نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ١٤

السيّد علي الحسيني الميلاني

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ١٤

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: المؤلّف
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٦

وراجع : وفيات الأعيان ٢ / ٤٥٩ ، تاريخ بغداد ١٢ / ٣٤ ، النجوم الزاهرة ٤ / ١٧٢ ، طبقات الشافعية ٣ / ٤٦٢ ، طبقات القرّاء ١ / ٥٥٨ ، وغيرها.

(٨)

ابن حزم الأندلسي

وقد نصّ الحافظ ابن حزم الأندلسي ، المتوفّى سنة ٤٧٥ ، ه‍ ، على بطلان هذا الحديث وعدم جواز الإحتجاج به ... فإنّه قال في رأي الشيخين ما نصّه : « أمّا الرواية : اقتدوا باللذين من بعدي. فحديث لا يصحّ. لأنّه مرويّ عن مولى لربعيّ مجهول ، وعن المفضّل الضبيّ وليس بحجّة.

كما حدّثنا أحمد بن محمد بن الجسور ، نا محمد بن كثير الملاّئي ، نا المفضّل الضبيّ ، عن ضرار بن مرّة ، عن عبد الله بن أبي الهذيل العنزي ، عن جدّته ، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، قال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن امّ عبد.

وكما حدّثنا أحمد بن قاسم ، قال : نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ ، قال : حدّثني قاسم بن أصبغ ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، نا محمد ابن كثير ، أنا سفيان الثوري ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مولى لربعي ، عن ربعي ، عن حذيفة ...

وأخذناه أيضا عن بعض أصحابنا ، عن القاضي أبي الوليد ابن الفرضي ، عن ابن الدخيل ، عن العقيلي ، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد بن فضيل ، نا وكيع ، نا سالم المرادي ، عن عمرو بن هرم ، عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله ـ رجل من أصحاب حذيفة ـ عن حذيفة.

قال أبو محمد : سالم ضعيف. وقد سمّى بعضهم المولى فقال : هلال مولى

٤٢١

ربعيّ. وهو مجهول لا يعرف من هو أصلا. ولو صحّ لكان عليهم لا لهم ، لأنّهم ـ نعني أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي ـ أترك الناس لأبي بكر وعمر. وقد بيّنّا أنّ أصحاب مالك خالفوا أبا بكر ممّا رووا في الموطّأ خاصة في خمسة مواضع ، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية ممّا رووا في الموطّأ خاصة. وقد ذكرنا أيضا أنّ عمر وأبا بكر اختلفا ، وأنّ اتّباعهما فيما اختلفا فيه متعذّر ممتنع لا يعذر عليه أحد ».

وقال في الفصل :

« قال أبو محمد : ولو أنّنا نستجيز التدليس والأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحا أو أبلسوا أسفا ـ لاحتججنا بما روي : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

قال أبو محمد : ولكنّه لم يصحّ ، ويعيذنا الله من الاحتجاج بما لا يصحّ » (١).

ترجمته :

وأبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي ، حافظ ، فقيه ، ثقة ، له تراجم حسنة في كتبهم ، وإن كانوا ينتقدون عليه صراحته وشدّته في عباراته ...

قال الحافظ ابن حجر : « الفقيه الحافظ الظاهري ، صاحب التصانيف ، كان واسع الحفظ جدّا ، إلاّ أنّه لثقة حافظته كان يهجم ، كالقول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة ، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة.

قال صاعد بن أحمد الربعي : كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس كلّهم لعلوم الإسلام وأشبعهم معرفة ، وله مع ذلك توسّع في علم البيان ، وحظّ من البلاغة ، ومعرفة بالسير والأنساب.

قال الحميدي : كان حافظا للحديث ، مستنبطا للأحكام من الكتاب

__________________

(١) الإحكام في اصول الأحكام : المجلّد ٢ الجزء ٦ ص ٢٤٢ ـ ٢٤٣. الفصل في الملل والنحل ٤ / ٨٨.

٤٢٢

والسنّة ، متفنّنا في علوم جمّة ، عاملا بعلمه ، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ والتديّن وكرم النفس ، وكان له في الأثر باع واسع.

قال مؤرّخ الأندلس أبو مروان ابن حبّان : كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه ونسب وأدب ، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة ، وكان لا يخلو في فنونه من غلط ، لجرأته في السؤال على كل فنّ » (١).

وراجع : وفيات الأعيان ٣ / ١٣ ، نفح الطيب ١ / ٣٦٤ ، العبر في خبر من غبر ٣ / ٢٣٩.

(٩)

برهان الدين العبري الفرغاني

وقد نصّ العلاّمة عبيد الله بن محمد العبري الفرغاني الحنفي ـ المتوفّى سنة ٧٤٣ ه‍ ـ على أنّه حديث موضوع لا يجوز الاستدلال به والاستناد إليه ، وهذا نصّ كلامه : « وقيل : إجماع الشيخين حجّة لقوله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. فالرسول أمرنا بالاقتداء بهما ، والأمر للوجوب ، وحينئذ يكون مخالفتهما حراما. ولا نعني بحجّيّة إجماعهما سوى ذلك.

الجواب : إنّ الحديث موضوع لما بيّنّا في شرح الطوالع » (٢).

ترجمته :

والعبري من كبار أئمّة القوم في علم الكلام والمعقول ، وشرحه على « المنهاج » وعلى « الطوالع » للقاضي البيضاوي من أشهر كتبهم في الكلام والأصول

__________________

(١) لسان الميزان ٤ / ١٩٨.

(٢) شرح المنهاج ـ مخطوط.

٤٢٣

... وقد ترجموا له وأثنوا عليه واعترفوا بفضله.

قال الحافظ ابن حجر : « كان عارفا بالأصلين ، وشرح مصنّفات ناصر الدين البيضاوي ... ذكره الذهبي في المشتبه ـ في العبري ـ فقال : عالم كبير في وقتنا وتصانيفه سائرة. ومات في شهر رجب سنة ٧٤٣. قلت : رأيت بخطّ بعض فضلاء العجم أنّه مات في غرّة ذي الحجّة منها وهو أثبت ، ووصفه فقال : هو الشريف المرتضى قاضي القضاة ، كان مطاعا عند السلاطين ، مشهورا في الآفاق ، مشارا إليه في جميع الفنون ، ملاذ الضعفاء ، كثير التواضع والإنصاف » (١).

وقال الأسنوي : « كان أحد الأعلام في علم الكلام والمعقولات ، ذا حظّ وافر من باقي العلوم ، وله التصانيف المشهورة » (٢).

وقال اليافعي : « الإمام العلاّمة ، قاضي القضاة ، عبيد الله بن محمد العبري الفرغاني الحنفي ، البارع العلاّمة المناظر ، يضرب بذكائه ومناظرته المثل ، كان إماما بارعا ، متفنّنا ، تخرج به الأصحاب ، يعرف المذهبين الحنفي والشافعي ،.

وأقرأهما وصنّف فيهما. وأمّا الأصول والمعقول فتفرّد فيها بالإمامة ، وله تصانيف ... وكان أستاذ الاستاذين في وقته » (٣).

(١٠)

شمس الدين الذهبي

وأبطل الحافظ الكبير الذهبي ـ المتوفّى سنة ٧٤٨ ه‍ ـ هذا الحديث مرّة بعد

__________________

(١) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢ / ٤٣٣.

(٢) طبقات الشافعية ٢ / ٢٣٦.

(٣) مرآة الجنان ٤ / ٣٠٦.

٤٢٤

أخرى ، واستشهد بكلمات جهابذة فنّ الحديث والرجال ... وإليك ذلك :

قال : « أحمد بن صليح ، عن ذي النون المصري ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر بحديث : اقتدوا باللذين من بعدي.

وهذا غلط ، وأحمد لا يعتمد عليه » (١)

وقال : « أحمد بن محمد بن غالب الباهلي غلام خليل ، عن إسماعيل بن أبي اويس وشيبان وقرّة بن حبيب. وعنه : ابن كامل وابن السماك وطائفة.

وكان من كبار الزّهاد ببغداد. قال ابن عديّ : سمعت أبا عبد الله النهاوندي يقول : قلت لغلام خليل : ما هذه الرقائق التي تحدّث بها؟ قال : قال وضعناها لنرقّق بها قلوب العامة.

وقال أبو داود : أخشى أن يكون دجّال بغداد.

وقال الدارقطني : متروك.

ومن مصائبه : قال : حدّثنا محمد بن عبد الله العمري ، حدّثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

فهذا ملصق بمالك. وقال أبو بكر النقّاش : وهو واه ... » (٢).

وقال : « محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدوي ، العمري.

ذكره العقيلي وقال : لا يصحّ حديثه ، ولا يعرف بنقل الحديث ، حدّثنا أحمد ابن الخليل ، حدّثنا إبراهيم بن محمد الحلبي ، حدّثني محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم ، أنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا : اقتدوا باللذين من بعدي.

فهذا لا أصل له من حديث مالك ، بل هو معروف من حديث حذيفة بن

__________________

(١) ميزان الاعتدال في نقد الرجال ١ / ١٠٥.

(٢) ميزان الاعتدال في نقد الرجال ١ / ١٤١.

٤٢٥

اليمان.

وقال الدار قطني : العمري هذا يحدّث عن مالك بأباطيل.

وقال ابن مندة : له مناكير » (١).

وقال : « عن يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي الزعراء ، عن ابن مسعود مرفوعا : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود.

قلت : سنده واه جدّا » (٢).

ترجمته :

والذهبي أعرف من أن يعرّف ، فهو إمام المتأخرين في التواريخ والسّير ، والحجّة عندهم في الجرح والتعديل ... وإليك بعض مصادر ترجمته : الدرر الكامنة ٣ / ٣٣٦ ، الوافي بالوفيات ٢ / ١٦٣ ، طبقات الشافعية ٥ / ٢١٦ ، فوات الوفيات ٢ / ٣٧٠ ، البدر الطالع ٢ / ١١٠ ، شذرات الذهب ٦ / ١٥٣ ، النجوم الزاهرة ١٠ / ١٨٢ ، طبقات القرّاء ٢ / ٧١.

(١١)

نور الدّين الهيثمي

ونصّ الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ـ المتوفّى سنة ٨٠٧ ه‍ ـ على سقوط الحديث عن أبي الدرداء حيث قال : « وعن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ،

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ / ٦١٠.

(٢) تلخيص المستدرك ٣ / ٧٥.

٤٢٦

فإنّهما حبل الله الممدود ، ومن تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

رواه الطبراني. وفيه من لم أعرفهم » (١).

وكذا عن ابن مسعود. وقد تقدّمت عبارته.

ترجمته :

والحافظ الهيثمي من أكابر حفّاظ القوم ، وأئمّتهم.

قال الحافظ السخاوي بعد وصفه بالحفظ : « وكان عجبا في الدين والتقوى والزهد والإقبال على العلم والعبادة والأوراد وخدمة الشيخ ...

قال شيخنا في معجمه : كان خيّرا ساكنا ليّنا سليم الفطرة ، شديد الإنكار للمنكر ، كثير الاحتمال لشيخنا ولأولاده ، محبّا في الحديث وأهله ...

وقال البرهان الحلبي : إنّه كان من محاسن القاهرة.

وقال التقيّ الفاسي : كان كثير الحفظ للمتون والآثار ، صالحا خيّرا.

وقال الأقفهسي : كان إماما عالما حافظا زاهدا ...

والثناء على دينه وزهده وورعه ونحو ذلك كثير جدّا ... » (٢).

وراجع أيضا : حسن المحاضرة ١ / ٣٦٢ ، طبقات الحفّاظ : ٥٤١ ، البدر الطالع ١ / ٤٤.

(١٢)

ابن حجر العسقلاني

واقتفى الحافظ ابن حجر العسقلاني ـ المتوفّى سنة ٨٥٢ ه‍ ـ أثر الحافظ

__________________

(١) مجمع الزوائد ٩ / ٥٣.

(٢) الضوء اللامع ٥ / ٢٠٠.

٤٢٧

الذهبي ، فأبطل الحديث في غير موضع. فقال بترجمة أحمد بن صليح :

« أحمد بن صليح ، عن ذي النون المصري ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما بحديث : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. وهذا غلط. وأحمد لا يعتمد عليه » (١).

وقال بترجمة غلام خليل بعد كلام الذهبي : « وقال الحاكم : سمعت الشيخ أبا بكر ابن إسحاق يقول : أحمد بن محمد بن غالب ممّن لا أشكّ في كذبه.

وقال أبو أحمد الحاكم : أحاديثه كثيرة لا تحصى كثرة ، وهو بيّن الأمر في الضّعف.

وقال أبو داود : قد عرض عليّ من حديثه فنظرت في أربعمائة حديث أسانيدها ومتونها كذب كلّها. وروى عن جماعة من الثقات أحاديث موضوعة على ما ذكره لنا القاضي أحمد بن كامل ، مع زهده وورعه. ونعوذ بالله من ورع يقيم صاحبه ذلك المقام » (٢).

وأضاف إلى كلام الذهبي بترجمة محمد العمري : « وقال العقيلي بعد تخريجه : هذا حديث منكر لا أصل له. وأخرجه الدار قطني من رواية أحمد الخليلي البصري بسنده وساق بسند كذلك ثم قال : لا يثبت ، والعمري هذا ضعيف » (٣).

ترجمته :

وابن حجر العسقلاني حافظهم على الإطلاق ، وشيخ الإسلام عندهم في جميع الآفاق ، إليه المرجع في التاريخ والحديث والرجال ، وعلى كتبه المعوّل في جميع العلوم ... قال الحافظ السيوطي :

« الإمام الحافظ في زمانه ، قاضي القضاة ، انتهت إليه الرحلة والرياسة في

__________________

(١) لسان الميزان ١ / ١٨٨.

(٢) لسان الميزان ١ / ٢٧٢.

(٣) لسان الميزان ٥ / ٢٣٧.

٤٢٨

الحديث في الدنيا بأسرها ، لم يكن في عصره حافظ سواه. وألّف كتبا كثيرة كشرح البخاري ، وتعليق التعليق ، وتهذيب التهذيب ، وتقريب التهذيب ، ولسان الميزان ، والإصابة في الصحابة ، ونكت ابن الصلاح ، ورجال الأربعة وشرحها ، والألقاب ... » (١).

وهكذا وصف في كلّ كتاب توجد فيه ترجمة له ... فراجع : البدر الطالع ١ / ٨٧ ، الضوء اللامع ٢ / ٣٦ ، شذرات الذهب ٨ / ٢٧٠ ، ذيل رفع الإصر : ٨٩ ، ذيل تذكرة الحفّاظ : ٣٨٠.

(١٣)

شيخ الإسلام الهروي

وقال الشيخ أحمد بن يحيى الهروي الشافعي ـ المتوفّى سنة ٩١٦ ه‍ ـ ما نصّه :

« من موضوعات أحمد الجرجاني :

من قال القرآن مخلوق فهو كافر. الإيمان يزيد وينقص. ليس الخبر كالمعاينة. الباذنجان شفاء من كلّ داء. دانق من حرام أفضل عند الله من سبعين حجة مبرورة. موضوع. اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر. باطل.

إنّ الله يتجلّى للخلائق يوم القيامة ويتجلّى لأبي بكر خاصّة. باطل » (٢).

ترجمته :

وهذا الشيخ من فقهاء الشّافعية ، وكان شيخ الإسلام بمدينة هراة ، وهو

__________________

(١) حسن المحاضرة ١ / ٣٦٣.

(٢) الدرّ النضيد : ٩٧.

٤٢٩

حفيد السّعد التفتازاني.

قال الزركلي : « أحمد بن يحيى بن محمد بن سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الهروي ، شيخ الإسلام ، من فقهاء الشافعية ، يكنّى سيف الدين ويعرف بـ « حفيد السعد » التفتازاني. كان قاضي هراة مدّة ثلاثين عاما ، ولمّا دخل الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي كان الحفيد ممّن جلسوا لاستقباله في دار الإمارة ، ولكنّ الوشاة اتّهموه عند الشاه بالتعصّب ، فأمر بقتله مع جماعة من علماء هراة ، ولم يعرف له ذنب ، ونعت بالشهيد. له كتب منها : مجموعة سمّيت : الدرّ النضيد من مجموعة الحفيد ط. في العلوم الشرعية والعربيّة ... » (١).

(١٤)

عبد الرءوف المناوي

وطعن العلاّمة عبد الرءوف بن تاج العارفين المناوي المصري ـ المتوفّى سنة ١٠٢٩ ه‍ ـ في سند الحديث عن حذيفة ، وتعقّبه عن ابن مسعود بكلمة الذهبي. وهذا نصّ عبارته :

« ( اقتدوا باللذين ) بفتح الذال. أي الخليفتين اللذين يقومان ( من بعدي : أبو بكر وعمر ) أمره بمطاوعتهما يتضمّن الثناء عليهما ، ليكونا أهلا لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه ، المؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما ، وإيماء لكونهما الخليفتين بعده. وسبب الحثّ على الاقتداء بالسابقين الأولين ما فطروا عليه من الأخلاق المرضيّة والطبيعة القابلة للخيور السنيّة ، فكأنّهم كانوا قبل الإسلام كأرض طيّبة في نفسها ، لكنّها معطّلة عن الحرث بنحو عوسج وشجر عضاة. فلمّا

__________________

(١) الأعلام ١ / ٢٧٠.

٤٣٠

ازيل ذلك منها بظهور دولة الهدى أنبتت نباتا حسنا ، فلذلك كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء ، وصار أفضل الخلق بعدهم من اتّبعهم بإحسان إلى يوم الصراط والميزان.

فإن قلت : حيث أمر باتّباعهما فكيف تخلّف علي رضي‌الله‌عنه عن البيعة؟

قلت : كان لعذر ثم بايع. وقد ثبت عنه الانقياد لأوامرهما ونواهيهما وإقامة الجمع والأعياد معهما والثناء عليهما حيّين وميّتين.

فإن قلت : هذا الحديث يعارض ما عليه أهل الأصول من أنّه لم ينصّ على خلافة أحد.

قلت : مرادهم لم ينصّ نصّا صريحا. وهذا كما يحتمل الخلافة يحتمل الاقتداء بهم في الرأي والمشورة والصلاة وغير ذلك.

( حم ت ) في المناقب وحسّنه ( ه‍ ) من حديث عبد الملك بن عمير عن ربعي ( عن حذيفة ) بن اليمان.

قال ابن حجر : اختلف فيه على عبد الملك. وأعلّه أبو حاتم. وقال البزّار كابن حزم : لا يصحّ. لأنّ عبد الملك لم يسمعه من ربعي ، وربعي لم يسمعه من حذيفة. لكن له شاهد. وقد أحسن المصنّف حيث عقّبه بذكر شاهده فقال :

( اقتدوا باللذين ) بفتح الذال ( من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ) بن ياسر ، أي سيروا بسيرته واسترشدوا بإرشاده فإنّه ما عرض عليه أمران إلاّ اختار أرشدهما ، كما يأتي في حديث ( وتمسّكوا بعهد ابن مسعود ) عبد الله ، أي ما يوصيكم به.

قال التوربشتي : أشبه الأشياء بما يراد من عهده أمر الخلافة ، فإنّه أوّل من شهد بصحّتها وأشار إلى استقامتها قائلا : ألا نرضى لدنيانا من رضيه لديننا بيننا ، كما يومئ إليه المناسبة بين مطلع الخبر وتمامه.

( ت ) وحسّنه ( عن ابن مسعود. الروياني عن حذيفة ) قال : بينا نحن عند رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إذ قال : لا أدري ما قدر بقائي فيكم ، ثم

٤٣١

ذكره. ( عد عن أنس ).

ورواه الحاكم عن ابن مسعود باللفظ المذكور قال الذهبي : وسنده واه » (١).

ترجمته :

والمناويّ علاّمة محقّق كبير ، وكتابه ( فيض القدير ) من الكتب المفيدة وقد ترجم له وأثنى عليه العلاّمة المحبّي ووصفه بـ « الإمام الكبير الحجّة » وهذه عبارته :

« عبد الرءوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين ، الملقّب بزين الدين ، الحدادي ثم المناوي ، القاهري ، الشافعي.

الإمام الكبير الحجّة ، الثبت القدوة ، صاحب التصانيف السائرة ، وأجلّ أهل عصره من غير ارتياب.

وكان إماما فاضلا ، زاهدا ، عابدا ، قانتا لله خاشعا له ، كثير النفع ، وكان متقرّبا بحسن العمل ، مثابرا على التسبيح والأذكار ، صابرا صادقا ، وكان يقتصر يومه وليلته على أكلة واحدة من الطعام.

وقد جمع من العلوم والمعارف ـ على اختلاف أنواعها وتباين أقسامها ـ ما لم يجتمع في أحد ممّن عاصره ... » (٢).

(١٥)

ابن درويش الحوت

وقال العلاّمة ابن درويش الحوت ـ المتوفّى سنة ١٠٩٧ ه‍ ـ : « خبر ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ).

رواه أحمد والترمذي وحسنّه. وأعلّه أبو حاتم ، وقال البزّار كابن حزم : لا

__________________

(١) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ٢ / ٥٦.

(٢) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ٢ / ٤١٢ ـ ٤١٦.

٤٣٢

يصحّ. وفي رواية للترمذي وحسّنها : واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود. وقال الهيثمي : سندها واه » (١).

__________________

(١) أسنى المطالب : ٤٨.

٤٣٣

(٣)

تأمّلات في متن ودلالة

حديث الاقتداء

قد أشرنا في المقدّمة إلى استدلال القوم بحديث الاقتداء في باب الخلافة والإمامة وفي الفقه والأصول في مسائل مهمّة ...

فقد استدلّ به القاضي البيضاوي في كتابه الشهير « طوالع الأنوار في علم الكلام » وابن حجر المكّي في « الصواعق المحرقة » وابن تيميّة في « منهاج السنّة » وولي الله الدهلوي ـ صاحب : حجّة الله البالغة ـ في كتابه « قرّة العينين في تفضيل الشيخين » ... ومن الطريف جدّا أنّ هذا الأخير ينسب رواية الحديث إلى البخاري ومسلم ... وهذه عبارته :

« قوله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

فعن حذيفة : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. متّفق عليه.

وعن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود. أخرجه الترمذي » (١).

إذ لا يخفى أنّ النسبة كاذبة ... إلاّ أن يكون « متّفق عليه » اصطلاحا خاصا بالدهلوي ، يعني به اتّفاقهما على عدم الإخراج!!

واستدلّ به الشيخ علي القاري ... ووقع فيما وقع فيه الدهلوي ...

__________________

(١) قرّة العينين : ١٨٩.

٤٣٤

فقد جاء في « شرح الفقه الأكبر » : « مذهب عثمان وعبد الرحمن بن عوف : أنّ المجتهد يجوز له أن يقلّد غيره إذا كان أعلم منه بطريق الدين ، وأن يترك اجتهاد نفسه ويتّبع اجتهاد غيره. وهو المروي عن أبي حنيفة ، لا سيّما وقد ورد في الصحيحين : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. فأخذ عثمان وعبد الرحمن بعموم هذا الحديث وظاهره ».

ولعلّه يريد غير صحيحي البخاري ومسلم!! وإلاّ فقد نصّ الحاكم ـ كما عرفت ـ على أنّهما لم يخرجاه!!

وهكذا فإنّك تجد حديث الاقتداء ... يذكر أو يستدلّ به في كتب الأصول المعتمدة ... فقد جاء في المختصر :

« مسألة : الإجماع لا ينعقد بأهل البيت وحدهم خلافا للشيعة. ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافا لأحمد. ولا بأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ عند الأكثرين. قالوا : عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي. اقتدوا باللذين من بعدي. قلنا : يدلّ على أهلية اتّباع المقلّد ، ومعارض بمثل : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. وخذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء ».

قال شارحه العضد : « أقول : لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم مع مخالفة غيرهم لهم ، أو عدم الموافقة والمخالفة ، خلافا للشيعة. ولا بالأئمّة الأربعة عند الأكثرين خلافا لأحمد. ولا بأبي بكر وعمر عند الأكثرين خلافا لبعضهم.

لنا : أنّ الأدلّة لا تتناولهم. وقد تكرّر فلم يكرّر. أمّا الشيعة فبنوا على أصلهم في العصمة ، وقد قرّر في الكلام فلم يتعرّض له. وأمّا الآخرون فقالوا : قال عليه الصلاة والسلام : عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي. وقال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

الجواب : أنّهما إنّما يدلاّن على أهلية الأربعة أو الاثنين لتقليد المقلّد لهم ، لا على حجّيّة قولهم على المجتهد. ثم إنّه معارض بقوله : أصحابي كالنجوم ... » (١).

__________________

(١) شرح المختصر في الأصول ٢ / ٣٦.

٤٣٥

وفي المنهاج وشرحه : « وذهب بعضهم إلى أنّ إجماع الشيخين وحدهما حجّة لقوله عليه‌السلام : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والترمذي وقال : حسن ، وذكره ابن حبان في صحيحه.

وأجاب الإمام وغيره عن الخبرين بالمعارضة بقوله : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. وهو حديث ضعيف. وأجاب الشيخ أبو إسحاق في ( شرح اللمع ) بأنّ ابن عبّاس خالف جميع الصحابة في خمس مسائل انفرد بها ، وابن مسعود انفرد بأربع مسائل ، ولم يحتجّ عليهما أحد بإجماع ... » (١).

وفي مسلّم الثبوت وشرحه : « ولا ينعقد الإجماع بالشيخين أميري المؤمنين أبي بكر وعمر عند الأكثر ، خلافا للبعض ، ولا ينعقد بالخلفاء الأربعة خلافا لأحمد الإمام ولبعض الحنفية ... قالوا : كون اتّفاق الشيخين إجماعا ، قالوا : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد ، فمخالفتهما حرام ... قلنا : هذا خطاب للمقلّدين ، فلا يكون حجّة على المجتهدين ، وبيان لأهليّة الاتّباع ، لا حصر الاتّباع فيهم ، وعلى هذا فالأمر للإباحة أو للندب ، وأحد هذين التأويلين ضروري ، لأنّ المجتهدين كانوا يخالفونهم ، والمقلّدون كانوا قد يقلّدون غيرهم ولم ينكر عليهم أحد ، لا الخلفاء أنفسهم ولا غيرهم ، فعدم حجّية قولهم كان معتقدهم. وبهذا اندفع ما قيل إنّ الإيجاب ينافي هذا التأويل ... » (٢).

فهذه نماذج من استدلال القوم بحديث الاقتداء بالشيخين ... في مسائل الفقه والأصوليين ...

لكنّ الذي يظهر من مجموع هذه الكلمات أنّ الأكثر على عدم حجّية إجماعهما ...

__________________

(١) الإبهاج في شرح المنهاج ٢ / ٣٦٧.

(٢) فواتح الرحموت في مسلّم الثبوت ٢ / ٢٣١.

٤٣٦

وإذا ضممنا إلى ذلك أنّ الأكثر ـ أيضا ـ على أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينصّ على خلافة أحد من بعده ... كما جاء في المواقف وشرحها « والإمام الحقّ بعد النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : أبو بكر ثبتت إمامته بالإجماع ، وإن توقّف فيه بعضهم ... ولم ينصّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم على أحد خلافا للبكرية ، فإنّهم زعموا النصّ على أبي بكر ، وللشيعة فإنّهم يزعمون النصّ على علي كرّم الله وجهه ، إمّا نصّا جليا وإمّا نصّا خفيّا. والحقّ عند الجمهور نفيهما » (١).

وقال المناوي بشرحه : « فإن قلت : هذا الحديث يعارض ما عليه أهل الأصول من أنّه لم ينصّ على خلافة أحد.

قلت : مرادهم : لم ينصّ نصّا صريحا ، وهذا كما يحتمل الخلافة يحتمل الاقتداء بهم في الرأي والمشورة والصلاة ونحو ذلك (٢).

علمنا أنّ المستدلّين بهذا الحديث في جميع المجالات ـ ابتداء بباب الإمامة والخلافة ، وانتهاء بباب الاجتهاد والإجماع ـ هم « البكرية » وأتباعهم ...

إذن ... فالأكثر يعرضون عن مدلول هذا الحديث ومفاده ... وإنّ المستدلّين به قوم متعصّبون لأبي بكر وإمامته ... وهذا وجه آخر من وجوه وضعه واختلاقه ...

قال الحافظ ابن الجوزي : « قد تعصّب قوم لا خلاق لهم يدّعون التمسّك بالسنّة فوضعوا لأبي بكر فضائل ... » (٣).

لكن من هم؟

هم « البكرية » أنفسهم!!

__________________

(١) شرح المواقف ـ مباحث الإمامة ٨ / ٣٥٤.

(٢) فيض القدير ٢ / ٥٦.

(٣) الموضوعات ١ / ٣٠٣.

٤٣٧

قال العلاّمة المعتزلي : « فلمّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة (١) ، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث ، نحو : ( لو كانت متّخذا خليلا ) فإنّهم وضعوه في مقابلة ( حديث الإخاء ). ونحو ( سدّ الأبواب ) فإنّه كان لعلي عليه‌السلام ، فقلبته البكرية إلى أبي بكر. ونحو : ( ايتني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان ) ثم قال : ( يأبى الله والمسلمون إلاّ أبا بكر ) فإنّهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه : ( ايتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلّون بعده أبدا. فاختلفوا عنده وقال قوم منهم : لقد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله ) ونحو حديث : ( أنا راض عنك ، فهل أنت عنّي راض؟ ) ونحو ذلك » (٢).

وبعد ، فما مدلول هذا الحديث ونحن نتكلّم هنا عن هذه الجهة وبغضّ النظر عن السند؟

يقول المناوي : « أمره بمطاوعتهما يتضمّن الثناء عليهما ، ليكونا أهلا لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه ... ».

لكنّ أوّل شيء يعترض عليه به تخلّف أمير المؤمنين عليه‌السلام ومن تبعه عن البيعة مع أمرهما به ، ولذا قال :

« فإن قلت : حيث أمر باتّباعهما فكيف تخلّف علي رضي‌الله‌عنه عن البيعة؟ قلت : كان لعذر ثم بايع ، وقد ثبت عنه الانقياد لأوامرهما ونواهيهما ... » (٣).

أقول : لقد وقع القوم ـ بعد إنكار النصّ وحصر دليل الخلافة في الإجماع ـ في مأزق كبير وإشكال شديد ، وذلك لأنّهم قرّروا في علم الأصول أنّه إذا خالف

__________________

(١) الذي صنعته الشيعة أنّها استدلّت بالأحاديث التي رواها أهل السنّة في فضل أمير المؤمنين عليه‌السلام باعتبار أنّها نصوص جليّة أو خفيّة على إمامته كما ذكر صاحب « شرح المواقف » وغيره.

(٢) شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٩.

(٣) فيض القدير ٢ / ٥٦.

٤٣٨

واحد من الامّة أو اثنان لم ينعقد الإجماع.

قال الغزّالي : « إذا خالف واحد من الامّة أو اثنان لم ينعقد الإجماع دونه ، فلو مات لم تصر المسألة إجماعا ، خلافا لبعضهم. ودليلنا : أنّ المحرّم مخالفة الامّة كافّة ... » (١).

وفي مسلّم الثبوت وشرحه : « قيل : إجماع الأكثر مع ندرة المخالف بأن يكون واحدا أو اثنين إجماع ... والمختار أنّه ليس بإجماع لانتفاء الكلّ الذي هو مناط العصمة. ثم اختلفوا فقيل : ليس بحجّة أصلا كما أنّه ليس بإجماع ، وقيل : بل حجّة ظنّية غير الإجماع ، لأنّ الظاهر إصابة السواد الأعظم ... قيل : ربّما كان الحقّ مع الأقل وليس فيه بعد ... ».

فقال المكتفون بإجماع الأكثر : « صحّ خلافة أبي بكر مع خلاف علي وسعد ابن عبادة وسلمان ».

فأجيب : « ويدفع بأنّ الإجماع بعد رجوعهم إلى بيعته. هذا واضح في أمير المؤمنين علي ».

فلو سلّمنا ما ذكروه من بيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فما الجواب عن تخلّف سعد بن عبادة »؟!

أمّا المناوي فلم يتعرّض لهذه المشكلة ... وتعرّض لها شارح مسلّم الثبوت فقال بعد ما تقدّم : « لكنّ رجوع سعد بن عبادة فيه خفاء ، فإنّه تخلّف ولم يبايع وخرج عن المدينة ، ولم ينصرف إلى أن مات بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة أمير المؤمنين عمر ، وقيل : مات سنة إحدى عشرة في خلافة أمير المؤمنين الصدّيق الأكبر. كذا في الاستيعاب وغيره. فالجواب الصحيح عن تخلّفه : أنّ تخلّفه لم يكن عن اجتهاد ، فإنّ أكثر الخزرج قالوا : منّا أمير ومنكم أمير ، لئلاّ تفوت رئاستهم ... ولم يبايع سعد لما كان له حبّ السيادة ، وإذا لم

__________________

(١) المستصفى ١ / ٢٠٣.

٤٣٩

تكن مخالفته عن الاجتهاد فلا يضرّ الإجماع ...

فإن قلت : فحينئذ قد مات هو رضي‌الله‌عنه شاقّ عصا المسلمين مفارق الجماعة وقد قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وأصحابه وسلّم : لم يفارق الجماعة أحد ومات إلاّ مات ميتة الجاهلية. رواه البخاري. والصحابة لا سيّما مثل سعد برآء عن موت الجاهلية.

قلت : هب أنّ مخالفة الإجماع كذلك ، إلاّ أنّ سعدا شهد بدرا على ما في صحيح مسلم ، والبدريّون غير مؤاخذين بذنب ، مثلهم كمثل التائب وإن عظمت المصيبة ، لما أعطاهم الله تعالى من المنزلة الرفيعة برحمته الخاصة بهم. وأيضا : هو عقبي ممّن بايع في العقبة ، وقد وعدهم رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وأصحابه وسلّم الجنّة والمغفرة. فإيّاك وسوء الظنّ بهذا الصنيع. فاحفظ الأدب ... » (١).

ولو تنزّلنا عن قضية سعد بن عبادة ، فما الجواب عن تخلّف الصدّيقة الزهراء عليها‌السلام؟! وهي من الصحابة ، بل بضعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فإذا كان الصحابة ـ لا سيّما مثل سعد ـ برآء عن موت الجاهلية ، فما ظنّك بالزهراء التي قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني » (٢) وقال : « فاطمة بضعة منّي ، يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها » (٣). وقال : « فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة إلاّ مريم بنت عمران » (٤) هذه الأحاديث التي استدلّ بها الحافظ السهيلي وغيره من الحفّاظ على أنّها أفضل من الشيخين فضلا عن غيرهما (٥).

__________________

(١) فواتح الرحموت ـ شرح مسلّم الثبوت ٢ / ٢٢٣ ـ ٢٢٤.

(٢) فيض القدير ٤ / ٤٢١ عن البخاري في المناقب.

(٣) فيض القدير ٤ / ٤٢١.

(٤) فيض القدير ٤ / ٤٢١.

(٥) فيض القدير ٤ / ٤٢١.

٤٤٠