نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ١٤

السيّد علي الحسيني الميلاني

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ١٤

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: المؤلّف
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٦

السّلمي كذب عليه ، ولم يبلغنا أنّ الحاكم ينال من معاوية ، ولا يظنّ ذلك فيه ، وغاية ما قيل فيه الإفراط في ولاء علي كرّم الله وجهه ، ومقام الحاكم عندنا أجلّ من ذلك » (١).

بطلان حكمه بوضع حديث : تقاتل الناكثين ...

وأمّا حكم ابن تيميّة بوضع حديث : « تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين » فقلّة حياء ، وقد دعاه إلى هذه الوقاحة اعتقاده الخبيث بخطإ أمير المؤمنين عليه‌السلام في قتال أهل الجمل وصفّين ، ـ كما قد أظهر هذا الاعتقاد في بعض المواضع من خرافاته ـ فهو يريد إبطال كلّ حديث يدلّ على حقيّة أمير المؤمنين عليه‌السلام في قتال أولئك البغاة ...

وعلى كلّ حال فإنّ هذا الحديث من الأحاديث الصحاح الثّابتة التي لم يجد طائفة من متعصّبيهم بدّا من الاعتراف به ... وحتى أن والد ( الدهلوي ) مع ميله إلى تخطئة الأمير عليه‌السلام في حروبه مع البغاة والخارجين عليه ينقل هذا الحديث في كتبه بل يصرّح بثبوته ، بل ( الدهلوي ) نفسه ينصّ في بحث مطاعن عثمان من ( التحفة ) على ثبوت هذا الحديث ، فهل يكون ( الدهلوي ) ووالده من الشيعة؟

هذا ، وقد روى حديث أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين جمع من أئمة أهل السنّة وحفّاظهم الكبار :

منهم : أبو عمرو ابن عبد البرّ بترجمة أمير المؤمنين عليه‌السلام حيث قال : « وروي من حديث علي كرّم الله وجهه ، ومن حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي أيّوب الأنصاري : إنّه : أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين » (٢).

__________________

(١) طبقات الشافعيّة للسبكي ٤ / ١٦٣.

(٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ١١١٧.

١٦١

ومنهم : أبو المؤيّد الموفق بن أحمد الخوارزمي حيث قال : « أخبرني الشيخ الإمام شهاب الدين أبو النجيب سعد بن عبد الله بن الحسن الهمداني المعروف بالمروزي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ قال : أخبرنا الحافظ أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحدّاد بإصبهان ـ فيما أذن ـ قال : أخبرنا الشيخ الأديب أبو يعلى عبد الرزاق بن عمر بن إبراهيم الطهراني سنة ٤٧٣ قال : أخبرنا الإمام الحافظ طراز المحدّثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني ... وبهذا الإسناد : عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه هذا قال : حدّثنا محمّد بن علي بن دحيم ، قال : حدّثنا أحمد بن حازم قال : حدّثنا عثمان بن محمّد قال : حدّثنا يونس بن أبي يعقوب قال : حدّثنا حمّاد بن عبد الرحمن الأنصاري ، عن أبي سعيد التيمي ، عن علي عليه‌السلام قال :

عهد إليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. فقيل له : يا أمير المؤمنين ، من الناكثون؟ قال : الناكثون أهل الجمل ، والمارقون الخوارج ، والقاسطون أهل الشام » (١).

ومنهم : ابن الأثير الجزري بترجمة الإمام عليه‌السلام حيث قال : « أنبأنا أرسلان بن بعان الصّوفي ، حدّثنا أبو الفضل أحمد بن طاهر بن سعيد بن أبي سعيد الميهني ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن خلف الشيرازي ، أنبأنا الحاكم أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو جعفر محمّد بن علي بن دحيم الشيباني ، حدّثنا الحسين بن الحكم الحيري ، حدّثنا إسماعيل بن أبان ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فقلنا : يا رسول الله : أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ فقال : مع علي بن أبي طالب ، معه يقتل عمّار بن ياسر.

__________________

(١) مناقب أمير المؤمنين للخوارزمي : ١٧٥.

١٦٢

وأخبر الحاكم : أنبأنا أبو الحسن بن علي بن محمشاد المعدّل ، حدّثنا إبراهيم بن الحسين بن ديرك ، حدّثنا عبد العزيز بن الخطا ، حدّثنا محمّد بن كثير ، عن الحارث بن حصيرة ، عن أبي صادق ، عن محنف بن سليم قال : أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا : قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ جئت تقاتل المسلمين؟ قال : أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

وأنبأنا أبو الفضل بن أبي الحسن ، بإسناده عن أبي يعلى ، حدّثنا إسماعيل بن موسى ، حدّثنا الربيع بن سهل ، عن سهل بن عبيد ، عن علي بن ربيعة قال : سمعت عليّا على منبركم هذا يقول : عهد إليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين » (١).

ومنهم : شهاب الدين أحمد حيث قال : « عن أبي سعيد ـ رضي‌الله‌عنه ـ قال : ذكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم لعلي رضوان الله تعالى عليه ما يلقى من بعده فبكى وقال : أسألك بقرابتي وصحبتي إلاّ دعوت الله تعالى أن يقبضني. قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم : يا علي تسألني أن أدعو الله لأجل مؤجل! فقال يا رسول الله : على ما أقاتل القوم؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم : على الإحداث في الدين.

وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه ، عن علي كرّم الله تعالى وجهه قال : عهد إليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. فقيل له : يا أمير المؤمنين من الناكثون؟ قال كرّم الله تعالى وجهه : الناكثون أهل الجمل ، والقاسطون أهل الشام ، والمارقون الخوارج.

رواهما الصالحاني وقال : رواهما الإمام المطلق رواية ودراية أبو بكر ابن

__________________

(١) أسد الغابة في معرفة الصحابة ٤ / ٣٢.

١٦٣

مردويه ، وخطيب خوارزم الموفق أبو المؤيد. أدام الله جمال العلم بمأثور أسانيدهما ومشهور مسانيدهما » (١).

ومنهم : محمد بن طلحة الشافعي ـ في الأحاديث الدالّة على علم علي وفضله ـ : « ومن ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه المذكور ـ يعني شرح السنّة ـ عن ابن مسعود قال : خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأتى منزل أم سلمة ، فجاء علي فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : يا أم سلمة هذا ـ والله ـ قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي. فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذكر في هذا الحديث فرقا ثلاثة صرّح بأنّ عليّا يقاتلهم من بعده ، وهم : الناكثون ، والقاسطون ، والمارقون » (٢).

ومنهم : محمّد صدر العالم حيث قال : « وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن عدي ، والطبراني ، وعبد الغني بن سعيد في إيضاح الإشكال ، والأصبهاني في الحجة ، وابن مندة في غرائب شعبة ، وابن عساكر : عن علي قال : أمرت بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين ».

قال محمّد صدر العالم : « وأخرج الحاكم في الأربعين ، وابن عساكر ، عن علي قال : أمرت بقتال ثلاثة : القاسطين والناكثين والمارقين. أمّا القاسطون فأهل الشام ، وأمّا الناكثون فذكرهم ، وأما المارقون فأهل النهروان ـ يعني الحرورية ـ » (٣).

ومنهم : محمّد بن إسماعيل الأمير حيث قال :

وسل الناكث والقاسط والـ

مارق الآخذ بالإيمان غيّا »

« والبيت إشارة إلى قتال أمير المؤمنين عليه‌السلام ثلاث طوائف بعد

__________________

(١) توضيح الدلائل في ترجيح الفضائل ـ مخطوط.

(٢) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ١ / ٦٧.

(٣) معارج العلى في مناقب المرتضى ـ مخطوط.

١٦٤

إمامته وهم : الناكثون والقاسطون والمارقون.

قال ابن حجر : وقد ثبت عند النسائي في الخصائص ، والبزّار ، والطبراني من حديث علي عليه‌السلام : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

ذكره الحافظ ابن حجر في التخليص الحبير ثمّ قال : والناكثون : أهل الجمل ، لأنّهم نكثوا بيعتهم ، والقاسطون : أهل الشام ، لأنّهم جاروا عن الحقّ في عدم مبايعته ، والمارقون : أهل النهروان ، لثبوت الخبر الصحيح أنّه يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرمية. انتهى بلفظه » (١).

وبهذا القدر الذي ذكرناه ظهر ثبوت الحديث عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، عند كبار الأئمة والحفّاظ من أهل السنّة أمثال :

أبي بكر ابن أبي شيبة.

وأبي بكر البزّار.

وأحمد بن شعيب النسائي.

وأبي يعلى الموصلي.

وأبي القاسم الطّبراني.

وابن عدي الجرجاني.

وابن مندة الأصبهاني.

وعبد الغني بن سعيد.

وأبي بكر ابن مردويه.

وابن عبد البرّ القرطبي.

وأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني صاحب كتاب الحجة.

وأخطب الخطباء الخوارزمي المكّي.

وابن عساكر الدمشقي.

__________________

(١) الروضة الندية ـ شرح التحفة العلوية.

١٦٥

وأبي حامد الصالحاني.

وابن الأثير الجزري.

وشهاب الدين أحمد.

وابن حجر العسقلاني.

ومحمّد صدر العالم.

ومحمّد بن إسماعيل الأمير.

إذن ، لا يجوز الشك والريب في ثبوت هذا الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا سيّما مع تأيّده بحديث : ابن مسعود ، وأبي أيوب الأنصاري ، وأبي سعيد الخدري ... كما عرفت ...

بطلان دعوى تشيّع النسائي

ودعوى ابن تيميّة تشيّع النسائي من العجائب ، لأنّ النسائي من أساطين أهل السنّة وأركان مذهبهم ، وكتابه أحد الصّحاح الستّة التي يستند إليها أهل السنّة في جميع أمورهم ... فجعل النسائي من أكابر أساطين مذهبهم تارة ، وجعله من المتشيّعين تارة أخرى ... من عجائب أهل السنّة المختصّة بهم ...

بطلان دعوى تشيّع ابن عبد البرّ

والأعجب من ذلك دعواه تشيّع ابن عبد البرّ ... مع أنّه من كبار حفّاظهم في المغرب ، ومن أشهر فقهاء المذهب المالكي ... تجد مآثره ومفاخره في كلمات الحفّاظ الكبار ومشاهير المؤرّخين والمترجمين له أمثال :

أبي سعد عبد الكريم السمعاني في ( الأنساب ).

وابن خلكان في ( وفيات الأعيان ).

وشمس الدين الذهبي في ( تذكرة الحفاظ ) و ( العبر في خبر من غبر )

١٦٦

و ( سير أعلام النبلاء ).

وأبي الفداء في ( المختصر في أحوال البشر ).

وعمر بن الوردي في ( تتمّة المختصر في أحوال البشر ).

وعبد الله بن أسعد اليافعي في ( مرآة الجنان ).

وابن الشحنة في ( روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر ).

وجلال الدين السيوطي في ( طبقات الحفّاظ ).

والزرقاني المالكي في ( شرح المواهب اللدنيّة ).

و ( الدهلوي ) في ( بستان المحدّثين ).

حول ترّفض ابن عقدة

وإذا كان ابن تيميّة يتمادى في الغيّ والضلالة حتى نسب النسائي والحاكم وابن عبد البرّ إلى التشيع ، فلا عجب أن ينسب ابن عقدة إلى الترفّض ، بل الكفر ... لكن هذه النسبة إلى ابن عقدة باطلة عند محققي أهل السنّة وإن القائل بها متعصّب عنيد ، يقول محمّد طاهر الفتني : « حديث أسماء في ردّ الشمس. فيه فضيل بن مرزوق ، ضعيف ، وله طريق آخر فيه ابن عقدة رافضي رمي بالكذب ورافضي كاذب.

قلت : فضيل صدوق احتجّ به مسلم والأربعة.

وابن عقدة من كبار الحفّاظ ، وثّقه الناس ، وما ضعّفه إلاّ عصري متعصّب » (١).

وتقدّم في قسم حديث الغدير ، الأدلة الكثيرة المتينة على وثاقة ابن عقدة وجلالته ... من شاء فليرجع إليه.

__________________

(١) تذكرة الموضوعات : ٩٦.

١٦٧

بطلان دعوى تواتر فضائل الشيخين وأنها أكثر من مناقب علي

وادّعى ابن تيميّة تواتر فضائل الشّيخين ، وأنّها باتّفاق أهل العلم بالحديث أكثر ممّا صحّ من فضائل علي وأصحّ وأصرح في الدلالة ... وهذه دعوى فارغة وعن الصحة عاطلة ». إنّ الروايات الّتي يشير إليها روايات واهية متناقضة ، وضعها قوم تزلّفا إلى الملوك وتقرّبا إلى السلاطين ، ثمّ جاء المدّعون للعلم من تلك الطائفة وأدرجوها في كتبهم ... وأمّا دعوى أنّها أصح وأكثر من مناقب مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ المتّفق عليها بين الفريقين ـ فمصادمة للبداهة والضرورة.

تكذيبه كلمة أحمد في فضائل علي كذب

وأمّا قوله : وأحمد بن حنبل لم يقل « إنّه صح لعليّ من الفضائل ما لم يصح لغيره ، بل أحمد أجلّ من أن يقول مثل هذا الكذب ... » فمن غرائب الهفوات وعجائب الخرافات ... لقد وجد ابن تيمية هذه الكلمة الشهيرة عن أحمد بن حنبل مكذّبة لدعوة أكثرية فضائل الشيخين من فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام ... ، وأنّ معناها أفضلّية الإمام عليه‌السلام منهما ... فاضطرّ إلى إنكارها ... لكنّ هذا القول منه كسائر أقواله في السّقوط ... ولا يجديه النفي والإنكار ... لكون الكلمة ثابتة عند الأئمة والعلماء الأعلام ، ينقلونها عن أحمد بأسانيدهم المتصّلة إليه أو يرسلونها عنه إرسال المسلّمات ... وقد ذكرها وأكدّ على قطعية صدورها العلامة أبو الوليد ابن الشّحنة : « وفضائله كثيرة مشهورة. قال أحمد بن حنبل رحمه‌الله : لم يصح في فضل أحد من الصحابة ما صحّ في فضل علي رضي‌الله‌عنه وكرّم الله وجهه ، وناهيك به » (١).

__________________

(١) روضة المناظر ـ سنة ٤٠ ، ترجمة أمير المؤمنين.

١٦٨

ثمّ إنّ جماعة منهم : كابن عبد البرّ ، وابن حجر العسقلاني ، والسيّوطي ، والسّمهودي ، وابن حجر المكّي ، وغيرهم نقلوا الكلمة بلفظ « لم يرد » أو « لم يرو » :

قال ابن عبد البرّ : « قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي : لم يرو في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد ما روي في فضائل علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه. وكذلك قال أحمد بن علي بن شعيب النسائي » (١).

وقال السّمهودي : « قال الحافظ ابن حجر : قال أحمد ، وإسماعيل القاضي ، والنسائي ، وأبو علي النيسابوري : لم يرد في حق أحد من الصّحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في علي » (٢).

وإنّ جماعة منهم : كالحاكم ، والثعلبي ، والبيهقي ، والخوارزمي ، وابن عساكر ، وابن الأثير الجزري ، والكنجي ، والزرندي ، والسّيوطي ، والسمهودي ، وابن حجر المكي ، وكثيرين غيرهم ... نقلوا الكلمة بلفظ « ما جاء » :

قال الحاكم : « سمعت القاضي أبا الحسن علي بن الحسن الجراحي وأبا الحسين محمّد بن المظّفر يقولان : سمعنا أبا حامد محمّد بن هارون الحضرمي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الفضائل ما جاء لعلّي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه » (٣).

وقال الخوارزمي في بيان كثرة فضائل الإمام عليه‌السلام : « ويدّلك على ذلك أيضا ما يروى عن الإمام الحافظ أحمد بن حنبل ـ وهو كما عرف أصحاب

__________________

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ١١١٥.

(٢) جواهر العقدين ـ مخطوط.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٠٧.

١٦٩

الحديث في علم الحديث ، قريع أقرانه وإمام زمانه والمقتدى به في هذا الفن في إبّانه ، والفارس الذي يكبّ فرسان الحفّاظ في ميدانه ، وروايته فيه رضي‌الله‌عنه مقبولة وعلى كاهل التصديق محمولة ، لما علم أن الإمام أحمد بن حنبل ومن احتذى على مثاله ونسج على منواله وحطب في حبله وانضوى إلى حفله مالوا إلى تفضيل الشيخين رضوان الله عليهما ، فجاءت روايته فيه كعمود الصباح لا يمكن ستره بالراح ـ وهو :

ما رواه الشيخ الإمام الزاهد فخر الأئمة أبو الفضل ابن عبد الرحمن الحفر بندي الخوارزمي رحمه‌الله ـ إجازة ـ قال : أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمّد الحسن بن أحمد السمرقندي قال : أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن عبدان العطّار وإسماعيل بن أبي نصر عبد الرحمن الصّابوني وأحمد ابن الحسين البيهقي قالوا جميعا : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعت القاضي الإمام أبا الحسن علي بن الحسين وأبا الحسن محمّد بن المظفر الحافظ يقولان : سمعنا أبا حامد محمّد بن هارون الحضرمي يقول : سمعت محمّد بن منصور الطوسي يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب عليه‌السلام » (١).

وقال ابن الأثير : « قال أحمد بن حنبل : ما جاء لأحد من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما جاء لعلي بن أبي طالب » (٢).

وقال ابن حجر المكّي : « الفصل الثاني في فضائل علي كرّم الله وجهه ، وهي كثيرة عظيمة شهيرة ، حتى قال أحمد : ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي. وقال إسماعيل القاضي ، والنسائي ، وأبو علي النيسابوري : لم يرو في

__________________

(١) مناقب علي بن أبي طالب : ٣٣.

(٢) الكامل في التاريخ ٣ / ٣٩٩.

١٧٠

حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر ممّا جاء في علي » (١).

وهذا تمام الكلام على ما ذكره ابن تيمية في الوجه الثاني في هذا المقام.

قال :

« الثالث : إنّ أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجئ أحب الخلق إلى الله ليأكل معه ، فإن إطعام الطعام مشروع للبرّ والفاجر ، وليس في ذلك زيادة قربة لعند الله لهذا الأكل ، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا ، فأيّ أمر عظيم هنا يناسب جعل أحبّ الخلق إلى الله بفعله ».

جواب إنكار إنّ أكل الطّير مع النبيّ فيه أمر عظيم

وهذا كلام سخيف في الغاية ، وما أكثر صدور مثله عند ما يحاولون الإجابة من فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهم يفقدون كلّ استدلال متين وبرهان مبين ...

إنّ من الواضح جدّا لدى جميع العقلاء دلالة المؤاكلة مع العظماء ، على الشرف العظيم ، فكيف بالمؤاكلة مع النبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي لا يشك مسلم في كونها شرفا عظيما جدّا ، فدعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ الخلق لنيل هذا الشرف العظيم في كمال المناسبة ، ومن هنا قالت عائشة ـ لمّا سمعت هذه الدعوة ـ : « اللهم اجعله أبي ». وقالت حفصة : « اللهم اجعله أبي ». وقال أنس : « اللهم اجعله سعد بن عبادة » وفي رواية : « اللهم اجعله رجلا منّا حتى نشرّف به ».

وأيّ ربط لقوله : « فإنّ إطعام الطعام مشروع للبرّ والفاجر .. » بما نحن فيه؟ إذ الكلام في اختيار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعوته لأن يأكل معه ، ولا يلزم من مشروعيّة الإطعام للبرّ والفاجر أن لا يطلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حصول شرف المؤاكلة معه لأحبّ الخلق.

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ٧٢.

١٧١

وقوله : « وليس في ذلك زيادة قربة لعند الله ... » خطأ فاحش وسوء أدب ، ونفيه ترتّب المصلحة عليه خطأ أفحش ... لأنّ تخصيص رجل بالمؤاكلة ـ التي هي شرف عظيم ـ وطلب حضوره مرة بعد أخرى ، وردّ غيره ، دليل واضح على فضل ذلك الرّجل ، وفي هذا مصلحة عظيمة من مصالح الدين.

ولو تنزلّنا عن كلّ هذا وسلّمنا قوله : بأنّ أكل الطّير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجئ أحبّ الخلق إلى الله ليأكل معه ، وليس فيه زيادة قربة ، لا معونة على مصلحة ومع أنّ طلبه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك لأحب الخلق لم يكن محرّما ولا مكروها ، ليكون شاهدا على كون الحديث موضوعا ... نعم لو تنزلّنا وسلّمنا ما ذكره ، فهل كان ابن تيميّة يقول هذا لو كان هذا الحديث في حقّ أحد الشيخين أو الشيوخ ، وهل كان يقدح فيه بمثل هذه الوجوه؟ لا والله ، بل كانوا يجعلون هذا من أعظم مفاخره وأكبر مآثره؟! ولقالوا : إن مجرّد المؤاكلة مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضل عظيم ، فكيف بامتناعه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مؤاكلة الغير معه ، وإرادته هذا الشخص بالخصوص لذلك؟

وعلى الجملة ، فإنّ التعصّب والعناد هو الباعث لمثل ابن تيميّة على الطعن والقدح في هذا الحديث الشريف ، بمثل هذه الشبهات الركيكة والوساوس السّخيفة.

ثمّ إنّه قد جاء في روايات الإمامية أنّ الطّير كان من الجنّة نزل به جبرئيل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى هذا الأساس أيضا تبطل شبهة ابن تيميّة وتندفع ، لأنّ أكل طعام الجنّة أمر عظيم يناسب أن يجئ أحبّ الخلق إلى الله ليأكل منه معه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن الواضح جدّا أن في أكل طعام الجنّة زيادة قربة ، وأنّ الله لم يقسّم الأكل منه للبرّ والفاجر ، بل إنّ أهل الحقّ على أنّ الأكل من طعام الجنّة دليل على العصمة والطّهارة ... قال العلاّمة المجلسي طاب ثراه :

١٧٢

« وفي بعض روايات الإماميّة أنّ الطّير المشوي جاء به جبرئيل من الجنّة ، ويشهد به عدم إشراكه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنسا وغيره ـ مع جوده وسخائه ـ في الأكل معه ، لأنّ طعام الجنّة لا يجوز أكله في الدنيا لغير المعصوم. فتكون هذه الواقعة دالّة على فضيلة أمير المؤمنين عليه‌السلام من جهتين ، إذ تكون دليلا على العصمة والإمامة معا » (١).

ويؤيّد هذا الكلام ما رواه أسعد بن إبراهيم الأربلي بقوله :

« الحديث الثاني والعشرون ، يرفعه عبد الله التنوخي إلى صعصعة بن صوحان قال : أمطرت المدينة مطرا ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه أبو بكر ، والتحق به علي ، فساروا مسير فرحة بالمطر بعد جدب ، فرفع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طرفه إلى السماء وقال : اللهم أطعمنا شيئا من فاكهة الجنّة ، فإذا هو برمّانة تهوي من السماء ، فأخذها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومصّها حتى روى منها ، وناولها عليا فمصّها حتى روى منها. والتفت إلى أبي بكر وقال : لو لا أنّه لا يأكل من ثمار الجنّة في الدنيا إلاّ نبيّ أو وصيّه لأطعمتك منها. فقال أبو بكر : هنيئا لك يا علي » (٢).

وكان هذا الوجه الثالث لا بن تيميّة.

قال :

« الرّابع : إنّ هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة ، فإنّهم يقولون إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يعلم أنّ عليا أحبّ الخلق إلى الله ، وأنّه جعله خليفة من بعده. وهذا الحديث يدلّ على أنّه ما كان يعرف أحبّ الخلق إلى الله ».

__________________

(١) بحار الأنوار ٣٨ / ٣٤٨.

(٢) الأربعين في الحديث ـ مخطوط.

١٧٣

بطلان دعوى دلالة الحديث على أنّ النبيّ ما كان يعرف أحبّ الخلق

هذا كلامه ... وليت شعري إلى أيّ حدّ ينجرّ العناد وتؤدّي الضغائن والأحقاد!! وليت أتباع شيخ الإسلام؟! يوضّحون لنا موضع دلالة حديث الطّير على أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان يعرف أحبّ الخلق إلى الله ، وكيفية هذه الدلالة ، ليكون الحديث مناقضا لمذهب الإماميّة!!

إن قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللهم ائتني بأحبّ الخلق إليك » لا يدلّ على ما يدّعيه ابن تيميّة بإحدى الدّلالات الثلاث ، ولا يفهم أهل اللغة ولا أهل العرف ولا أهل الشرع من هذه الجملة ما فهمه ابن تيمية!!

بل إنّ أهل العلم يعلمون باليقين أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعرف بأنّ عليّا عليه‌السلام أحبّ الخلق إلى الله ، وأنّه لم يكن مراده من « أحبّ الخلق » في ذلك الوقت إلاّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام. لكنه إنّما دعاه بهذا العنوان ليظهر فضله ، كما اعترف بذلك ابن طلحة الشافعي وأوضحه كما ستعرف.

ثمّ إنّ مفاد بعض أخبار الإماميّة أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد صرّح في واقعة حديث الطّير بتعيّن أحبّ الخلق عنده ومعرفته به ، بحيث لو لم يحضر الإمام عليه‌السلام عنده في المرّة الثالثة لصرّح باسمه ... ففي كتاب ( الأمالي ) للشيخ ابن بابويه القمي :

« حدّثنا أبي رحمه‌الله قال : حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن أبي هدبة قال : رأيت أنس بن مالك معصوبا بعصابة ، فسألته عنها فقال : هي دعوة علي بن أبي طالب ، فقلت له : وكيف يكون ذلك؟ فقال : كنت خادما لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأهدي إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر مشوي ، فقال : اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليّ يأكل معي هذا الطائر. فجاء علي ، فقلت له : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنك

١٧٤

مشغول ، وأحببت أن يكون رجلا من قومي ، فرفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده الثانية فقال : اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر ، فجاء علي ، فقلت له : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنك مشغول ، وأحببت أن يكون رجلا من قومي ، فرفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده الثالثة فقال : اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر ، فجاء علي ، فقلت : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنك مشغول وأحببت أن يكون رجلا من قومي.

فرفع علي صوته فقال : وما يشغل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنّي ، فسمعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. فقال : يا أنس من هذا؟ قلت : علي بن أبي طالب. قال : ائذن له. فلمّا دخل قال له : يا علي ، إنّي قد دعوت الله عزّ وجلّ ثلاث مرّات أن يأتيني بك. فقال عليه‌السلام : يا رسول الله ، إنّي قد جئت ثلاث مرّات كلّ ذلك يردّني أنس ويقول : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنك مشغول. فقال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أنس ما حملك على هذا؟ فقلت : يا رسول الله سمعت الدعوة فأحببت أن يكون رجلا من قومي.

فلمّا كان يوم الدار استشهدني علي عليه‌السلام فكتمته ، فقلت : إنّي نسيته. قال : فرفع علي عليه‌السلام يده إلى السماء فقال : اللهم ارم أنسا بوضح لا يستره من الناس ، ثمّ كشف العصابة عن رأسه فقال : هذه دعوة علي. هذه دعوة علي ، هذه دعوة علي » (١).

فكيف يناقض هذا الحديث مذهب الإماميّة يا شيخ الإسلام؟!! وهل هذا إلاّ رمي للسّهام في الظلام ، واتّباع الوساوس والهواجس والأوهام؟!!

وكان هذا ما ذكره ابن تيميّة في الرابع.

__________________

(١) الأمالي للشيخ محمّد بن علي بن بابويه : ٧٥٣.

١٧٥

وقال في الخامس والأخير :

« الخامس ـ أن يقال : إمّا أن يكون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يعرف أنّ عليّا أحبّ إلى الله أو ما كان يعرف ، فإن كان يعرف ذلك كان يمكنه أن يرسل بطلبه كما كان يطلب الواحد من أصحابه ، أو يقول : اللهم ائتني بعليّ فإنّه أحبّ الخلق إليك ، فأيّ حاجة إلى الدعاء والإبهام في الدعاء ، ولو سمّى عليا لاستراح أنس من الرجاء الباطل ولم يغلق الباب في وجه علي. وإن كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يعرف ذلك ، بطل ما يدّعونه من كونه كان يعرف ذلك. ثمّ إنّ في لفظة « أحبّ الخلق إليك وإليّ » فكيف لا يعرف أحبّ الخلق إليه؟ ».

جواب اعتراضه بأنّه إن كان يعرفه فلما ذا الإبهام؟

قلت : قد عرفت أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعرف أحبّ الخلق إلى الله ، وأنّه لم يكن إلاّ علي عليه‌السلام ، فالترديد التي ذكره ابن تيميّة في غير محلّه. وأمّا قوله : فأيّ حاجة إلى الدّعاء والإبهام في الدّعاء؟ فالجواب :

إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يعلم الامّة بأنّ مصداق هذا العنوان ليس إلاّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وأنّ الله عزّ وجلّ هو الذي جعل عليا أحبّ الخلق إليه وإلى رسوله ، لا أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل علّيا كذلك من عند نفسه ... ولو أرسل بطلبه أو قال : اللهم ائتني بعلّي فإنّه أحبّ الخلق إليك لم تتبيّن هذه الحقيقة ، ولتعنّت المنافقون وقالوا بأنّ الذي قاله النبيّ من عنده لا من الله عزّ وجل.

فقضيّة الطّير هذه على ما ذكرنا تشبه قضيّة شفاعة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم القيامة بتقدّم وطلب من الأنبياء واحد بعد واحد كما في الحديث المرويّ ... قال الإسكندري ما نصّه :

« أمّا المقدمة ، فاعلم أنّ الله سبحانه وتعالى لمّا أراد إتمام عموم نعمته

١٧٦

وإفاضة فيض رحمته ، واقتضى فضله العظيم أن يمنّ على العباد بوجود معرفته ، وعلم سبحانه وتعالى عجز عقول عموم العباد عن التلّقي من ربوبيّته ، جعل الأنبياء والرسل لهم الاستعداد العام لقبول ما يرد من إلهيّته ، يتلقّون منه بما أودع فيهم من سرّ خصوصيّته ، ويلقون عنه جمعا للعباد على أحديّته ، فهم برازخ الأنوار ومعادن الأسرار ، رحمة مهداة ومنّة مصفّاة ، حرّر أسرارهم في أزله من رقّ الأغيار ، وصانهم بوجود عنايته من الركون إلى الآثار ، لا يحبّون إلاّ إيّاه ولا يعبدون ربّا سواه ، يلقي الروح من أمره عليهم ويواصل الإمداد بالتأييد إليهم.

وما زال فلك النبوّة والرسالة دائرا إلى أن عاد الأمر من حيث الابتداء ، وختم بمن له كمال الاصطفاء ، وهو نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، وهو السيّد الكامل القائم الفاتح الخاتم ، نور الأنوار وسرّ الأسرار ، المبجّل في هذه الدار وتلك الدار على المخلوقات ، أعلى المخلوقات منارا وأتمّهم فخارا.

دلّ على ذلك الكتاب المبين قال الله سبحانه : ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) ومن رحم به غيره فهو أفضل من غيره. والعالم كلّ موجود سوى الله تعالى. وأمّا تفضيله على بني آدم خصوصا فمن قوله صلّى الله عليه وسلّم : إنّي سيد بني آدم ولا فخر. وأمّا تفضيله على آدم عليه اسلام فمن قوله صلّى الله عليه وسلّم : كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين. ومن قوله : آدم فمن دونه من الأنبياء يوم القيامة تحت لوائي. وبقوله : إنّي أوّل شافع وإنّي أوّل مشفّع. وأنا أول من تنشق الأرض عنه. وحديث الشفاعة المشهور الذي:

أخبرنا به الشيخ الإمام الحافظ بقيّة المحدّثين شرف الدين أبو محمّد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي ـ بقراءتي عليه أو قرئ عليه وأنا أسمع ـ قال : أخبرنا الشيخان الإمام فخر الدين وفخر القضاة أبو الفضل أحمد ابن محمّد بن عبد العزيز الحبّاب التميمي وأبو التقى صالح بن شجاع بن سيدهم المدلجي الكناني قالا : أخبرنا الشريف أبو المفاخر سعيد بن الحسين

١٧٧

ابن محمّد بن سعيد العباسي المأموني قال : أخبرنا أبو عبد الله الفراوي وقال : أخبرنا عبد الغافر الفارسي قال : أخبرنا أبو أحمد محمّد بن عيسى بن عمرويه الجلودي قال : أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سفيان الفقيه قال :

حدّثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري قال : حدّثنا أبو الرّبيع العتكي قال : حدّثنا حمّاد بن زيد قال : حدّثنا سعيد بن هلال الغنوي ، وحدّثنا سعيد بن منصور ـ واللفظ له ـ قال : حدّثنا حمّاد بن زيد قال : حدّثنا سعيد بن هلال الغنوي قال :

انطلقنا إلى أنس بن مالك وتشفّعنا بثابت ، فانتهينا إليه وهو يصلّي الضحى ، فاستأذن لنا ثابت ، فدخلنا عليه وأجلس ثابتا معه على سريره فقال له : يا أبا حمزة ، إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدّثهم حديث الشفاعة. قال :

حدّثنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم قال : إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض ، فيأتون آدم فيقولون : اشفع لذريّتك ، فيقول : لست لها ولكن عليكم بموسى فإنّه كليم الله. فيأتون موسى فيقول : لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنّه روح الله وكلمته فيأتون عيسى ، فيقول : لست لها ولكن عليكم بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم فيأتون إليّ فأقول : أنا لها. فأنطلق إلى ربّي ، فيؤذن لي ، فأقوم بين يديه ، فأحمده بمحامد لا أقدر عليه إلاّ أن يلهمنيه الله عزّ وجلّ. ثمّ اخرّ ساجدا فيقال لي : يا محمّد ، ارفع رأسك وقل ، نسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفّع. فأقول : ربّي أمّتي أمّتي ، فيقال : انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبّة من خردل من الإيمان فأخرجه من النار. فأنطلق فأفعل ...

فانظر ـ رحمك الله ـ ما تضمنّه هذا الحديث من فخامة قدره صلّى الله عليه وسلّم وجلالة أمره ، وإن أكابر الرسل والأنبياء لم ينازعوه في هذه الرتبة التي هي مختصة به ، وهي الشفاعة العامّة في كلّ من ضمّه المحشر.

١٧٨

فإن قلت : فما بال آدم أحال على نوح في حديث وعلى إبراهيم في هذا ودلّ نوح على إبراهيم ، وإبراهيم على موسى ، وموسى على عيسى ، وعيسى على محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، ولم تكن الدلالة على محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الأوّل؟

فاعلم أنّه لو وقعت الدلالة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأوّل لم يتبيّن من نفس هذا الحديث أنّ غيره لا يكون له هذه الرتبة ، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يدلّ كلّ واحد على من بعده ، وكل واحد يقول لست لها ، مسلّما للرتبة غير مدّع لها ، حتى أتوا عيسى عليه‌السلام ، فدلّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقال : أنا لها » (١).

هذا ، وقول ابن تيمية : « ولو سمّى عليا لاستراح أنس ... » اعتراض صريح على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجترئ عليه إلاّ هذا الرّجل وأمثاله ونعوذ بالله منه ... ونشكره سبحانه وتعالى على أن عافانا ممّا ابتلي به هؤلاء ...

__________________

(١) لطائف المنن ـ في مبحث شفاعة نبيّنا بطلب الأنبياء السابقين.

١٧٩

مع الأعور الواسطي

وجاء الأعور الواسطي ناسجا على منوال ابن تيميّة يقول :

« ومنها ـ حديث الطائر المنسوب إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : أتى رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بطائر مشوي فقال : اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل منه ، وكان أنس في الباب فجاء علي رضي‌الله‌عنه ثلاث مرات وأنس يردّه ، فبصق عليه فبرص من فرقه إلى قدمه.

والجواب من وجوه :

الأوّل ـ نقول : هذا حديث مكذوب.

الثاني ـ نقول : مردود ، لأنّهم يدّعون أن أنسا كذب ثلاث مرات في مقام واحد ، فترد شهادته.

الثالث ـ نسلّم صحته ونقول : معنى « أحبّ خلقك يأكل منه » : الذي أحببت أن يأكل منه حيث كتبته رزقا له ، لا ما يعنيه الرافضة أنّ عليا أحبّ إلى الله ، فإنّه يلزم أن يكون أحبّ من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وهو ظاهر البطلان » (١).

بطلان دعوى أنّ هذا حديث مكذوب

أقول : أمّا الوجه الأوّل فما ذكره فيه مجرّد دعوى فارغة ، ولو كان قول القائل « هذا حديث مكذوب » كافيا في ردّ شيء من الأحاديث ، فمن الممكن أن تردّ جميع الأحاديث والآثار بهذه الكلمة لكلّ أحد.

__________________

(١) رسالة الأعور في الردّ على الإماميّة ـ مخطوط.

١٨٠