بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
الصفحات: ٣٤١
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠ الجزء ٣١ الجزء ٣٥ الجزء ٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨ الجزء ٣٩ الجزء ٤٠ الجزء ٤١ الجزء ٤٢ الجزء ٤٣ الجزء ٤٤ الجزء ٤٥ الجزء ٤٦ الجزء ٤٧ الجزء ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ الجزء ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ الجزء ٥٤ الجزء ٥٥ الجزء ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ الجزء ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ الجزء ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ الجزء ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ الجزء ٧٠ الجزء ٧١ الجزء ٧٢ الجزء ٧٣ الجزء ٧٤ الجزء ٧٥ الجزء ٧٦ الجزء ٧٧ الجزء ٧٨ الجزء ٧٩ الجزء ٨٠ الجزء ٨١ الجزء ٨٢ الجزء ٨٣ الجزء ٨٤ الجزء ٨٥ الجزء ٨٦ الجزء ٨٧ الجزء ٨٨ الجزء ٨٩ الجزء ٩٠ الجزء ٩١ الجزء ٩٢ الجزء ٩٣ الجزء ٩٤ الجزء ٩٥ الجزء ٩٦   الجزء ٩٧ الجزء ٩٨ الجزء ٩٩ الجزء ١٠٠ الجزء ١٠١ الجزء ١٠٢ الجزء ١٠٣ الجزء ١٠٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

على أوهامهم حتّى همّوا بتجربته ؟ وكيف ظنّوا أنّه مصلحة للأجساد وهم لا يرون فيه إلّا المضرّة ؟ أو كيف عزموا على طلب ما لا يعرفون ممّا لا تدلّهم عليه الحواسّ ؟ قال : بالتجارب .

قلت : أخبرني عن واضع هذا الطبّ وواصف هذه العقاقير المتفرقّة بين المشرق والمغرب ، هل كان بدٌّ من أن يكون الّذي وضع ذلك ودلّ على هذه العقاقير رجل حكيم من بعض أهل هذه البلدان ؟ .

قال : لا بدّ أن يكون كذلك ، وأن يكون رجلاً حكيماً وضع ذلك وجمع عليه الحكماء فنظروا في ذلك وفكّروا فيه بعقولهم . قلت : كأنّك تريد الإنصاف من نفسك والوفاء بما أعطيت من ميثاقك فأعلمني كيف عرف الحكيم ذلك ؟ وهبه قد عرف بما في بلاده من الدواء ، والزعفران الّذي بأرض فارس ، أتراه اتّبع جميع نبات الأرض فذاقه شجرة شجرة حتّى ظهر على جميع ذلك ؟ وهل يدلّك عقلك على أنَّ رجالاً حكماء قدروا على أن يتّبعوا جميع بلاد فارس ونباتها شجرة شجرة حتّى عرفوا ذلك بحواسّهم ، وظهروا على تلك الشجرة الّتي يكون فيها خلط بعض هذه الأدوية الّتي لم تدرك حواسّهم شيئاً منها ؟ وهبه أصاب تلك الشجرة بعد بحثه عنها وتتبّعه جميع شجر فارس ونباتها ، كيف عرف أنّه لا يكون دواء حتّى يضمّ إليه الإهليلج من الهند ، والمصطكي من الروم ، والمسك من التبّت ، والدارصيني من الصين ، وخصي بيدستر من الترك ، والأفيون من مصر ، والصبر من اليمن ، (١) والبورق من أرمنيّة ، (٢) وغير ذلك من أخلاط الأدوية الّتي تكون في أطراف الأرض ؟ وكيف عرف أنّ بعض تلك الأدوية وهي عقاقير مختلفة يكون المنفعة باجتماعها ولا يكون منفعتها في الحالات بغير اجتماع ؟ أم كيف اهتدى لمنابت هذه الأدوية وهي ألوان مختلفة وعقاقير متبائنة في بلدان متفرّقة ؟ فمنها عروق ، ومنها لحاء (٣) ومنها ورق ، ومنها ثمر ، ومنها عصير ، ومنها مائع ، ومنها صمغ ، ومنها دهن ، ومنها

____________________________

(١) الصبر وزان كتف : عصارة شجر مر .

(٢) البورق بالفتح معرب بوره : شيء يتكون مثل الملح في شطوط الانهار والمياه .

(٣) اللحاء : قشر العود أو الشجر .

١٨١
 &

ما يعصر ويطبخ ، ومنها ما يعصر ولا يطبخ ، ممّا سمّي بلغات شتّى لا يصلح بعضها إلّا ببعض ولا يصير دواءاً إلّا باجتماعها ؛ ومنها مرائر السباع والدوابّ البرّيّة والبحريّة ، وأهل هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرّقون باللّغات ، متغالبون بالمناصبة ، (١) و متحاربون بالقتل والسبي أفترى ذلك الحكيم تتبّع هذه البلدان حتّى عرف كلّ لغة وطاف كلّ وجه ، وتتبع هذه العقاقير مشرقاً ومغرباً آمناً صحيحاً لا يخاف ولا يمرض ، سليماً لا يعطب ، حيّاً لا يموت ، هادياً لا يضلّ ، قاصداً لا يجور (٢) حافظاً لا ينسى ، نشيطاً لا يملّ ، حتّى عرف وقت أزمنتها ، ومواضع منابتها مع اختلاطها واختلاف صفاتها وتباين ألوانها وتفرّق أسمائها ، ثمَّ وضع مثالها على شبهها وصفتها ، ثمَّ وصف كلّ شجرة بنباتها وورقها وثمرها وريحها وطعمها ؟ أم هل كان لهذا الحكيم بدّ من أن يتّبع جميع أشجار الدنيا وبقولها وعروقها شجرة شجرة ، وورقة ورقة ، شيئاً شيئاً ؟ فهبه وقع على الشجرة الّتي أراد فكيف دلّته حواسّه على أنّها تصلح لدواء ، والشجر مختلف منه الحلو والحامض والمرّ والمالح ؟ .

وإن قلت : يستوصف في هذه البلدان ويعمل بالسؤال ، فأنّى يسأل عمّا لم يعاين ولم يدركه بحواسّه ؟ أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة وهو يكلّمه بغير لسانه وبغير لغته والأشياء كثيرة ؟ فهبه فعل كيف عرف منافعها ومضارّها ، وتسكينها و تهييجها ، وباردها وحارّها ، وحلوها ومرارتها وحرافتها ، (٣)ولينها وشديدها (٤) ؟ فلئن قلت : بالظنّ إنَّ ذلك ممّا لا يدرك ولا يعرف بالطبائع والحواسّ ، ولئن قلت : بالتجربة والشرب لقد كان ينبغي له أن يموت في أوَّل ما شرب وجرَّب تلك الأدوية بجهالته بها وقلّة معرفته بمنافعها ومضارّها وأكثرها السمّ القاتل . ولئن قلت : بل طاف في كلّ بلد ، وأقام في كلّ اُمّة يتعلّم لغاتهم ويجرّب بهم أدويتهم تقتل الأوَّل فالأوَّل منهم ما كان لتبلغ معرفته الدواء الواحد إلّا بعد قتل قوم كثير ، فما كان أهل تلك البلدان

____________________________

(١) في نسخة : متقلبون بالمناصبة .

(٢) في نسخة : قاصداً لا يجوز .

(٣) الحرافة : طعم يلذع اللسان بحرارته .

(٤) في نسخة : ولينها ويابسها .

١٨٢
 &

الّذين قتل منهم من قتل بتجربته بالّذين ينقادونه بالقتل ولا يدعونه أن يجاورهم ، و هبه تركوه وسلّموا لأمره ولم ينهوه كيف قوي على خلطها ، وعرف قدرها ووزنها و أخذ مثاقيلها وقرط قراريطها ؟ وهبه تتبّع هذا كلّه ، وأكثره سمّ قاتل ، إن زيد على قدرها قتل ، وإن نقص عن قدرها بطل ، وهبه تتبّع هذا كلّه وجال مشارق الأرض و مغاربها ، وطال عمره فيها تتبّعه شجرة شجرة وبقعة بقعة كيف كان له تتبّع ما لم يدخل في ذلك من مرارة الطير والسباع ودوابّ البحر ؟ هل كان بدٌّ حيث زعمت أنّ ذلك الحكيم تتبّع عقاقير الدنيا شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتّى جمعها كلّها فمنها ما لا يصلح ولا يكون دواءاً إلّا بالمرار ؟ هل كان بدٌّ من أن يتبع جميع طير الدنيا وسباعها ودوابّها دابّة دابّة وطائراً طائراً يقتلها ويجرّب مرارتها ، كما بحث عن تلك العقاقير على ما زعمت بالتجارب ؟ ولو كان ذلك فكيف بقيت الدوابّ وتناسلت وليست بمنزلة الشجرة إذا قطعت شجرة نبتت اُخرى ؟ وهبه أتى على طير الدنيا كيف يصنع بما في البحر من الدوابّ الّتي كان ينبغي أن يتّبعها بحراً بحراً ودابّة دابّة حتّى أحاط به كما أحاط بجميع عقاقير الدنيا الّتي بحث عنها حتّى عرفها وطلب ذلك في غمرات الماء ؟ فإنّك مهما جهلت شيئاً من هذا فإنّك لا تجهل أنَّ دوابَّ البحر كلّها تحت الماء فهل يدلّ العقل والحواسّ على أنَّ هذا يدرك بالبحث والتجارب ؟ .

قال : لقد ضيّقت عليَّ المذاهب ، فما أدري ما اُجيبك به ! قلت : فإنّي آتيك بغير ذلك ممّا هو أوضح وأبين ممّا اقتصصت عليك ، ألست تعلم أنَّ هذه العقاقير الّتي منها الأدوية والمرار من الطير والسباع لا يكون دواءاً إلّا بعد الاجتماع ؟ قال . هو كذلك .

قلت : فأخبرني كيف حواسّ هذا الحكيم وضعت هذه الأدوية مثاقيلها وقراريطها ؟ فإنّك من أعلم الناس بذلك لأنَّ صناعتك الطبّ ، وأنت تدخل في الدواء الواحد من اللّون الواحد زنة أربع مائة مثقال ، ومن الآخر مثاقيل وقراريط فما فوق ذلك ودونه حتّى يجيىء بقدر واحد معلوم إذا سقيت منه صاحب البطنة بمقدار عقد بطنه ، وإن سقيت صاحب القولنج أكثر من ذلك استطلق بطنه وألان (١) فكيف أدركت حواسّه على هذا ؟

____________________________

(١) استطلق البطن : مشى . وألان أي جعله ليناً

١٨٣
 &

أم كيف عرفت حواسّه أنَّ الّذي يسقى لوجع الرأس لا ينحدر إلى الرجلين ، والانحدار أهون عليه من الصعود ؟ والّذي يسقى لوجع القدمين لا يصعد إلى الرأس ، وهو إلى الرأس عند السلوك أقرب منه ؟ وكذلك كلّ دواء يسقي صاحبه لكلّ عضو لا يأخذ إلّا طريقه في العروق الّتي تسقى له ، وكلّ ذلك يصير إلى المعدة ومنها يتفرَّق ؟ أم كيف لا يسفل منه ما صعد ولا يصعد منه ما انحدر ؟ أم كيف عرفت الحواسّ هذا حتّى علم أنَّ الّذي ينبغي للاُذن لا ينفع العين وما ينتفع به العين لا يغني من وجع الاُذن ، وكذلك جميع الأعضاء يصير كلّ داء منها إلى ذلك الدواء (١) الّذي ينبغي له بعينه ؟ فكيف أدركت العقول والحكمة والحواسّ هذا وهو غائب في الجوف ، والعروق في اللّحم ، وفوقه الجلد لا يدرك بسمع ولا ببصر ولا بشمّ ولا بلمس ولا بذوق ؟ .

قال : لقد جئت بما أعرفه (٢) إلّا أنّنا نقول : إنّ الحكيم الّذي وضع هذه الأدوية وأخلاطها كان إذا سقى أحداً شيئاً من هذه الأدوية فمات شقّ بطنه وتتبّع عروقه ونظر مجاري تلك الأدوية وأتى المواضع الّتي تلك الأدوية فيها . قلت : فأخبرني ألست تعلم أنّ الدواء كلّه إذا وقع في العروق اختلط بالدم فصار شيئاً واحداً ؟ قال : بلى .

قلت : أما تعلم أنَّ الإنسان إذا خرجت نفسه برد دمه وجمد ؟ قال : بلى . قلت : فكيف عرف ذلك الحكيم دواءه الّذي سقاه للمريض بعد ما صار غليظاً عبيطاً ليس بأمشاج يستدلّ عليه بلون فيه غير لون الدم ؟ قال : لقد حملتني على مطيّة صعبة ما حمّلت على مثلها قطّ ، ولقد جئت بأشياء لا أقدر على ردّها .

شرح : قوله عليه‌السلام : خلط بعض هذه الأدوية الخلط بالكسر : ما يخلط بالشيء أي ما يدخل في بعض هذه الأدوية المركّبة . قوله عليه‌السلام : ثمّ وضع مثالها على شبهها أي ضمّ كلّما وجد من كلّ نوع إلى مثله لأنّه يشبهه ويوافقه في الصفة أو ترك الأشياء الّتي تشبه ما يريده ، وإن كانت موافقة له في الصفات فإنَّ كثيراً من العقاقير تشتبه بغيرها لاتّفاقهما في كثير من الصفات . قوله عليه‌السلام : فكيف بقيت لعلَّ المفروض أنَّ ذلك كان

____________________________

(١) في نسخة : يصير كل دواء منها إلى ذلك الداء .

(٢) في نسخة : لقد جئت بما أعرف .

١٨٤
 &

في مبادي خلق العالم لقدم ذلك العلم فيلزم من التجارب الكثيرة فناء الحيوانات لقلّتها في تلك الأزمنة . قوله عليه‌السلام : ليس بأمشاج أي أشياء مختلطة متمايزة .

أقول : كلامه عليه‌السلام يدلّ على أنّ خواصّ الأدوية وأجناسها ومنافعها ومناسبتها للأمراض إنّما وصل إلى الخلق بإخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ولم يصل الخلق إليها بعقولهم وتجاربهم .

متن : قلت : فأخبرني من أين علم العباد ما وصفت من هذه الأدوية الّتي فيها المنافع لهم حتّى خلطوها وتتبّعوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرّقة ، وعرفوا مواضعها ومعادنها في الأماكن المتبائنة ، وما يصلح من عروقها وزنتها من مثاقيلها وقراريطها ، وما يدخلها من الحجارة ومرار السباع وغير ذلك ؟ قال : قد أعييت عن إجابتك (١) لغموض مسائلك وإلجائك إيّاي إلى أمر لا يدرك علمه بالحواسّ ، ولا بالتشبيه ، والقياس ، ولا بدّ أن يكون وضع هذه الأدوية واضع ، لأنّها لم تضع هي أنفسها ، ولا اجتمعت حتّى جمعها غيرها بعد معرفته إيّاها ، فأخبرني كيف علم العباد هذه الأدوية الّتي فيها المنافع حتّى خلطوها وطلبوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرّقة ؟ .

قلت : إنّي ضاربٌ لك مثلاً وناصبٌ لك دليلاً تعرف به واضع هذه الأدوية والدالّ على هذه العقاقير المختلفة وباني الجسد وواضع العروق الّتي يأخذ فيها الدواء إلى الداء . قال : فإن قلت ذلك لم أجد بدّاً من الانقياد إلى ذلك . قلت : فأخبرني عن رجل أنشأ حديقة عظيمة ، وبنى عليها حائطاً وثيقاً ، ثمَّ غرس فيها الأشجار والأثمار والرياحين والبقول ، وتعاهد سقيها وتربيتها ، ووقاها ما يضرّها ، حتّى لا يخفى عليه موضع كلّ صنف منها فإذا أدركت أشجارها وأينعت أثمارها (٢) واهتزّت بقولها دفعت إليه (٣) فسألته أن يطعمك لوناً من الثمار والبقول سمّيته له أتراه كان قادراً على

____________________________

(١) أي قد اعجزت عن إجابتك .

(٢) اينع الثمر : أدرك وطاب وحان قطافه . وفي بعض النسخ : ايفع أثمارها . فهو من أيفع الغلام : ترعرع وناهز البلوغ .

(٣) في نسخة : ذهبت اليه .

١٨٥
 &

أن ينطلق قاصداً مستمرّاً لا يرجع ، ولا يهوي إلي شيء يمرّ به من الشجرة والبقول حتّى يأتي الشجرة الّتي سألته أن يأتيك بثمرها ، والبقلة الّتي طلبتها حيث كانت من أدنى الحديقة أو أقصاها فيأتيك بها ؟ قال : نعم . قلت : أفرأيت لو قال لك صاحب الحديقة حيث سألته الثمرة : ادخل الحديقة فخذ حاجتك فإنّي لا أقدر على ذلك ، هل كنت تقدر أن تنطلق قاصداً لا تأخذ يميناً ولا شمالاً حتّى تنتهي إلى الشجرة فتجتني منها ؟ قال : و كيف أقدر على ذلك ولا علم لي في أيّ مواضع الحديقة هي ؟ قلت : أفليس تعلم أنّك لم تكن لتصيبها دون أن تهجم عليها بتعسّف وجولان في جميع الحديقة حتّى تستدلّ عليها ببعض حواسّك بعد ما تتصفّح فيها من الشجرة شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتّى تسقط على الشجرة الّتي تطلب ببعض حواسّك إن تأتيها ، وإن لم ترها انصرفت ؟ .

قال : وكيف أقدر على ذلك ولم اُعاين مغرسها حيث غرست ، ولا منبتها حيث نبتت ، ولا ثمرتها حيث طلعت . قلت : فإنّه ينبغي لك أن يدلّك عقلك حيث عجزت حواسّك عن إدراك ذلك إنّ الّذي غرس هذا البستان العظيم فيما بين المشرق والمغرب وغرس فيه هذه الأشجار والبقول هو الّذي دلّ الحكيم الّذي زعمت أنّه وضع الطبّ على تلك العقاقير ومواضعها في المشرق والمغرب ؛ وكذلك ينبغي لك أن تستدلّ بعقلك على أنّه هو الّذي سمّاها وسمّى بلدتها وعرف مواضعها كمعرفة صاحب الحديقة الّذي سألته الثمرة ، وكذلك لا يستقيم ولا ينبغي أن يكون الغارس والدالّ عليها إلّا الدالّ على منافعها ومضارّها وقراريطها ومثاقيلها .

قال : إنَّ هذا لكما تقول . قلت : أفرأيت لو كان خالق الجسد وما فيه من العصب واللّحم والأمعاء والعروق الّتي يأخذ فيها الأدوية إلى الرأس وإلى القدمين وإلى ما سوى ذلك غير خالق الحديقة وغارس العقاقير ، هل كان يعرف زنتها ومثاقيلها وقراريطها وما يصلح لكلّ داء منها ، وما كان يأخذ في كلّ عرق ؟ .

قال : وكيف يعرف ذلك أو يقدر عليه وهذا لا يدرك بالحواسّ ، ما ينبغي أن يعرف هذا إلّا الّذي غرس الحديقة وعرف كلّ شجرة وبقلة وما فيها من المنافع والمضارّ قلت : أفليس كذلك ينبغي أن يكون الخالق واحداً ؟ لأنّه لو كان إثنين أحدهما خالق

١٨٦
 &

الدواء والآخر خالق الجسد والداء لم يهتد غارس العقاقير لإيصال دوائه إلى الداء الّذي بالجسد ممّا لا علم له به ، ولا اهتدى خالق الجسد إلى علم ما يصلح ذلك الداء من تلك العقاقير ، فلمّا كان خالق الداء والدواء واحداً أمضى الدواء في العروق الّتي برأ وصوّر إلى الداء الّذي عرف ووضع فعلم مزاجها من حرّها وبردها وليّنها وشديدها وما يدخل في كلّ دواء منه من القراريط والمثاقيل ، وما يصعد إلى الرأس وما يهبط إلى القدمين منها وما يتفرّق منه فيما سوى ذلك .

قال : لا أشكّ في هذا لأنّه لو كان خالق الجسد غير خالق العقاقير لم يهتد واحد منهما إلى ما وصفت . قلت : فإنّ الّذي دلّ الحكيم الّذي وصفت أنّه أوّل من خلط هذه الأدوية ودل على عقاقيرها المتفرِّقة فيما بين المشرق والمغرب ، ووضع هذا الطبّ على ما وصفت لك هو صاحب الحديقة فيما بين المشرق والمغرب ، وهو باني الجسد ، وهو دلّ الحكيم بوحي منه على صفة كلِّ شجرة وبلدها ، وما يصلح منها من العروق والثمار والدهن والورق والخشب واللّحاء ؛ وكذلك دلّه على أوزانها من مثاقيلها و قراريطها وما يصلح لكلِّ داء منها ، وكذلك هو خالق السباع والطير والدوابّ الّتي في مرارها المنافع ممّا يدخل في تلك الأدوية فإنّه لو كان غير خالقها لم يدر ما ينتفع به من مرارها وما يضرّ وما يدخل منها في العقاقير ؛ فلمّا كان الخالق سبحانه وتعالى واحداً دلَّ على ما فيه من المنافع منها فسمّاه باسمه حتّى عرف وترك ما لا منفعة فيه منها ، فمن ثمَّ علم الحكيم أيّ السباع والدوابّ والطير فيه المنافع ، وأيّها لا منفعة فيه ، ولولا أنَّ خالق هذه الأشياء دلّه عليها ما اهتدى بها .

قال : إنَّ هذا لكما تقول وقد بطلت الحواسّ والتجارب عند هذه الصفات . قلت أمّا إذا صحّت نفسك فتعال ننظر بعقولنا ونستدلّ بحواسّنا ، هل كان يستقيم لخالق هذه الحديقة وغارس هذه الأشجار وخالق هذه الدوابّ والطير والناس الّذي خلق هذه الأشياء لمنافعهم أن يخلق هذا الخلق ويغرس هذا الغرس في أرض غيره ممّا إذا شاء منعه ذلك ؟ .

قال : ما ينبغي أن تكون الأرض الّتي خلقت فيها الحديقة العظيمة وغرست فيه

١٨٧
 &

الأشجار إلّا لخالق هذا الخلق وملك يده . قلت : فقد أرى الأرض أيضاً لصاحب الحديقة لاتّصال هذه الأشياء بعضها ببعض . قال : ما في هذا شكٌّ . قلت : فأخبرني وناصح نفسك ألست تعلم أنَّ هذه الحديقة وما فيها من الخلقة العظيمة من الإنس والدوابّ والطير و الشجر والعقاقير والثمار وغيرها لا يصلحها إلّا شربها وريّها من الماء الّذي لا حياة لشيء إلّا به ؟ قال : بلى . قلت : أفترى الحديقة وما فيها من الذرء خالقها واحد . وخالق الماء غيره يحبسه عن هذه الحديقة إذا شاء ويرسله إذا شاء فيفسد على خالق الحديقة ؟ .

قال : ما ينبغي أن يكون خالق هذه الحديقة وذارء هذا الذرء الكثير وغارس هذه الأشجار إلا المدبّر الأوّل وما ينبغي أن يكون ذلك الماء لغيره ، وإنَّ اليقين عندي لهو أنَّ الّذي يجري هذه المياه من أرضه وجباله لغارس هذه الحديقة وما فيها من الخليقة لأنّه لو كان الماء لغير صاحب الحديقة لهلك الحديقة وما فيها ، ولكنّه خالق الماء قبل الغرس والذرء وبه استقامت الأشياء وصلحت . قلت : أفرأيت لو لم يكن لهذه المياه المنفجرة في الحديقة مغيض (١) لما يفضل من شربها يحبسه عن الحديقة أن يفيض عليها أليس كان يهلك ما فيها من الخلق على حسب ما كانوا يهلكون لو لم يكن لها ماء ؟ قال : بلى ولكنّي لا أدري لعلَّ هذا البحر ليس له حابس وأنّه شيء لم يزل . قلت : أمّا أنت فقد أعطيتني أنّه لولا البحر ومغيض المياه إليه لهلكت الحديقة . قال : أجل . قلت : فإنّي اُخبرك عن ذلك بما تستيقن بأنَّ خالق البحر هو خالق الحديقة وما فيها من الخليقة ، وأنّه جعله مغيضاً لمياه الحديقة مع ما جعل فيه من المنافع للناس .

قال : فاجعلني من ذلك على يقين كما جعلتني من غيره . قلت : ألست تعلم أنّ فضول ماء الدنيا يصير في البحر ؟ قال : بلى . قلت : فهل رأيته زائداً قطّ في كثرة الماء وتتابع الأمطار على الحدّ الّذي لم يزل عليه ؟ أو هل رأيته ناقصاً في قلّة المياه وشدّة الحرّ وشدّة القحط ؟ قال : لا . قلت : أفليس ينبغي أن يدلّك عقلك على أنّ خالقه وخالق الحديقة وما فيها من الخليقة واحد ، وأنّه هو الّذي وضع له حدّاً لا يجاوزه لكثرة الماء ولا لقلّته ، وأنّ ممّا يستدلّ على ما أقول أنّه يقبل بالأمواج أمثال الجبال يشرف على

____________________________

(١) المغيض : مجتمع الماء ومدخله في الارض وفي نسخة : المفيض بالفاء وكذا فيما يأتي بعده .

١٨٨
 &

السهل والجبل فلو لم تقبض أمواجه ولم تحبس في المواضع الّتي اُمرت بالاحتباس فيها لأطبقت على الدنيا حتّى إذا انتهت على تلك المواضع الّتي لم تزل تنتهي إليها ذلّت أمواجه وخضع أشرافه .

قال : إنَّ ذلك لكما وصفت ولقد عاينت منه كلّ الّذي ذكرت ، ولقد أتيتني ببرهان ودلالات ما أقدر على إنكارها ولا جحودها لبيانها . قلت : وغير ذلك سآتيك به ممّا تعرف اتّصال الخلق بعضه ببعض ، وأنَّ ذلك من مدبّر حكيم عالم قدير ، ألست تعلم أنّ عامّة الحديقة ليس شربها من الأنهار والعيون وأنّ أعظم ما ينبت فيها من العقاقير والبقول الّتي في الحديقة ومعاش ما فيها من الدوابّ والوحش والطير من البراري الّتي لا عيون لها ولا أنهار إنّما يسقيه السحاب ؟ قال : بلى . قلت : أفليس ينبغي أن يدلّك عقلك وما أدركت بالحواسّ الّتي زعمت أنّ الأشياء لا تعرف إلّا بها أنّه لو كان السحاب الّذي يحتمل من المياه إلى البلدان والمواضع الّتي لا تنالها ماء العيون والأنهار وفيها العقاقير والبقول والشجر والأنام لغير صاحب الحديقة لأمسكه عن الحديقة إذا شاء ، ولكان خالق الحديقة من بقاء خليقته الّتي ذرأ وبرأ على غرور ووجل ، خائفاً على خليقته أن يحبس صاحب المطر الماء الّذي لا حياة للخليقة إلّا به ؟ .

قال : إنّ الّذي جئت به لواضح متّصل بعضه ببعض ، وما ينبغي أن يكون الّذي خلق هذه الحديقة وهذه الأرض ، وجعل فيها الخليقة وخلق لها هذا المغيض ، وأنبت فيها هذه الثمار المختلفة إلّا خالق السماء والسحاب ؛ يرسل منها ما شاء من الماء إذا شاء أن يسقي الحديقة ويحيي ما في الحديقة من الخليقة والأشجار والدوابّ والبقول وغير ذلك ، إلّا أنّي اُحبّ أن تأتيني بحجّة أزداد بها يقيناً وأخرج بها من الشكّ . قلت : فإنّي آتيك بها إن شاء الله من قبل إهليلجتك واتّصالها بالحديقة ، وما فيها من الأشياء المتّصلة بأسباب السماء لتعلم أنّ ذلك بتدبير عليم حكيم .

قال : وكيف تأتيني بما يذهب عنّي الشكّ من قبل الإهليلجة ؟ قلت : فيما اُريك فيها من إتقان الصنع ، وأثر التركيب المؤلّف ، واتّصال ما بين عروقها إلى فروعها ، واحتياج بعض ذلك إلى بعض حتّى يتّصل بالسماء . قال : إن أريتني ذلك لم أشكّ ، قلت : ألست

١٨٩
 &

تعلم أنّ الإهليلجة نابتة في الأرض وأنَّ عروقها مؤلّفة إلى أصل ، وأنّ الأصل متعلّق بساق متّصل بالغصون ، والغصون متّصلة بالفروع ، والفروع منظومة بالأكمام والورق ، وملبس ذلك كلّه الورق ، ويتّصل جميعه بظلّ يقيه حرّ الزمان وبرده ؟ .

قال : أمّا الإهليجة فقد تبيّن لي اتّصال لحائها وما بين عروقها وبين ورقها ومنبتها من الأرض ، فأشهد أنّ خالقها واحد لا يشركه في خلقها غيره لإتقان الصنع واتّصال الخلق وايتلاف التدبير وإحكام التقدير . قلت : إن أريتك التدبير مؤتلفاً بالحكمة والإتقان معتدلاً بالصنعة ، محتاجاً بعضه إلى بعض ، متّصلاً بالأرض الّتي خرجت منه الإهليلجة في الحالات كلّها أتقرُّ بخالق ذلك ؟ قال : إذن لا أشكّ في الوحدانيّة . قلت : فافهم وافقه ما أصف لك : ألست تعلم أنّ الأرض متّصلة بإهليلجتك وإهليلجتك متّصلة بالتراب ، والتراب متّصل بالحرّ والبرد ، والحرّ والبرد متّصلان بالهواء والهواء متّصل بالريح ، والريح متّصلة بالسحاب ، والسحاب متّصل بالمطر ، والمطر متّصل بالأزمنة ، والأزمنة متّصلة بالشمس والقمر ، والشمس والقمر متّصلتان بدوران الفلك ، والفلك متّصل بما بين السماء والأرض صنعة ظاهرة ، وحكمة بالغة ، وتأليف متقن ، وتدبير محكم ، متّصل كلّ هذا ما بين السماء والأرض ، لا يقوم بعضه إلّا ببعض ، ولا يتأخّر واحد منهما عن وقته ، ولو تأخّر عن وقته لهلك جميع من في الأرض من الأنام والنباتات ؟ قال : إنّ هذه لهي العلامات البيّنات ، والدلالات الواضحات الّتي يجري معها أثر التدبير ، بإتقان الخلق والتأليف مع إتقان الصنع ، لكنّي لست أدري لعلّ ما تركت غير متّصل بما ذكرت . قلت : وما تركت ؟ قال : الناس . قلت : ألست تعلم أنّ هذا كلّه متّصل بالناس ، سخّره لها المدبّر الّذي أعلمتك أنّه إن تأخّر شيء مما عددت عليك هلكت الخليقة ، وباد جميع ما في الحديقة ، وذهبت الإهليلجة الّتي تزعم أنّ فيها منافع الناس ؟ .

قال : فهل تقدر أن تفسّر لي هذا الباب على ما لخّصت لي غيره ؟ قلت : نعم اُبيّن لك ذلك من قبل إهليلجتك ، حتّى تشهد أنّ ذلك كلّه مسخّر لبني آدم . قال : وكيف ذلك ؟ قلت : خلق الله السماء سقفاً مرفوعاً ، ولولا ذلك اغتمّ خلقه لقربها ، وأحرقتهم

١٩٠
 &

الشمس لدنوّها ، وخلق لهم شهباً ونجوماً يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر لمنافع الناس ، ونجوماً يعرف بها أصل الحساب ، فيها الدلالات على إبطال الحواسّ ، ووجود معلّمها الّذي علّمها عباده ، ممّا لا يدرك علمها بالعقول فضلاً عن الحواسّ ، ولا يقع عليها الأوهام ولا يبلغها العقول إلّا به لأنّه العزيز الجبّار الّذي دبّرها وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً ، يسبحان (١) في فلك يدور بهما دائبين ، (٢) يطلعهما تارة ويؤفلهما اُخرى ، فبنى عليه الأيّام والشهور والسنين الّتي هي من سبب الشتاء والصيف والربيع والخريف ، أزمنة مختلفة الأعمال ، أصلها اختلاف اللّيل والنهار اللّذين لو كان واحد منهما سرمداً على العباد لما قامت لهم معايش أبداً ، فجعل مدبّر هذه الأشياء وخالقها النهار مبصراً واللّيل سكناً ، وأهبط فيهما الحرَّ والبرد متبائنين لو دام واحد منهما بغير صاحبه ما نبتت شجرة ولا طلعت ثمرة ، ولهلكت الخليقة لأنّ ذلك متّصل بالريح المصرّفة في الجهات الأربع ، باردة تبرّد أنفاسهم ، وحارّة تلقح أجسادهم وتدفع الأذى عن أبدانهم ومعايشهم ، ورطوبة ترطب طبائعهم ، ويبوسة تنشف رطوباتهم وبها يأتلف المفترق وبها يتفرّق الغمام المطبق حتّى ينبسط في السماء كيف يشاء مدبّره فيجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله بقدر معلوم لمعاش مفهوم ، وأرزاق مقسومة وآجال مكتوبة ، ولو احتبس عن أزمنته ووقته هلكت الخليقة ويبست الحديقة ، فأنزل الله المطر في أيّامه ووقته إلى الأرض الّتي خلقها لبني آدم ، وجعلها فرشاً ومهاداً ، وحبسها أن تزول بهم ، وجعل الجبال لها أوتاداً ، وجعل فيها ينابيع تجري في الأرض بما تنبت فيها لا تقوم الحديقة والخليقة إلّا بها ، ولا يصلحون إلّا عليها مع البحار الّتي يركبونها ، ويستخرجون منها حلية يلبسونها ولحماً طريّاً وغيره يأكلونه ؛ فعلم أنّ إله البرّ والبحر والسماء والأرض وما بينهما واحدٌ حيٌّ قيّوم مدبّر حكيم ، وأنّه لو كان غيره لاختلفت الأشياء .

وكذلك السماء نظير الأرض الّتي أخرج الله منها حبّاً وعنباً وقضباً ، وزيتوناً

____________________________

(١) سبح في الماء وبالماء : عام وانبسط فيه . ويستعار لمرّ النجوم وجرى الفرس وما شاكل .

(٢) أي مستمرين .

١٩١
 &

ونخلاً ، وحدائق غلباً ، وفاكهةً وأبّاً ، بتدبير مؤلّف مبيّن ، بتصوير الزهرة والثمرة حياة لبني آدم ، ومعاشاً يقوم به أجسادهم ، وتعيش بها أنعامهم الّتي جعل الله في أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين ، والانتفاع بها والبلاغ على ظهورها معاشاً لهم لا يحيون إلّا به ، وصلاحاً لا يقومون إلّا عليه ، وكذلك ما جهلت من الأشياء فلا تجهل أنّ جميع ما في الأرض شيئان : شيء يولد ، وشيء ينبت ، أحدهما آكل ، والآخر مأكول ، وممّا يدلّك عقلك أنّه خالقهم ما ترى من خلق الإنسان وتهيئة جسده لشهوة الطعام ، والمعدة لتطحن المأكول ، ومجاري العروق لصفوة الطعام ، وهيّأ لها الأمعاء ، ولو كان خالق المأكول غيره لما خلق الأجساد مشتهية للمأكول وليس له قدرة عليه .

قال : لقد وصفت صفة أعلم أنّها من مدبّر حكيم لطيف قدير عليم ، قد آمنت وصدّقت أنّ الخالق واحد سبحانه وبحمده ، غير أنّي أشكّ في هذه السمائم القاتلة أن يكون هو الّذي خلقها لأنّها ضارّة غير نافعة ! قلت : أليس قد صار عندك أنّها من غير خلق الله ؟ قال : نعم لأنّ الخلق عبيده ولم يكن ليخلق ما يضرّهم . قلت : ساُبصّرك من هذا شيئاً تعرفه ولا اُنبّئك إلّا من قبل إهليلجتك هذه وعلمك بالطبّ ، قال : هات . قلت : هل تعرف شيئاً من النبت ليس فيه مضرّة للخلق ؟ قال : نعم . قلت : ما هو ؟ قال : هذه الأطعمة . قلت : أليس هذا الطعام الّذي وصفت يغيّر ألوانهم ، ويهيّج أوجاعهم حتّى يكون منها الجذام والبرص والسلال (١) والماء الأصفر ، وغير ذلك من الأوجاع ؟ قال : هو كذلك ؟ قلت : أمّا هذا الباب فقد انكسر عليه . قال : أجل . قلت : هل تعرف شيئاً من النبت ليس فيه منفعة ؟ قال : نعم .

قلت : أليس يدخل في الأدوية الّتي يدفع بها الأوجاع من الجذام والبرص والسلال وغير ذلك ، ويدفع الداء ويذهب السقم ممّا أنت أعلم به لطول معالجتك قال : إنّه كذلك .

قلت : فأخبرني أيّ الأدوية عندكم أعظم في السمائم القاتلة ؟ أليس الترياق ؟

____________________________

(١) السل بالكسر في اللغة الهزال ، وفي الطب القديم قرحة في الرية ، وانما سمى المرض به لان من لوازمه هزال البدن ، ولان الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة .

ـ ١٢ ـ بحار الانوار

١٩٢
 &

قال : نعم هو رأسها وأوَّل ما يفرغ إليه عند نهش الحيّات (١) ولسع الهوامّ وشرب السمائم .

قلت : أليس تعلم أنّه لا بدّ للأدوية المرتفعة والأدوية المحرقة في أخلاط الترياق إلّا أن تطبخ بالأفاعي القاتلة ؟ قال : نعم هو كذلك ولا يكون الترياق المنتفع به الدافع للسمائم القاتلة إلّا بذلك ، ولقد انكسر ، عليَّ هذا الباب ، فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنّه خالق السمائم القاتلة والهوامّ العادية ، وجميع النبت والأشجار ، وغارسها ومنبتها ، وبارئ الأجساد ، وسائق الرياح ، ومسخّر السحاب ، وأنّه خالق الأدواء الّتي تهيج بالإنسان كالسمائم القاتلة الّتي تجري في أعضائه وعظامه ، ومستقرّ الأدواء وما يصلحها من الدواء ، العارف بالروح ومجرى الدم و أقسامه في العروق واتّصاله بالعصب والأعضاء والعصب والجسد ، وأنّه عارف بما يصلحه من الحرّ والبرد ، عالم بكلّ عضو بما فيه ، وأنّه هو الّذي وضع هذه النجوم وحسابها والعالم بها ، والدالّ على نحوسها وسعودها وما يكون من المواليد ، وأنَّ التدبير واحد لم يختلف متّصل فيما بين السماء والأرض وما فيها ؛ فبيّن لي كيف قلت ، هو الأوّل والآخر وهو اللّطيف الخبير وأشباه ذلك ؟ قلت : هو الاوَّل بلا كيف ، وهو الآخر بلا نهاية ، ليس له مثل ، خلق الخلق والأشياء لا من شيء ولا كيف بلا علاج ولا معاناة ولا فكر ولا كيف ، كما أنّه لا كيف له ، وإنّما الكيف بكيفيّة المخلوق لأنّه الأوَّل لا بدءَ له ولا شبه ولا مثل ولا ضدّ ولا ندّ ، لا يدرك ببصر ولا يحسُّ بلمس ، ولا يعرف إلا بخلقه تبارك وتعالى .

قال : فصف لي قوَّته . قلت : إنّما سمّي ربّنا جلَّ جلاله قويّاً للخلق العظيم القويّ الّذي خلق مثل الأرض وما عليها من جبالها وبحارها ورمالها وأشجارها وما عليها من الخلق المتحرّك من الإنس ومن الحيوان ، وتصريف الرياح والسحاب المسخّر المثقّل بالماء الكثير ، والشمس والقمر وعظمهما وعظم نورهما الّذي لا تدركه الأبصار بلوغاً ولا منتهاً ، والنجوم الجارية ، ودوران الفلك ، وغلظ السماء ، وعظم الخلق العظيم

____________________________

(١) نهش الحية : تناوله بفمه ليعضّه فيؤثر فيه ولا يجرحه .

١٩٣
 &

والسماء المسقّفة فوقنا راكدة في الهواء ، وما دونها من الأرض المبسوطة ، وما عليها من الخلق الثقيل ، وهي راكدة لا تتحرّك ، غير أنّه ربّما حرّك فيها ناحية ، والناحية الاُخرى ثابتة ، وربّما خسف منها ناحية والناحية الاُخرى قائمة ؛ يرينا قدرته ويدلّنا بفعله على معرفته ، فلهذا سمّي قويّاً لا لقوَّة البطش المعروفة من الخلق ، ولو كانت قوَّته تشبه قوَّة الخلق لوقع عليه التشبيه ، وكان محتملاً للزيادة ، وما احتمل الزيادة كان ناقصاً وما كان ناقصاً لم يكن تامّاً ، وما لم يكن تامّاً كان عاجزاً ضعيفاً ، والله عزَّوجلَّ لا يشبه بشيء ، وإنّما قلنا : إنّه قويٌّ للخلق القويّ ؛ وكذلك قولنا ، العظيم والكبير ؛ ولا يشبّه بهذه الأسماء الله تبارك وتعالى .

قال : أفرايت قوله : سميع بصير عالم ؟ قلت : إنّما يسمّى تبارك وتعالى بهذه الأسماء لأنّه لا يخفى عليه شيء ممّا لا تدركه الأبصار من شخص صغير أو كبير ، أو دقيق أو جليل ، ولا نصفه بصيراً بلحظ عين كالمخلوق ؛ وإنّما سمّي سميعاً لأنّه ما يكون من نجوى ثلاثة إلّا هو رابعهم ، ولا خمسة إلّا هو سادسهم ، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلّا هو معهم أينما كانوا ، يسمع النجوى ، ودبيب النمل على الصفا ، (١) وخفقان الطير في الهواء (٢) لا تخفى عليه خافية ولا شيء ممّا أدركته الأسماع والأبصار وما لا تدركه الأسماع والأبصار ، ما جلّ من ذلك وما دقّ ، وما صغر وما كبر ؛ ولم نقل سميعاً بصيراً كالسمع المعقول من الخلق ؛ وكذلك إنّما سمّي عليماً لأنّه لا يجهل شيئاً من الأشياء ، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، علم ما يكون وما لا يكون ، وما لو كان كيف يكون ، ولم نصف عليماً بمعنى غريزة يعلم بها ، كما أنَّ للخلق غريزة يعلمون بها ، فهذا ما أراد من قوله : عليم ؛ فعزَّ من جلَّ عن الصفات ، ومن نزَّه نفسه عن أفعال خلقه فهذا هو المعنى ، ولولا ذلك ما فصل بينه وبين خلقه فسبحانه وتقدّست أسماؤه .

قال : إنَّ هذا لكما تقول ولقد علمت أنّما غرضي أن أسأل عن ردّ الجواب فيه عند مصرف يسنح عنّي ، فأخبرني لعلّي اُحكمه فيكون الحجّة قد انشرحت للمتعنّت المخالف ، أو السائل المرتاب ، أو الطالب المرتاد ، مع ما فيه لأهل الموافقة من الازدياد . فأخبرني عن قوله : لطيف ، وقد عرفت أنّه للفعل ، ولكن قد رجوت أن تشرح لي ذلك بوصفك . قلت : إنّما

____________________________

(١) الصفا : الحجر الصلد الضخم .

(٢) خفق الطير : ضرب بجناحيه .

١٩٤
 &

سمّيناه لطيفاً للخلق اللّطيف ، ولعلمه بالشيء اللّطيف ممّا خلق من البعوض والذرّة ، (١) وممّا هو أصغر منهما لا يكاد تدركه الأبصار والعقول ، لصغر خلقه من عينه وسمعه و صورته ، لا يعرف من ذلك لصغره الذكر من الاُنثى ، ولا الحديث المولود من القديم الوالد ، (٢) فلمّا رأينا لطف ذلك في صغره وموضع العقل فيه والشهوة للسفاد (٣) والهرب من الموت ، والحدب على نسله من ولده ، ومعرفة بعضها بعضاً ، وما كان منها في لجج البحار ، وأعنان السماء ، والمفاوز والقفار ، وما هو معنا في منزلنا ، ويفهم بعضهم بعضاً من منطقهم ، وما يفهم من أولادها ، ونقلها الطعام إليها والماء ، علمنا أنَّ خالقها لطيف وأنّه لطيف بخلق اللّطيف ، (٤) كما سمّيناه قويّاً بخلق القويّ.

قال : إنَّ الّذي جئت به لواضح ، فكيف جاز للخلق أن يتسمّوا بأسماء الله تعالى ؟ قلت : إنَّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه أباح للناس الأسماء ووهبها لهم ، وقد قال القائل من الناس للواحد : واحد ، ويقول لله : واحد ويقول قويّ والله تعالى قويّ ، ويقول : صانع والله صانع ، ويقول : رازق والله رازق ، ويقول : سميع بصير والله سميع بصير ، وما أشبه ذلك ، فمن قال للإنسان : واحد فهذا له اسم وله شبيه ، والله واحد وهو له اسم ولا شيء له شبيه وليس المعنى واحداً ؛ وأمّا الأسماء فهي دلالتنا على المسمّى لأنّا قد نرى الإنسان واحداً وإنّما نخبر واحداً إذا كان مفرداً فعلم أنَّ الإنسان في نفسه ليس بواحد في المعنى لأنَّ أعضاءه مختلفة وأجزاءه سواءاً ، ولحمه غير دمه ، وعظمه غير عصبه ، وشعره غير ظفره ، وسواده غير بياضه ، وكذلك سائر الخلق والإنسان واحد في

____________________________

(١) الذر : صغار النمل .

(٢) هذا تنبيه منه عليه السلام على وجود الحيوانات الحية والميكروبات المخفية عن الانظار و العقول ، قبل وجود المكبّرات واختراع الميكروسكوب والمنظار بقرون ، وغير خفى أن العلم بذلك في أحد عشر قرنا قبل زماننا لم يك يحصل إلا لذوي النفوس الكاملة والانظار الثاقبة ، الذين خصهم الله من بريته بفضله ، وأيدهم بحكمته ، وانتجبهم لولايته من بين خلقه ، وعلّمهم ما لا يعلّم غيرهم من عبيده .

(٣) وفي نسخة : والشهوة للبقاء .

(٤) وفي نسخة : لطيف يخلق اللطيف .

١٩٥
 &

الاسم ، وليس بواحد في الاسم والمعنى والخلق ، فإذا قيل لله فهو الواحد الّذي لا واحد غيره لأنّه لا اختلاف فيه ، وهو تبارك وتعالى سميع وبصير وقويٌّ وعزيز وحكيم وعليم فتعالى الله أحسن الخالقين .

قال : فأخبرني عن قوله : رؤوفٌ رحيم ، وعن رضاه ومحبّته وغضبه وسخطه . قلت : إنَّ الرحمة وما يحدث لنا منها شفقّة ومنها جود ، وإنَّ رحمة الله ثوابه لخلقه ؛ والرحمة من العباد شيئان : أحدهما يحدث في القلب الرأفة والرقّة لما يرى بالمرحوم من الضرِّ والحاجة وضروب البلاء ، والآخر ما يحدث منّا من بعد الرأفة واللّطف على المرحوم والرحمة منّا ما نزل به ، وقد يقول القائل : انظر إلى رحمة فلان وإنّما يريد الفعل الّذي حدث عن الرقّة الّتي في قلب فلان ، وإنّما يضاف إلى الله عزَّوجلَّ من فعل ما حدث عنّا من هذه الأشياء ؛ وأمّا المعنى الّذي هو في القلب فهو منفيٌّ عن الله كما وصف عن نفسه فهو رحيم لا رحمة رقّة ؛ وأمّا الغضب فهو منّا إذا غضبنا تغيّرت طبائعنا وترتعد أحياناً مفاصلنا و حالت ألواننا ، ثمَّ نجيىء من بعد ذلك بالعقوبات فسمّي غضباً ، فهذا كلام الناس المعروف ؛ والغضب شيئان : أحدهما في القلب ، وأمّا المعنى الّذي هو في القلب فهو منفيٌّ عن الله جلّ جلاله ، وكذلك رضاه وسخطه ورحمته على هذه الصفة جلّ وعزّ لا شبيه له ولا مثل في شيء من الأشياء .

قال : فأخبرني عن إرادته . قلت : إنَّ الإرادة من العباد الضمير وما يبدو بعد ذلك من الفعل ، وأمّا من الله عزَّوجلَّ فالإرادة للفعل إحداثه إنّما يقول له : كن فيكون بلا تعب ولا كيف .

قال : قد بلغت حسبك فهذه كافية لمن عقل ؛ والحمد لله ربّ العالمين ، الّذي هدانا من الضلال ، وعصمنا من أن نشبّهه بشيء من خلقه ، وأن نشكّ في عظمته وقدرته ولطيف صنعه وجبروته ، جلّ عن الأشباه والأضداد ، وتكبّر عن الشركاء والأنداد .

شرح : قوله عليه‌السلام : دفعت إليه على بناء المجهول أي دفعتك الحاجة والضرورة إليه ، وفي الأساس : دفع فلان إلى فلان : انتهى إليه . قوله عليه‌السلام : مغيض هو بفتح الميم و كسر الغين المعجمة : موضع يجري إليه الماء ويغيب أو يجتمع فيه ، وفي الثاني مصدر ميميٌّ

١٩٦
 &

قوله عليه‌السلام : في الجهات الأربع أي الشمال والجنوب والصبا والدبور ، ويحتمل أن يكون المراد المتغيّرة بسب الصفات الأربعة الّتي فسّرها عليه‌السلام . قوله عليه‌السلام : تلقح أجسادهم أي تنميها ، مستعاراً من لقاح الشجر ، كما قال تعالى : وأرسلنا الرياح لواقح . وفي أكثر النسخ بالفاء وهو بمعنى الإحراق ، فيكون كناية عن نضجها . والودق : المطر . قوله : وقضباً يعني الرطبة ، سمّيت بمصدر قبضه إذا قطعه لأنّها تقضب مرَّة بعد اُخرى . وحدائق غلباً أي عظاماً ، وصفت به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها ، أو لأنّها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب . وأبّاً : مرعىً ، من أبّ إذا أمَّ لأنّه يؤمُّ وينتجع ، أو من أبَّ لكذا : إذا تهيّأ له لأنّه متهيّأ للرعي ، وفاكهة يابسة تؤبُّ للشتاء . وقال الجوهريّ : الأثاث : متاع البيت قال الفرّاء : لا واحد له ، وقال أبو زيد : الأثاث المال أجمع ، الإبل والغنم والعبيد والمتاع ، الواحدة : أثاثة . انتهى . ومتاعاً أي شيئاً ينتفع به . إلى حين إلى أن تقضوا منه أوطاركم أو إلى أن يبلى ويفنى أو إلى أن تموتوا . قوله عليه‌السلام : والانتفاع عطف على أصوافها ، أو في أصوافها . قوله عليه‌السلام : ومستقرّ اسم مكان معطوف على الأدواء . قوله عليه‌السلام : هو الأوّل بلا كيف أي كان أزليّاً من غير اتّصاف بكيفيّه ، أو من غير أن تعرف كيفيّة أوّليّته بمقارنة زمان قديم بل بلا زمان . قوله عليه‌السلام : لا من شيء ولا كيف أي لا من مادّة ولا من شبه ومثال وتصوّر وخيال تمثّل فيه كيفيّة الخلق ثمّ خلق على مثال ذلك كما في المخلوقين . قوله عليه‌السلام ثانياً : ولا كيف أي ليس لخلقه وإيجاده كيفيّه كما في المخلوقين من حركة ومزاولة عمل فكما أنّه لا كيف لذاته لا كيف لإيجاده ، وإذا وصف خلقه وإيجاده بالكيف فهو يرجع إلى كيفيّة مخلوقة فإذا قيل : كيف خلق الأشياء فالمعنى الصحيح له كيف مخلوقاته لا أنّه كيف كان فعله و إيجاده ، وإليه أشار عليه‌السلام بقوله : وإنّما الكيف بكيفيّة المخلوق ، ثمَّ علّل ذلك بأنَّ هذه صفات المحدَثين ، وهو الأوَّل لا بدء له ولا شبه فكيف يتّصف بها . قوله عليه‌السلام : الّذي خلق خبر مبتداء محذوف أي هو الّذي . وقوله عليه‌السلام : وتصريف الرياح عطف على الخلق العظيم ويحتمل العطف على قوله : مثل الأرض . قوله عليه‌السلام : بلوغاً ولا منتهى لعلّ المراد أنّه لا يبلغ الأبصار إليهما ، ولا إلى منتهى نورهما ، أو منتهى جسمهما .

١٩٧
 &

قوله عليه‌السلام : وعظم الخلق العظيم أي السماء أو ما عليها من الملائكة . قوله : ولا يشبّه بهذه الأسماء على بناء المجهول من باب التفعيل أي لا يصير إطلاق هذه الأسماء عليه سبباً لأن يظنّ أنّه شبيه بخلقه . قوله : إنّما غرضي أي غرضي من السؤال أن تجيب عمّا يعرض لي من إشكال يصرّفني عن الحقّ ، يسنح ويظهر عنّي ، وفي بعض النسخ عن ردّ الجواب فيه عند متعرّف غبيّ . أي إنّي قد آمنت وأيقنت ، وإنّما المقصود من السؤال أن أقدر على أن اُجيب عن سؤال متعرّف غبيّ جاهل أحمق لأهديه إلى الحقّ ؛ وهو أظهر . والحدب : العطف والشفقة ، ولعلّ المراد بما في أعنان السماء ما يطير في الهواء . وقد مرَّ تفسير بعض الفقرات وسيأتي تفسير بعضها .

( باب ٦ )

* ( التوحيد ونفي الشريك ومعنى الواحد والاحد والصمد ) *

* ( وتفسير سورة التوحيد ) *

الايات ، البقرة : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ ١٦٣ « وقال تعالى » : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا (١) يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ ١٦٥ « وقال سبحانه » : اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢٥٥ « وقال تعالى » : لِّلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ٢٨٤

آل عمران : وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا اللَّـهُ ٦٢ « وقال تعالى » : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (٢) أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٥ (٣)

____________________________

(١) أي من الاصنام أو الرؤساء أو الاعم . يحبونهم أو يعظمونهم ويصفونهم كتعظيمه تعالى والميل إلى طاعته . قوله : أشد حبا لله أي لا تنقطع محبتهم لله ، بخلاف محبة الانداد فانها لاغراض فاسدة تزول بأدنى سبب . منه رحمه الله .

(٢) أي لا يختلف فيها الرسل والكتب . منه رحمه الله .

(٣) أي الزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم ، واعترفوا بانكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل . منه رحمه الله .

١٩٨
 &

النساء : إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ٤٨ « وقال تعالى » : وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا * إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا ١١۷ « وقال » : وَلِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا ١٣٢

انعام : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّـهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّـهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ٤٠ ، ٤١ « وقال تعالى » : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ ٥٦

الاعراف : مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ « في مواضع » ٥٩ ، ٦٥ ، ٧٣

يونس : وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ شُرَكَاءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ٦٦ « وقال تعالى » : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ اللَّـهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ١٠٤ ـ ١٠٦

هود : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّـهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ٢

يوسف : مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّـهِ مِن شَيْءٍ ٣٨ « وقال » : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ و آبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٩ ، ٤٠ « وقال » : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ١٠٦

الرعد : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ * وَلِلَّـهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّـهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّـهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ

١٩٩
 &

فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّـهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ١٤ ـ ١٦ « وقال » : قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ « وقال » : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّـهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ٣٣ « وقال » : قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّـهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ ٣٦

ابراهيم : وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ٥٢

النحل : يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢ ، ٣ « وقال تعالى » : وَقَالَ اللَّـهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَـٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّـهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّـهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّـهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ٥١ ـ ٥٧

الاسراء : لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا * وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ٢٢ ، ٣٢ « وقال تعالى » : وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ٣٩ « وقال تعالى » : قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ٤٢ ، ٤٣ « وقال تعالى » : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ٥٦ ، ٥٧

الكهف : فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَـٰهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَـٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا ١٤ ، ١٥ « وقال الله تعالى » : لَّـٰكِنَّا هُوَ اللَّـهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ

٢٠٠