّار أنّا ننقص أطراف الأرض بإماتة أهلها . وثانيها : ننقصها بذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها . وثالثها : أنَّ المراد نقصد الأرض ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين منها فننقص من أهل الكفر ونزيد في المسلمين ، يعني ما دخل في الإسلام من بلاد الشرك . ورابعها : أنَّ معناه أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الخراب بعد العمارة ، والموت بعد الحياة ، والنقصان بعد الزيادة انتهى .

وأمّا ما ذكره عليه‌السلام أخيراً في الخبر الأوَّل فالظاهر تعلّقه بالثلاثة الأخيرة ، فالمراد بالاُولى نفوذ أمره تعالى في السماء والأرض ، وخلقه الملائكة والحجج فيهما ، وإنفاذهم أمره تعالى فيهما ، وبالثانية كون الملائكة والحجج معهم شاهدين عليهم ، وكذا الثالثة .

٥ ـ ج : عن يعقوب بن جعفر الجعفريّ ، عن أبي إبراهيم موسى عليه‌السلام قال : ذكر عنده قوم زعموا أنَّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا ؛ فقال : إنَّ الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل ، إنّما منظره في القرب والبعد سواء ، لم يبعد منه قريب ، ولم يقرب منه بعيد ، ولم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه ، وهو ذو الطول لا إله إلّا هو العزيز الحكيم ؛ أمّا قول الواصفين : إنّه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة ، وكلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به فمن ظنّ الله الظنون

____________________________

(١) أشراط الساعة : علائمها .

٣١١
 &

فقد هلك وأهلك ، فاحذورا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ من نقص أو زيادة ، أو تحريك أو تحرّك ، أو زال أو استنزال ، أو نهوض أو قعود فإنَّ الله عزَّوجلَّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهّم المتوهّمين .

يد : الدقّاق : عن الأسديّ ، عن البرمكيّ ، عن عليّ بن عيّاش ، عن الحسن بن راشد ، عن يعقوب بن جعفر الجعفريّ مثله . وزاد في آخره : وتوكّل على العزيز الرحيم الّذي يراك حين تقوم وتقلّبك في الساجدين .

بيان : إنّما منظره أي نظره وعلمه وإحاطته ، بأن يكون مصدراً ميميّاً ، أو ما ينظر إليه في القرب والبعد منه سواء أي لا يختلف اطّلاعه على الأشياء بالقرب والبعد لأنَّ القرب والبعد إنّما يجريان في المكانيّ بالنسبة إلى المكان ، وهو سبحانه متعال عن المكان . والطول : الفضل والإنعام .

قوله : فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أي النزول المكانيّ إنّما يتصوّر في المتحيّز ، وكلّ متحيّز موصوف بالتقدّر ، وكلّ متقدّر متّصف بالنقص عمّا هو أزيد منه ، وبالزيادة على ما هو أنقص منه ، أو يكون في نفسه قابلاً للزيادة والنقصان ، والوجوب الذاتيّ ينافي ذلك ، لاستلزامه التجزّي والانقسام المستلزمين للإمكان ؛ وأيضاً كلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به لأنَّ المتحرّك إمّا جسم أو متعلّق بالجسم ، والجسم المتحرّك لا بدّ له من محرّك لأنّه ليس يتحرّك بجمسيّته ، والمتعلّق بالجسم لا بدّ له في تحركه من جسم يتحرّك به ، وهو سبحانه منزّه عن الاحتياج إلى المتحرّك ، وعن التغيّر بمغيّر ، وعن التعلّق بجسم يتحرّك به ؛ ويحتمل أن يكون المراد بالأوَّل الحركة القسريّة ، وبالثاني ما يشمل الإراديّة والطبيعيّة ، بأن يكون المراد بقوله : من يتحرّك به ما يتحرّك به من طبيعة أو نفس .

وقوله : من أن تقفوا من وقف يقف أي أن تقوموا في الوصف له وتوصيفه على حدّ فتحدُّونه بنقص أو زيادة ؛ ويحتمل أن يكون من قفا يقفو أي أن تتّبعوا له في البحث عن صفاته تتبّعاً على حدّ تحدُّونه بنقص أو زيادة . وقوله : حين تقوم أي إلى التهجّد أو إلى الخيرات أو إلى الاُمور كلّها ، وتقلّبك في الساجدين أي تردّدك وحركاتك فيما بين المصلّين بالقيام والعقود والركوع والسجود .

٣١٢
 &

٦ ـ ج : عن يعقوب بن جعفر الجعفريّ قال سأل رجل ـ يقال له : عبد الغفّار السلميّ ـ أبا إبراهيم موسى بن جعفر عليه‌السلام عن قول الله تعالى : « ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ » فقال : أرى ههنا خروجاً من حجب وتدلّياً إلى الأرض ، وأرى محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله رأى ربّه بقلبه ونسب إلى بصره وكيف هذا ؟ فقال أبو إبراهيم عليه‌السلام : دنى فتدلّى ، فإنّه لم يدلّ عن موضع ، ولم يتدلَّ ببدن . فقال عبد الغفّار : أصفه بما وصف به نفسه حيث قال : دنى فتدلّى فلم يتدلّ عن مجلسه إلّا قد زال عنه ، ولولا ذلك لم يصف بذلك نفسه . فقال أبو إبراهيم عليه‌السلام : إنَّ هذه لغة في قريش إذا أراد الرجل منهم أن يقول : « قد سمعت » يقول : قد تدلّيت ، وإنّما التدلّي : الفهم .

بيان : التدلّي : القرب ، والنزول من علو ، والامتداد إلى جهة السفل ، ويكون من التدلّل بمعنى الغنج ؛ وما ذكره عليه‌السلام أنَّ المراد به الفهم فهو على المجاز لأنَّ من يريد فهم شيء يتدلّي إلى القائل ليسمعه ويفهمه . ثمَّ اعلم أنّه قد اختلف في تفسير هذه الآية على وجوه. :

الاول : أن تكون الضمائر راجعة إلى جبرئيل عليه‌السلام ، فالمعنى : وهو أي جبرئيل بالاُفق الأعلى « اُفق السماء » ثمَّ دنى من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فتدلّى أي تعلّق به ، وهو تمثيل لعروجه بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو تدلّى من الاُفق الأعلى فدنى من الرسول ، فيكون إشعاراً بأنّه عرج به غير منفصل عن محلّه وتقريراً لشدّة قوّته ، وقيل : المعنى : قرب فاشتدّ قربه ، فكان البعد بينهما قاب قوسين أي قدرهما أو أدنى ، والمقصود ملكة الاتّصال و تحقيق استماعه لما اُوحي إليه بنفي البعد الملبّس .

الثاني : أن تكون الضمائر راجعة إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله أي ثم دنى محمّد من الخلق والاُمّة ، وصار كواحد منهم فتدلّى إليهم بالقول اللّيّن والدعاء الرفيق فالحاصل أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله استوى وكمل فدنى من الخلق بعد علوّه وتدلّى إليهم وبلّغ الرسالة .

الثالث : أن تكون الضمائر راجعة إلى الله تعالى ، فيكون دنوّه كناية عن رفع مكانته ، وتدلّيه عن جذبه بشراشره إلى جناب القدس ، والحاصل أنّه مؤوَّل بالدنوّ المعنويّ ، والتقرّب والمعرفة واللّطف ، على ما يؤوّل حديث « من تقرَّب إليَّ شبراً تقرّبت

٣١٣
 &

إليه ذراعاً » وقيل : الدنوّ منه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو كناية عن عظم قدره حيث انتهى إلى حيث لم ينته إليه أحد ، والتدلّي منه تعالى كناية عن غاية لطفه ورحمته .

٧ ـ لى ، يد ، ن : الدقّاق ، عن الصوفيّ ، عن الرويانيّ ، عن عبد العظيم الحسنيّ ، عن إبراهيم بن أبي محمود قال : قلت للرضا عليه‌السلام : يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الّذي يرويه الناس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ أنّه قال : إنَّ الله تبارك وتعالى ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا . فقال عليه‌السلام : لعن الله المحرّفين للكلم عن مواضعه ، والله ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : كذلك إنّما قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنَّ الله تبارك وتعالى يُنزل ملكاً إلى السماء الدنيا كلَّ ليلة في الثلث الأخير ، وليلة الجمعة في أوّل اللّيل فيأمره فينادي : هل من سائل فاُعطيه ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستعغفر فأغفر له ؟ يا طالب الخير أقبل ، يا طالب الشرّ أقصر ؛ فلا يزال ينادي بهذا إلى أن يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر عاد إلى محلّه من ملكوت السماء . (١) حدّثني بذلك أبي ، عن جدّي ، عن آبائه ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ج : مرسلاً مثله .

بيان : الظاهر أنَّ مراده عليه‌السلام تحريفهم لفظ الخبر ، ويحتمل أن يكون المراد تحريفهم معناه بأن يكون المراد بنزوله تعالى إنزال ملائكته مجازاً .

ع : السنانيّ والدقّاق والمكتب والورّاق ، عن الأسديّ مثله .

٨ ـ لى : السنانيّ ، عن الأسديّ ، عن النخعيّ ، عن النوفليّ ، عن عليّ بن سالم ، عن أبيه ، عن ثابت بن دينار قال : سألت زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ ، بن أبي طالب عليهم‌السلام عن الله جلَّ جلاله هل يوصف بمكان ؟ فقال : تعالى الله عن ذلك . قلت : فلمَ أسرى نبيّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى السماء ؟ قال : ليريه ملكوت السماء وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه . قلت : فقول الله عزَّوجلَّ : « ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ » قال : ذاك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دنى من حجب النور فرأى ملكوت السماوات ، ثمَّ تدلّى صلى‌الله‌عليه‌وآله فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتّى ظنّ أنّه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى .

____________________________

(١) الملكوت : الملك العظيم ، العز والسلطان . والملكوت السماوي : هو محل القديسين في السماء .

٣١٤
 &

٩ ـ فس : أبي ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إنَّ الربَّ تبارك وتعالى ينزل كلّ ليلة جمعة إلى السماء الدنيا من أوّل اللّيل ، وفي كلّ ليلة في الثلث الأخير ، وأمامه ملك ينادي : هل من تائب يتاب عليه ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ هل من سائل فيعطى سؤله ؟ اللّهم أعط كلّ منفق خلفاً (١) وكلّ ممسك تلفاً ؛ فإذا طلع الفجر عاد الربّ إلى عرشه فيقسّم الأرزاق بين العباد . ثمَّ قال للفضيل بن يسار : يا فضيل نصيبك من ذلك وهو قول الله : « وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ » إلى قوله : « أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ » .

بيان : نزوله تعالى كنايةٌ عن تنزّله عن عرش العظمة والجلال ، وأنَّه مع غنائه عنهم من جميع الوجوه يخاطبهم بما يخاطب به من يحتاج إلى غيره تلطّفاً وتكرُّماً ، و عوده إلى عرشه عن توجّهه تعالى إلى شؤون آخر يفعله الملوك إذا تمكّنوا على عرشهم . قوله عليه‌السلام : نصيبك أي خذ نصيبك من هذا الخير ولا تغفل عنه .

١٠ ـ ع : المكتب والورّاق والهمدانيّ ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن يحيى بن أبي عمران ، وصالح بن السنديّ ، عن يونس بن عبد الرحمن قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليهما‌السلام : لأيّ علّة عرج الله بنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى السماء ، ومنها إلى سدرة المنتهى ، ومنها إلى حجب النور ، وخاطبه وناجاه هناك والله لا يوصف بمكان ؟ فقال عليه‌السلام : إنَّ الله لا يوصف بمكان ، ولا يجري عليه زمان ، ولكنّه عزَّوجلَّ أراد أن يشرِّف به ملائكته وسكّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته ، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه ، وليس ذلك على ما يقوله المشبّهون ، سبحان الله وتعالى عمّا يصفون .

يد : عليّ بن الحسين بن الصلت ، عن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الصلت ، عن عمّه عبد الله ابن الصلت ، عن يونس مثله .

١١ ـ ع : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن مالك بن عيينة (٢) عن حبيب السجستانيّ قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن قوله عزَّو جلَّ : « ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَى » فقال لي : يا حبيب لا تقرأ هكذا

____________________________

(١) الخلف : البدل والعوض .

(٢) لم نجد له ذكراً في التراجم .

٣١٥
 &

اقرأ : ثمَّ دنى فتدانا فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى الله إلى عبده يعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما أوحى ؛ يا حبيب إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا فتح مكّة أتعب نفسه في عبادة الله عزَّوجلَّ والشكر لنعمه في الطواف بالبيت وكان عليٌّ عليه‌السلام معه فلمّا غشيهم اللّيل انطلقا إلى الصفا والمروة يريدان السعي ، قال : فلمّا هبطا من الصفا إلى المروة وصارا في الوادي دون العلم الّذي رأيت غشيهما من السماء نور فأضاءت لهما جبال مكّة ، وخسأت أبصارهما ، (١) قال : ففزعا لذلك فزعاً شديداً ، قال : فمضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى ارتفع من الوادي ، وتبعه عليٌّ عليه‌السلام فرفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رأسه إلى السماء فإذا هو برمّانتين على رأسه ، قال : فتناولهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأوحى الله عزَّوجلَّ إلى محمّد : يا محمّد إنّها من قطف الجنّة فلا يأكل منها إلّا أنت ووصيّك علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، قال : فأكل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إحديهما ، وأكل عليٌّ عليه‌السلام الاُخرى ثمَّ أوحى الله عزَّوجلَّ إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ما أوحى . قال أبو جعفر عليه‌السلام : يا حبيب « وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ » يعني عندها وافا به جبرئيل حين صعد إلى السماء ، قال : فلمّا انتهى إلى محلّ السدرة وقف جبرئيل دونها وقال : يا محمّد إنّ هذا موقفي الّذي وضعني الله عزَّ وجلَّ فيه ، ولن أقدر على أن أتقدّمه ، ولكن امض أنت أمامك إلى السدرة ، فوقف عندها ؛ قال : فتقدّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى السدرة وتخلّف جبرئيل عليه‌السلام ، قال أبو جعفر عليه‌السلام : إنّما سمّيت سدرة المنتهى لأنّ أعمال أهل الأرض تصعد بها الملائكة الحفظة إلى محلّ السدرة ، و الحفظة الكرام البررة دون السدرة يكتبون ما ترفع إليهم الملائكة من أعمال العباد في الأرض ، قال : فينتهون بها إلى محلّ السدرة ، قال : فنظر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فرأى أغصانها تحت العرش وحوله ، قال : فتجلّى لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله نور الجبّار عزَّ وجلَّ ، فلمّا غشي محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله النور شخص ببصره ، وارتعدت فرائصه ، قال : فشدَّ الله عزَّوجلَّ لمحمّد قلبه و قوّى له بصره حتّى رأى من آيات ربّه ما رأى ، وذلك قول الله عزَّوجلَّ : « وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ » قال يعني الموافاة ، قال : فرأى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ما رأى ببصره من آيات ربّه الكبرى ، يعني أكبر الآيات .

قال أبو جعفر عليه‌السلام : وإنَّ غلظ السدرة بمسيرة مائة عام من أيّام الدنيا ، وإنّ

____________________________

(١) خسأ البصر : كل وأعيا .

٣١٦
 &

الورقة منها تغطّي أهل الدنيا ، وإنّ لله عزَّوجلَّ ملائكة وكلهم بنبات الأرض من الشجر والنخل فليس من شجرة ولا نخلة إلّا ومعها من الله عزَّوجلَّ ملك يحفظها وما كان فيها ولولا أنّ معها من يمنعها لأكلها السباع وهو امُّ الأرض إذا كان فيها ثمرها ، قال : و إنّما نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يضرب أحد من المسلمين خلاه تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت لمكان الملائكة الموكّلين بها ، قال : ولذلك يكون الشجر والنخل إنساً إذا كان فيه حمله ، (١) لأنّ الملائكة تحضره .

إيضاح : القطف بالكسر : اسم للثمار المقطوعة من اُصولها . وشخوص البصر : فتحه بحيث لا يطرف . والفريصة : ودج العنق واللّحمة بين الجنب والكتف لاتزال ترعد .

١٢ ـ فس : قوله : وهو بالاُفق الأعلى يعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمَّ دنى يعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من ربّه عزَّوجلَّ فتدلّى ، قال : إنّما اُنزلت « ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ » قال : كان من الله كما بين مقبض القوس إلى رأس السية أو أدنى ، (٢) قال : بل أدنى من ذلك ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، قال : وحي المشافهة .

تبيين : قال الجوهريّ تقول : بينهما قاب قوس : وقيب قوس ، وقاد قوس ، وقيد قوس أي قدر قوس ، والقاب ما بين المقبض والسية ، ولكلّ قوس قابان . وقال بعضهم في قوله تعالى : « فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ » أراد قابي قوس فغلبه .

١٣ ـ ل : في مسائل اليهوديّ عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال له : فربّك يَحمل أو يُحمل ؟ قال : إنَّ ربّي عزَّوجلَّ يحمل كلَّ شيء بقدرته ، ولا يحمله شيء . قال : فكيف قوله عزَّوجلَّ : « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ » ؟ قال : يا يهوديّ ألم تعلم أنَّ لله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، فكلّ شيء على الثرى ، والثرى على القدرة ، والقدرة تحمل كلّ شيء . الخبر .

١٤ ـ يد ، ن : تميم القرشيّ ، عن أبيه ، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ ، عن الهرويّ قال : سأل المأمون أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام عن قول الله عزَّوجلَّ : « وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً »

____________________________

(١) وفي نسخة : ولذلك يكون للشجر والنخل اُنساً إذا كان فيه حمله .

(٢) سية القوس بكسر السين : ما عطف من طرفيها .

٣١٧
 &

فقال : إنَّ الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض ، وكانت الملائكة تستدلّ بأنفسها وبالعرش والماء على الله عزَّوجلَّ ، ثمَّ جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فتعلم أنّه على كلّ شيء قدير ، ثمَّ رفع العرش بقدرته ونقله ، وجعله فوق السماوات السبع ، ثمَّ خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام وهو مستول على عرشه ، وكان قادراً على أن يخلقها في طرفة عين ، ولكنّه عزَّوجلَّ خلقها في ستّة أيّام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء فيستدلّ بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرَّة بعد مرَّة ، ولم يخلق الله العرش لحاجة به إليه لأنّه عنيٌّ عن العرش وعن جميع ما خلق ، لا يوصف بالكون على العرش لأنّه ليس بجسم ، تعالى عن صفة خلقه علوّاً كبيراً .

١٥ ـ يد ، مع ، ن : المعاذي ، عن أحمد الهمدانيّ ، (١) عن عليّ بن فضّال ، (٢) عن أبيه قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن قول الله عزَّوجلَّ : « كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ » فقال : إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحلّ فيه فيحجب عنه فيه عباده ، ولكنّه يعني أنّهم عن ثواب ربّهم محجوبون .

قال : وسألته عن قوله الله عزَّ وجلَّ « وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا » فقال : إنَّ الله عزَّوجلَّ لا يوصف بالمجيىء والذهاب ، تعالى عن الانتقال ، إنّما يعني بذلك وجاء أمر ربّك والملك صفّاً صفّاً .

____________________________

(١) هو أحمد بن محمد بن سعيد السبيعي الهمداني الحافظ ، المكنى بأبي العباس ، المعروف بابن عقدة ، كان كوفيا زيديا جاروديا ثقة ، تقدم ترجمته مفصلا .

(٢) هو علي بن الحسن بن علي بن فضال بن عمر بن أيمن مولى عكرمة بن ربعي الفياض أبو الحسن كان فقيه أصحابنا بالكوفة ، ووجههم وثقتهم وعارفهم بالحديث والمسموع قوله فيه ، سمع منه شيئا كثيراً ولم يعثر له على زلة فيه ولا ما يشينه ، وقل ما روى عن ضعيف ، وكان فطحيا ، ولم يرو عن أبيه شيئا ، وقال : كنت اقابله ـ وسنى ثمان عشرة سنة ـ بكتبه ، ولا أفهم إذ ذاك الروايات ، ولا أستحل أن أرويها عنه ، وروى عن أخويه عن أبيهما ، وذكر أحمد بن الحسين رحمه الله إنّه رأى نسخة أخرجها أبو جعفر بن بابويه ، وقال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن اسحاق الطالقاني ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد ، قال : حدثنا علي بن الحسن بن فضال ، عن أبيه عن الرضا عليه السلام ، ولا يعرف الكوفيون هذه النسخة ، ولا رويت من غير هذا الطريق . قاله النجاشي وعدّ له كتباً كثيرة .

٣١٨
 &

قال : وسألته عن قول الله عزَّوجلَّ : « هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّـهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ » قال : يقول : هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّـهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ، وهكذا نزلت . قال : وسألته عن قول الله عزَّوجلَّ : « سَخِرَ اللَّـهُ مِنْهُمْ » وعن قول الله : « يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » وعن قوله تعالى : « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّـهُ » وعن قول الله عزَّوجلَّ : « يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ » . فقال : إنَّ الله عزَّوجلَّ لا يسخر ولا يستهزىء ولا يمكر ولا يخادع ، ولكنّه عزَّ وجلَّ يجازيهم جزاء السخريّة وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيرا .

ج : مرسلاً عنه عليه‌السلام .

بيان : قال الزمخشريّ في الآية الاُولى : كونهم محجوبين عنه ، تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنّه لا يؤذن على الملوك إلّا للمكرّمين لديهم ، ولا يحجب عنهم إلّا المهانون عندهم . وقال الرازيّ في الآية الثانية : اعلم أنّه ثبت بالدليل العقليّ أنّ الحركة على الله محال لأنَّ كلّ ما كان كذلك كان جسماً ، والجسم مستحيل أن يكون أزليّاً ، فلا بدّ فيه من التأويل ، وهو أنَّ هذا من باب حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ؛ ثمَّ ذلك المضاف ما هو ؟ فيه وجوه :

أحدهما : وجاء أمر ربّك للمحاسبة والمجازات . وثانيها : وجاء قهر ربّك كما يقال : جاءتنا بنو اُميّة أي قهرهم . وثالثها : وجاء جلائل آيات ربّك ، لأنّ هذا يكون يوم القيامة ، وفي ذلك اليوم تظهر العظام وجلائل الآيات ، فجعل مجيئها مجيئاً له تفخيماً لشأن تلك الآيات . ورابعها : وجاء ظهوره ، وذلك لأنَّ معرفة الله تصير ذلك اليوم ضروريّة فصار ذلك كظهوره وتجلّيه للخلق ، فقال : وجاء ربّك أي زالت الشبه و ارتفعت الشكوك . وخامسها : أنَّ هذا تمثيل لظهور آيات الله وتبيين آثار قهره وسلطانه مثّلت حاله في ذلك بحال الملك إذا ظهر بنفسه فإنّه يظهر بمجرّد حضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلّها . وسادسها : أنَّ الربَّ المربّي فلعلَّ ملكاً هو أعظم الملائكة هو مربّ للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله جدّاً ، فكان هو المراد من قوله : وجاء ربّك .

وقال الطبرسيّ رحمه الله في الآية الثالثة : أي هل ينتظر هؤلاء المكذّبون بآيات الله

٣١٩
 &

إلّا أن يأتيهم أمر الله أي عذاب الله ، وما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب ، و قيل : قطع من السحاب ، وهذا كما يقال : قتل الأمير فلاناً وضربه وأعطاه ، وإن لم يتولّ شيئاً من ذلك بنفسه ، بل فعل بأمره فاُسند إليه لأمره به . وقيل : معناه ما ينتظرون إلّا أن تأتيهم جلائل آيات الله ، غير أنّه ذكر نفسه تفخيماً للآيات كما يقال : دخل الأمير البلد ويراد بذلك جنده ، وإنّما ذكر الغمام ليكون أهول ، فإنَّ الأهوال تشبه بظلل الغمام كما قال سبحانه : « وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ » وقال الزجّاج : معناه : يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب ، كما قال : « فَأَتَاهُمُ اللَّـهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا » أي أتاهم بخذلانه إيّاهم ؛ والأقوال متقاربة . وقد يقال : أتى وجاء فيما لا يجوز عليه المجيىء والذهاب ، يقال : أتاني وعيد فلان ، وجاءني كلام فلان ، وأتاني حديثه ، ولا يراد به الإتيان الحقيقيّ ، ثمَّ قال : وقرأ أبو جعفر الملائكة بالجرّ ، قال : وقيل : معنى الآية : إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّـهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ أي بجلائل آياته وبالملائكة . انتهى أقول : على قرائته عليه‌السلام لا يحتاج إلى شيء من هذه التأويلات .

١٦ ـ ج : عن موسى بن جعفر ، عن آبائه عليهم‌السلام أنَّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال في جواب اليهوديّ الّذي سأل عن معجزات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّه اُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر ، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقلّ من ثلث ليلة ، حتّى انتهى إلى ساق العرش فدنا بالعلم فتدلّى ، فدلّى له من الجنّة رفرف أخضر وغشى النور بصره فرأى عظمة ربّه بفؤاده ولم يرها بعينه فكان كقاب قوسين بينها وبينه أو أدنى . الخبر .

بيان : الضمير في قوله : بينها راجع إلى الجنّة ، ورجوعه إلى العظمة بعيد .

١٧ ـ يد ، ع : ابن عصام ، عن الكلينيّ ، عن عليّ بن محمّد بن سليمان ، عن إسماعيل ابن إبراهيم ، عن جعفر بن محمّد التميميّ ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن عليّ قال : سألت أبي سيّد العابدين عليه‌السلام فقلت له : يا أبة أخبرني عن جدّنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا عرج به إلى السماء وأمره ربّه عزَّوجلَّ بخمسين صلاة كيف لم يسأله التخفيف عن اُمّته حتّى قال له موسى بن عمران عليه‌السلام : ارجع الى ربّك

ـ ٢٠ ـ بحار الأنوار

٣٢٠