بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
الصفحات: ٣٤١
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠ الجزء ٣١ الجزء ٣٥ الجزء ٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨ الجزء ٣٩ الجزء ٤٠ الجزء ٤١ الجزء ٤٢ الجزء ٤٣ الجزء ٤٤ الجزء ٤٥ الجزء ٤٦ الجزء ٤٧ الجزء ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ الجزء ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ الجزء ٥٤ الجزء ٥٥ الجزء ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ الجزء ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ الجزء ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ الجزء ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ الجزء ٧٠ الجزء ٧١ الجزء ٧٢ الجزء ٧٣ الجزء ٧٤ الجزء ٧٥ الجزء ٧٦ الجزء ٧٧ الجزء ٧٨ الجزء ٧٩ الجزء ٨٠ الجزء ٨١ الجزء ٨٢ الجزء ٨٣ الجزء ٨٤ الجزء ٨٥ الجزء ٨٦ الجزء ٨٧ الجزء ٨٨ الجزء ٨٩ الجزء ٩٠ الجزء ٩١ الجزء ٩٢ الجزء ٩٣ الجزء ٩٤ الجزء ٩٥ الجزء ٩٦   الجزء ٩٧ الجزء ٩٨ الجزء ٩٩ الجزء ١٠٠ الجزء ١٠١ الجزء ١٠٢ الجزء ١٠٣ الجزء ١٠٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وممّا ينتقده الجاحدون للعمد والتقدير الموت والفناء فإنّهم يذهبون إلى أنّه ينبغي أن يكون الناس مخلّدين في هذه الدنيا مبرّئين من الآفات . فينبغي أن يساق هذا الأمر إلى غايته فينظر ما محصوله . أفرأيت لو كان كلّ من دخل العالم ويدخله يبقون ولا يموت أحد منهم ألم تكن الأرض تضيق بهم حتّى تعوزهم المساكن والمزارع والمعاش ؟ فإنّهم والموت يفنيهم أوّلاً أوّلاً يتنافسون في المساكن والمزارع حتّى ينشب بينهم في ذلك الحروب ويسفك فيهم الدماء ، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون ؟ وكان يغلب عليهم الحرص والشره وقساوة القلوب ، فلو وثقوا بأنّهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشيء ينال ، ولا أفرج لأحد عن شيء يسأله ، ولا سلا عن شيء ممّا يحدث عليه ثمّ كانوا يملّون الحياة وكلَّ شيء من اُمور الدنيا كما قد يملّ الحياة من طال عمره حتّى يتمنّى الموت والراحة من الدنيا .

فإن قالوا : إنّه كان ينبغي أن يرفع عنهم المكاره والأوصاب حتّى لا يتمنّوا الموت ولا يشتاقوا إليه فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتوّ والأشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدين والدنيا . وإن قالوا : إنّه كان ينبغي أن لا يتوالدوا كيلا تضيق عنهم المساكن والمعاش قيل لهم : إذاً كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم الله ومواهبه في الدارين جميعاً إذا لم يدخل العالم إلّا قرن واحد لا يتوالدون ولا يتناسلون .

فإن قالوا : كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم . يقال لهم : رجع الأمر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعاش عنهم ثمّ لو كانوا لا يتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الاُنس بالقرابات وذوي الأرحام والانتصار بهم عند الشدائد ، وموضع تربية الأولاد والسرور بهم . ففي هذا دليل على أنَّ كلّما تذهب إليه الأوهام سوى ما جرى به التدبير خطأ وسفاه من الرأي والقول .

ولعلَّ طاعناً يطعن على التدبير من جهة اُخرى فيقول : كيف يكون ههنا تدبير ونحن نرى الناس في هذه الدنيا من عزَّ بزَّ ؟ فالقويُّ يظلم ويغصب ، والضعيف يظلم ويسأم الخسف والصالح فقير مبتلى ، والفاسق معافى موسّع عليه ، ومن ركب فاحشة أو انتهك محرّماً لم يعاجل بالعقوبة ؛ فلو كان في العالم تدبير لجرت الاُمور على

١٤١
 &

القياس القائم ، فكان الصالح هو المرزوق ، والطالح هو المحروم ، وكان القويُّ يمنع من ظلم الضعيف ، والمتهتّك للمحارم يعاجل بالعقوبة ؛ فيقال في جواب ذلك : إنّ هذا لو كان هكذا لذهب موضع الاحسان الّذي فضّل به الإنسان على غيره من الخلق ، و حمل النفس على البرّ والعمل الصالح احتساباً للثواب وثقة بما وعد الله منه ، ولصار الناس بمنزلة الدوابّ الّتي تساس (١) بالعصا والعلف ، ويلمع لها بكلّ واحد منهما ساعة فساعة فتستقيم على ذلك ، ولم يكن أحد يعمل على يقين بثواب أو عقاب حتّى كان هذا يخرجهم عن حدّ الإنسيّة إلى حدّ البهائم ، ثمَّ لا يعرف ما غاب ولا يعمل إلّا على الحاضر ، وكان يحدث من هذا أيضاً أن يكون الصالح إنّما يعمل الصالحات للرزق والسعة في هذه الدنيا ، ويكون الممتنع من الظلم والفواحش إنّما يعفّ عن ذلك لترقّب عقوبة تنزل به من ساعته حتّى يكون أفعال الناس كلّها تجري على الحاضر لا يشوبها شيء من اليقين بما عند الله ، ولا يستحقّون ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها ؛ مع أنَّ هذه الاُمور الّتي ذكرها الطاعن من الغنى والفقر والعافية والبلاء ليست بجارية على خلاف قياسه ، بل قد تجري على ذلك أحياناً ، والأمر المفهوم ، فقد ترى كثيراً من الصالحين يرزقون المال لضروب من التدبير ، وكيلا يسبق إلى قلوب الناس أنّ الكفّار هم المرزوقون ، والأبرار هم المحرومون ، فيؤثرون الفسق على الصلاح ؛ وترى كثيراً من الفسّاق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم وعظم ضررهم على الناس وعلى أنفسهم ، كما عوجل فرعون بالغرق ، وبخت نصر بالتيه ، وبلبيس بالقتل ؛ وإِن اُمهل بعض الأشرار بالعقوبة واُخّر بعض الأخيار بالثواب إلى الدار الآخرة لأسباب تخفى على العباد لم يكن هذا ممّا يبطل التدبير ، فإنّ مثل هذا قد يكون من ملوك الأرض ولا يبطل تدبيرهم ، بل يكون تأخيرهم ما أخّروه أو تعجيلهم ما عجّلوه داخلاً في صواب الرأي والتدبير ؛ وإذا كانت الشواهد تشهد وقياسهم يوجب أنّ للأشياء خالقاً حكيماً قادراً فما يمنعه أن يدبّر خلقه فإنّه لا يصحّ في قياسهم أن يكون الصانع يهمل صنعته إلّا بإحدى ثلاث خلال : إمّا عجز ، وإمّا جهل ، وإمّا شرارة ؛ وكلّ هذه محال في صنعته عزَّوجلَّ

____________________________

(١) ساس الدوب أي قام عليها وراضها .

١٤٢
 &

وتعالى ذكره وذلك أنّ العاجز لا يستطيع أن يأتي بهذه الخلائق الجليلة العجيبة ، والجاهل لا يهتدي لما فيها من الصواب والحكمة ، والشرير لا يتطاول لخلقها وإنشائها وإذا كان هذا هكذا وجب أن يكون الخالق لهذه الخلائق يدبّرها لا محالة وإن كان لا تدرَك كنه ذلك التدبير ومخارجه فإنّ كثيراً من تدبير الملوك لا تفهمه العامّة ولا تعرف أسبابه لأنّها لا تعرف دخلة أمر الملوك وأسرارهم فإذا عرف سببه وجد قائماً على الصواب و الشاهد المحنة . ولو شككت في بعض الأدوية والأطعمة فيتبيّن لك من جهتين أو ثلاث أنّه حارٌّ أو بارد ألم تكن ستقضي عليه بذلك وتنفي الشكّ فيه عن نفسك ؟ فما بال هؤلاء الجهلة لا يقضون على العالم بالخالق والتدبير مع هذه الشواهد الكثيرة ؟ وأكثر منها ما لا يحصى كثرةً ، لو كان نصف العالم وما فيه مشكلاً صوابه لما كان من حزم الرأي وسمت الأدب أن يقضى على العالم بالإهمال لأنّه كان في النصف الآخر وما يظهر فيه من الصواب والإتقان ما يردع الوهم عن التسرّع إلى هذه القضيّة فكيف وكلّ ما كان فيه إذا فتّش وجد على غاية الصواب حتّى لا يخطر بالبال شيء إلّا وجد ما عليه الخلقة أصحّ وأصوب منه ؟ .

بيان قوله عليه‌السلام : للاسم الأقدم لعلّ المراد بالاسم المسمّى ، (١) أو المراد الاسم الّذي أظهره وأثبته في اللّوح قبل سائر الأسماء ، أو المراد الاسم الّذي يخصّ الذات فهو أسبق الأسماء في الاعتبار وأشرفها كما يظهر من الآثار . قوله : والغيب المحظور أي الممنوع عن غيره تعالى إلّا من ارتضاه لذلك . قوله : بالعرض قال الفيروزآباديُّ : عرض الشيء : ظهر ، والعرض : أن يموت الإنسان من غير علّة . والاجتياح : الاستيصال . قوله عليه‌السلام : ويلذع يقال : لذعته النار أي أحرقته ، ولذعه بلسانه أي أوجعه بكلام ،

____________________________

(١) المراد بالاسم هو المسمى لكن لا كما ذكره رحمه الله وأراد بالمسمى الذات بل كما تدل عليه الاخبار الاتية في أبواب الاسماء الحسنى تحكى عن المصداق المناسب لها ونفس المصداق اسم للذات عزت أسماؤه وأن الاسماء الملفوظة في الحقيقة أسماء الاسماء لكنه رحمه الله عد هذه الاخبار من المتشابهات ولذلك تكلف في أمثال هذه الموارد بما تكلف ؛ وأما المعنيان الاخران فواضح الفساد كيف والامام عليه السلام يوصف هذا الاسم بقوله : ذى الجلال والاكرام .... بعد عطف قوله : والنور الاعظم عليه ؛ فتأمل فيه . ط

١٤٣
 &

وفي بعض النسخ بإهمال الأوَّل وإعجام الثاني من لدغ العقرب . ويقال : رثيت لفلان أي رققت له . والمضض محرّكة : وجع المصيبة . قوله عليه‌السلام : إذا كان يكون غير محمود يمكن أن يقرأ إذا بالتنوين وبدونها ، وعلى الثاني يكون خبر كان محذوفاً أي إذا كان الإنسان كذلك .

ثمَّ اعلم أنّه ينبغي أن تحمل العصمة المأخوذة في السؤال على غير المعنى المشهور الّذي سيأتي تحقيقه في باب عصمة الأئمّة عليهم‌السلام بل المراد العصمة بمعنى الإلجاء الّذي لم يبق معه اختيار ، ولذا فرَّع عليه‌السلام عليه عدم استحقاق الثواب ، وإلّا فالعصمة الّتي اتّصفت بها الأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام لا ينافي ذلك كما سنحقّقه في مقامه إن شاء الله تعالى . ويمكن أن يقال ـ على تقدير أن يكون المراد هذا المعنى أيضاً ـ بأنّه إذا صار هذا عامّاً في جميع البشر لا يتأتّى في بعض الموادّ الّتي لا تستحقّ ذلك من نفوس الأشرار والفجّار إلّا بالإلجاء الرافع للاستحقاق . قوله عليه‌السلام : إلى غاية الكلب والضراوة قال الجوهريّ : دفعت عنك كلب فلان أي شرّه وأذاه ، والكلب أيضا شبيه بالجنون . وقال : ضرى الكلب بالصيد ضراوة أي تعوّد . أقول : لمّا كان السؤال مبنيّاً على فرض العصمة ظاهراً فتصحيح هذا الجواب في غاية الإشكال وخطر بالبال وجوه :

الأوّل : أن لا يكون السؤال مبنيّاً على فرض العصمة بل يكون المراد أنّه لمّا ذكرت أنّ العصمة تنافي الاستحقاق فنقول : لمَ لم يبذل لهم الثواب على أيّ حال بـأن يكلّفهم العمل ليستحقّوا الثواب إن أرادوا استحقاقه وإلّا أعطاهم من غير استحقاق ؟ إذ كثير من الناس يطلبون النعيم بغير استحقاق فلا يكون عليهم في الدنيا والآخرة سخط على المخالفة ، وعلى هذا الجواب ظاهر الانطباق على السؤال كما لا يخفي .

الثاني : أن يكون السؤال مبنيّاً على فرض العصمة في بعضهم وهم الّذين يطلبون الثواب ولا يريدون استحقاقه كما هو ظاهر السياق ، ويكون حاصل الجواب أنّه لو كان المجبور على الخيرات مثاباً فمقتضى العدل أن يكون غير المجبور الطالب للخير والاستحقاق غير معاقب على حال وإلّا لكان له الحجّة على ربّه بأنّك لم تعصمني كما عصمت غيري ، ومنعت عنّي اللّطف بالبلايا والصوارف عن المعاصي في الدنيا ثمَّ تعذّبني على المعاصي ،

ـ ٩ ـ بحار الأنوار

١٤٤
 &

فعلى هذا فلو علم غير المعصومين ذلك لدعتهم الدواعي النفسانيّة إلى غاية الفساد ، وهذا وجه وجيه لكن يحتاج إلى طيّ بعض المقدَّمات .

الثالث : أن يكون السؤال مبنيّاً على ذلك الفرض أيضاً لكن يكون الجواب مبنيّاً على أنّه قد يستلزم المحال نقيضه ، إذ الكلام في هذا النوع من الخلق المسمّى بالإنسان الّذي اقتضت الحكمة أن يكون قد ركّبت فيه أنواع الشهوات والدواعي فلو فرضته على غير تلك الحالة لكان من قبيل فرض الشيء انساناً وملكاً وهما لا يجتمعان ، فعلى هذا يلزمه أيضاً لفرض كونه إنساناً أن يدعوه عدم خوف العقاب والفراغ إلى الأشر والبطر وأنواع المعاصي ، وحاصله يرجع إلى تغيير الجواب الأوّل إلى جواب آخر لا يرد عليه السؤال على غاية اللّطف والدقّة .

والردع : الكفّ والمنع . وقوله : يغتبطون على البناء للفاعل من الاغتباط وهو حسن الحال بحيث يتمنّي غيره حاله . والحضّ : الحثّ والتحريص . وتمحيص الأوزار : تنقيصها أو إزالتها . قوله عليه‌السلام : فإن قال : ولمَ يحدث على الناس ؟ أقول : لمّا كان آخر الكلام موهماً لأنّ هذه الاُمور بعد حدوثها يصيّرها الله تعالى إلى الحكمة والصلاح سأل : ثانياً ما السبب في أصل الحدوث حتّى يحتاج إلى أن يجعله الله صلاحاً ؟ ويحتمل أن يكون مراده أنّا علمنا أنّ في وجودها صلاحاً فهل في عدمها فساد ؟ والجواب على التقديرين ظاهر . وقال الفيروزآباديّ : عوز الشيء كفرح : لم يوجد ، وأعوزه الشيء . احتاج إليه ، والدهر أحوجه . وقال : تناشبوا : تضامّوا وتعلّق بعضهم ببعض ، ونشبه الأمر كلزم زنةً ومعنىً . وقال : افرجوا عن الطريق والقتيل : انكشفوا ، وعن المكان : تركوه . انتهى . والمراد هنا عدم التخلية بين أحد وبين ما يريده . قوله عليه‌السلام : ولا سلا عن شيء أي لا ينسى ويتسلّى عن شيء من المصائب إذ بتذكّر الموت تزول شدّة المحن ، من قولهم : سلا عن الشيء أي نسيه . وقال الجوهرىّ : بزَّه يبزُّه بزّاً : سلبه ، وفي المثل من عزَّ بزَّ أي من غلب أخذ السلب . وقال : سامه خسفاً وخُسفاً بالضمّ أي أولاه ذلّاً . وقال الفيروزآباديّ : لمع بيده : أشار . وقال تفاقم الأمر : عظم . قوله عليه‌السلام : وبخت نصّر بالتيه أقول : لعلّه إشارة إلى ما ذكره جماعة من المؤرّخين أنّ ملكاً من الملائكة لطم بخت نصّر لطمة

١٤٥
 &

ومسخه وصار في الوحش في صورة أسد وهو مع ذلك يعقل ما يفعله الإنسان ، ثمَّ ردّه الله تعالى إلى صورة الإنس وأعاد إليه ملكه فلمّا عاد إلى ملكه أراد قتل دانيال فقتله الله على يد واحد من غلمانه ؛ (١) وقيل في سبب قتله : إنّ الله أرسل عليه بعوضة فدخلت في منخره وصعدت إلى رأسه فكان لا يقرّ ولا يسكن حتّى يدقّ رأسه فمات من ذلك . وبلبيس غير معروف عند المؤرّخين . والتطاول هنا مبالغة في الطَول بمعنى الفضل والإحسان . ودخلة الرجل مثلّثة : نيّته ومذهبه وجمع أمره وبطانته . قوله عليه‌السلام : والشاهد المحنة أي بالشاهد يمكن امتحان الغائب .

واعلم يا مفضّل إنّ اسم هذا العالم بلسان اليونانيّة الجاري المعروف عندهم « قوسموس » (٢) وتفسيره « الزينة » وكذلك سمّته الفلاسفة ومن ادّعى الحكمة أفكانوا يسمّونه بهذا الاسم إلّا لما رأوا فيه من التقدير والنظام ؟ فلم يرضوا أن يسمّوه تقديراً ونظاماً حتّى سمّوه زينة ليخبروا أنّه مع ما هو عليه من الصواب والإتقان على غاية الحسن والبهاء .

أعجب يا مفضّل من قوم لا يقضون صناعة الطبّ بالخطأ وهم يرون الطبيب يخطىء ، ويقضون على العالم بالإهمال ولا يرون شيئاً منه مهملاً . بل أعجب من أخلاق من ادّعى الحكمة حتّى جهلوا مواضعها في الخلق فأرسلوا ألسنتهم بالذمّ للخالق جلّ وعلا . بل العجب من المخذول « مانيّ » حين ادّعى علم الأسرار وعمي عن دلائل الحكمة في الخلق حتّى نسبه إلى الخطأ ونسب خالقه إلى الجهل تبارك الحليم الكريم . وأعجب منهم جميعاً المعطّلة الّذين راموا أن يدرك بالحسّ ما لا يدرك بالعقل فلمّا أعوزهم (٣) ذلك خرجوا إلى الجحود والتكذيب فقالوا : ولمَ لا يدرك بالعقل ؟ قيل : لأنّه فوق مرتبة العقل كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته فإنّك لو رأيت حجراً يرتفع في الهواء علمت أنّ رامياً رمى به فليس هذا العلم من قبل البصر بل من قبل العقل لأنّ العقل هو الّذي يميّزه فيعلم أنَّ الحجر لا يذهب علواً من تلقاء نفسه ؛ أفلا ترى كيف وقف البصر

____________________________

(١) سنشير ان شاء الله إلى ما في هذا النقل من الاختلاط والوهن .

(٢) وفي نسخة : فرسموس .

(٣) أعوزه أي أعجزه وصعب عليه نيله .

١٤٦
 &

على حدّه فلم يتجاوزه ؟ فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق فلا يعدوه ولكن يعقله بعقل أقرّ أنَّ فيه نفساً ولم يعاينها ولم يدركها بحاسّة من الحواسّ ، وعلى حسب هذا أيضاً نقول : إنّ العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته .

فإن قالوا : فكيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللّطيف ولا يحيط به ؟ قيل لهم : إنّما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه ، وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه ، ولم يكلّفوا الإحاطة بصفته كما أنّ الملك لا يكلّف رعيّته أن يعلموا أطويل هو أم قصير ، أبيض هو أم أسمر (١) وإنما يكلّفهم الإذعان بسلطانه والانتهاء إلى أمره ؛ ألا ترى أنّ رجلاً لو أتى باب الملك فقال : أعرض عليَّ نفسك حتّى أتقصّي معرفتك (٢) وإلّا لم أسمع لك كان قد أحلّ نفسه العقوبة ، فكذا القائل : إنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتّى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه .

فإن قالوا : أوليس قد نصفه فنقول : هو العزيز الحكيم الجواد الكريم ؟ قيل لهم : كلّ هذه صفات إقرار ، وليست صفات الإحاطة ، فإنّا نعلم أنّه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه ، (٣) وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته كما قد نرى السماء ولا ندري ما جوهرها ، ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه ، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له لأنَّ الأمثال كلّها تقصر عنه ولكنّها تقود العقل إلى معرفته .

فإن قالوا : ولمَ يختلف فيه ؟ قيل لهم : لقصر الأوهام عن مدى عظمته (٤) وتعدّيها أقدارها في طلب معرفته ، وإنّها تروم الإحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه ، فمن ذلك هذه الشمس الّتي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها ، ولذلك كثرت الأقاويل فبها واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها فقال بعضهم : هو فلك أجوف مملوٌّ ناراً ، له فمٌ يجيش بهذا الوهج والشعاع ؛ وقال آخرون : هو سحابة ؛ وقال آخرون : هو جسم زجاجيٌّ يقبل ناريّة في العالم ويرسل عليه شعاعها ؛ وقال آخرون : هو صفو

____________________________

(١) السمرة : لون بين السواد والبياض .

(٢) تقصى واستقصى المسألة : بلغ النهاية في البحث عنها .

(٣) وفي نسخة : ولا نحيط بكنه ذلك منه .

(٤) المدى : الغاية والمنتهى .

١٤٧
 &

لطيف ينعقد من ماء البحر ؛ وقال آخرون : هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار ؛ وقال آخرون : هو من جوهر خامس سوى الجواهر الأربع . ثمَّ اختلفوا في شكلها فقال بعضهم : هي بمنزلة صفيحة عريضة ؛ وقال آخرون : هي كالكرة المدحرجة . وكذلك اختلفوا في مقدارها فزعم بعضهم أنّها مثل الأرض سواء ؛ وقال آخرون : بل هي أقلّ من ذلك ؛ وقال آخرون : هي أعظم من الجزيرة العظيمة . وقال أصحاب الهندسة : هي أضعاف الأرض مائة وسبعون مرّة . ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على أنّهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها ، وإذا كانت هذه الشمس الّتي يقع عليها البصر و يدركها الحسّ قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها فكيف ما لطف عن الحسّ واستتر عن الوهم ؟ .

فإن قالوا : ولم استتر ؟ قيل لهم : لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب عن الناس بالأبواب والستور ، وإنّما معنى قولنا : استتر أنّه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام ، كما لطفت النفس وهي خلق من خلقه وارتفعت عن إدراكها بالنظر .

فإن قالوا : ولمَ لطف ؟ ـ وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ـ كان ذلك خطأً من القول لأنّه لا يليق بالّذي هو خالق كلّ شيء إلّا أن يكون مبائناً لكلّ شيء ، متعالياً عن كلّ شيء ؛ سبحانه وتعالى .

فإن قالوا : كيف يعقل أن يكون مبائناً لكلّ شيء متعالياً ؟ قيل لهم : الحقّ الّذي تطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه : فأوّلها أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود والثاني أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره . والثالث أن يعرف كيف هو وما صفته ؟ والرابع أن يعلم لماذا هو ولأيّة علّة ؟ فليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حقّ معرفته غير أنّه موجود فقط . فإذا قلنا : كيف وما هو ؟ فممتنع علم كنهه و كمال المعرفة به ؛ وأمّا لماذا هو فساقط في صفة الخالق لأنّه جلّ ثناؤه علّة كلّ شيء و ليس شيء بعلّة له ؛ ثمَّ ليس علم الإنسان بأنّه موجود يوجب له أن يعلم ما هو كما أنّ علمه بوجود النفس لا يوجب أن يعلم ما هي وكيف هي ، وكذلك الاُمور الروحانيّة اللّطيفة .

١٤٨
 &

فإن قالوا : فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفاً حتّى كأنّه غير معلوم ! قيل لهم : هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه والإحاطة به وهو من جهة اُخرى أقرب من كلّ قريب إذا استدلّ عليه بالدلائل الشافية فهو من جهة كالواضح لا يخفى على أحد ، وهو من جهة كالغامض لا يدركه أحد ، وكذلك العقل أيضاً ظاهر بشواهد ومستور بذاته .

فأمّا أصحاب الطبائع فقالوا : إنّ الطبيعة لا تفعل شيئاً لغير معنى ولا تتجاوز عمّا فيه تمام الشيء في طبيعتة ، وزعموا أنَّ الحكمة تشهد بذلك . (١) فقيل لهم : فمن أعطى الطبيعة هذه الحكمة والوقوف على حدود الأشياء بلا مجاوزة لها ، وهذا قد تعجز عنه العقول بعد طول التجارب ؟ فإن أوجبوا للطبيعة الحكمة والقدرة على مثل هذه الأفعال فقد أقرُّوا بما أنكروا لإنّ هذه هي صفات الخالق ، وإن أنكروا أن يكون هذا للطبيعة فهذا وجه الخلق يهتف بأنّ الفعل لخالق الحكيم .

وقد كان من القدماء طائفة أنكروا العمد والتدبير في الأشياء وزعموا أنَّ كونها بالعرض والاتّفاق ، وكان ممّا احتجّوا به هذه الآفات الّتي تلد غير مجرى العرف والعادة كالإنسان يولد ناقصاً أو زائداً إصبعاً ، أو يكون المولود مشوّهاً (٢) مبدل الخلق ، فجعلوا هذا دليلاً على أنَّ كون الأشياء ليس بعمد وتقدير ، بل بالعرض كيف ما اتّفق أن يكون . وقد كان أرسطاطاليس ردَّ عليهم فقال : إنَّ الّذي يكون بالعرض والاتّفاق إنّما هو شيءٌ يأتي في الفرط مرّة لأعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها ، وليس بمنزلة الاُمور الطبيعيّة الجارية على شكل واحد جرياً دائماً متتابعاً .

وأنت يا مفضّل ترى أصناف الحيوان أن يجري أكثر ذلك على مثال ومنهاج واحد كالإنسان يولد وله يدان ورجلان وخمس أصابع كما عليه الجمهور من الناس ، فأمّا ما يولد على خلاف ذلك فإنّه لعلّة تكون في الرحم أو في المادّة الّتي ينشأ منها الجنين ، كما يعرض في الصناعات حين يتعمّد الصانع الصواب في صنعته فيعوق دون ذلك (٣)

____________________________

(١) وفي نسخة : وزعموا أن المحنة تشهد بذلك .

(٢) أي مقبحاً .

(٣) عاقه يعوقه عن كذا : صرفه وثبطه وأخره عنه . والعائق كل ما عاقك وشغلك .

١٤٩
 &

عائق في الأداة أو في الآلة الّتي يعمل فيها الشيء فقد يحدث مثل في أولاد الحيوان للأسباب الّتي وصفنا فيأتي الولد زائداً أو ناقصاً أو مشوّهاً ويسلم أكثرها فيأتي سويّاً لا علّة فيه ، فكما أنَّ الّذي يحدث في بعض الأعمال الأعراض (١) لعلّة فيه لا توجب عليها جميعاً الإهمال وعدم الصانع كذلك ما يحدث على بعض الأفعال الطبيعيّة لعائق يدخل عليها لا يوجب أن يكون جميعها بالعرض والاتّفاق ، فقول من قال في الأشياء إنَّ كونها بالعرض والاتّفاق من قبل أنَّ شيئاً منها يأتي على خلاف الطبيعة يعرض له خطأ و خطل .

فإن قالوا : ولمَ صار مثل هذا يحدث في الأشياء ؟ قيل لهم : ليعلم أنّه ليس كون الأشياء باضطرار من الطبيعة ، ولا يمكن أن يكون سواه كما قال قائلون ، بل هو تقدير وعمد من خالق حكيم ، إذ جعل الطبيعة تجري أكثر ذلك على مجرى ومنهاج معروف ، ويزول أحياناً عن ذلك لأعراض تعرض لها فيستدلّ بذلك على أنّها مصرَّفة مدبَّرة فقيرة إلى إبداء الخالق وقدرته في بلوغ غايتها وإتمام عملها تبارك الله أحسن الخالقين .

يا مفضّل خذ ما آتيتك واحفظ ما منحتك ، وكن لربّك من الشاكرين ولآلائه من الحامدين ، ولأوليائه من المطيعين ، فقد شرحت لك من الأدلّة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد قليلاً من كثير ، وجزءاً من كلّ فتدبّره وفكّر فيه واعتبر به . فقلت : بمعونتك يا مولاي أقوى على ذلك وأبلغه إن شاء الله ؛ فوضع يده على صدري فقال : احفظ بمشيّة الله ولا تنس إن شاء الله .

فخررت مغشيّاً عليَّ فلمّا أفقت قال : كيف ترى نفسك يا مفضّل ؟ فقلت : قد استغنيت بمعونة مولاي وتأييده عن الكتاب الّذي كتبته ، وصار ذلك بين يديَّ كأنّما أقرأه من كفّي ، ولمولاي الحمد والشكر كما هو أهله ومستحقّه .

فقال : يا مفضّل فرِّغ قلبك واجمع إليك ذهنك وعقلك وطمأنينتك فساُلقي إليك من علم ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق الله بينهما ، وفيهما من عجائب خلقه و أصناف الملائكة وصفوفهم ومقاماتهم ومراتبهم إلى سدرة المنتهى ، وسائر الخلق من

____________________________

(١) وفي نسخة : فكما ان الذي يحدث في بعض الاعمال للاعراض .

١٥٠
 &

الجنّ والإنس إلى الأرض السابعة السفلى وما تحت الثرى حتّى يكون ما وعيته جزءاً من أجزاء ؛ انصرف إذا شئت مصاحباً مكلوءاً (١) فأنت منّا بالمكان الرفيع ، وموضعك من قلوب المؤمنين موضع الماء من الصدى ، ولا تسألن عمّا وعدتك حتّى اُحدث لك منه ذكراً .

قال المفضّل : فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله .

بيان : جاش البحر والقِدر وغيرهما يجيش جيشاً : غلا . قوله عليه‌السلام : قال : أصحاب الهندسة أقول : المشهور بين متأخّريهم أنَّ جرم الشمس مائة وستّة وستّون مثلاً وربع و ثمن لجرم الأرض ، وما ذكره عليه‌السلام لعلّه كان مذهب قدمائهم مع أنّه قريب من المشهور ، والاختلاف بين قدمائهم ومتأخّريهم في أمثال ذلك كثير . قوله عليه‌السلام : الحقّ الّذي أي الاُمور الحقّة الثابتة الّتي تطلب معرفتها من بين الأشياء وفي بعض النسخ لحقّ أي ما يحقّ وينبغي أن تطلب معرفته من أحوال الأشياء هو أربعة أوجه . وقال الجوهريّ : قولهم لقيته في الفرط بعد الفرط أي الحين بعد الحين . والصدى بالفتح : العطش .

ثمَّ اعلم أنّ بعض تلك الفقرات تؤمي إلى تجرّد النفس ، والله يعلم وحججه صلوات الله عليهم أجمعين .(٢)

____________________________



____________________________

(١) أي محفوظا .

(٢) بل الى وجود امور اخرى غير النفس مجردة كما يشعر به قوله : وكذلك الامور الروحانية اللطيفة ومنه يظهر أن وصف شيء بأنه روحاني أو لطيف في الاخبار يشعر بتجرده . ط

١٥١
 &

( باب ٥ )

الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالاهليلجة

حدّثني محرز بن سعيد النحويّ بدمشق قال : حدّثني محمّد بن أبي مسهر (١) بالرملة ، عن أبيه عن جدّه قال : كتب المفضّل بن عمر الجعفيّ إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليهما‌السلام يُعلمه أنّ أقواماً ظهروا من أهل هذه الملّة يجحدون الربوبيّة ، ويجادلون على ذلك ، ويسأله أن يردّ عليهم قولهم ، ويحتجّ عليهم فيما ادّعوا بحسب ما احتجّ به على غيرهم . فكتب أبو عبد الله عليه‌السلام :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ أمّا بعد وفّقنا الله وإيّاك لطاعته ، وأوجب لنا بذلك رضوانه برحمته ؛ وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملّتنا ، وذلك من قوم من أهل الإلحاد بالربوبيّة قد كثرت عدّتهم واشتدّت خصومتهم ، وتسأل أن أصنع للردّ عليهم والنقض لما في أيديهم كتاباً على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف ، ونحن نحمد الله على النعم السابغة والحجج البالغة والبلاء المحمود عند الخاصّة والعامّة فكان من نعمه العظام وآلائه الجسام الّتي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيّته ، وأخذه ميثاقهم بمعرفعته ، وإنزاله عليهم كتاباً فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر ومشتبهات الاُمور ، ولم يدع لهم ولا لشيء من خلقه حاجة إلى من سواه ، واستغنى عنهم ، وكان الله غنيّاً حميداً .

ولعمري ما اُتي الجهّال من قبل ربّهم وأنّهم ليرون الدلالات الواضحات و العلامات البيّنات في خلقهم ، وما يعاينون من ملكوت السماوات والأرض والصنع العجيب المتقن الدالّ على الصانع ، ولكنّهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي وسهّلوا لها سبيل الشهوات ، فغلبت الأهواء على قلوبهم ، واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم ، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين . والعجب من مخلوق يزعم أنّ الله يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله ، وتأليف يبطل حجّته (٢)

____________________________

(١) وفي نسخة : محمد بن أبي مشتهر .

(٢) وفي نسخة : وتاليف يبطل جحوده .

١٥٢
 &

ولعمري لو تفكّروا في هذه الاُمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البيّن ، ولطف التدبير الظاهر ، ووجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن ، ثمّ تحوّلها من طبيعة إلى طبيعة ، وصنيعة بعد صنيعة ، ما يدلّهم ذلك على الصانع فإنّه لا يخلو شيء منها من أن يكون فيه أثر تدبير وتركيب يدلّ على أنّ له خالقاً مدبّراً ، وتأليف بتدبير يهدي إلى واحد حكيم .

وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتاباً كنت نازعت فيه بعض أهل الأديان من أهل الإنكار وذلك أنّه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند ، وكان لا يزال ينازعني في رأيه ، ويجادلني على ضلالته ، فبينا هو يوماً يدقّ إهليلجةً ليخلطها دواءاً احتجت (١) إليه من أدويته ، إذ عرض له شيء من كلامه الّذي لم يزل ينازعني فيه من ادّعائه أنّ الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت واُخرى تسقط ، نفس تولد واُخرى تتلف ، وزعم أنّ انتحالي المعرفة لله تعالى دعوى لا بيّنة لي عليها ، ولا حجّة لي فيها ، وأنّ ذلك أمر أخذه الآخر عن الأوَّل ، والأصغر عن الأكبر ، وأنّ الأشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة والظاهرة إنّما تعرف بالحواسّ الخمس : نظر العين ؛ وسمع الاُذن ؛ وشمُّ الأنف ؛ وذوق الفم ؛ ولمس الجوارح ؛ ثمَّ قاد (٢) منطقه على الأصل الّذي وضعه فقال : لم يقع شيء من حواسّي على خالق يؤدّي إلى قلبي ، إنكاراً لله تعالى .

ثمَّ قال : أخبرني بِمَ تحتجُّ في معرفة ربّك الذي تصف قدرته وربوبيّته ، و إنّما يعرف القلب الأشياء كلّها بالدلالات الخمس الّتي وصفت لك ؟ قلت : بالعقل الّذي في قلبي ، والدليل الّذي أحتجُّ به في معرفته .

قال : فأنّي يكون ما تقول وأنت تعرف أنّ القلب لا يعرف شيئاً بغير الحواسّ الخمس ؟ فهل عاينت ربّك ببصر ، أو سمعت صوته باُذن ، أو شممتة بنسيم ، أو ذقتة بفم ، أو مسسة بيد فأدّى ذلك المعرفة إلى قلبك ؟ قلت : أرأيت إذ أنكرت الله وجحدته (٣)

____________________________

(١) وفي نسخة : احتاج .

(٢) قاد الدابة : مشى أمامها خذاً بقيادها .

(٣) وفي نسخة : إذا أنكرت الله وجحدته .

١٥٣
 &

ـ لأنّك زعمت أنّك لا تحسّه بحواسّك الّتي تعرف بها الأشياء ـ وأقررت أنا به هل بدٌّ من أن يكون أحدنا صادقاً والآخر كاذباً ؟ قال : لا .

قلت : أرأيت إن كان القول قولك فهل يخاف عليَّ شيء ممّا اُخوّفك به من عقاب الله ؟ قال : لا.

قلت : أفرأيت إن كان كما أقول والحقّ في يدي ألست قد أخذت فيما كنت اُحاذر من عقاب الخالق بالثقة وأنّك قد وقعت بحجودك وإنكارك في الهلكة ؟ قال : بلى .

قلت : فأيّنا أولى بالحزم وأقرب من النجاة ؟ قال : أنت ، إلّا أنّك من أمرك على ادّعاء وشبهة ، وأنا على يقين وثقة ، لأنّي لا أرى حواسّي الخمس أدركته ، وما لم تدركه حواسّي فليس عندي بموجود .

قلت : إنّه لمّا عجزت حواسّك عن إدراك الله أنكرته ، وأنا لمّا عجزت حواسّي عن إدراك الله تعالى صدّقت به .

قال : وكيف ذلك ؟ قلت : لأنّ كلّ شيء جرى فيه أثر تركيب لَجسم ، أو وقع عليه بصر لَلون فما أدركته الأبصار ونالته الحواسّ فهو غير الله سبحانه لأنّه لا يشبه الخلق ، وأنّ هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال ، وكلّ شيء أشبهه التغيير والزوال فهو مثله ، وليس المخلوق كالخالق ولا المحدَث كالمحدِث .

شرح : قوله عليه‌السلام : والبلاء المحمود عنه الخاصّة والعامّة أي النعمة الّتي يحمدها ويقرُّ بها الخاصُّ والعامُّ لنا وهو العلم ، أو النعم الّتي شملت الخاصَّ والعامَّ كما سيفصّله عليه‌السلام بعد ذلك . قوله عليه‌السلام : ما اُتى الجهّال أي ما أتاهم الضرر والهلاك إلّا من قبلهم . قال الفيروزآباديُّ : أتى كعنى أشرف عليه العدوّ . وقال الجزريّ : في حديث أبي هريرة : في العدوى إنّي قلت أتيت . أي دهيت وتغيّر عليك حسّك فتوهّمت ما ليس بصحيح صحيحاً . قوله عليه‌السلام : استحوذ الشيطان أي غلب واستولى . قوله عليه‌السلام : و صنيعة أي احسان ، ويحتمل أن يراد بها هنا الخلقة المصنوعة . قوله عليه‌السلام : لجسم بفتح اللّام أي ألبتّة هو جسم . وكذا قوله : للون . ويدلّ على أنّ التركيب الخارجيّ إنّما يكون في الجسم وأنَّ المبصر بالذات هو اللّون . قوله عليه‌السلام : أشبه التغيير أي المتغيّر ، أو ذا التغيير بتقدير مضاف .

١٥٤
 &

متن : قال : إنَّ هذا لقول ، ولكنّي لمنكر ما لم تدركه حواسّي فتؤدّيه إلى قلبي ؛ فلمّا اعتصم بهذه المقالة ولزم هذه الحجّة قلت : أمّا إذ أبيت إلّا أن تعتصم بالجهالة ، وتجعل المحاجزة حجّة فقد دخلت في مثل ما عبت وامتثلت ما كرهت ، حيث قلت : إنّي اخترت الدعوى لنفسي لأنَّ كلّ شيء لم تدركه حواسّي عندي بلا شيء .

قال : وكيف ذلك ؟ قلت : لأنّك نقمت على الادِّعاء ودخلت فيه فادّعيت أمراً لم تحط به خبراً ولم تقله علماً فكيف استجزت لنفسك الدعوى في إنكارك الله ، ودفعك أعلام النبوَّة والحجّة الواضحة وعبتها عليَّ ؟ أخبرني هل أحطت بالجهات كلّها وبلغت منتهاها ؟ قال : لا : قلت : فهل رقيت إلى السماء الّتي ترى ؟ أو انحدرت إلى الأرض السفلى فجلت في أقطارها ؟ (۱) أو هل خضت في غمرات البحور (٢) واخترقت نواحي الهواء فيما فوق السماء وتحتها إلى الارض وما أسفل منها فوجدت ذلك خلاءً من مدبّر حكيم عالم بصير ؟ قال : لا . قلت : فما يدريك لعل الّذي أنكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه حواسّك ولم يحط به علمك .

قال : لا أدري لعلّ في بعض ما ذكرت مدبّراً ، وما أدري لعلّه ليس في شيء من ذلك شيء ! قلت : أمّا إذ خرجت من حدّ الإنكار إلى منزلة الشكّ فإنّي أرجو أن تخرج إلى المعرفة .

قال : فإنّما دخل عليَّ الشكّ لسؤالك إيّاي عمّا لم يحط به علمي ، ولكن من أين يدخل عليَّ اليقين بما لم تدركه حواسّي ؟ قلت : من قبل إهليلجتك هذه .

قال : ذاك إذاً أثبت للحجّة ، لأنّها من آداب الطبّ الّذي اُذعن بمعرفته (٣) قلت : إنّما أردت آن آتيك به من قبلها لأنّها أقرب الأشياء إليك ، ولو كان شيء أقرب إليك منها لأتيتك من قبله ، (٤) لأنَّ في كلّ شيء أثر تركيب وحكمة ، وشاهداً يدلّ على

____________________________

(١) وفي نسخة : فدرت في أقطارها .

(٢) وفي نسخة : هل غصت في غمرات البحور .

(٣) وفي نسخة : لانها من أداة الطب الذي أدعى معرفته .

(٤) وفي نسخة : لانبأتك من قبله .

١٥٥
 &

الصنعة الدالّة على من صنعها ولم تكن شيئاً ، ويهلكها حتّى لا تكون شيئاً . قلت : فأخبرني هل ترى هذه إهليلجة ؟ قال : نعم .

قلت : أفترى غيب ما في جوفها ؟ قال : لا . قلت : أفتشهد أنّها مشتملة على نواة ولا تراها ؟ قال : ما يدريني لعلّ ليس فيها شيء . قلت : أفترى أنّ خلف هذا القشر من هذه الإهليلجة غائب لم تره من لحم أو ذي لون ؟ قال : ما أدري لعلّ ما ثَمَّ غير ذي لون ولا لحم . قلت : أفتقرُّ أنّ هذه الإهليلجة الّتي تسمّيها الناس بالهند موجودة ؟ لاجتماع أهل الاختلاف من الاُمم على ذكرها . قال : ما أدري لعلّ ما اجتمعوا عليه من ذلك باطل ! قلت : أفتقرُّ أنَّ الإهليلجة في أرض تنبت ؟ قال : تلك الأرض وهذه واحدة وقد رأيتها . قلت : أفما تشهد بحضور هذه الإهليلجة على وجود ، ما غاب من أشباهها ؟ قال : ما أدري لعلّه ليس في الدنيا إهليلجة غيرها . فلمّا اعتصم بالجهالة قلت : أخبرني عن هذه الإهليلجة أتقرُّ أنّها خرجت من شجرة ، أو تقول : إنّها هكذا وجدت ؟ قال : لا بل من شجرة خرجت . قلت : فهل أدركت حواسّك الخمس ما غاب عنك من تلك الشجرة ؟ قال : لا . قلت : فما أراك إلّا قد أقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسّك . قال : أجل ولكنّي أقول : إنَّ الإهليلجة والأشياء المختلفة (١) شيء لم تزل تدرك ، فهل عندك في هذا شيء تردّ ، به قولي ؟ قلت : نعم أخبرني عن هذه الإهليلجة هل كنت عاينت شجرتها وعرفتها قبل أن تكون هذه الإهليلجة فيها ؟ قال : نعم . قلت : فهل كنت تعاين هذه الإهليلجة ؟ قال : لا . قلت : أفما تعلم أنّك كنت عاينت الشجرة وليس فيها الإهليلجة ، ثمَّ عدت إليها فوجدت فيها الإهليلجة أفما تعلم أنّه قد حدث فيها ما لم تكن ؟ قال ما أستطيع أن اُنكر ذلك ولكنّي أقول : إنّها كانت فيها متفرّقة . قلت : فأخبرني هل رأيت تلك الإهليلجة الّتي تنبت منها شجرة هذه الإهليلجة قبل أن تغرس ؟ قال : نعم . قلت : فهل يحتمل عقلك أنَّ الشجرة الّتي تبلغ أصلها وعروقها وفروعها ولحاؤها وكلّ ثمرة جنيت ، (٢) وورقة سقطت ألف ألف رطل كانت كامنة في هذه الإهليلجة ؟ قال : ما

____________________________

(١) وفي نسخة : والاشياء المؤتلفة .

(٢) جنى الثمر : تناوله من شجرته .

١٥٦
 &

يحتمل هذا العقل ولا يقبله القلب . قلت : أقررت أنّها حدثت في الشجرة ؟ قال : نعم و لكنّي لا أعرف أنّها مصنوعة فهل تقدر أن تقرّرني بذلك ؟ قلت : نعم أرأيت أنّي إن أريتك تدبيراً أتقرُّ أنَّ له مدبّراً ، وتصويراً أنَّ له مصوِّراً ؟ . قال : لا بدّ من ذلك .

قلت : ألست تعلم أنَّ هذه الإهليلجة لحم ركّب على عظم فوضع في جوف متّصل (١) بغصن مركّب على ساق يقوم على أصل فيقوى بعروق من تحتها على جرم متّصل بعض ببعض ؟ قال : بلى . قلت : ألست تعلم أنَّ هذه الإهليلجة مصوّرة بتقدير وتخطيط ، وتأليف و تركيب وتفصيل متداخل بتأليف شيء في بعض شيء ، به طبق بعد طبق وجسم على جسم ولون مع لون ، أبيض في صفرة ، ولين على شديد ، (٢) في طبائع متفرّقة ، وطرائق مختلفة ، وأجزاء مؤتلفة مع لحاء تسقيها ، وعروق يجري فيها الماء ، وورق يسترها وتقيها من الشمس أن تحرقها ، ومن البرد أن يهلكها ، والريح أن تذبلها ؟ (٣) قال : أفليس لو كان الورق مطبقاً عليها كان خيراً لها ؟ قلت : الله أحسن تقديراً لو كان كما تقول لم يصل إليها ريح يروّحها ، ولا برد يشدّدها ، ولعفنت عند ذلك ، ولو لم يصل إليها حرّ الشمس لما نضجت ، ولكن شمسٌ مرّةً وريحٌ مرَّةً وريحٌ وبردٌ مرَّة قدّر الله ذلك بقوَّة لطيفة ودبّره بحكمة بالغة .

قال : حسبي من التصوير فسّر لي التدبير الّذي زعمت أنّك ترينه . قلت : أرأيت الإهليلجه قبل أن تعقد إذ هي في قمعها ماء بغير نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولا طعم ولا شدّه ؟ قال : نعم . قلت : أرأيت لو لم يرفق الخالق ذلك الماء الضعيف الّذي هو مثل الخردلة في القلّة والذلّة ولم يقوّه بقوّته ويصوّره بحكمته ويقدّره بقدرته هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم وقمع وتفصيل ؟ فإن زاد زاد ماءاً متراكباً غير مصوّر ولا مخطّط ولا مدبّر بزيادة أجزاء ولا تأليف أطباق . قال : قد أريتنى من تصوير شجرتها وتأليف خلقتها وحمل ثمرتها وزيادة أجزائها وتفصيل تركيبها أوضح

____________________________

(١) وَفي نسخه : موضوع على جرم متصّل .

(٢) في نسخه : ولين مع لين ولين على شدة .

(٣) ذبل النبات : قل ماؤه وذهبت نضارته .

١٥٧
 &

الدلالات ، وأظهر البيّنه على معرفة الصانع ولقد صدّقت بانَّ الأشياء مصنوعة ، و لكنّي لا أدري لعلّ الإهليلجة والأشياء صنعت أنفسها ؟ قلت : أولست تعلم أنَّ خالق الأشياء والإهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوَّة تدبيره ؟ قال : بلى . قلت : فهل ينبغي للّذي هو كذلك أن يكون حدثاً ؟ قال : لا . قلت : أفلست قد رأيت الإهليلجة حين حدثت وعاينتها بعد أن لم تكن شيئاً ثمَّ هلكت كأن لم تكن شيئاً ؟ قال : بلى ، وإنّما أعطيتك أنَّ الإهليلجة حدثت ولم أعطك أن الصانع لا يكون حادثاً لا يخلق نفسه . قلت : ألم تعطني أنَّ الحكيم الخالق لا يكون حدثاً ، وزعمت أنَّ الإهيلجة حدثت ؟ فقد أعطيتني أنَّ الإهليلجة مصنوعة ، فهو عزَّوجلَّ صانع الإهليلجة ، وإن رجعت إلى أن تقول : إنَّ الإهليلجة صنعت نفسها ودبّرت خلقها فما زدت أن أقررت بما أنكرت ، ووصفت صانعاً مدبّراً أصبت صفته ، ولكنّك لم تعرفه فسمّيته بغير اسمه . قال : كيف ذلك ؟ قلت : لإنّك أقررت بوجود حكيم لطيف مدبّر ، فلمّا سألتك من هو ؟ قلت : الإهليلجة . قد أقررت بالله سبحانه ، ولكنّك سمّيته بغير اسمه ، ولو عقلت وفكّرت لعلمت أنَّ الإهليلجة أنقص قوَّة من أن تخلق نفسها ، وأضعف حيلةً من أن تدبّر خلقها .

قال : هل عندك غير هذا ؟ قلت : نعم ؛ أخبرني عن هذه الإهليلجة الّتي زعمت أنّها صنعت نفسها ودبّرت أمرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة ، صغيرة القدرة ، ناقصة القوَّة ، لا تمتنع أن تكسر وتعصر وتؤكل ؟ وكيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرّة قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء ؟ قال : لأنّها لم تقو إلّا على ما صنعت نفسها أو لم تصنع إلّا ما هويت . قلت : أمّا إذ أبيت إلّا التمادي في الباطل فأعلمني متى خلقت نفسها و دبّرت خلقها قبل أن تكون أو بعد أن كانت ؟ فإن زعمت أنَّ الإهليلجة خلقت نفسها بعد ما كانت فإنَّ هذا لَمن أبين المحال ! كيف تكون موجودة مصنوعة ثمَّ تصنع نفسها مرَّة اُخرى ؟ فيصير كلامك إلى أنّها مصنوعة مرّتين ؛ ولإن قلت : إنّها خلقت نفسها ودبّرت خلقها قبل أن تكون إنَّ هذا من أوضح الباطل وأبين الكذب ! لأنّها قبل أن تكون ليس بشيء فكيف يخلق لا شيء شيئاً ؟ وكيف تعيب قولي : إنَّ شيئاً يصنع لا شيئاً ولا تعيب قولك : إنَّ لا شيء يصنع لا شيئاً ؟ فانظر أيّ القولين أولى بالحقّ ؟ قال :

١٥٨
 &

قولك . قلت : فما يمنعك منه ؟ قال : قد قبلته واستبان لي حقّه وصدقه بأنَّ الأشياء المختلفة والإهليلجة لم يصنعن أنفسهنّ ، ولم يدبّرن خلقهنّ ، ولكنّه تعرّض لي أنَّ الشجرة هي الّتي صنعت الإهليلجة لأنّها خرجت منها . قلت : فمن صنع الشجرة ؟ قال : الإهليلجة الاُخرى ! قلت : اجعل لكلامك غاية أنتهي إليها فإمّا أن تقول : هو الله سبحانه فيقبل منك ، وإمّا أن تقول : الإهليلجة فنسألك .

قال : سل . قلت : أخبرني عن الإهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلّا بعد ما ماتت وبليت وبادت ؟ قال : لا . قلت : إنَّ الشجرة بقيت بعد هلاك الإهليلجة مائة سنة ، فمن كان يحميها ويزيد فيها ، ويدبّر خلقها ويربّيها ، وينبت ورقها ؟ ما لك بدٌّ من أن تقول : هو الّذي خلقها ، ولإن قلت : الإهليلجة وهي حيّة قبل أن تهلك وتبلى وتصير تراباً ، وقد ربّت الشجرة وهي ميتة أنَّ هذا القول مختلف . قال : لا أقول : ذلك . قلت أفتقرُّ بأنَّ الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شيء من ذلك ؟ قال : إنّي من ذلك على حدّ وقوف ما أتخلّص إلى أمر ينفذ لي فيه الأمر . قلت : أمّا إذ أبيت إلّا الجهالة وزعمت أنَّ الأشياء لا يدرك إلّا بالحواسّ فإنّي اُخبرك إنّه ليس للحواسّ دلالة على الأشياء ، ولا فيها معرفة إلّا بالقلب ، فإنّه دليلها ومعرّفها الأشياء الّتي تدَّعي أنَّ القلب لا يعرفها إلّا بها .

شرح : قوله عليه‌السلام : وامتثلت قال الفيروزآباديُّ : امتثل طريقته : تبعها فلم يعدها . قوله : نقمت عليَّ أي عبت وكرهت . قوله : من لحم قال الفيروزآباديّ : لحم كلّ شيء لبّه . قوله تلك الأرض أي أشار إلى الأرض ، وقال اُقرُّ بوجود هذه الأرض الّتي أرى ، والإهليلجة الواحدة الّتي في يدي . قوله : كانت فيها متفرِّقة لعلّه اختار مذهب إنكساغورس ومن تبعه من الدهريّة القائلين بالكمون والبروز ، وأنَّ كلّ شيء كامن ؛ ويؤمي إليه جوابه . قوله عليه‌السلام : في قمعها قال الفيروزآباديّ : القمع محرّكة : بثرة تخرج في اُصول الأشفار ، وقال : القمع بالفتح والكسر وكعنب : ما التزق بأسفل التمرة والبسرة ونحوهما انتهى . وعلى التقديرين اُستعير لما يبدو من الإهليلجة ابتداءاً في شجرها من القشرة الرقيقة الصغيرة الّتي فيها ماء ، والأوّل أبلغ . قوله عليه‌السلام : غير مجموع بجسم أي هل كان يزيد بغير أن يضمّ إليه جسم آخر من خارج ، أو قمع آخر مثله ، أو بغير قمعه

١٥٩
 &

أي قلعه وتفصيله أي تفريقه ليدخل فيه شيء أو يضمّ إلى شيء . قوله عليه‌السلام : فإن زاد أي فإن سلم أنّه كان يمكن أن يزيد بطبيعته بغير ما ذكر كانت زيادته ماءاً متراكباً بعضه فوق بعض فقط كما كان أوّلاً لا بتخطيط وتصوير وتدبير وتأليف إذ يحكم العقل بديهة أنّ مثل تلك الأفاعيل المختلفة المنطبقة على قانون الحكمة لا تصدر عن طبيعة عادمة للشعور و الإرادة . قوله عليه‌السلام : فهل ينبغى إشارة إلى ما يحكم به الوجدان من أنَّ من كان على هذا المبلغ من العلم والحكمة والتدبير لا يكون ممكناً محدَثاً محتاجاً في العلم وسائر الاُمور إلى غيره ، إلّا أن يفيض عليه من العالم بالذات ، وهو إقرار بالصانع . قوله : ولم أعطك . غفل الهندي عمّا كان يلزم من اعترافيه . قوله عليه‌السلام : وإن رجعت أي إن قلت : إنَّ الصانع القديم الحكيم هو طبيعة ، الإهليلجة صنعت هذا الشخص منها فقد أقررت بالصانع و سمّيته الطبيعة ، إذ هي غير حكيم ولا ذات إرادة فقد أقررت بالصانع وأخطأت في التسمية ، أو المراد أنّك بعد الاعتراف بالخالق الحكيم القديم لو قلت : إنّه هذه الإهليلجة فقد أقررت بما أنكرت أي نقضت قولك الأوَّل ، وقلت بالنقيضين ، ولا محمل لتصحيحه إلّا أن تقول : سمّيت ما أقررت به بهذا الاسم وهذا لا يضرّنا بعد ما تيسّرلنا من إقرارك ؛ ويحتمل أن يكون هذا كلاماً على سبيل الاستظهار في المجادلة أي إن تنزّلنا عمّا أقررت به من قدم الحكيم وحدوث الإهليجة يكفينا إقرارك بكون الخالق حكيماً ، إذ معلوم أنّها ليست كذلك ، فقد سمّيت الصانع الحكيم بهذا الاسم . قوله عليه‌السلام : مفضولة إذ ظاهر أنَّ كثيراً من المخلوقات أفضل وأشرف منها . قوله عليه‌السلام : هو الّذي خلقها أي لا بدّ أن يكون مربّيها هو خالقها ، فإن قلت : إنَّ الخالق والمربّي واحد وهي الإهليلجة خلقت عند كونها حيّة ، وربّت بعد موتها فالقول مختلف إذ خلقها تدريجيٌّ ، وعند خلق أيّ مقدار من الشجرة لا بدّ من انقلاب بعضها شجرة فلم تكن الإهليلجة باقية بعد تمام خلق ذلك المقدار ، والخلق والتربية ممزوجان لا يصلح القول بكونها حيّة عند أحدهما ميتة عند الآخر ؛ ويحتمل أن يكون المراد أنّ القول بأنَّ الخالق والمربّي واحد و القول بأنَّ الإهليلجة بعد موتها ربّت متنافيان ؛ لأنَّ موتها عبارة عن استحالتها بشيء آخر ، فالمربّي شيء آخر سوى الإهليلجة . وفي بعض النسخ : وقد رأيت الشجرة . قوله :

ـ ١٠ ـ بحار الأنوار

١٦٠