🚖

بحار الأنوار - ج ١

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الرابع : مراتب استعداد النفس لتحصيل النظريّات وقربها وبعدها عن ذلك ، و أثبتوا لها مراتب أربعة : سمّوها بالعقل الهيولانى ، والعقل بالملكة ، والعقل بالفعل ، و العقل المستفاد ، وقد تطلق هذه الأسامي على النفس في تلك المراتب ، وتفصيلها مذكور في محالّها ، ويرجع إلى ماذكرنا أوّلاً فإنّ الظاهر أنّها قوّة واحدة تختلف أسماؤها بحسب متعلّقاتها و ما تستعمل فيه .

الخامس : النفس الناطقة الإنسانيّة الّتي بها يتميّز عن سائر البهائم .

السادس : ماذهب إليه الفلاسفة ، وأثبتوه بزعمهم : من جوهر مجرّد قديم لاتعلّق له بالمادّة ذاتاً ولا فعلاً ، و القول به كما ذكروه مستلزم لإنكار كثير من ضروريّات الدين من حدوث العالم وغيره ممّا لايسع المقام ذكره ، وبعض المنتحلين منهم للإسلام أثبتوا عقولاً حادثةً ، وهي أيضاً على ما أثبتوها مستلزمة لانكار كثير من الاُصول المقرّرة الإسلاميّة ، مع أنّه لايظهر من الأخبار وجود مجرّد سوى الله تعالى .

و قال بعض محقّقيهم : إنّ نسبة العقل العاشر الّذي يسمّونه بالعقل الفعّال إلي النفس كنسبة النفس إلى البدن فكما أنّ النفس صورة للبدن ، والبدن مادّتها ، فكذلك العقل صورة للنفس ، والنفس مادّته ، وهو مشرق عليها ، وعلومها مقتبسة منه ، ويكمل هذا الارتباط إلى حدّ تطالع العلوم فيه ، وتتّصل به ، وليس لهم على هذه الاُمور دليل إلّا مموّهات شبهات ، أو خيالات غريبة زيّنوها بلطائف عبارات .

فإذا عرفت ما مهّدنا فاعلم أنّ الأخبار الواردة في هذه الأبواب أكثرها ظاهرة في المعنيين الأوّلين ، الّذين مآلهما إلى واحد ، وفي الثاني منهما أكثر وأظهر . وبعض الأخبار يحتمل بعض المعاني الاُخرى ، وفي بعض الأخبار يطلق العقل على نفس العلم النافع المورث للنجاة المستلزم لحصول السعادات .

فأمّا أخبار استنطاق العقل وإقباله وإدباره فيمكن حملها على أحد المعاني الأربعة المذكورة أوّلاً ، أو ما يشملها جميعاً ، وحينئذ يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير ، كما ورد في اللّغة ، أو يكون المراد بالخلق الخلق في النفس و اتّصاف النفس بها ، و يكون سائر ماذكر فيها من الاستنطاق والإقبال والإدبار وغيرها استعارةً تمثيليّةً ، لبيان

١٠١

أنّ مدار التكاليف و الكمالات و الترقّيات على العقل ، و يحتمل أن يكون المراد بالاستنطاق جعله قابلاً لأن يدرك به العلوم ، و يكون الأمر بالإقبال و الإدبار أمراً تكوينيّاً ، يجعله قابلاً لكونه وسيلةً لتحصيل الدنيا والآخرة ، والسعادة والشقاوة معاً و آلةً للاستعمال في تعرّف حقائق الاُمور ، والتفكّر في دقائق الحيل أيضاً .

وفي بعض الأخبار بك آمر ، وبك أنهى ، وبك اُعاقب ، وبك اثيب . وهو منطبق على هذا المعنى لأنّ أقلّ درجاته مناط صحّة أصل التكليف ، وكلّ درجة من درجاته مناط صحّة بعض التكاليف ، وفي بعض الأخبار «إيّاك» مكان بك في كلّ المواضع ، وفي بعضها في بعضها ، فالمراد المبالغة في اشتراط التكليف به فكأنّه هو المكلّف حقيقةً . و ما في بعض الأخبار من أنّه أوّل خلق من الروحانيّين ، فيحتمل أن يكون المراد أوّل مقدّر من الصفات المتعلّقة بالروح ، أو أوّل غريزة يطبع عليها النفس وتودع فيها ، أو يكون أوّليّته باعتبار أوّليّة ما يتعلّق به من النفوس ، وأمّا إذا احتملت على المعنى الخامس فيحتمل أن يكون أيضاً على التمثيل كما مرّ . وكونها مخلوقةً ظاهرٌ ، وكونها أوّل مخلوق إمّا باعتبار أنّ النفوس خلقت قبل الأجساد كما ورد في الأخبار المستفيضة ، فيحتمل أن يكون خلق الأرواح مقدّماً على خلق جميع المخلوقات غيرها لكنّ « خبر أوّل ماخلق الله العقل » ما وجدته في الأخبار المعتبرة ، و إنّما هو مأخوذ من أخبار العامّة ، و ظاهر أكثر أخبارنا أنّ أوّل المخلوقات الماء أو الهواء كما سيأتي في كتاب السماء والعالم نعم ورد في أخبارنا : أنّ العقل أوّل خلق من الروحانيّين ، وهو لا ينافي تقدّم خلق بعض الأجسام على خلقه ، و حينئذ فالمراد بإقبالها بناءاً على ماذهب إليه جماعة من تجرّد النفس إقبالها إلى عالم المجرّدات ، وبإدبارها تعلّقها بالبدن والمادّيّات ، أو المراد بإقبالها إقبالها إلى المقامات العالية ، والدرجات الرفيعة ، وبإدبارها هبوطها عن تلك المقامات ، وتوجّهها إلى تحصيل الاُمور الدنيّة الدنيويّة ، وتشبّهها بالبهائم والحيوانات ، فعلى ماذكرنا من التمثيل يكون الغرض بيان أنّ لها هذه الاستعدادات المختلفة ، وهذه الشؤون المتباعدة وان لم نحمل على التمثيل يمكن أن يكون الاستنطاق حقيقيّاً ، وأن يكون كنايةً عن جعلها مدركةً للكلّيّات ، وكذا الأمر بالإقبال والإدبار

١٠٢

يمكن أن يكون حقيقيّاً لظهور انقيادها لما يريده تعالى منها ، وأن يكون أمراً تكوينيّاً لتكون قابلةً للأمرين أي الصعود إلى الكمال والقرب والوصال ، والهبوط إلى النقص ومايوجب الوبال ، أو لتكون في درجة متوسّطة من التجرّد لتعلّقها بالمادّيّات ، لكن تجرّد النفس لم يثبت لنا من الأخبار ، بل الظاهر منها مادّيّتها كما سنبيّن فيما بعد إن شاء الله تعالى .

وأمّا المعنى السادس ، فلو قال أحد بجوهر مجرّد لا يقول بقدمه ولا يتوقّف تأثير الواجب في الممكنات عليه ، ولا بتأثيره في خلق الأشياء ، ويسمّيه العقل ويجعل بعض تلك الأخبار منطبقاً على ما سمّاه عقلاً ، فيمكنه أن يقول : إنّ إقباله عبارة عن توجّهه إلى المبدأ ، وإدباره عبارة عن توجّهه إلى النفوس لإشراقه عليها واستكمالها به .

فإذا عرفت ذلك فاستمع لما يتلى عليك من الحقّ الحقيق بالبيان ، وبأن لايبالى بما يشمئزّ عنه من نواقص الأذهان .

فاعلم أنّ أكثر ما أثبتوه لهذه العقول قد ثبت لأرواح النبيّ والأئمّة عليهم‌السلام في أخبارنا المتواترة على وجه آخر فإنّهم أثبتوا القدم للعقل ، وقد ثبت التقدّم في الخلق لأرواحهم ، إمّا على جميع المخلوقات ، أو على سائر الروحانيّين في أخبار متواترة ، و أيضاً أثبتوا لها التوسّط في الإيجاد أو الاشتراط في التأثير ، وقد ثبت في الأخبار كونهم عليهم‌السلام علّةً غائيّةً لجميع المخلوقات ، و أنّه لولاهم لما خلق الله الأفلاك و غيرها ، و أثبتوا لها كونها وسائط في إفاضة العلوم والمعارف على النفوس والأرواح ، وقد ثبت في الأخبار أنّ جميع العلوم والحقائق والمعارف بتوسّطهم تفيض على سائر الخلق حتّى الملائكة والأنبياء .

والحاصل أنّه قد ثبت بالأخبار المستفيضة أنّهم عليهم‌السلام الوسائل بين الخلق وبين الحقّ في إفاضة جميع الرحمات والعلوم والكمالات على جميع الخلق ، فكلّما يكون التوسّل بهم و الإذعان بفضلهم أكثر كان فيضان الكمالات من الله أكثر ، و لمّا سلكوا سبيل الرياضات والتفكّرات مستبدّين بآراءهم على غير قانون الشريعة المقدّسة ظهرت عليهم حقيقة هذا الأمر ملبّساً مشتبهاً ، فاخطأوا في ذلك ، و أثبتوا عقولاً و تكلّموا في

١٠٣

ذلك فضولاً (١) ، فعلى قياس ماقالوا يمكن أن يكون المراد بالعقل نور النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي انشعبت منه أنوار الأئمّة عليهم‌السلام واستنطاقه على الحقيقة أو بجعله محلّاً للمعارف الغير المتناهية ، والمراد بالأمر بالإقبال ترقّيه على مراتب الكمال ، و جذبه إلى أعلى مقام القرب والوصال ، وبإدباره إمّا إنزاله إلى البدن ، أو الأمر بتكميل الخلق بعد غاية الكمال فإنّه يلزمه التنزّل عن غاية مراتب القرب بسبب معاشرة الخلق ، ويؤمى إليه قوله تعالى قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً (٢) وقد بسطنا الكلام في ذلك في الفوائد الطريفة . ويحتمل أن يكون المراد بالإقبال الإقبال إلى الخلق ، و بالإدبار الرجوع إلى عالم القدس بعد إتمام التبليغ ، ويؤيّده ما في بعض الأخبار من تقديم الإدبار على الإقبال . وعلى التقادير فالمراد بقوله تعالى : ولا اُكمّلك ، يمكن أن يكون المراد ولا اُكمّل محبّتك والارتباط بك ، و كونك واسطةً بينه و بيني إلّا فيمن اُحبّه ، أو يكون الخطاب مع روحهم و نورهم عليهم‌السلام والمراد بالإكمال إكماله في أبدانهم الشريفة أي هذا النور بعد تشعّبه بأيّ بدن تعلّق و كمل فيه يكون ذلك الشخص أحبّ الخلق إلى الله تعالى و قوله : إيّاك

_________________________

(١) بل لانهم تحققوا أوّلا أن الظواهر الدينية تتوقف في حجيتها على البرهان الذي يقيمه العقل ، والعقل في ركونه و اطمينانه إلى المقدمات البرهانية لايفرق بين مقدمة و مقدمة ، فاذا قام برهان على شيء اضطر العقل إلى قبوله ، و ثانيا أن الظواهر الدينية متوقفة على ظهور اللفظ ، و هو دليل ظنّيّ ، والظنّ لايقاوم العلم الحاصل بالبرهان لو قام على شيء . و أمّا الاخذ بالبراهين في اصول الدين ثم عزل العقل في ماورد فيه آحاد الاخبار من المعارف العقلية فليس الا من قبيل إبطال المقدمة بالنتيجة التي تستنتج منها ، وهو صريح التناقض ـ والله الهادي ـ فان هذه الظواهر الدينية لو أبطلت حكم العقل لابطلت أوّلا حكم نفسها المستند في حجيته الى حكم العقل .

و طريق الاحتياط الديني لمن لم يتثبت في الابحاث العميقة العقلية أن يتعلق بظاهر الكتاب و ظواهر الاخبار المستفيضة و يرجع علم حقائقها إلى الله عز اسمه ، و يجتنب الورود في الابحاث العميقة العقلية إثباتا ونفيا اما اثباتا فلكونه مظنة الضلال ، وفيه تعرض للهلاك الدائم ، وأما نفيا فلما فيه من وبال القول بغير علم والانتصار للدين بما لايرضى به الله سبحانه ، والابتلاء بالمناقضة في النظر . واعتبر في ذلك بما ابتلى به المؤلف رحمه الله فانه لم يطعن في آراء اهل النظر في مباحث المبدأ والمعاد بشيء إلا ابتلى بالقول به بعينه أو بأشد منه كما سنشير إليه في موارده ، و أول ذلك ما في هذه المسألة فانه طعن فيها على الحكماء في قولهم بالمجردات ثم أثبت جميع خواص التجرد على أنوار النبي والائمة عليهم السلام ، ولم يتنبه أنه لو استحال وجود موجود مجرد غير الله سبحانه لم يتغير حكم استحالته بتغيير اسمه ، و تسمية مايسمونه عقلا بالنور والطينة ونحوهما . ط

(٢) الطلاق : ١١ .

١٠٤

آمر . التخصيص إمّا لكونهم صلوات الله عليهم مكلّفين بما لم يكلّف به غيرهم ، ويتأتّي منهم من حقّ عبادته تعالى مالايتأتيّ من غيرهم ، أو لاشتراط صحّة أعمال العباد بولايتهم و الإقرار بفضلهم بنحو مامرّ من التجوّز ، و بهذا التحقيق يمكن الجمع بين ماروي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : أوّل ما خلق الله نوري ، و بين ماروى : أوّل ماخلق الله العقل ، وما روي : أوّل ماخلق الله النور ، إن صحّت أسانيدها . و تحقيق هذا الكلام على ما ينبغي يحتاج إلى نوع من البسط والإطناب ، ولو وفينا حقّه لكنّا أخلفنا ماوعدناه في صدر الكتاب .

وأمّا الخبر الأخير فهو من غوامض الأخبار ، والظاهر أنّ الكلام فيه مسوق على نحو الرموز والأسرار ، ويحتمل أن يكون كنايةً عن تعلّقه بكلّ مكلّف ، وأنّ لذلك التعلّق وقتاً خاصّاً ، وقبل ذلك الوقت موانع عن تعلّق العقل من الأغشية الظلمانيّة ، والكدورات الهيولانيّة ، كستر مسدول على وجه العقل ، ويمكن حمله على ظاهر حقيقته على بعض الاحتمالات السالفة . و قوله : خلقة ملك . لعلّه بالإضافة أي خلقته كخلقة الملائكة في لطافته وروحانيّته ، ويحتمل أن يكون « خلقه » مضافاً الى الضمير مبتداءاً و « ملك » خبره ، أي خلقته خلقة ملك أو هو ملك حقيقةً والله يعلم .

باب ٣

*( احتجاج الله تعالى على الناس بالعقل وأنه يحاسبهم على قدر عقولهم )*

١ ـ ج : في خبر ابن السكّيت (١) قال : فما الحجّة على الخلق اليوم ؟ فقال الرضا عليه‌السلام : العقل . تعرف به الصادق على الله فتصدّقه ، و الكاذب على الله فتكذّبه ، فقال ابن السكّيت : هذا هو والله الجواب .

ع ، ن : ابن مسرور ، عن ابن عامر ، عن أبي عبدالله السيّاريّ ، عن أبي يعقوب البغداديّ (٢) عن ابن السكّيت ، مثله (٣) .

_________________________

(١) هو الامامي الثقة الثبت المحدث ، إمام اللغة ، البارع في الادب ، قتله المتوكل العباسي لتشيعه .

(٢) هو يزيد بن حماد الانباري السلمي ابويعقوب الكاتب ، اورده الشيخ في باب اصحاب الرضا عليه السلام من رجاله ، ووثقة و اباه حماد ، و عنونه العلامة في القسم الاول من الخلاصة و وثقة و كذا كل من تأخر عنهما .

(٣) رواه في الكافي في كتاب العقل والجهل مع زيادة ، و سيأتي منا كلام حول الحديث .

١٠٥

٢ ـ مع : أبي ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن يزيد الرزّاز ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : قال أبوجعفر عليه‌السلام : يا بنيَّ اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم و معرفتهم ، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان ، إنّي نظرت في كتاب لعليّ عليه‌السلام فوجدت في الكتاب أنّ قيمة كلّ امرىء و قدره معرفته ، إنّ الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا .

٣ ـ سن : الحسن بن عليّ بن يقطين ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : إنّما يداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا .

٤ ـ سن : محمّد البرقيّ ، عن سليمان بن جعفر الجعفريّ ، رفعه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّا معاشر الأنبياء نكلّم الناس على قدر عقولهم .

٥ ـ سن : النوفليّ وجهم بن حكيم المدائنيّ ، عن السكونيّ ، عن أبي عبدالله ، عن آباءه ، عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا بلغكم عن رجل حسن حاله (١) فانظروا في حسن عقله ، فإنّما يجازى بعقله .

باب ٤

*( علامات العقل و جنوده )*

١ ـ ل : أبي ، عن سعد ، عن البرقيّ ، عن أبيه رفعه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : قسّم العقل على ثلاثة أجزاء فمن كانت فيه كمل عقله ، و من لم تكن فيه فلاعقل له : حسن المعرفة بالله عزّ وجل ، و حسن الطاعة له ، و حسن الصبر على أمره .

بيان : لعلَّ عدُّ هذه الأشياء الّتي هي من آثار العقل من أجزاءه على المبالغة ،

_________________________

(١) من فعل الصلاة والصيام والحج و إيتاء الزكاة والصدقات وغيرها من المثوبات والقربات وقوله : فانظروا في حسن عقله . أي ان رأيتم عقله كاملا استدلّوا به على حسن افعاله و صحة اعماله . و انه حقيق الركون اليه والاعتماد عليه ، وان رأيتموه ناقصا فلاتغتروا باعماله و لاتركنوا اليه و استدلوا بقلة عقله على نقصان ثوابه ، فانه يجازى ويثاب على قدر عقله من الكمال والنقصان .

١٠٦

والتوسُّع والتجوُّز ، لعلاقة عدم انفكاكها عنه و دلالتها عليه .

٢ ـ ل : ماجيلويه ، عن محمّد العطّار ، عن محمّد بن أحمد ، عن سهل ، عن جعفر بن محمّد بن بشّار ، عن الدهقان ، عن درست (١) عن عبدالأعلى ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : يعتر عقل الرجل في ثلاث : في طول لحيته ، و في نقش خاتمه ، و في كنيته .

٣ ـ ع ، ل : أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن المروزيّ ، عن محمّد بن جعفر المقريّ الجرجانيّ ، عن محمّد بن الحسن الموصليّ ، عن محمّد بن عاصم الطريفيّ ، عن عيّاش بن يزيد بن الحسن بن عليّ الكحّال مولى زيد بن عليّ ، عن أبيه ، عن موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، عن أبيه الحسين ابن عليّ ، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبيطالب عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الّذي لم يطّلع عليه نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزهد رأسه ، والحياء عينيه ، و الحكمة لسانه ، والرأفة همّه ، والرحمة قلبه ، ثمّ حشاه وقوّاه بعشرة أشياء : باليقين ، والإيمان ، والصدق ، والسكينة ، والإخلاص ، والرفق ، والعطيّة ، والقنوع ، والتسليم ، و الشكر ، ثمّ قال عزّ وجلّ : أدبر فأدبر ؛ ثمّ قال له : أقبل فأقبل . ثم قال له : تكلّم فقال : الحمدلله الّذي ليس له ضدّ ولاندّ ، ولاشبيه ولاكفو ، ولاعديل ولامثل ، الّذي كلّ شيء لعظمته خاضع ذليل . فقال الربّ تبارك وتعالى : وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك ، ولا أطوع لي منك ، ولا أرفع منك ، ولا أشرف منك ، ولاأعزّ منك بك اُوحَّد وبك اُعبد ، وبك اُدعى ، وبك اُرتجى ، وبك اُبتغى ، وبك اُخاف ، وبك اُحذر ، وبك الثواب ، وبك العقاب . فخرّ العقل عند ذلك ساجداً فكان في سجوده ألف عام ، فقال الربّ تبارك وتعالى : ارفع رأسك و سل تعط ، واشفع تشفّع ، فرفع العقل رأسه فقال : إلهي اسألك أن تشفعني فيمن خلقتني فيه ، فقال الله جلّ جلاله لملائكته : اُشهدكم أنّي قد شفّعته فيمن خلقته فيه .

بيان : قد مرّ مايمكن أن يستعمل في فهم هذا الخبر . والنور مايصير سبباً لظهور

_________________________

(١) بضم الدال والراء وسكون السين ، ترجمه النجاشي في كتابه ص ١١٧

١٠٧

شيء ، والعقل من أنواره تعالى الّتي خلقها و قدّرها لكشف المعارف على الخلق أي خلقه من جنس نور ومن سنخه ، و مادّته كانت شيئاً نورانيّاً مخزوناً في خزائن العرش ويحتمل التجوّز كما مرّ . والعلم لشدّة ارتباطه به وكونه فائدته الفضليّ و مكمّله الى الدرجة العليا فكأنّه نفسه وعينه ، وهو بدون الفهم كجسد بلاروح . والزهد رأسه أي أفضل فضائله و أرفعها ، كما أنّ الرأس أشرف أجزاء البدن ، أو ينتفي بانتفاء الزهد كما أنّ الشخص يموت بمفارقة الرأس . والحياء معين على انكشاف الاُمور الحقّة عليه أو على من اتّصف به كالعينين . والحكمة معبّرة للعقل كاللّسان للشخص . والرحمة سبب لإفاضة الحقائق عليه من الله وطريق لها كالقلب . وسجوده إمّا : كناية عن استسلامه وانقياد المتّصف به للحقّ تعالى ، أو : المراد سجود أحد المتّصفين به ، ولا يخفى إنطباق أكثر أجزاء هذا الخبر على المعنى الأخير ، أي أنوار الأئمّة عليهم‌السلام والتجوّز و التمثيل والتشبيه لعلّه أظهر ويقال : شفّعته في كذا أي قبلت شفاعته فيه . و سيأتي تفسير بعض الأجزاء في الخبر الآتي .

٤ ـ ل : أبي ، عن سعد ، عن أحمد بن هلال ، عن اُميّة بن عليّ ، عن ابن المغيرة ، عن ابن خالد ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يعبد الله عزّوجلّ بشيء أفضل من العقل ، ولايكون المؤمن عاقلاً حتّى تجتمع فيه عشر خصال : الخير منه مأمول ، والشرّ منه مأمون ، يستكثر قليل الخير من غيره ، ويستقلّ كثير الخير من نفسه ، ولايسأم (١) من طلب العلم طول عمره ، ولايتبرّم (٢) بطلاب الحوائج قبله ، الذلّ أحبّ إليه من العزّ ، والفقر أحبّ إليه من الغنى . نصيبه من الدنيا القوت ، والعاشرة لايرى أحداً إلّا قال : هو خير منيّ و أتقى . إنّما الناس رجلان : فرجل هو خير منه وأتقى ، و آخر هو شرّ منه و أدنى ، فإذا رأى من هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به ، و إذا لقى الّذي هو شرّ منه و أدنى قال : عسى خير هذا باطن ، وشرّه ظاهر ، وعسى أن يختم له بخير ، فإذا فعل ذلك فقد علا مجده وساد أهل زمانه .

_________________________

(١) أي لايمل ولايضجر .

(٢) أي لايتضجر .

١٠٨

٥ ـ ما : المفيد ، عن محمّد بن عمر الجعابيّ ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ، عن الحسن بن جعفر ، عن طاهر بن مدرار ، عن زرّ بن أنس ، قال : سمعت جعفر بن محمّد عليهما‌السلام يقول : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون كامل العقل ، ولا يكون كامل العقل حتّى يكون فيه عشر خصال ، وساق الحديث نحو ما مرّ .

٦ ـ ع : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن الهيثم الخفّاف ، عن رجل من أصحابنا ، عن عبدالملك بن هشام ، عن عليّ الأشعريّ رفعه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما عبد الله بمثل العقل ، وماتمّ عقل امرىء حتّى يكون فيه عشر خصال . و ذكر مثله .

بيان : في ما و ع بعد قوله والعاشرة : وما العاشرة ؟ . وقوله عليه‌السلام لم يعبد الله بشيء أي لا يصير شيء سبباً للعبادة و آلةً لها ومكمّلاً لها كالعقل ، ويحتمل أن يكون المراد بالعقل تعقّل الاُمور الدينيّة ، والمعارف اليقينيّة والتفكّر فيها ، وتحصيل العلم ، وهو من أفضل العبادات كما سيأتي ، فيكون ماذكر بعده من صفات العلماء . والمجد : نيل الشرف و الكرم . وساد أهل زمانه أي صار سيّدهم و عظيمهم و أشرفهم .

٧ ـ ل : أبى ، عن سعد والحميريّ معاً ، عن البرقيّ عن عليّ بن حديد ، عن سماعة قال : كنت عند أبي عبدالله عليه‌السلام و عنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل ، فقال أبوعبدالله عليه‌السلام : اعرفوا العقل و جنده ، والجهل و جنده تهتدوا ، قال سماعة : فقلت جعلت فداك لا نعرف إلّا ماعرّفتنا ، فقال أبوعبدالله عليه‌السلام : إنّ الله جلّ ثناؤه خلق العقل وهو أوّل خلق خلقه من الروحانييّن(١) عن يمين العرش من نوره(٢) فقال له أقبل فأقبل ، ثمّ قال له أدبر فأدبر ، فقال الله تبارك وتعالى : خلقتك خلقاً عظيماً ، وكرّمتك على جميع خلقي . قال : ثمّ خلق الجهل من البحر الاُجاج ظلمانيّاً ، فقال

_________________________

(١) يطلق الروح ـ بضم الراء ـ في القرآن والحديث على معان : منها جبرئيل وروح القدس وسائر الملائكة ، ومنها ما تقوّم به الجسد : وتكون به الحياة ، ومنها القوّة الناطقة الانسانية ، و يطلق على العقل ايضا وتقول في نسبة الواحد : الروحاني . و في نسبة الجمع : الروحانيون ، والالف والنون من زيادات النسب . ويقال لعالم المجردات وعالم الملكوت وعالم الامر الروحانيون .

(٢) لعله اشارة الى عدم تركّب العقل من المادة الظلمانية . والاضافة اليه تعالى تشريفية .

١٠٩

له أدبر فأدبر ، ثمّ قال له أقبل فلم يقبل ، فقال له : استكبرت ؟ فلعنه ، ثمّ جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً ، فلمّا رأى الجهل ما اكرم به العقل وماأعطاه ، أضمر له العداوة ، فقال الجهل(١) ياربّ هذا خلق مثلي خلقته وكرّمته وقوّيته ، و أنا ضدّه ولا قوّة لي به ، فأعطني من الجند مثل ما أعطيته ، فقال نعم ، فإن عصيت(٢) بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي قال : قد رضيت ، فأعطاه خمسة وسبعين جنداً . فكان ممّا أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند : الخير وهو وزير العقل ، وجعل ضدّه الشرّ وهو وزير الجهل ، والإيمان وضدّه الكفر ، والتصديق وضدّه الجحود ، والرجاء (٣) وضدّه القنوط ، و العدل وضدّه الجور ، والرضاء وضدّه السخط ، والشكر و ضدّه الكفران ، والطمع و ضدّه اليأس ، والتوكّل وضدّه الحرص ، والرأفة وضدّها الغرّة ، والرحمة وضدّها الغضب ، والعلم وضدّه الجهل ، والفهم وضدّه الحمق ، والعفّة وضدّها التهتّك ، والزهد وضدّه الرغبة ، والرفق وضدّه الخرق ، والرهبة وضدّها الجرأة ، والتواضع وضدّه التكبّر والتؤدة وضدّها التسرّع ، والحلم وضدّه السفه ، والصمت وضدّه الهذر ، والاستسلام و ضدّه الاستكبار ، والتسليم و ضدّه التجبّر ، و العفو و ضدّه الحقد ، و الرقّة و ضدّها القسوة ، و اليقين و ضدّه الشكّ ، و الصبر و ضدّه الجزع ، و الصفح و ضدّه الانتقام ، و الغنى و ضدّه الفقر ، و التفكّر(٤) وضدّه السهو ، والحفظ وضدّه النسيان ، والتعطّف و ضدّه القطيعة ، والقنوع وضدّه الحرص ، والمواساة و ضدّها المنع ، و المودّة و ضدّها العداوة ، والوفاء و ضدّه الغدر ، و الطاعة و ضدّها المعصية ، و الخضوع و ضدّه التطاول ، والسلامة و ضدّها البلاء . والحبّ و ضدّه البغض ، و الصدق و ضدّه الكذب ، والحقّ و ضدّه الباطل ، و الأمانة و ضدّها الخيانة ، و الإخلاص و ضدّه

_________________________

(١) لعل المراد بالجهل هو النفس الامارة بالسوء والشهوات التي تكون مبدءاً لكل خطيئة لاالجهل المقابل للعلم فانه يكون من جنودها كماياتي في الحديث ويأتي اطلاق الجهل على النفس في حديث ١١

(٢) فان عصيتنى «ع»

(٣) رجاء رحمة الله وعدم الياس عن غفرانه فيما فرّط في جنبه تعالى ، ومقابله الياس عن رحمته و غفرانه وهو اعظم عن ذنبه وخطيئته .

(٤) التذكر «ع»

١١٠

الشوب (١) والشهامة وضدّها البلادة(٢) ، والفهم وضدّه الغباوة(٣) ، والمعرفة وضدّها الإنكار ، والمداراة وضدّها المكاشفة ، و سلامة الغيب وضدّها المماكرة ، و الكتمان وضدّه الإفشاء و الصلاة وضدّها الإضاعة ، والصوم وضدّه الإفطار ، والجهاد وضدّه النكول ، والحجّ وضدّه نبذ الميثاق ، وصون الحديث وضدّه النميمة ، وبرّ الوالدين و ضدّه العقوق ، و الحقيقة و ضدّها الرياء ، والمعروف و ضدّه المنكر ، والستر و ضدّه التبرّج ، والتقيّة وضدّها الإذاعة ، والإنصاف وضدّه الحميّة ، والمهنة و ضدّها البغى والنظافة (٤) وضدّها القذر ، والحياء وضدّه الخلع ، والقصد وضدّه العدوان ، والراحة وضدّها التعب ، والسهولة وضدّها الصعوبة ، والبركة وضدّها المحق ، والعافية وضدّها البلاء ، والقوام وضدّه المكاثرة ، والحكمة وضدّها الهوى ، والوقار و ضدّه الخفّة ، والسعادة وضدّها الشقاء (٥) ، والتوبة وضدّها الإصرار ، والاستغفار وضدّه الاغترار ، والمحافظة وضدّها التهاون ، والدعاء وضدّه الاستنكاف ، والنشاط(٦) وضدّه الكسل ، والفرح وضدّه الحزن ، والاُلفة وضدّها الفرقة ، والسخاء و ضدّه البخل .

فلاتجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل إلّا في نبيّ أو وصيّ نبيّ أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان ، وأمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لايخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتّى يستكمل ويتّقي من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء و الأوصياء عليهم‌السلام ، و إنّما يدرك الفوز بمعرفة العقل و جنوده و مجانبة الجهل وجنوده . وفّقنا الله و إيّاكم لطاعته و مرضاته .

ع : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن البرقيّ ، عن عليّ بن حديد ، عن سماعة ، مثله .

سن : عن عليّ بن حديد مثله .

_________________________

(١) الشرك «ع»

(٢) بفتح الباء : عدم الذكاء والفطنة .

(٣) يفتح الغين المعجمة : الجهل وقلة الفطنة .

(٤) لان مراعاتها يورث الصحة في النفس ويستجلب الناس اليه ، والقذر يورث السقم والمرض وتنفر الناس عنه .

(٥) الشقاوة «ع»

(٦) في طاعة الله وعبادته أو في أعم منها ومن تحصيل المال الحلال .

١١١

بيان : ماذكر من الجنود هنا إحدى وثمانون خصلة ، وفي الكافي ثمانية وسبعون ، وكأنّه لتكرار بعض الفقرات إمّا منه عليه‌السلام أو من النسّاخ بأن يكونوا أضافوا بعض النسخ إلى الأصل . والعقل هنا يحتمل المعاني السابقة . و الجهل إمّا القوّة الداعية إلى الشرّ أو البدن إن كان المراد بالعقل النفس ، و يحتمل إبليس أيضاً لأنّه المعارض لأرباب العقول الكاملة من الأنبياء والأئمّة في هداية الخلق ، ويؤيّده أنّه قد ورد مثل هذا في معارضة آدم و إبليس بعد تمرّده و أنّه أعطاهما مثل تلك الجنود . والحاصل أنّ هذه جنود للعقل وأصحابه ، و تلك عساكر للجهل وأربابه . الخير هو كونه مقتضياً للخيرات أو لإيصال الخير إمّا إلى نفسه أو إلى غيره . والشرّ يقابله بالمعنيين ، وسمّاهما وزيرين ، لكونهما منشأين لكلّ مايذكر بعدهما من الجنود . فهما أميران عليها مقوّيان لها و تصدر جميعها عن رأيهما . والتصديق والجحود لعلّهما من الفقرات المكرّرة ، و يمكن تخصيص الإيمان بمايتعلّق بالاُصول ، والتصديق بما يتعلّق بالفروع ؛ ويحتمل أن يكون الفرق بالإجمال والتفصيل بأن يكون الإيمان التصديق الإجماليّ بماجاء به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والتصديق الإذعان بتفاصيله .

والعدل : التوسّط في جميع الاُمور بين الإفراط والتفريط أو المعنى المعروف ، وهو داخل في الأوّل . والرضاء أي بقضاء الله والطمع لعلّه تكرار للرجاء ، ويمكن أن يخصّ الرجاء بالاُمور الاُخرويّة ، والطمع بالفوائد الدنيويّة ، أو الرجاء بمايكون باستحقاق ، والطمع بغيره ، أو يكون المراد بالطمع طمع ما في أيدي الناس بأن يكون من جنود الجهل اُورد على خلاف الترتيب ولايخفى بعده .

والرأفة والرحمة إحداهما من المكرّرات ، ويمكن أن يكون المراد بالرأفة الحالة وبالرحمة ثمرتها ، وفي الكافي والمحاسن : ضدّ الرأفة القسوة ، وفي أكثر نسخ الخصال : العزّة . أي طلب الغلبة والاستيلاء . والفهم : إمّا المراد به حالة للنفس تقتضي سرعة إدراك الاُمور والعلم بدقائق المسائل أو أصل الإدراك ، فعلى الثاني يخصّ بالحكمة العمليّة ليغاير العلم . والعفّة : منع البطن والفرج عن المحرّمات والشبهات ، ومقابلها التهتّك وعدم المبالاة بهتك ستره في ارتكاب المحرّمات . وقال في القاموس : الخرق بالضمّ وبالتحريك

١١٢

ضدّ الرفق ، و أن لا يحسن العمل و التصرّف في الاُمور . والرهبة : الخوف من الله ومن عقابه ، أو من الخلق ، أو من النفس والشيطان ، والأولى التعميم ليشمل الخوف عن كلّ مايضرّ بالدين أو الدنيا ، والتوءدة بضم التاء وفتح الهمزة وسكونها : الرزانة و التأنّي أي عدم المبادرة إلى الاُمور بلا تفكّر فإنّها توجب الوقوع في المهالك . وفي القاموس : هذر كلامه كفرح : كثر في الخطاء و الباطل . و الهَذَر محرّكةً : الكثير الردى أو سقط الكلام .

و الاستسلام : الانقياد لله تعالى فيما يأمر و ينهى . و التسليم : انقياد أئمّة الحقّ . و في الكافي في مقابل التسليم : الشكّ فالمراد بالتسليم الإذعان بما يصدر عن الأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام ويصعب على الأذهان قبوله كما سيأتي في أبواب العلم . و المراد بالغنى غنى النفس و الاستغناء عن الخلق لا الغنى بالمال فإنّه غالباً مع أهل الجهل ، و ضدّه الفقر إلى الناس و التوسّل بهم في الاُمور . و لمّا كان السهو عبارةً عن زوال الصورة عن المدركة لا الحافظة اُطلق في مقابله التذكّر الّذي هو الاسترجاع عن الحافظة ، ولمّا كان النسيان عبارةً عن زوالها عن الحافظة أيضاً اُطلق في مقابله الحفظ . والمواسات جعل الإخوان مساهمين ومشاركين في المال . والسلامة : هي البرائة من البلايا وهي العيوب والآفات ، و العاقل يتخلّص منها حيث يعرفها ويعرف طريق التخلّص منها ، والجاهل يختارها ويقع فيها من حيث لايعلم ، وقال الشيخ البهائيّ رحمه الله : لعلّ المراد سلامة الناس منه ، كما ورد في الحديث : المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه . ويراد بالبلاء ابتلاء الناس به . والشهامة : ذكاء الفؤاد وتوقّده .

قوله عليه‌السلام : والفهم وضدّه الغباوة ، في ع : الفطنة وضدّها الغباوة ، ولعلّه أولى لعدم التكرار ، و على ما في ل لعلّها من المكرّرات ، ويمكن تخصيص أحدهما بفهم مصالح النشأة الاُولى ، والآخر بالاُخرى ، أو أحدهما بمرتبة من الفهم والذكاء ، و الآخر بمرتبة فوقها ، والفرق بينه وبين الشهامة أيضاً يحتاج إلى تكلّف . والمعرفة على ما قيل : هي إدراك الشيء بصفاته و آثاره ، بحيث لو وصل إليه عرف أنّه هو ، ومقابله الإنكار يعني عدم حصول ذلك الإدراك فإنّ الإنكار يطلق عليه أيضاً كما يطلق على

١١٣

الجحود . والمكاشفة : المنازعة والمجادلة ، وفي سن : المداراة وضدّها المخاشنة . وسلامة الغيب أي يكون في غيبته غيره سالماً عن ضرره ، وضدّها المماكرة ، وهو أن يتملّق ظاهراً للخديعة والمكر ، وفي الغيبة يكون في مقام الضرر ، وفي سن : سلامة القلب ، وضدّها المماكرة ، ولعلّه أنسب .

والكتمان أي كتمان عيوب المؤمنين وأسرارهم ، أو كلّما يجب أو ينبغي كتمانه ككتمان الحقّ في مقام التقيّة ، وكتمان العلم عن غير أهله . والصلاة أي المحافظة عليها وعلى آدابها و أوقاتها ، وضدّها الإخلال بشرائطها أو آدابها أو أوقات فضلها . وإنّما جعل نبذ الميثاق أي طرحه ضدّ الحجّ لما سيأتي في أخبار كثيرة أنّ الله تعالى أودع الحجر مواثيق العباد ، وعلّة الحجّ تجديد الميثاق عند الحجر فيشهد يوم القيامة لكلّ من وافاه ولعلّ المراد بالحقيقة الإخلاص في العبادة ، إذ بتركه ينتفي حقيقة العبادة ، وهذه الفقرة أيضاً قريبة من فقرة الإخلاص والشوب ، فإمّا أن يحمل على التكرار أو يحمل الإخلاص على كماله بأن لايشوب معه طمع جنّة ولاخوف نار ، ولاجلب نفع ، ولادفع ضرر ، والحقيقة على عدم مراءاة المخلوقين . والمعروف أي اختياره والاتيان به والأمر به وكذا المنكر . والتبرّج إظهار الزينة ؛ ولعلّ هذه الفقرة مخصوصة بالنساء ، ويمكن تعميمها بحيث تشمل ستر الرجال عوراتهم وعيوبهم . والإذاعة : الإفشاء . والإنصاف : التسوية والعدل بين نفسه وغيره وبين الأقارب والأباعد ، والحميّة توجب تقديم نفسه على غيره ، وإن كان الغير أحقّ وتقديم عشيرته وأقاربه على الأباعد ، و إن كان الحقّ مع الأباعد . والمهنة بالكسر و الفتح والتحريك ككلمة : الحذق بالخدمة والعمل ، مهنه كمنعه ونصره مهناً ومهنةً ويكسر : خدمه وضربه وجهده ، كذا في القاموس . والمراد خدمة أئمّة الحقّ وإطاعتهم ، والبغي : الخروج عليهم وعدم الانقياد لهم . وفي الكافي وسن : التهيئة ، وهي جاءت بمعنى التوافق والإصلاح ، ويرجع إلى ما ذكرنا . والجلع في بعض النسخ بالجيم وهو قلّة الحياء ، وفي بعضها بالخاء المعجمة أي خلع لباس الحياء ، وهو مجاز شائع . والقصد : اختيار الوسط في الاُمور ، وملازمة الطريق الوسط الموصل إلى النجاة . والراحة أي اختيار ما يوجبها بحسب النشأتين ، لا راحة الدنيا فقط . و السهولة : الانقياد بسهولة ولين

١١٤

الجانب ، والبركة تكون بمعنى الثبات والزيادة ، والنموّ أي الثبات على الحقّ ، والسعي في زيادة أعمال الخير ، و تنمية الإيمان واليقين ، وترك مايوجب محق هذه الاُمور أي بطلانها ونقصها وفسادها ، ويحتمل أن يكون المراد البركة في المال و غيره من الاُمور الدنيويّة ، فإنّ العاقل يحصّل من الوجه الّذي يصلح له ، ويصرف فيما ينبغي الصرف فيه فينمو ويزيد ويبقى ويدوم له ، بخلاف الجاهل . والعافية من الذنوب والعيوب أو من المكاره فإنّ العاقل بالشكر والعفو يعقل النعمة عن النفار ، و يستجلب زيادة النعمة و بقائها مدى الأعصار ، والجاهل بالكفران وما يورث زوال الإحسان وارتكاب مايوجب الابتلاء بالغموم والأحزان على خلاف ذلك ، ويمكن أن تكون هذه أيضاً من المكرّرات ويظهر ممّا ذكرنا الفرق على بعض الوجوه . والقوام كسحاب : العدل وما يعاش به أي اختيار الوسط في تحصيل ما يحتاج إليه ، والاكتفاء بقدر الكفاف . والمكاثرة : المغالبة في الكثرة أي تحصيل متاع الدنيا زائداً على قدر الحاجة للمباهاة والمغالبة ، ويحتمل أن يكون المراد التوسّط في الإنفاق ؛ وترك البخل والتبذير ، كما قال تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا(١) . فالمراد بالمكاثرة المغالبة في كثرة الإنفاق . والحكمة : العمل بالعلم ، و اختيار النافع الأصلح ، و ضدّها اتّباع هوى النفس . والوقار : هو الثقل والرزانة والثبات ، وعدم الانزعاج بالفتن وترك الطيش والمبادرة إلى ما لايحمد ، والحاصل أنّ العاقل لايزول عمّا هو عليه بكلّ ما يرد عليه ولا يحرّكه إلّا مايحكم العقل بالحركة له أو إليه ، لرعاية خير و صلاح ، و الجاهل يتحرّك بالتوهّمات والتخيّلات واتّباع القوى الشهوانيّة والغضبيّة ، فمحرّك العاقل عزيز الوجود ، ومحرّك الجاهل كثير التحقّق . والسعادة : اختيار ما يوجب حسن العاقبة . والاستغفار أعمّ من التوبة إذ يشترط في التوبة العزم على الترك في المستقبل ، ولا يشترط ذلك في الاستغفار ، ويحتمل أن تكون مؤكّدةً للفقرة السابقة . والاغترار : الانخداع عن النفس والشيطان بتسويف التوبة والغفلة عن الذنوب ومضارّها وعقوباتها . والمحافظة أي على أوقات الصلوات . والتهاون : التأخير عن أوقات الفضيلة ، أو المراد المحافظة على

_________________________

(١) الفرقان : ٦٧

١١٥

جميع التكاليف . و الاستنكاف الاستكبار ، وقد سمّى الله تعالى ترك الدعاء استكباراً ، فقال : إنّ الّذين يستكبرون عن عبادتي(١) . و الفرح : ترك الحزن ممّا فات عنه من الدنيا أو البشاشة من الإخوان . قوله : الاُلفة وضدّها الفرقة ، في بعض النسخ العصبيّة ، و كونها ضدّ الاُلفة لأنّها توجب المنازعة واللّجاج والعناد الموجبة لرفع الاُلفة . وتفصيل هذه الخصال وتحقيقها سيأتي إن شاء الله تعالى في أبواب المكارم .

٨ ـ مع : أبي ، عن محمّد العطّار ، عن الأشعريّ ، عن محمّد بن عبدالجبّار ، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبدالله عليه‌السلام قال : قلت له : ما العقل ؟ قال : ماعبد به الرحمن و اكتسب به الجنان (٢) قال قلت : فالّذي كان في معاوية ؟ قال : تلك النكراء و تلك الشيطنة ، وهي شبيهة بالعقل ، وليست بعقل .

سن : الأشعريّ مثله .

بيان : النكراء : الدهاء والفطنة وجودة الرأي ، وإذا استعمل في مشتهيات جنود الجهل يقال له الشيطنة ، ولذا فسّره عليه‌السلام بها ، وهذه إمّا قوّة اُخرى غير العقل أو القوّة العقليّة وإذا استعملت في هذه الاُمور الباطلة وكملت في ذلك تسمّى بالشيطنة و لا تسمّى بالعقل في عرف الشرع ؛ وقد مرّ بيانه .

٩ ـ مع : سئل الحسن بن عليّ عليه‌السلام فقيل له : ما العقل ؟ قال : التجرّع للغصّة حتّى تنال الفرصة .

بيان : الغصّة بالضمّ : مايعترض في الحلق وتعسر إساغته (٣) ، و يطلق مجازاً على الشدائد الّتي يشقّ على الإنسان تحمّلها وهو المراد هنا . وتجرّعه كناية عن تحمّله و عدم القيام بالانتقام به و تداركه حتّى تنال الفرصة فإنّ التدارك قبل ذلك لاينفع سوى الفضيحة و شدّة البلاء و كثرة الهمّ .

١٠ ـ مع : في أسؤلة أمير المؤمنين عن الحسن عليهما‌السلام يا بنيّ ما العقل ؟ قال : حفظ قلبك ما استودعه ، قال فما الجهل ؟ قال : سرعة الوثوب على الفرصة قبل الاستمكان منها

_________________________

(١) المؤمن : ٦٠

(٢) لعل تعريفه عليه السلام العقل بخواصه و لوازمه دون بيان حقيقته وماهيته اشارة الى ان العلم والعرفان بحقيقته و كنهه غير ممكن . والعقل هنا يشمل النظري والعملي لان عبادة الرحمن و اكتساب الجنان يحتاج اليهما معاً .

(٣) وفي نسخة : و تعذر اساغته .

١١٦

والامتناع عن الجواب ، و نعم العون الصمت في مواطن كثيرة و إن كنت فصيحاً .

بيان : ما استودعه على البناء للمجهول أي ماجعلت عنده وديعةً وطلبت منه حفظه . قوله عليه‌السلام والامتناع عن الجواب ، أي عند عدم مظنّة ضرر في الجواب فإنّ الامتناع حينئذ إمّا للجهل به أو للجهل بمصلحة الوقت فإنّ الصلاح حينئذ في الجواب فقوله عليه‌السلام : و نعم العون كالاستثناء ممّا تقدّم ، وسيجييء أخبار تناسب هذا الباب في باب تركيب الإنسان و أجزاءه .

١١ ـ ف : قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في جواب شمعون بن لاوي بن يهودا من حوارييّ عيسى حيث قال : أخبرني عن العقل ما هو وكيف هو ؟ وما يتشعّب منه ومالايتشعّب ؟ وصف لي طوائفه كلّها . فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ العقل عقال (١) من الجهل ، والنفس مثل أخبث الدوابّ فإن لم تعقل حارت (٢) فالعقل عقال من الجهل ، وإنّ الله خلق العقل ، فقال له أقبل فأقبل ؛ وقال له أدبر فأدبر ؛ فقال الله تبارك و تعالى : و عزّتي وجلالي ماخلقت خلقاً أعظم منك ، ولاأطوع منك ، بك أبداُ وبك اُعيد ، لك الثواب وعليك العقاب ، فتشعّب من العقل الحلم ، ومن الحلم العلم ، ومن العلم الرشد ، و من الرشد العفاف (٣) ومن العفاف الصيانة ، و من الصيانة الحياء ، و من الحياء الرزانة ، و من الرزانة المداومة على الخير ، و من المداومة على الخير كراهية الشرّ ، ومن كراهية الشرّ طاعة الناصح .

فهذه عشرة أصناف من أنواع الخير ، ولكلّ واحد من هذه العشرة الأصناف عشرة أنواع : فأمّا الحلم فمنه : ركوب الجهل ، وصحبة الأبرار ، و رفع من الضعة (٤) ورفع من الخساسة ، وتشهّي الخير ، ويقرّب صاحبه من معالي الدرجات ، والعفو ، والمهل (٥)

_________________________

(١) بكسر العين : حبل يشد به البعير في وسط ذراعه

(٢) أي هلكت .

(٣) بفتح العين : الكف عما لايحل أو لايجمل .

(٤) بكسر الضاد وفتحها : حط النفس .

(٥) بفتح الميم و سكون الهاء و فتحها : الرفق و التؤدة في العمل ، و التقدم في الخير ، والمعنى الاول هو المراد هنا .

١١٧

والمعروف ، والصمت (١) فهذا مايتشعّب للعاقل بحلمه .

وأمّا العلم فيتشعّب منه : الغنى وإن كان فقيراً ، والجود وإن كان بخيلاً ، والمهابة وإن كان هيّناً ، والسلامة و إن كان سقيماً ، والقرب و إن كان قصيّاً ، والحياء وإن كان صَلَفاً ، والرفعة وإن كان وضيعاً ، والشرف وإن كان رذلاً ، والحكمة ، والحظوة ، فهذا مايتشعّب للعاقل بعلمه ، فطوبى لمن عقل و علم . وأمّا الرشد فيتشعّب منه السداد ، والهدى ، والبرّ ، والتقوى ، والمنالة ، والقصد ، والاقتصاد ، والثواب ، والكرم ، والمعرفة بدين الله . فهذا ماأصاب العاقل بالرشد ، فطوبى لمن أقام به على منهاج الطريق . وأمّا العفاف فيتشعّب منه : الرضاء ، والاستكانة ، والحظّ ، والراحة ، والتفقّد ، والخشوع ، والتذكّر ، والتفكّر ، والجود ، والسخاء ، فهذا مايتشعّب للعاقل بعفافه رضي بالله و بقسمه .

وأمّا الصيانة فيتشعّب منها الصلاح ، والتواضع ، والورع ، والانابة ، والفهم ، والأدب ، والإحسان ، و التحبّب ، و الخير ، و اجتناب الشرّ؛ فهذا ما أصاب العاقل بالصيانة ، فطوبى لمن أكرمه مولاه بالصيانة .

و أمّا الحياء فيتشعّب منه اللين ، والرأفة ، و المراقبة لله في السرّ والعلانية ، و السلامة ، واجتناب الشرّ ، والبشاشة ، والسماحة (٢) والظفر ، و حسن الثناء على المرء في الناس ، فهذا ما أصاب العاقل بالحياء ، فطوبى لمن قبل نصيحة الله وخاف فضيحته .

وأمّا الرزانة فيتشعّب منها اللطف ، والحزم ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، و صدق اللّسان ، و تحصين الفرج ، واستصلاح المال ، والاستعداد للعدوّ ، والنهى عن المنكر ، و ترك السفه ، فهذا ما أصاب العاقل بالرزانة ، فطوبى لمن توقّر ولمن لم تكن له خفّة ولاجاهليّة وعفا وصفح .

وأمّا المداومة على الخير فيتشعّب منه ترك الفواحش ، والبعد من الطيش (٣) ،

_________________________

(١) بفتح الصاد و سكون الميم : السكوت . أي عما لايعنيه ولايهمه و مايكون فيه الضرر شرعا أو عقلا .

(٢) بفتح السين المهملة : الجود .

(٣) بفتح الطاء و سكون الياء : النزق والخفة ، وذهاب العقل .

١١٨

والتحرّج ، واليقين ، و حبّ النجاة ، و طاعة الرحمن ، و تعظيم البرهان ، و اجتناب الشيطان ، والإجابة للعدل ، وقول الحقّ ؛ فهذا ماأصاب العاقل بمداومة الخير ، فطوبى لمن ذكر ما أمامه و ذكر قيامه واعتبر بالفناء .

و أمّا كراهية الشرّ فيتشعّب منه الوقار ، و الصبر ، والنصر ، والاستقامة على المنهاج ، والمداومة على الرشاد ، والإيمان بالله ، والتوفّر ، والإخلاص ، و ترك مالايعنيه ، والمحافظة على ماينفعه ؛ فهذا ما أصاب العاقل بالكراهية للشرّ ، فطوبى لمن أقام الحقّ لله وتمسّك بعرى سبيل الله .

وأمّا طاعة الناصح فيتشعّب منها الزيادة في العقل ، و كمال اللّبّ ، ومحمدة العواقب ، والنجاة من اللوم ، والقبول ، والمودّة ، والإسراج ، والإنصاف ، والتقدّم في الاُمور ، والقوّة على طاعة الله ؛ فطوبى لمن سلم من مصارع الهوى ؛ فهذه الخصال كلّها يتشعّب من العقل .

قال شمعون : فأخبرني عن أعلام الجاهل (١) فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إن صحبته عنّاك ، وان اعتزلته شتمك ، و إن أعطاك منّ عليك ، وإن أعطيته كفرك ، وإن أسررت إليه خانك ، و إن أسرّ إليك إتّهمك ، و إن استغنى بطر (٢) و كان فظّاً غليظاً ، و إن افتقر جحد نعمة الله ولم يتحرّج ، وإن فرح أسرف وطغى ، وإن حزن آيس ، وإن ضحك فهق ، و إن بكى خار ، يقع في الأبرار ، ولايحبّ الله ولايراقبه ، ولايستحيي من الله ولا يذكره ، إن أرضيته مدحك وقال فيك من الحسنة ماليس فيك ، وإن سخط عليك ذهبت مدحته و وقّع فيك من السوء ماليس فيك . فهذا مجرى الجاهل .

قال : فأخبرني عن علامة الإسلام فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : الإيمان ، والعلم ، والعمل قال : فما علامة الإيمان ؟ وما علامة العلم ؟ وما علامة العمل ؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أمّا علامة الإيمان فأربعة : الإقرار بتوحيد الله ، والإيمان به ، والإيمان بكتبه ، والإيمان

_________________________

(١) الاعلام جمع «علم» . بفتح العين واللام شيء ينصب فيهتدى به ، والمعنى : أخبرني عن امارات الجاهل و علاماته .

(٢) البطر : الطغيان عند النعمة .

١١٩

برسله . وأمّا علامة العلم فأربعة : العلم بالله ، والعلم بمحبّته ، و العلم بمكارهه ، و الحفظ لها حتّى تؤدّي . وأمّا العمل : فالصلاة والصوم والزكاة والإخلاص .

قال : فأخبرني عن علامة الصادق ، وعلامة المؤمن ، وعلامة الصابر ، وعلامة التائب ، وعلامة الشاكر ، و علامة الخاشع ، وعلامة الصالح ، وعلامة الناصح ، وعلامة الموقن ، وعلامة المخلص ، و علامة الزاهد ، و علامة البارّ ، و علامة التقيّ ، وعلامة المتكلّف ، و علامة الظالم ، و علامة المرائي ، وعلامة المنافق ، و علامة الحاسد ، و علامة المسرف ، و علامة الغافل ، و علامة الكسلان ، وعلامة الكذّاب ، و علامة الفاسق ، و علامة الجائر .

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أمّا علامة الصادق فأربعة : يصدق في قوله ، و يصدّق وعد الله و وعيده ، و يوفي بالعهد ، ويجتنب الغدر .

و أمّا علامة المؤمن : فإنّه يرؤف ، و يفهم ، ويستحيي .

و أمّا علامة الصابر فأربعة : الصبر على المكاره ، والعزم في أعمال البرّ ، والتواضع والحلم .

وأمّا علامة التائب فأربعة : النصيحة لله في عمله (١) وترك الباطل ، و لزوم الحقّ ، والحرص على الخير .

و أمّا علامة الشاكر فأربعة : الشكر في النعماء ، و الصبر في البلاء ، و القنوع بقسم الله ، ولايحمد ولايعظّم إلّا الله .

و أمّا علامة الخاشع فأربعة : مراقبة الله في السرّ والعلانية ، و ركوب الجميل ، والتفكّر ليوم القيامة ، والمناجاة لله .

و أمّا علامة الصالح فأربعة : يصفّي قلبه ، ويصلح عمله ، ويصلح كسبه ، ويصلح اُموره كلّها .

و أمّا علامة الناصح فأربعة : يقضي بالحقّ ، ويعطى الحقّ من نفسه ، و يرضى للناس مايرضاه لنفسه ، ولايعتدي على أحد .

و أمّا علامة الموقن فستّة : أيقن أنّ الله حقٌّ فآمن به ، و أيقن بأنّ الموت حقٌّ فحذره ، و أيقن بأنّ البعث حقٌّ فخاف الفضيحة (٢) و أيقن بأنّ الجنّة حقٌّ فاشتاق

_________________________

(١) أي الاخلاص لله في عمله .    (٢) في دار الاخرة وفي يوم تبلى فيه السرائر ، فلم يعمل مايوجب الفضيحة .

١٢٠