البراهين الجليّة - ج ١

السيّد حسن الصدر

البراهين الجليّة - ج ١

المؤلف:

السيّد حسن الصدر


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: الوفاء
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-319-628-8
ISBN الدورة:
978-964-319-628-9

الصفحات: ٤١٦

والجنس يميل إلى الجنس، وبالجملة فابن تيميّة كان من الذين يسعون في الأرض الفساد، كلّ ذلك من حرصه على حبّ الرياسة وحبّ الدنيا، لكنه بحمد الله تعالى مخذول منكوب أضلّه الله وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه كما شهد عليه بذلك الأئمّة الأعلام عامله الله بعدله.

[شهادة سلطان عصر ابن تيميّة عليه بفضاحات أقواله]:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بانعقاد إجماع العلماء الأعلام على خلافه، وبأنّه صرّح هو وأتباعه في حقّ الله بالحرف والصوت والتجسيم، شهد عليه بذلك سلطان عصره الملك العادل فيما كتبه في إعلام الناس بفضاحات أقواله وفساد عقيدته، وهو منشور طويل أخرجه العلاّمة المفتي صدر الدين بهادر خان الهندي في كتابه منتهى المقال في حديث شدّ الرحال، ذكره بطوله، وفيه ما لفظه:

وكان الشقي ابن تيميّة في هذه المدّة قد بسط لسان قلمه، ومدّ عنان كلمه، وتحدّث في مسائل القرآن والصفات، ونصّ في كلامه على اُمور منكرات، وتكلّم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما يمجّه السلف الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام، وانعقد على خلافه إجماع العلماء الأعلام ، واشتهر من فتواه في البلاد ما أسخف به عقول العوام، وخالف في ذلك علماء عصره وفقهاء شامه ومصره، وبعث رسائله إلى كلّ مكان، وسمّى كتبه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ولمّا اتّصل بنا ذلك، وما سلكه من المسالك، وما أظهره من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنّه استخفّ قومه وأطاعوه، حتّى اتّصل بنا أنّهم صرحوا في حقّ الله بالحرف والصوت والتجسيم، فقمنا في حقّ الله تعالى مشفقين من هذا النبأ

٦١

العظيم. إلى آخره (١) .

شهادة الشيخ شهاب الدين بن جبرائيل الكلابيّ:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بالتجسيم والتشبيه والابتداع والكذب على السلف، وأنّه صرّح أنّ الله تعالى في العلو لا في السفل، وأنّ الإشارة الحسيّة جائزة إليه، وأنّه فوق العرش حقيقة، شهد عليه بذلك كلّه الشيخ الإمام العلاّمة أحمد بن يحيى بن إسماعيل المعروف بالشيخ شهاب الدين ابن جبرائيل الكلابي في رسالة الردّ على ابن تيميّة في خبر الجهة، وقد أخرجها قاضي القضاة الإمام التاج السبكي بتمامها في الطبقات الكبرى عند ترجمته، وهي رسالة مبسوطة في غاية الجودة، رأيتها من أوّلها إلى آخرها، ووجدت نصوصه وشهادته على ابن تيميّة بكلّ ذلك وقال:

قال ـ يعني ابن تيميّة إنّه فوق العرش حقيقة وقال: والمعنى أنّ الله في العلو لا في السفل (٢) .

وقال شهاب الدين: لازال يكذب على السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، ويزعم أنّهم يقولون بمقالته ولو أنفق ملأ الأرض ذهباً ما استطاع أن يروّج عليهم كلمة تصدّق دعواه (٣) .

إلى أن قال: ومذهب السلف إنّما التوحيد والتنزيه دون التجسيم

____________________

(١) ذكر المنشور بطوله النويري في نهاية الأرب ٣٢: ١١٢، والحصني الدمشقي في دفع الشبه عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ٦٠..

(٢) مجموعة الفتاوى ٥: ١٠٦.

(٣) طبقات الشافعيّة الكبرى ٩: ٣٤ ٣٥/١٣٠٢، والرسالة مطبوعة أيضاً مع مجموعة من رسائل في رد ابن تيميّة باسم التوفيق الربّاني: ١٦٢.

٦٢

والتشبيه، والمبتدعة تزعم أنّها على مذهب السلف (١) . إلى آخره.

أقول: جميع المجسّـمة اتّفقـوا على أنّه تعالى في جهـة، وأصحـاب أبي عبد الله بن كرّام (٢) ـ المعروف الذي تنسب إليه الكراميّة الذي كفّره الدارمي (٣) على ما نقله التاج السبكي (٤) ـ اختلفوا:

فقال محمّد بن الهيصم (٥) : إنّه تعالى في جهة العرش فوق العرش لانهاية لها، والبعد بينه وبين الأرض أيضاً غير متناه. وقال أصحابه: البعد متناه.

وكلّهم نفوا عنه خمساً من الجهات وأثبتوا له التحت الذي هو مكان غيره.

وباقي أصحاب ابن الهيصم قالوا: بكونه على العرش. كما قال سائر المجسّمة ومنهم ابن تيميّة (٦) ، وبعضهم قالوا بكونه على صورة وقالوا

____________________

(١) طبقات الشافعيّة الكبرى ٩: ٣٦، التوفيق الربّاني: ١٦٢.

(٢) محمّد بن كرّام بن عراق بن حزابة السجستاني الضال المجسّم، شيخ الطائفة المعروفة بالكرّامية، ولد بسجستان، ثمّ دخل بلاد خراسان، وجاور بمكّة سنتين، فرجع إلى نيسابور، ولمّا شاعت بدعه حبسه الظاهر بن عبد الله، ولمّا أطلقه سار إلى بيت المقدّس ومات فيها سنة ٢٥٥ هـ. انظر الملل والنحل ١: ١٥٩، الأنساب للسمعاني ٤: ٥٩٨/٨٩١٠، الاعلام للزركلي ٧: ١٤.

(٣) أبو محمّد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي ـ بكسر الراء ـ نسبة إلى دارم بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، أحدبطونه ، ولد سنة ١٨١ هـ وتوفّي سنة ٢٥٥ أو ٢٥٦ هـ. انظر تاريخ بغداد ١٠:٢٩/١٥٤٨، الوافي بالوفيات ١٧: ٢٤٢/٢٢٤.

(٤) انظر طبقات الشافعية الكبرى ٢: ٣٠٤.

(٥) أبو عبد الله شيخ الكرّامية وعالمهم في وقته، وهو الذي ناظره ابن فوزك بمجلس محمود بن سبكتين، وليس للكرّاميّة مثله في الكلام والنظر، كان رأس طائفته، ذكره الذهبي في الحوادث الواقعة بعد سنة ٤٠٠ هـ. انظر تاريخ الإسلام للذهبي ٢٨: ٢٣١، الوافي بالوفيات ٥: ١٧١/٢٢٠٩.

(٦) انظر منهاج السنة ٣: ٣٤٨ و ٨: ٣٧٨، مجموعة الفتاوى ٢: ١٦٧ و ٣: ٣٣.

٦٣

 بمجيئه وذهابه (١) .

شهادة التاج السبكي في الطبقات الكبرى:

هداية: فيها شهادة شيخ الإسلام علم الأعلام حجّة الحفّاظ والمفسرين سيف النظّار والمتكلّمين ناصر السنّة مؤيد الملّة تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب ابن تقي الدين السبكي، على ابن تيميّة: بأنّه أوقع أصحابه في دكاك من النار، ذكر ذلك في ترجمة المزي (٢) من الطبقات، قال مالفظه:

واعلم أنّ هذه الرفقة: المزي والذهبي والبرزالي (٣) وكثير من أتباعهم أضرّ بهم أبو العباس ابن تيميّة إضراراً بيّناً، وحمّلهم من عظائم الاُمور أمراً ليس هيّناً ، وجرّهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم، وأوقفهم في دكاك من النار (٤) ، انتهى.

فتأمّل ما يعنيه بعظائم الاُمور، أتراه يريد غير الحشو والجرّ إلى عقيدته الزائغة؟!

____________________

(١) انظر تلخيص المحصل للطوسي: ٢٦٣، والملل والنحل للشهرستاني ١: ١٥٩، المحصّل للرازي : ٣٦٣، شرح المواقف ٨: ٢٥.

(٢) يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن علي بن عبد الملك بن علي بن أبي الزهر الكلبي القضاعي الدمشقي، الشيخ جمال الدين أبو الحجّاج المزّي، شيخ تاج الدين السبكي، حافظ ومحدّث الشام ومصر ناقد الأسانيد، توفّي سنة ٧٤٢ هـ، انظر طبقات الشافعيّة الكبرى ١٠: ٣٩٥/١٤١٧.

(٣) محدّث الشام زكي الدين أبو عبد الله أبي يداس البرزالي الإشبيلي، ولد تقريباً سنة ٦٦٥ هـ، وقدم للحج سنة ٧٠٢ هـ، أخذ العلم من جمع كثير في بلاد مختلفة، توفّي سنة ٧٣٩ هـ بحماة في سن الكهولة. انظر تذكرة الحفّاظ ٤: ١٤٢٣، الدرر الكامنة ٣: ١٤٣، الاعلام للزركلي ٥: ١٨٢.

(٤) طبقات الشافعيّة الكبرى ١٠: ٤٠٠.

٦٤

فتدبّر الشهادات الآتية في الهداية الآتية بعد هذه بلا فصل حتّى تعرف ما جرّهم إليه، عامله الله بعدله.

شهادة الحافظ الشيخ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بالتجسيم وبالتحيّز في ذات الله تعالى لقوله: إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقيّة، وأنّه مستو على العرش بذاته، وبالزندقة لمنعه الاستغاثة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّه تنقيص ومنع من تعظيم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبالنفاق للتشنيعات في علي رضي‌الله‌عنه «ولا يبغض علياً إلاّ منافق» (١) بنصّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، شهد عليه بذلك الإمام الحافظ أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة في أعيان أهل المائة الثامنة، رتبها على الحروف، قال في ترجمة ابن تيميّة:

وكان يتكلّم على المنبر على طريقة المفسّرين مع الفقه والحديث، فيورد في ساعة من الكتاب والسنّة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدّة مجالس، كأن هذه العلوم بين عينيه فيأخذ منها ما يشاء ويذر، ومن ثمّ نسب أصحابه إلى الغلو فيه، واقتضى له ذلك العجب بنفسه، حتّى زهى على أبناء جنسه، واستشعر أنّه مجتهد، فصار يردّ على صغير العلماء وكبيرهم قديمهم وحديثهم، حتّى انتهى إلى عمر فخطّأه في شيء، فبلغ ذلك الشيخ إبراهيم الرقّي فانكر عليه، فذهب إليه واعتذر واستغفر...

وقال في حق عليّ: أخطأ في سبعة عشر شيئاً، ثمّ خالف فيها نصّ

____________________

(١) تاريخ دمشق ٤٢ : ٢٨٥ / ٨٨١٧ ، كنز الفوائد ٢ : ٨٣ ، وانظر المعجم الكبير للطبراني ٢٣ : ٣٧٥ ، كنز العمّال ١١ : ٦٢٢ .

٦٥

الكتاب منها: اعتداد المتوفّي عنها زوجها أطول الأجلين...

وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتّى أنّه سبّ الغزالي، فقام عليه قوم كادوا يقتلونه...

ولمّا قام غازان بجيوش التتار إلى الشام، خرج إليه وكلّمه بكلام قوي فهمّ بقتله، ثمّ نجا، واشتهر أمره من يومئذ...

واتّفق أنّ الشيخ نصر المنبجي كان قد تقدم في الدولة; لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه، فبلغه أنّ ابن تيميّة يقع في ابن العربي لأنّه كان يعتقد أنّه مستقيم، وأنّ الذي ينسب إليه من الإلحاد والاتّحاد من قصور فهم من ينكر عليه، فأرسل منكراً عليه، وكتب إليه كتاباً طويلا، ونسبه هو وأصحابه إلى الاتّحاد الذي هو حقيقة الإلحاد، فعظم ذلك عليهم، وأعانه عليه قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد وقعت منه في مواعظه وفتاويه، فذكروا أنّه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا. فنسب إلى التجسيم، وردّه على من توسّل بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو استغاث، فأشخص من دمشق في رمضان سنة خمس وسبعمائة، فجرى عليه ما جرى... وافترق الناس فيه شيعاً، فمنهم من نسبه إلى التجسيم; لما ذكره في العقيدة الحمويّة والواسطيّة وغيرهما، من ذلك قوله: إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقيّة لله، وأنّه مستو على العرش بذاته، فقيل له: يلزم من ذلك التحيّز والانقسام. فقال: إنّا لا نسلّم أنّ التحيّز من خواص الأجسام. فاُلْزِمَ بأنّه يقول بالتحيّز في ذات الله...

ومنهم من نسبه إلى الزندقة; لقوله: إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يستغاث به، وأنّ ذلك تنقيص، ومنع من تعظيم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان أشدّ الناس عليه في ذلك النور البكري، فإنّه لما عقد له المجلس بسبب ذلك قال بعض

٦٦

الحاضرين: يعزر. فقال البكري: لا معنى لهذا القول فإنّه إن كان تنقيصاً يقتل، وإن لم يكن تنقيصاً لا يعزر.

ومنهم من نسبه إلى النفاق لقوله في عليّ عليه‌السلام ما تقدّم، ولقوله: إنّه كان مخذولاً حيث ما توجّه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنّما قاتل للرئاسة لا للديانة، ولقوله: إنّه كان يحبّ الرئاسة، وإنّ عثمان كان يحبّ المال، ولقوله: أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعليّ عليه‌السلام أسلم صبياًوالصبي لا يصحّ إسلامه على قول، ولكلامه في قصّة خطبة بنت أبي جهل( وما نسبه من الثناء على قصّة) (١) أبي العاص بن الربيع، وما يؤخذ من مفهومها ، فإنّه شنّع في ذلك فألزموه بالنفاق; لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يبغضك إلاّمنافق» (٢) .

ونسبه قوم إلى أنّه يسعى في الإمامة الكبرى، فإنّه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويُطْريه فكان ذلك مؤكّداً لطول سجنه، وله وقائع شهيرة، وكان إذا حوقق واُلزم يقول: لم أرد هذا إنّما أردت كذا، فيذكر احتمالاً بعيداً (٣) . انتهى موضع الحاجة من كلام الحافظ العسقلانيّ.

شهادة العلائي صلاح الدين:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بأن من أطلق عليه شيخ الإسلام فهوكافر ، شهد عليه بذلك العلاء البخاري، وصرّح به في مجلسه، كما نقله

____________________

(١) بدل ما بين القوسين في المصدر: ومات وما نسبها (نسيها) من الثناء على... وقصّة.

(٢) مسـند أحمد ١: ٩٥، صحيح مسلم ١: ٨٦/١٣١، سنن ابن ماجة ١: ٤٢، سنن النسائي ٨: ١١٧، كتاب السنّة لعمرو بن أبي عاصم: ٥٨٤/١٣٢٥، مصنّف ابن أبي شيبة ٦: ٣٦٨ الباب ١٨، كنز العمّال ١١: ٦٢٢/٣٣٠٢٨.

(٣) الدرر الكامنة ١: ٩٢.

٦٧

جماعة منهم: صاحب كشف الظنون في موضعين من كتابه:

أحدهما: عند ذكره كتاب الردّ الوافر على من زعم أنّ من أطلق على ابن تيميّة شيخ الإسلام كافر، في باب حرف الراء (١) .

والموضع الثاني: في باب الباء في لفظ بحث، قال: وبالغ العلاء حتّى صرّح بكفر من أطلق عليه شيخ الإسلام (٢) ، انتهى.

أقول: ليس مبالغة بل هو الصواب الحقّ الموافق للقواعد الشرعيّة، لكن لم يلتفتوا إلى مراد العلاء، فإنّ العلاء أجلّ من ذلك، ولا يجازف في القول، بل الْتَفَتَ إلى فرع لم يلتفت إليه أحد قبله، فإنّ من أطلق على ابن تيميّة الزائغ العقيدة شيخ الإسلام على الحقيقة، لا يريد إلاّ إظهار صحة عقيدته وتقويته في بدعته وكفره، فهو شريكه في العقيدة حينئذ فهو كافر; لأنّه أثبت كفره وكفر من اعتقد صحة عقيدته; لما فيها من التشبيه والتجسيم القبيح، وتنقيص الأنبياء والأولياء، والنصب لأهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإثبات قدم نوع العالم، وقدم جنس العرش، وإثبات حوادث لا نهاية لها في ذات الربّ، وأمثال ذلك ممّا هو كفر عند المسلمين، وفتوى العلاء هي الفتوى الحقّ والقول الصدق رغماً على أنف كلّ حشوي مجسّم. والحمد لله ربّ العالمين.

وهذا العلائي هو الإمام صلاح الدين العلائي شيخ شيوخ الحافظ ابن حجر العسقلانيّ.

شهادة الحصني:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة الناصب أنّه كفّر عبد الله بن عبّاس

____________________

(١) كشف الظنون ١: ٨٣٨.

(٢) نفس المصدر ١: ٢٢٠.

٦٨

في كتابه المسمّى صراط المستقيم، شهد عليه بذلك تقي الدين الحصني أبوبكر ابن محمّد الدمشقي الحسيني المتوفّي سنة تسع وعشرين وثمانمائة، نقل ذلك في كتاب الردّ على صراط ابن تيميّة، ونقل ذلك الملاّ چلبي في كشف الظنون عند ذكر صراط المستقيم، قال: فيه أشياء لا ينبغي أن تذكر، كتكفيره عبد الله بن عبّاس على ما نقله الحصني في كتابه للردّ عليه (١) .

أقول: قد باء ابن تيميّة بالكفر، لقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما» (٢) فإنّا نقطع بإيمان ابن عبّاس حبر الاُمّة، فيكون الذي باء بالكفر عدوّه ابن تيميّة عامله الله بعدله.

شهادة الشيخ نصر الله بن المنبجي:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بهتك الأستار والأعراض وسبّ الأوصاف والذوات، وأنّه لم يقنع بسبّ الأحياء حتّى حكم بتكفير الأموات، وأنّه ذكر عمر على المنبر فقال: إنّ عمر له غلطات وبليّات وأي بليّات، وأنّه قال : إنّ علياً عليه‌السلام أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان، وأنّه أفرط في الغي، ووصل أذاه إلى كلّ ميّت وحي، شهد عليه بذلك شيخ عصره الإمام العارف الشيخ نصر المنبجي في كتاب كتبه إليه سنة خمس وسبعمائة، لمّا بلغه أنّ ابن تيميّة يقع في الشيخ العارف ابن العربي، كما يظهر من كلام الحافظ ابن حجر العسقلانيّ في الدرر الكامنة في ترجمته لابن تيميّة (٣) ، وقد نقلته آنفاً، وقد نقل ألفاظ الكتاب المذكور العلاّمة ابن

____________________

(١) كشف الظنون ٢: ١٠٧٨.

(٢) الموطأ ٢: ٩٨٤، البخاري ٨: ٣٥٣، مسند أحمد ٢: ٤٧، ١١٢، ١٤٢، صحيح مسلم ١: ٧٩، سنن الترمذي ٤: ١٣٢/٢٧٧٤.

(٣) الدرر الكامنة ١: ٩٢.

٦٩

حجر المكي في الفتاوى الحديثيّة، لكنّه لم يسمّ الشيخ نصر المنبجي بل أجمله، وقال: وقد كتب إليه بعض أعلام أهل عصره علماً ومعرفة سنة خمس وسبعمائة: من فلان إلى الشيخ الكبير العالم إمام أهل عصره بزعمه:

أمّا بعد فإنّا أحببناك في الله زماناً، وأعرضنا عمّا يقال فيك إعراض الفضل إحساناً، إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبّة بحكم ما يقتضيه العقل والحسّ، وهل يشكّ في الليل عاقل إذا غربت الشمس؟! وإنّك أظهرت أنّك قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم بقصدك ونيّتك، ولكن الإخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول، وما رأينا آل أمرك إلاّ إلى هتك الأستار والأعراض، باتباع من لا يوثق بقوله من أهل الأهواء والأغراض، فهو سائر زمانه يسبّ الأوصاف والذوات، ولم يقنع بسبّ الأحياء حتّى حكم بتكفير الأموات، ولم يكفه التعرّض على من تأخّر من صالحي السلف، حتّى تعدّى إلى الصدر الأوّل ومن له أعلى المراتب في الفضل، فياويحَ من هؤلاء خصماؤه يوم القيامة، وهيهات أن لا يناله غضب، وأنّى له بالسلامة...

وكنت ممّن سمعته وهو على منبر جامع الجبل بالصالحيّة وقد ذكر عمربن الخطّاب (رض) فقال: إنّ عمر له غلطات وبليّات وأي بليّات!...

وأخبرني عنه أنّه ذكر علي بن أبي طالب عليه‌السلام في مجلس آخر فقال: إنّ علياً عليه‌السلام أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان، فياليت شعري من أين يحصل لك الصواب إذا أخطأ عليّ بزعمك كرّم الله وجهه وعمر بن الخطّاب؟!...

والآن قد بلغ هذا الحال إلى منتهاه، والأمر إلى مقتضاه، ولا ينبغي إلاّ القيام في أمرك ودفع شرّك، لأنّك قد أفرطت في الغي، ووصل أذاك إلى

٧٠

كلّ ميّتوحيّ ، تلزمني من الغيرة شرعاً لله ولرسوله، ويلزم ذلك جميع المؤمنينوسائر عباد الله المسلمين، بحكم ما يقوله العلماء، وهم أهل الشرعوأرباب السيف، الذين بهم الوصل والقطع إلى أن يحصل منك الكفّ عن أعراض الصالحين رضي الله عنهم أجمعين (١) . انتهى.

أقول: وهذا الشيخ المنبجي كان قد تقدّم في الدولة لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه، وذكر ابن الصبّاغ المالكي المكّي في الفصول المهمّة وكان من معاصريه: أنّه كان من الثقات الخيّرين (٢) . وقام في أمر ابن تيميّة نعم القياموجمع العلماء وحكموا عليه فأُشخِصَ من دمشق الشام، وخذله الله بسبب الشيخ نصر المنبجي صاحب مشارف الصناعة.

شهادة اليافعي في مرآة الجنان:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بعقيدته بالجهة، وما نقل عنه فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك من العقائد الباطلة، ممّا هو معروف في مذهبه، وأنّه ادّعى عليه العلماء بمصر أنّه يقول: إنّ ( الرَّحْمَـنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (٣) حقيقة، وأنّه تعالى يتكلّم بحرف وصوت، وأنّه نودي بدمشق وغيرها من بلاد الإسلام من كان على عقيدة ابن تيميّة حلّ ماله ودمه، شهد عليه بذلك كلّه الإمام اليافعي (٤) في مرآة الجنان وعبرة اليقظان

____________________

(١) الفتاوي الحديثيّة لابن حجر المكّي: ٨٦ ٨٧.

(٢) الفصول المهمّة: ١٩٦. وفيه: الحبرين بدل: الخيّرين.

(٣) سورة طه ٢٠: ٥.

(٤) أبو محمّد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان الشافعي اليمني ثمّ المكّي، كان مولده بمدينة عدن ثمّ جاور بمكّة، له تآليف كثيرة في اُصول الدين والتصوّف والتاريخ، وأشهر كتبه مرآة الجنان، وله كلام في ذمّ ابن تيميّة، توفّي سنة ٧٦٨ هـ. ذيل طبقات الحفّاظ ١٥٢، الأعلام للزركلي ٤: ٧٢، الكنى والألقاب ٣: ٢٤٤.

٧١

في معرفة حوادث الزمان وتقليب أحوال الإنسـان، قال عند ذكره لعقـائد ابن تيميّة الفاسدة ما لفظه:

وكذلك عقيدته في الجهة، وما نقل عنه فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك ممّا هو معروف في مذهبه (١) .

وذكر عند ذكر فتنة ابن تيميّة ما هذا صورته:

وكان الذي ادّعى به عليه بمصر أنّه يقول: إنّ ( الرَّحْمَـنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (٢) حقيقة وإنّه يتكلّم بحرف وصوت، ثمّ نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيميّة حلّ ماله ودمه (٣) . إلى آخره.

وله كلام طويل في ابن تيميّة فيه شناعات وكان الغرض نقل الضلالات.

شهادة ابن بطوطة في الرحلة:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بأنّه كان في عقله شيء، وتكلّم على المنبر بالشام بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى سلطان عصره، وعُقِدَ له مجلس عدّدوا عليه ما أنكروه على ابن تيميّة وأحضروا العقود بذلك، فأمر السلطان بحبسه، ثمّ تعرّضت اُمّه للسلطان فأمر بإطلاقه، ثمّ وقع منه مثل ذلك ثانية فسجن ثانية، وأنّه حضره يوم الجمعة وهو يعظ على منبر الجامع فقال: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر، وأنّه كتب عقداً شرعياً على ابن تيميّة باُمور منكرة، منها: أنّ المطلّق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلاّ طلقة واحدة. ومنها: المسافر الذي

____________________

(١) مرآة الجنان ٤: ٢٧٤.

(٢) سورة طه ٢٠: ٥.

(٣) مرآة الجنان ٤: ٢٤٠.

٧٢

ينوي بسفره زيارة القبر الشريف النبوي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يقصر، وسوى ذلك ممّا يشبهه، وبعث العقد إلى الملك الناصر بمصر فأمر بسجن ابن تيميّة بالقلعة فسجن بها حتّى مات في السجن، شهد عليه بكلّ ذلك معاصره الشيخ الفقيه العالم الثقة النبيه الناسك الأبرّ، وفد الله المعتبر شرف الدين، المعتمد في سياحته على ربّ العالمين أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن محمّد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة، قال في رحلته في صفحة ٦٨ من الجزء الأوّل المطبوعة بمصر في المطبعة الخيريّة ما لفظه:

حكاية: وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيميّة، كبير الشام، يتكلّم في الفنون إلاّ أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء، ورفعوه إلى الملك الناصر، فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر (١) ، وتكلّم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: إنّ هذا الرجل قال كذا كذا، وعدّد ما أنكر على ابن تيميّة، وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة، وقال قاضي القضاة لابن تيميّة: ما تقول. قال: لا إله إلاّ الله. فأعاد عليه فأجاب بمثل قوله، فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواماً، وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه بالبحر المحيط في نحو أربعين مجلداً، ثمّ أنّ اُمّه تعرّضت للملك الناصر وشكت إليه فأمر بإطلاقه، إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ الله ينزل إلى سماء

____________________

(١) الملك الناصر هو محمّد بن تلاوون سلطان تلك البلاد حينئذ. «منه».

٧٣

الدنياكنزولي هذا. ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها، واحتملوه إلى دار عز الدين مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعزّروه بعد ذلك، فأنكر فقهاء المالكيّة والشافعيّة ما كان من تعزيره، ورفعوا الأمر إلى ملك الاُمراء سيف الدين تنكيز وكان من خيار الاُمراء وصلحائهم، فكتب إلى الملك الناصر بذلك، وكتب عقداً شرعيّاً على ابن تيميّة باُمور منكرة، منها: أنّ المطلّق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلاّ طلقة واحدة. ومنها: المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف زاده الله طيباً لا يقصر الصلاة، وسوى ذلك ممّا يشبهه. وبعث العقد إلى الملك الناصر، فأمر بسجن ابن تيميّة بالقلعة، فسجن بها حتّى مات في السجن (١) . انتهى بلفظه.

ونقل الحافظ ابن حجر العسـقلاني في الدرر الكامنة أيضـاً: أنّ ابن تيميّة ذكر حديث النزول ونزل عن المنبر درجتين وقال: كنزولي هذا. فنسب إلى التجسيم (٢) . فتدبّر وراجع التنبيه الرابع المتقدّم حتّى لا يبقى لك شكّ في كفر هذا المبدع الضال المضلّ.

[شهادة ابن القيم في كتاب زاد المعاد]:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بالتجسيم والتشبيه، وقال ابن القيّم

____________________

(١) رحلة ابن بطوطة ١: ٣١٦ ٣١٧.

(٢) الدرر الكامنة ١: ٩٣.

٧٤

في كتاب زاد المعاد في هدى خير العباد في فضل ملابسه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وكان إذا اعتمّ أرخى عمامته بين كتفيه كما رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن حريث، قال: رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه (١) ...

ثم قال ابن القيّم ما لفظه: وكان شيخنا أبو العبّاس أحمد بن تيميّة يذكر في سبب الذؤابة شيئاً بديعاً، وهو أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما اتّخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة لمّا رآى ربّ العزّة تبارك وتعالى فقال: «يا محمّد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. فوضع يده بين كتفي فعلمت ما بين السماء والأرض....» الحديث وهو في الترمذي (٢) ، وسئل عنه البخاري فقال:صحيح (٣) ...

قال: فمن تلك الحال أرخى الذؤابة بين كتفيه، وهذا من العلم الذي ينكره ألسنة الجهّال وقلوبهم، ولم أر هذه الفائدة في إثبات الذؤابة لغيره (٤) . انتهى، فراجع صفحة ٣٥ من الجزء الأوّل المطبوع في مصر في هذه الأيّام.

[شهادة الحافظ الشامي صاحب السيوطي]:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بحرمة السفر للزيارة، وبأنّه أتى بما لا يغسله البحار، وأنّه أنكر الأحاديث الموجودة في السنن والمسانيد،

____________________

(١) صحيح مسلم ٢: ٩٩٠/٤٥٣.

(٢) سنن الترمذي ٥: ٤٤ ٤٧/٣٢٨٦ ٣٢٨٨.

(٣) انظر المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيميّة ٣: ٦٧.

(٤) زاد المعاد ١: ١٣٥ ـ ١٣٦.

٧٥

شهد عليه بذلك الحافظ [الحافظ الشامي (١) صاحب] (٢) جلال الدين السيوطي (٣) في كتاب السيرة المسمّاة سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال:

مشروعيّة السفر لزيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأمجاد، قد ألّـف فيها الشـيخ تقي الدين السبكي، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والشيخ داوُد أبوسليمان كتاب الانتصار ، وابن جماعة، وغيرهم من الأئمّة، وردوا على الشيخ تقي الدين بن تيميّة، فإنّه أتى في ذلك بشيء منكر لا يغسله البحار (٤) .

(وممّن ردّه عليه من أئمّة عصره العلاّمة محمّد بن يوسف الزرندي المدني المحدّث في بغية المرتاح إلى طلب الأرباح. انتهى) (٥) .

أقول: وقال في موضع آخر في الردّ على ابن تيميّة إنكاره المواخاة بين المهاجرين والأنصار، وخصوصاً مواخاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي المرتضى عليه‌السلام ، وذكر رواية الضياء (٦) في المختارة ذلك ما نصّه: وابن تيميّة

____________________

(١) شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن علي الصالحي الشامي، محدّث، عالم بالتاريخ ، ولد في صالحيّة دمشق، وسكن البرقوقيّة بصحراء القاهرة إلى أن توفّي سنة ٩٤٢ هـ، من تصانيفه: سبيل الهدى والرشاد، والآيات الباهرة، وإتحاف الراغب. انظر الأعلام للزركلي ٧: ١٥٥.

(٢) الزيادة من عبقات الأنوار الجزء ١٦ القسم الثاني الصفحة: ٢٩٠.

(٣) عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمّد جلال الدين أبو الفضل السيوطي، فقيه شافعي، مفسّر، محدّث، مؤرّخ، أديب، مصنّف مكثر، ولد سنة ٨٤٩ هـ، وتوفّي سنة ٩١١ هـ. انظر الاعلام للزركلي ٣: ٣٠١.

(٤) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ١٢: ٣٨٤.

(٥) انظر القول المستحسن: ٢٣٣، وعبقات الأنوار ١٦: ٢١٥ القسم الثاني.

(٦) محدّث الشام ضياء الدين أبو عبد الله محمّد بن عبد الواحد المقدسي الدمشقي، الحنبلي، له مصنّفات منها كتابه الأحاديث المختارة، توفّي سنة ٦٤٣ هـ. تذكرة الحفّاظ ٤: ١٤٠٥/١١٢٩.

٧٦

يصرّح بأنّ الأحاديث المختارة أصحّ وأقوى من أحاديث المستدرك (١) .

ولو تحلّى ابن تيميّة بالإنصاف وتخلّى من التعصّب والاعتساف لنقل اتّفاق أئمّة حفّاظ الآفاق على خلاف ما جعل عليه الوفاق، وإنّما قوله هذا كردّه الأحاديث المسندة الموجودة في الكتب المعتمدة المشهورة، ونسبة الوضع والكذب إليها كما قال في هذا الكتاب يعني منهاج السنّة أيضاً: إنّ حديث الموالاة قد رواه الترمذي (٢) ، وأحمد في مسنده عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» (٣) ، وأمّا الزيادة وهي قوله: «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» إلى آخـره فلا ريب أنّه كذب، ونقل الأثرم في سننه عن الإمام أحمد: إنّ العبّاس سأله عن حسين الأشقر، وأنّه حدّث بحديثين فذكر أحدهما قال والآخر: «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» فأنكره أبو عبد الله جدّاً، ولم يشكّ في أنّ هذين الحديثين كذب (٤) . انتهى.

وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٥) مع شرطه فيه، وهو عدم ذكر الموضوع والمنكر بل والشديد الضعف على رأيه (٦) .

أقول: حسين الأشقر قد احتجّ به النسائي (٧) ، ووثّقه ابن حبّان (٨) ،

____________________

(١) سبل الهدى والرشاد ٣: ٣٦٨، وانظر القول المستحسن: ٢٦٦، وعبقات الأنوار الجزء ١٦القسم الثاني الصفحة: ٢٣٤.

(٢) سنن الترمذي ٥: ٢٩٧/٣٧٩٧.

(٣) مسند أحمد ١: ٨٤، ١١٨، ١١٩، ١٥٢، ٣٣١...

(٤) منهاج السنّة ٧: ٣١٩.

(٥) مسند أحمد ١: ١١٨، ١١٩، ١٥٢، ٣٣١، و ٤: ٢٨١....

(٦) انظر القول المستحسن: ٢٦٦ ٢٦٧، وعبقات الأنوار الجزء ١٦ القسم الثاني الصفحة: ٢٣٤.

(٧) انظر السنن الكبرى ٣: ٢٥٣/٢٩١٤.

(٨) كتاب الثقات لابن حبّان ٨: ١٨٤.

٧٧

وصحّح له الحاكم في المستدرك (١) ، وروى عنه الإمام أحمد في المسند (٢) ، وهو لم يكن يروي إلاّ عن ثقة، وقد صرّح ابن تيميّة بذلك في كتاب الردّ على البكري، قال: إنّ العالمين بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان: منهم مَن لم يرو إلاّ عن ثقة عنده، كمالك وشعبة ويحيى ابن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل (٣) .

فقد كفانا ابن تيميّة بهذا الكلام مؤونة إثباته، وحينئذ لا يبقى له مطعن فيه، فما نقله الأثرم، فهو ممّا رجع عنه أحمد إن صحّ النقل، وإلاّ فالعيان يغني عن الخبر، فابن تيميّة راو لحديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على كلّ حال.

[شهادة أبي الفداء في تاريخه]:

هداية: فيها شهادة بالتجسيم على ابن تيميّة، قال أبو الفداء (٤) في تاريخه في صفحة ٥٤ من الجزء الرابع من أوّل طبعة ما لفظه: وفيها يعني سنة خمسوسبعمائة اُستدعي تقي الدين أحمد بن تيميّة من دمشق إلى مصر، وعقد له مجلس، وأمسك وأودع الاعتقال بسبب عقيدته، فإنّه كان يقول بالتجسيم على ما هو منسوب إلى ابن حنبل. انتهى (٥) .

____________________

(١) المستدرك للحاكم ٣: ١٣٨.

(٢) مسند أحمد ١: ١١١، ٢٥١، ٣٢٤.

(٣) انظر الرد على البكري (تلخيص الاستغاثة) ١: ٧٧.

(٤) الملك المؤيّد إسماعيل بن علي بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي، صاحب حماة، مؤرّخ، جغرافي، رحل إلى مصر واتّصل بالملك الناصر فأحبّه وأقامه سـلطاناً على حماة، توفّي سـنة ٧٣٢ هـ، انظر أعيان العصـر ١:٣٢٤/٢٦٣، الأعلام للزركلي ١: ٣١٩.

(٥) تاريخ أبي الفداء ٢: ٣٩٢.

٧٨

شهادة الشيخ محمّد البرنسي في إتحاف أهل العرفان:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بإدعائه حرمة السفر لزيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّ الصلاة لا تقصر فيه بعصيان المسافر به، وبادّعائه الجهة والتجسيم، ونسبة من لم يعتقدهما إلى الضلالة والتأثيم، وأنّه خالف الأئمّة في مسائل كثيرة، واستدرك على الخلفاء الراشدين حتّى سقط من أعين علماء الاُمّة، وصار مثلة بين العوام فضلا عن الأئمّة، وأنّه تعقّب العلماء كلماته الفاسدة، وزيّفوا حججه الداحضة الكاسدة، وأظهروا عوار سقطاته، وبيّنوا قبائح أوهامه وغلطاته، شهد عليه بذلك الشيخ الإمام، الحبر الهمام، سند المحدّثين، الشيخ محمّد البرنسي في كتابه إتحاف أهل العرفان برؤيّة الأنبياء والملائكة والجان، قال ما لفظه:

وقد تجاسر ابن تيميّة الحنبلي ـ عامله الله تعالى بعدله ـ وادّعى أنّ السفر لزيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرام، وإنّ الصلاة لا تقصر فيه لعصيان المسافر به، وأطال في ذلك بما تمجّه الأسماع وتنفر منه الطباع، وقد عاد شؤم كلامه عليه حتّى تجاوز الجناب الأقدس المستحق لكلّ كمال أنفس (١) ، وخرق سياج الكبرياء والجلال، وحاول إثبات ما ينافي العظمة والكمال، بإدّعائه الجهة والتجسيم، ونسبة من لم يعتقدهما إلى الضلالة والتأثيم، وأظهر هذا الأمر على المنابر، وشاع وذاع ذكره بين الأكابر والأصاغر، وخالف الأئمّة المجتهدين في مسائل كثيرة، واستدرك على الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة حقيرة، فسقط من أعين علماء الاُمّة، وصار مثلة بين العوام فضلا عن الأئمّة، وتعقّب العلماء كلماته الفاسدة، وزيّفوا

____________________

(١) في نسخة الأصل: النفس بدل: أنفس.

٧٩

حججه الداحضة الكاسدة، وأظهروا عوار سقطاته، وبيّنوا قبائح أوهامه وغلطاته (١) . إلى آخره.

ونقل هذا أيضاً المفتي صدر الدين في رسالته المسمّاة بمنتهى المقال في حديث شدّ الرحال، ونقله عنه أيضاً المولوي الفاضل السيد حامد حسين الشيعي في استقصاء الإفحام في الجزء الأوّل في صفحة ٦١، ونقل المنشورالسلطاني (٢) المتقدّم عن منتهى المقال في حديث شدّ الرحال وهو من معاصريه، ونقل ما تقدّم عن ابن حجر في الدرر الكامنة أيضاً (٣) فراجعه فإنّه المطبوع في مطبعة مجمع البحرين لوديانه.

شهادة صدر الدين الهندي في منتهى المقال:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بالفسق، والسفه، والحماقة، والعناد، والكفر، والضلال، والإلحاد، شهد عليه بذلك الإمام المفتي محمّد صدر الدين بهادر خان الهندي في كتاب منتهى المقال في شرح حديث شدّ الرحال، أوّله: الحمد لله الذي جعل البيت أمناً ومثابة للناس أجمعين، وجعله هدى ومباركاً للعالمين . وقد قرظ عليه جماعة من علماء السنّة منهم المولوي فضل حق والمولوي سعد الله (٤) .

شهادة المحقّق الدواني في شرح العقيدة العضدية:

هداية: فيها شهادة على ابن تيميّة بأنّه أثبت لله تعالى الجهة والمكان،

____________________

(١) انظر استخراج المرام من استقصاء الإفحام ١: ٢١٢.

(٢) انظر استخراج المرام من استقصاء الإفحام ١: ٢١٣. ونهاية الأرب للنويري ٣٢: ١١٢.

(٣) راجع ص: ٥٩ ـ ٦٠.

(٤) انظر استخراج المرام من استقصاء الإفحام ١: ٢١١.

٨٠