البراهين الجليّة - ج ١

السيّد حسن الصدر

البراهين الجليّة - ج ١

المؤلف:

السيّد حسن الصدر


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: الوفاء
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-319-628-8
ISBN الدورة:
978-964-319-628-9

الصفحات: ٤١٦

«يا موسى ابنك ينظر بنور الله عزّوجلّ، وينطق بالحكمة يصيب ولا يخطئ، يعلمولا يجهل، قد مُلِئ وحكماً»، والمأمون يقول: وتيقّنت فيه ما الأخبار عليه متواطئة والألسن عليه متّفقة، وما شرحه من زهده وعلمه، كيف لا يكون أزهد الناس وأعلمهم، ومن يقاس به بعد ذلك؟!

وقد ذكر ابن الأثير أنّه المجدّد في رأس المأتين (١) .

وقال ابن الصبّاغ في الفصل الثامن ما لفظه: وقال الشيخ كمال الدين ابن طلحة: قد تقدّم القول في أمير المؤمنين عليّ وفي زين العابدين عليّ وجاء هذاعلي الرضا ثالثهما، ومن أمعن النظر والفكر وجده في الحقيقة وارثهما، فيحكم كونه ثالث العليّين، نما إيمانه، وعلا شأنه، وارتفع مكانه، واتّسع إمكانه، وكثر أعوانه، وظهر برهانه (٢) ، إلى آخره.

وقد وجدت هذا اللفظ أنا أيضاً في كتاب مطالب السؤول لمحمّد ابن طلحة في الباب الثامن منه (٣) ، فإذا كان الرضا ثالث العليّين عند أهل التفكّر كيف يكون دعوى أنّه أزهد أهل زمانه وأعلمهم غلوّاً فيه؟!

وذكر في الفصـول المهمّة جملة من مناقبه، ثمّ قال: قال إبراهيم بن العبّاس (٤) : ما رأيت الرضا سئل عن شيء إلاّ علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقت عصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء فيجيبه الجواب الشافي، وكان قليل النوم، كثير الصوم، لا يفوته صوم

____________________

(١) جامع الاُصول في أحاديث الرسول ١٢: ٢٢١.

(٢) الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة عليه‌السلام : ٢٤٣.

(٣) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول عليه‌السلام : ٤٥٥.

(٤) الصولي، أبو إسحاق الكاتب، كاتب العراق في عصره، أصله من خراسان، نشأ في بغدادفتأدّب ، وقرّبه الخلفاء فكان كاتباً للمعتصم والواثق والمتوكّل، توفّي سنة ٢٤٣ هـ. أعيان الشيعة ١: ١٦٨، الأعلام للزركلي ١: ٤٥.

٣٨١

ثلاث أيّام من كلّ شهر ويقول: «ذلك صيام الدهر» (١) ، وكان كثير المعروف والصدقة سرّاً، وأكثر ما يكون منه ذلك في الليالي المظلمة، وكان جلوسه في الصيف على حصير وفي الشتاء على مسح (٢) .

أقول: هذه شهادة صريحة بأنّ الرضا كان أعلم أهل زمانه وأزهدهم رغماًعلى أنف ابن تيميّة، ومنه يعلم كذبه في قوله: والناس يعلمون أنّه كان في زمانه من هو أعلم منه وأزهد منه.

وقال الشيخ الشبراوي في الإتحاف: ويقال إنّ عليّاً الرضا أعتق ألف مملوك، وكان صاحب وضوء، وصلّى ليله كلّه يتوضّأ ويصلّي ويرقد، ثمّ يقوم فيتوضأ ويصلّي ويرقد وهكذا إلى الصباح.

إلى أن قال: كراماته أكثر من تحصر وأشهر من أن تذكر (٣) . ثمّ ذكر جملة منها مسندة، وفيها الأخبار بجملة من المغيّبات التي وقعت بعد ذلك، فراجعه حتّى تعرف نصب ابن تيميّة المخذول.

وأمّا قوله: ولم يأخذ عنه أحد من أهل العلم بالحديث شيئاً ولا روي له حديثاً في كتب السنّة وإنّما يروي له أبو الصلت الهروي (٤) ، إلى آخره.

أقول: فهذا من أقبح الكذب وأشنع النصب وإنكار للمعلوم بالضرورة.

____________________

(١) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢: ١٨٢ ١٨٣/٧.

(٢) الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة عليه‌السلام : ٢٥١.

(٣) الإتحاف بحبّ الأشراف: ١٥٥ ١٥٦.

(٤) عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي، مولى قريش، العالم العابد له فضل وجلالة، روى عن الإمام علي الرضا عليه‌السلام ، ومالك، وحمّاد بن زيد، وروى عنه أحمد بن سيار، ومحمّد بن رافع، توفّي سنة ٢٣٦ هـ. سير أعلام النبلاء ١١: ٤٤٦/١٠٣.

٣٨٢

قال محقّق علماء السنّة لسان صاحب التحفة الاثنى عشرية عديم العديل والقرين عندهم المولوي محمّد رشيد الدين (١) صاحب كتاب الشوكة العمريّة في كتابه الإيضاح في طي كلام له ما ترجمته: هذه أكثر أهل السنّة روواعن الإمام الرضا، كما أنّ صاحب مفتاح النجاة ذكر في ترجمته إنّه روى عن إسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وعبد الله بن عياش القزويني، وداوُد ابن سليمان، وأحمد بن حرب، ومحمّد بن أسلم، وخلق غيرهم، وروى له ابن ماجة (٢) .

ثمّ قال رشيد الدين: واستفاد من الإمام الرضا أعاظم الصوفية من السنّة مثل: شقيق البلخي، ومعروف الكرخي.

ثمّ قال: وكتب تفسير أهل السنّة مثل التفسير الكبير الذي هو ألف جزء تفسير الشاهي (٣) وغيرها مملوّة من الروايات عنه، وهذا لا يكون إلاّ أن يكون الرضا من أئمّة السنّة لا الشيعة (٤) ، انتهى.

وقال سبط بن الجوزي في التذكرة: قال الواقدي: سمع عليّ الرضا عليه‌السلام الحديث من أبيه وعمومته وغيرهم، وكان ثقة يفتي بمسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن نيف وعشرين سنة، وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل المدينة.

____________________

(١) الدهلوي المتوفّي سنة ١٢٤٣ هـ، ترجمه صاحب نزهة الخواطر وأثنى عليه، له: إيضاح لطافة المقال. نزهة الخواطر ٧: ١٨٠/٣١٥.

(٢) انظر سير أعلام النبلاء ٩: ٣٨٩/١٢٥.

(٣) لمحمّد بن صفي الدين جعفر، المعروف بمحبوب العالم وأبيه المعروف ببدر العالم. الغدير ١:١٤٠/٣١٦.

(٤) انظر عبقات الأنوار ٩: ٢٠٩ و ١١: ٨٣٩ و ١٦: ٣٥٢ القسم الأول، نفحات الأزهار ١٠: ١٥٩.

٣٨٣

وذكر عبد الله بن أحمد المقدسي (١) في كتابه أنساب القرشيين نسخة يرويها عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه موسى، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمّد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ عليه‌السلام إسناد لو قرئ على مجنون برئ (٢) ، انتهى موضع الحاجة من كلام التذكرة (٣) .

وقال الإمام أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري في كتابه تاريخ (٤) نيسابور الذي ذكر فيه من ورد خراسان من الصحابة والتابعين، ومن استوطنها، واستقصى ذكرهم، ثمّ أتباع التابعين، ثم القرن الثالث والرابع،جعل كلّ طبقة منهم إلى ستّ طبقات، ورتّب قرن كلّ عصر على حدة على الحروف، فذكر الإمام الرضا عليّ بن موسى، وأنّه لمّا دخل نيسابوركان في قبّة مستورة على بغلة شهباء، وقد شقّ بها السوق، فعرض له الإمامان الحافظان أبو زرعة (٥) [وابن أسلم]الطوسي (٦) ومعهما من أهل العلموالحديث ما لا يحصى، فقالا: يا أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمّة

____________________

(١) عبد الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، موفق الدين أبومحمّد، ولد بجماعيل من قرى نابلس بفلسطين، رحل إلى دمشق وبغداد، توفّي سنة ٦٢٠ هـ. سير أعلام النبلاء ٢٢: ١٦٥/١١٢، شذرات الذهب ٥: ٨٨.

(٢) التبيين في أنساب القرشيين: ١١٠ ١١١.

(٣) تذكرة الخواص: ٣١٥.

(٤) في النسختين: تواريخ والمثبت من المصادر.

(٥) عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي بالولاء الرازي، من حفّاظ الحديث، الأئمّة، من أهل الري زار بغداد وحدّث بها، توفّي بالري سنة ٢٦٤ هـ. الأعلام للزركلي ٤: ١٩٤.

(٦) وفي النسختين: أبو مسلم والمثبت من المصادر. وهو أبو الحسن محمّد بن أسلم ابن يزيد الكندي مولاهم الطوسي، من الحفّاظ والمحدّثين المشهورين، اشتهر بالصلاح، ونعته الذهبي بشيخ المشرق، له المسند وغيره، توفّي سنة ٢٤٢ هـ. حلية الأولياء ٩:٢٣٨/٤٤٧، الأعلام للزركلي ٦: ٣٤.

٣٨٤

بحقّ آبائك الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلاّ ما أريتنا وجهك الميمون ورويت لنا حديثاً عن آبائك عن جدك نذكرك به، فاستوقف غلمانه، وأمر بكشف المظلّة، وأقرّ عيون الخلائق برؤيته وطلعته، وإذا له ذؤابتان معلّقتان على عاتقه ، والناس قيام على طبقاتهم ينظرون ما بين باك وصارخ ومتمرّغ في التراب ومقبل حافر بغلته، وعَلا الضجيج، فصاحت الأئمّة الأعلام: معاشرالناس انصتوا واسمعوا ما ينفعكم، ولا تؤذونا بصراخكم، وكان المستملي أبا زرعة ومحمّد بن أسلم الطوسي، فقال عليّ الرضا رضي‌الله‌عنه : «حدّثني أبي موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمّد الباقر، عن أبيه عليّ زين العابدين ، عن أبيه شهيد كربلاء، عن أبيه عليّ المرتضى قال: حدّثني حبيبي وقرّة عيني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: حدّثني جبرائيل عليه‌السلام قال: حدّثني ربّ العزّة سبحانه وتعالى، قال: كلمة لا إله إلاّ الله حصني فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي»، ثمّ أرخى الستر على المظلّة وسار، قال: فعدّ أهل المحابر وأهل الدواوين الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألف (١) .

قال أحمد رضي‌الله‌عنه : لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق من جنونه (٢) .

أقول: ومع ذلك لم يفق ابن تيميّة من جنونه، نعوذ بالله من سوء العقيدة وملكة الكذب، ألا تراه كيف أنكر أن يكون رووا له حديثاً واحداً في السنن مع أنّه يرى أن ابن ماجة (٣) روى له وغيره في مجاميعهم

____________________

(١) حكاه عنه في كشف الغمّة ٢: ٣٠٨، والصواعق المحرقة ٢: ٥٩٤. وفيض القدير للمناوي ٤: ٤٨٩، أخبار الدول للقرماني ١: ٣٤٤.

(٢) عنه في نزهة المجالس للصفوري ١: ٢٥، والصواعق المحرقة ٢: ٥٩٥، أمالي المفيد: ٢٧٥/٢، وانظر حلية الأولياء ٣: ١٩٢.

(٣) سنن ابن ماجة ١: ٢٥/٦٥.

٣٨٥

وتفاسيرهم كما عرفت (١) .

وحصر الراوي عنه بأبي الصلت مع أنّهم الجلّة من أئمّة الفقه والحديث كما عرفت أسماءهم عن مفتاح النجاة وحتّى كرّر ذلك، قال في الصفحة المذكورة: وأمّا قوله: أخذ عنه الفقهاء المشهورون كثيرهم، فهذا من أظهر الكذب. هؤلاء فقهاء الجمهور المشهورون لم يأخذوا عنه ما هو معروف، وإن أخذ عنه بعض من لا يعرف من فقهاء الجمهور فهذا لا ينكر، فإنّ طلبة الفقهاء قد يأخذون من المتوسّطين في العلم ومن هم دون المتوسّطين (٢) ، انتهى.

أقول: قد عرفت نصّ العلماء بأنّه أخذ عنه: إسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وعبد الله بن عيّاش القزوينيّ، وداوُد بن سليمان، وأحمد بن حرب، ومحمّد بن أسلم وخلق غيرهم، فإنّ الخبير بإحوال الفقهاء يعلم أنّ هؤلاء أئمّة الفقه وأعلام علماء الإسلام في الحلال والحرام ولكن ابن تيميّة يريد إظهار القوّة في الردّ والمناظرة عند سواد الناس والعامة، وأنّه ردّ كتاب ابن المطهّر وكذّبه في نقله، لم يتصوّر أنّه وقع في الأثناء في ورطة عظيمة عند أهل المعرفة والخبرة، وأنّه فضح نفسه حيث كذّب مناقب أهل البيت وأنكر فضلهم وتقدّمهم على غيرهم، والتزم في مقام الردّ على ابن المطهّر أن ينقّص من العترة ويرميهم بالعظائم، والتزم الاستقصاء عليهم من كلّ ما يمكن أن يكون كرامة أو فضيلة بين تكذيب

____________________

(١) راجع حقائق التفسير (تفسير السلمي) ١: ٣٣، ٣٩٤، ٤٣٣ و ٢: ١٢، ٢٠، ٢٣، ٥٢، ٨٥... تفسير الكشف والبيان (تفسير الثعلبي) ١: ١٠٦، ١٤٠ و ٥: ٢١٣ و٨:٣١١، ٣١٢ و٩ : ١٧٢ و ١٠: ١٠، ٢٢٥...

(٢) منهاج السنّة ٤: ٦٠ ٦١.

٣٨٦

وتأويل، حتّى صار أشنع المشنّعين على آل رسول الله، نعوذ بالله من التعصّب والعناد والكفر واللجاج والمحادّة لرسول الله في أهل بيته، حتّى أنكر أن يكون لأولاد رسول الله خصوصيّة من جهة الذريّة.

قال في صفحة ١٢٦ من الجزء الثاني ما لفظه: والكلام الذي ذكره ـيعني أبو نؤاس كلام فاسد فإنّه قال:

قلت: لا أستطيع مدح إمام

كان جبريل خادماً لأبيه (١)

ومن المعلـوم أنّ هذا الوصـف مشترك بين من كان من ذريّة عليّ ومن لم يكن ، لأنّ كون الرجل من ذريّة الأنبياء قدر مشترك بين الناس، فإنّ الناس كلّهم من ذريّة نوح عليه‌السلام ومن ذريّة آدم عليه‌السلام ، وبنو إسرائيل يهوديهم وغيريهوديهم من ذريّة إبراهيم وإسحاق ويعقوب (٢) .

فتأمّل أيّها المنصـف المسلم كيف ينكر الضروري والمتواتر من الكتاب والسـنّة، ولا يعبأ بإظهار هذه الكفريات، ولو كان كما قال فلماذا قال الله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٣) ، ولماذا أوجب مودّتهم في قوله سبحانه:( قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى ) (٤) ، ولماذا أوجب الصـلاة عليهـم في الصلوات (٥) ، ولماذا جعلهم شركاء القرآن في حديث

____________________

(١) ملحق الأغاني لابن منظور: ٢٩٣.

(٢) منهاج السنّة ٤: ٦٥.

(٣) سورة الأحـزاب ٣٣: ٣٣.

(٤) سورة الشـورى ٤٢: ٢٣.

(٥) مسند أحمد ١: ١٦٢ و ١٩٩، صحيح البخاري ٨: ٤٣٤/١٢٢٦، سنن النسائي ٣:٤٨، السنن الكبرى للنسائي ١:٣٨٣، ٤: ٣٩٦، المعجم الكبير للطبراني

٣٨٧

الثقلين (١) ، ولماذا جعلهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك وغرق (٢) ، ولماذا جعلهم أماناً لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء (٣) ، إلى غير ذلك ممّا هو مروي في حقّ آل رسول الله في المجاميع والمسانيد والمناقب والسنن، بل أفرد منه في التصنيف كثير لا يحصى، فابن تيميّة في هذا الكلام خالف الكتاب والسنّة المعلومة والإجماع والقياس كما هو ظاهر لكلّ مسلم.

وأيضاً فقد كثر قول رسول الله: «أنا ابن إبراهيم خليل الله» و «أنا ابن إسماعيل ذبيح الله» (٤) في مواضع لا تحصى ولا تستقصى كما لا يخفى على الخبير المحدّث، لكن ابن تيميّة من شدّة نصبه وعداوته لآل رسول الله لايدري ما يقول، حتّى يذكر في مثل المقام الذي هو في مدح الإمام الرضا ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل اليهود أبناء إبراهيم وغير اليهود، والمنصف يعلم أنّ هذا التلفظ في مثل المقام تنقيص شنيع يلزم صاحبه الكفر على كلّ حال.

____________________

١٩:١١٦، المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ١٤٨، وانظر نسيم الرياض (شرح الشفاء للقاضي عياض ) ٥: ٣ و ٨ و ٢٣.

(١) مسند أحمد ٣: ١٤ و ٥: ١٨١ ١٨٢، سنن الترمذي ٥: ٣٢٩، المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ١١٠ و ١٤٨، مجمع الزوائد ٩: ١٦٢.

(٢) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٢: ٣٤٣ و ٣: ١٥٠، وقال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. مجمع الزوائد ٩: ١٦٨.

(٣) مسند أبي يعلى الموصلي ٦: ٢٢٠/٧٥٣٩، المعجم الكبير ٧: ٢٢/٦٢٦٠، المستدرك على الصحيحين للحاكم ٢: ٤٤٨ و ٣: ١٤٩، تاريخ دمشق ٤٠: ٢٠، كنز العمّال ١٢:٩٦/٣٤١٥٥، نظم درر السمطين للزرندي: ٢٩٢.

(٤) انظر المستدرك للحاكم ٢: ٥٥٩، وفيه: «أنا ابن الذبيحين»، وعيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١: ١٦٨، وقصص الأنبياء لابن كثير: ١٦١.

٣٨٨

كما أنّه في أوّل هذه الصفحة كذّب حديث: «فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها الله وذريتها على النار» (١) ، قال: هو كذب باتّفاق أهل المعرفة بالحديث، ويظهر كذبه لغير أهل الحديث أيضاً، فإنّ سارة أحصنت فرجها ولم يحرّم الله جميع ذريّتها على النار إلى آخر سفسطته عامله الله بعدله.

مع أنّ الحديث روته الحفّاظ المهرة في الحديث، أخرجـه البزاز (٢) ، وأبويعلى (٣) ، والعقيلي (٤) ، والطبراني (٥) ، وابن شاهين (٦) ، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريّتها على النار»، وأخرجه الجلال السيوطي في إحياء الميت في الحديث الثامن والثلاثين، وذكر من خرّجه كما ذكرنا فراجع (٧) ، فكيف يكون كذباً باتّفاق أهل المعرفة بالحديث يا معاند بل يا ملحد؟!

والمتدبّر في الحديث يعرف أنّ فيه إشارة إلى ما قاله تعالى في حقّ مريم عليها‌السلام قال سبحانه وتعالى: ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَنَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ) (٨) وظاهر موضع الفاء في «فنفخنا» أنّه للتفريع فكأن

____________________

(١) فضائل فاطمة عليها‌السلام للحاكم: ٥٩/٥٢، تاريخ بغداد ٣: ٥٤/٩٩٧، تاريخ دمشق ١٤: ١٧٤، المجروحين لابن حبّان ٢: ٨٨، الموضوعات لابن الجوزي ١: ٤٢٢، ميزان الاعتدال ٣: ٢١٧/٦١٨٣، ينابيع المودّة ٢: ٩٠/١٩٢.

(٢) في مسنده البحر الزخّار ٥: ٢٢٣/١٨٢٩.

(٣) عنه في المطالب العالية ١٦: ١٨٠/٣٩٥٩، كنز العمّال ١٢: ١٠٨/٣٤٢٢٠.

(٤) ضعفاء العقيلي ٣: ١٨٤/١١٧٩.

(٥) المعجم الكبير ٢٢: ٤٠٦/١٠١٨.

(٦) فضائل فاطمة عليها‌السلام : ٢٣ ٢٦/١٠ و ١١ و ١٢.

(٧) إحياء الميّت بفضائل أهل البيت عليه‌السلام (الإتحاف بحبّ الأشراف):٢٥٧، الجامع الصغير ١: ٣٥٢/٢٣٠٩.

(٨) سورة التحريم ٦٦: ١٢.

٣٨٩

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: فكما أنّ مريم أحصنت فرجها فنفخ الله فيها من روحه ورزقها عيسى جزاء إحصانها، كذلك فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذريّتها على النار، ألا تراه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء أيضاً بالفاء، فما يورد ابن تيميّة من النقض بسارةوغيرها نقض على الله وعلى رسوله، فما يكون جوابه عن آية مريم فهوالجواب عن حديث فاطمة لكن الله أعماه وأصمّه ( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الابْصَـرُ وَلَـكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ )(١) ونعوذ بالله من العمى.

في تنقيص ابن تيميّة من الإمام الجواد بن الرضا عليهما‌السلام :

فصل: ونقص من الإمام الجواد محمّد بن علي الرضا، وأنكر من فضله ما هو أظهر من الشمس، واستدرك عليه بما فضح به نفسه وأظهر به نصبه وعداوته لأهل البيت، فها أنا ذاكر ما ذكره فليتأمّل المنصف ويحكم فيما بينه وبين ربّه.

قال في صفحة ١٢٧ من الجزء الثاني من منهاج الحشوية الذي سمّاه منهاج السنّة: فصل قال الرافضي: وكان محمّد بن عليّ الجواد على منهاج أبيه في العلم والجود والتقى، ولمّا مات أبوه الرضا شغف بحبّه المأمون لكثرة علمه ودينه ووفور عقله مع صغر سنّه، وأراد أن يزوّجه ابنته اُم الفضل، وكان قد زوّج أباه ابنته اُم حبيبه، فعظم ذلك على العبّاسيّين واستنكروه وخافوا أن يخرج الأمر منهم، وأن يبايعه كما بايع أباه، فاجتمع الأدنون منه وسألوه ترك ذلك، وقالوا: إنّه صغير السنّ لا علم عنده. فقال: أنا أعرف به منكم فإن شئتم فامتحنوه. فرضوا بذلك وجعلوا للقاضي يحيى

____________________

(١) سورة الحجّ ٢٢: ٤٦.

٣٩٠

ابن أكثم مالا كثيراً على امتحانه في مسألة يعجز فيها، فتواعدوا إلى يوم، وأحضره المأمون، وحضر القاضي وجماعة العبّاسيين، فقال القاضي: أسألك عن شيء؟ فقال: «سل» فقال: ما تقول في محرم قتل صيداً؟ فقال له: «قتله في حلّ أو حرم، عالماً أو جاهلا، مبتدئاً بقتله أم عائداً، من صغار الصيد أو من كبارها، عبداً كان المحرم أم حرّاً، صغيراً كان أم كبيراً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها» فتحيّر يحيى بن أكثم وبان العجز فيوجهه حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فقال المأمون لأهل بيته: عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه. ثمّ أقبل على الإمام فقال: أتخطب؟ فقال: «نعم» فقال: أخطب لنفسك خطبة النكاح، فخطب وعقد على خمسمائة درهم جياد مهر فاطمة عليها‌السلام ، ثمّ تزوّج بها (١) .

والجواب: أن يقال: محمّد بن عليّ الجواد كان من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء والسـؤدد ولهذا سمّي الجـواد، ومات وهـو شاب ابن خمسوعشرين سنة، ولد سنة خمس وتسعين ومائة ومات سنة عشرين أو سنة تسعة عشر، وكان المأمون زوّجه بابنته، وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم، واستقدمه المعتضد إلى بغداد ومات بها رضي‌الله‌عنه ، وأما ما ذكره فإنّه من نمط ما قبله، فإنّ الرافضة ليس لهم عقل صريح ولا نقل صحيح.

قال: فإنّ هذه الحكاية التي حكاهما عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح بها إلاّ جاهل، ويحيى بن أكثم أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيزشخص بأن يسأله عن محرم قتل صيداً، فإنّ صغار الفقهاء

____________________

(١) تفسير القمّي ١: ١٨٢، الإرشاد للمفيد ٢: ٢٨٠ ٢٨٣، الاختصاص: ٩٩، تحف العقول: ٤٥١، روضة الواعظين: ٢٣٩، دلائل الإمامة للطبري: ٣٩١، إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي ٢: ١٠٣، كشف الغمّة للإربلي ٢: ٣٥٣ ـ ٣٥٦.

٣٩١

يعلمون حكم هذه المسألة، فليست من دقائق العلم ولا غرائبه، ولا ممّا يختصّ به المبرزون في العلم (١) .

أقول: قوله: «واستقدمه المعتضد إلى بغداد» مغلط باتّفاق أهل العلم إنّمااستقدمه المعتصم بن هارون (٢) .

وأمّا قوله: «فإنّه من نمط ما قبله» فلم يذكر ابن المطهّر إلاّ ما ذكره الأئمّة في الحديث، فقد أخرجوا القصّة بالأسانيد الصحيحة:

منهم: الشيخ حجّة الدين أبو إبراهيم محمّد بن محمّد بن ظفر الصقليّ المالكي (٣) المتوفّي بحماة سنة ٥٦٥ في كتابه أنباء نجباء الأبناء عن الريّان بن شبيب خال المعتصم بطولها، وقد طبع كتاب أنباء نجباء الأبناء المذكور فارجع إلى آخر صفحة ٥٨ (٤) .

وكتب أهل السنّة مملوءة بمناقب أبي جعفر محمّد بن عليّ الجواد عليه‌السلام ، ذكرها أهل الحديث والتواريخ.

قال سبط بن الجوزي في الفصل الذي عقده لترجمة الإمام الجواد ما لفظه بحروفه: وكان على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود (٥) .

وقال ابن حجر في الصواعق: فلم يزل المأمون مشفقاً به لما ظهر له

____________________

(١) منهاج السنّة ٤: ٦٦ ٦٩.

(٢) الإرشاد للمفيد ٢: ٢٨٩، وفيات الأعيان ٤: ٣٠/٥٦١، تاريخ بغداد ٣: ٥٤/٩٩٧، مرآة الجنان ٢ : ٨٠ ٨١، شذرات الذهب ٢: ٤٨، الأعلام ٦: ٢٧١.

(٣) شمس الدين محمّد بن عبد الله بن محمّد بن ظفر الصقليّ المكيّ، المنعوت بحجّة الدين، أحد الاُدباء الفضلاء، تنقّل في البلاد، ولد سنة ٤٩٧ هـ وتوفّي سنة ٥٦٥ هـ. وفيات الأعيان لابن خلكان ٤: ١٩٣/٦٦٢.

(٤) أنباء نجباء الأبناء: ٥٨ ٦٠.

(٥) تذكرة الخواص: ٣٢١.

٣٩٢

من فضله وعلمه وكمال عظمته وظهور برهانه مع صغر سنّه (١) .

وقال المحدّث الشيخ ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة: وأحسن إليه يعني المأمون وقرّبه وبالغ في إكرامه وإجلاله وإعظامه، ولم يزل مشفقاً به لما ظهر له من بركاته ومكاشفاته وكراماته، إلى آخر كلامه (٢) .

وقال الفاضل الشبراوي في الإتحاف عند ذكره للإمام الجواد ما لفظه: وكراماته رضي‌الله‌عنه كثيرة، ومناقبه شهيرة.

وذكر له منقبة عجيبة مع المأمون قال: وقال المأمون: أنت ابن الرضا حقّاً ومن بيت المصطفى صدقاً، وأخذه معه، وأحسن إليه، وقرّبه وبالغ في إكرامه وإجلاله وإعظامه، ولم يزل مقبلا عليه لما ظهر له أيضاً بعد ذلك من بركاته ومكاشفاته وكراماته، إلى آخره (٣) .

وقال مؤمن الشبلنجي في كتابه نور الأبصار: وقرّبه المأمون، وبالغ في إكرامه، ولم يزل مشغوفاً به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عقله وظهور برهانه مع صغر سنّه (٤) .

أقول: هل قال ابن المطهّر غير بعض هذا.

وأمّا قوله: فإن هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب...

فقد أخرج ابن الصبّاغ في الفصول المهمّة، وابن حجر في الصواعق، والشبراوي في الإتحاف، والشبلنجي في نور الأبصار،

____________________

(١) الصواعق المحرقة ٢: ٥٩٧.

(٢) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة: ٢٦٧.

(٣) الإتحاف بحبّ الأشراف: .١٧ ١٧٦.

(٤) نور الأبصار في مناقب آل النبيّ المختار عليه‌السلام : ١٧٧.

٣٩٣

وغيرهم (١) ، ما يشهد بصحّتها ووقوعها، قالوا جميعاً واللفظ لابن حجر: وعزم المأمون على تزويجه بابنته اُم الفضل وصمّم على ذلك، فمنعه العبّاسيون من ذلك خوفاً من أنّه يعهد إليه كما عهد إلى أبيه، فلمّا ذكرهم أنّه إنّما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل علماً ومعرفةً وحلماً مع صغر سنّه، فنازعوا في اتّصاف محمّد بذلك، ثمّ تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره، فأرسلوا إليه يحيى بن أكثم ووعدوه بشيء كثير إن قطع لهم محمّداً، فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواص الدولة، فأمر المأمون بفرش حسن لمحمّد فجلس عليه، فسأله يحيى مسائل أجابه عنها بأحسن جواب وأوضحه، فقال له الخليفة: أحسنت يا أبا جعفر، فإن أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة، فقال له: «ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أوّل النهار حراماً، ثمّ حلّت له ارتفاعه، ثم حرمت عليه عند الظهر، ثمّ حلّت له عند العصر، ثمّ حرمت عليه عند المغرب، ثمّ حلّت له العشاء، ثمّ حرمت عليه نصف الليل، ثمّ حلت له الفجر؟» فقال يحيى: لا أدري. فقال محمّد: «هي أمة نظرها أجنبي بشهوة وهي حرام، ثمّ اشتراها ارتفاع النهار، فأعتقها الظهر، وتزوّجها العصر، وظاهرها منها المغرب، وكفّر العشاء، وطلّقها رجعيّاً نصف الليل، وراجعها الفجر»..

فعند ذلك قال المأمون للعبّاسيين: قد عرفتم ما كنتم تنكرون، ثمّ زوّجه في ذلك المجلس بنته اُم الفضل (٢) .

أقول: قد اختصرها الحافظ ابن حجر، وما ذكره غيره ممّن ذكرناه

____________________

(١) الفصول المهمّة: ٢٦٧ ـ ٢٧٠، الإتحاف بحبّ الأشراف: ١٧١ ١٧٤، نور الأبصار: ١٧٧ ١٧٨ ، ينابيع المودّة ٣: ١٢٤ ـ ١٢٧، ملحقات إحقاق الحقّ ١٩: ٥٨٦.

(٢) الصواعق المحرقة ٢: ٥٩٧ ٥٩٨.

٣٩٤

أطول، فيه تفصيل خطبة النكاح، وما صنعه المأمون في ذلك اليوم، وكذلك ممّا كان مسألة ابن أكثم من الجواد عليه‌السلام ، وما أجابه به.

قال الشيخ شمس الدين محمّد بن محمّد بن ظفر الصقلي في كتاب أنباء نجباء الأبناء ـبعد ما ذكر جملة من الأحاديث في فضل الحسن والحسين عليهما‌السلام قال ما لفطه: وهذا صبح لا يحجب فلقه، وسابح لا يستوعب طلقه، ولا معد بالسيادة عن رضيعي ثدي التقى، وربيبي حجر الهدى، وكلّ فضيلة فإلى أرومتها انتسابها، وعن جرثومتها عرضها واحتسابها، ولو وقفت كتابي هذا على ربوع نجابتهما ما تلبثت بها إلاّ يسيراً حتّى يسقط حسيراً، كماأ نّي لو وكلته بتسمية نجباء المقدّسين بولادتهما المقتبسين من سيادتهما من غير إلمام بذكر مناقبهم التي كثرت نجوم الرقيع وعرقد البقيع لم أقض في ذلك نحباً ، بل لم يأت على بعضه إلاّ سحباً.

ألا تسمع ما روي عن الريّان بن شبيب خال المعتصم أنّه قال: لمّا عزم المأمون على أن يزوّج ابنته اُم الفضل أبا جعفر محمّد بن علي عليه‌السلام اجتمع إليه أهله، فقالوا له: يا أمير المؤمنين أما كان في أهلك من تعدل عليه في كريمتك عن هذا الغلام الطالبيّ؟

فقال المأمون: هو بها أولى ولست أصغي إلى لوم لائم فيه.

فقالوا: يا أمير المؤمنين إنّه غلام غر، فلو أخّرت نكاحه حتّى يتفقّه في الدين ويستبصر في الأدب.

فقال: إنّه أفقه منكم، وأعلم بكتاب الله وسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأرسخ بالنظر في الحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والظاهر والباطن، والعام والخاص، فاسألوه لتعلموا حقيقة رأيي فيه.

٣٩٥

فخرجوا من عنده فقصدوا يحيى بن أكثم فأخبروه الخبر وسألوه أن يتولى مسألته ويحرص على إفحامه. قال لهم يحيى: لقد اختلفتم لغير مهم وماأمر صبي لعلّه أن لا يتجاوز سنّه عشر سنين؟

فقالوا له: إنّ أمره لعظيم عند أمير المؤمنين.

فقال لهم: سترون.

فلمّااجتمعوا للتزويج وحضر أبو جعفر عليه‌السلام قال العبّاسيون للمأمون: يا أميرالمؤمنين هذا القاضي يسأل أبا جعفر إن أردت.

قال: اسـأله.

فقال يحيى: ما تقول يا أبا جعفر في محرم قتل صيداً؟

قال أبو جعفر: «في حلّ أم حرام؟ عالماً أو جاهلا؟ عمداً أو خطأً؟ أكان عبداً أم حرّاً؟ أو صغيراً أو كبيراً؟ أكان الصيد طائراً أو وحشيّاً؟ أمن صغارالصيد أم كبارها؟ أبليل في مأواها أم في نهار بمسرحها؟ أمحرماً بالحجّ أم بالعمرة؟». فانقطع يحيى.

فقال المأمون أتخطب يا أبا جعفر؟

قال: «نعم يا أمير المؤمنين».

فقال المأمون: الحمد لله إقراراً بنعمته، ولا إله إلاّ الله إخلاصاً لعظمته، وصلّى الله على محمّد وعلى آله عند ذكره، أما بعد فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام وقال: ( وَأَنكِحُواْ الايَـمَى مِنكُمْ ) (١) الآية، ثمّ إنّ محمّد بن علي خطب اُم الفضل بنت عبد الله، وبذل

____________________

(١) سورة النور ٢٤ : ٣٢ .

٣٩٦

لها من الصداق خمسمائة درهم، وقد زوّجته فهل قبلت يا أبا جعفر؟ فقال: «نعم قبلت هذا التزويج بهذا الصداق». ثمّ إنّ المأمون حضر وأولم، وحضر الناس على مراتبهم .

قال الريّان: فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كلاماً كأنّه كلام الملاحين في عملهم، فإذا الخدم يجرّون سفينة من فضّة فيها عانية قد ملأتها نسائج من إبريسم مكان الفلوس، فخضبوا بالغالية لحى الخاصّة، ثمّ مدّوها إلى دار العامة وطيّبوها، فلمّا تفرّقوا قال المأمون لأبي جعفر عليه‌السلام : بيّن لنا الفتيا في التقسيم الذي قسّمته.

قال: «نعم، إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ، والصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه جمل قد فطم وليس عليه قيمته; لأنّه ليس في الحرم، وإذا قتله فى الحرم فعليه الجمل وقيمته; لأنه في الحرم، وإن كان من الوحش فعليه في حمار الوحش بدنة، وكذلك في النعامة، فإن لم يقدر فإطعام ستّين مسكيناً، فإن لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوماً، وإن كان بقرة فعليه بقرة، فإن لم يقدر فليطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يقدر فليصم تسعة أيّام، وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن لم يقدر فعليه إطعام عشرة مساكين، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيّام، فإن كان في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة واجباً عليه، وإن كان في حجٍّ نحره بمنى، وإن كان في عمرة نحره بمكة وتصدّق بمثل ثمنه ليتضاعف عليه الجزاء، وكذلك إذا أصاب أرنباً أو ثعلباً فعليه شاة، ويتصدّق إذا قتل الحمامة بعد الشاة بدرهم أو يشتري به طعاماً للحمام الحرميّة، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم، وكلّ ما أتى به العبد فكفّارته على سيده مثل ما يلزم السيّد، وكلّ ما أتى به الصغير الغير بالغ فلا شيء عليه، فإن كان ممّن عاد فينتقم الله منه ليس عليه

٣٩٧

كفّارة والنقمة بالآخرة، وإن دلّ على الصيد وهو محرم فقتل فعليه الفداء، وإذا أصابه في وكره أو مأواه ليلا خطأً فلا شيء عليه إلاّ أن يتصدّق، فإن تصيّد في ليل أو نهار فعليه الفداء بمنى حيث ينحر الناس، والمحرم بالعمرة ينحره بمكّة».

فأمر المأمون بأن يكتب ذلك كلّه عنده، ثمّ قرأه عليهم وقال لهم: هل فيكم من يجيب بمثل هذا؟ فاعترفوا بفضله فقالوا: أمير المؤمنين أعلم ومن أقرّالله به هديه عين مصطفاه فقد بلغ من السؤدد منتهاه، مع أنّه قد بلغ من السيادة ممّا لا يمكن عليه زيادة، وأين موقع الإطناب في هذا الباب من قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة إلاّ ابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما‌السلام » (١) فهذه النجابة المؤيّدة والسيادة المؤبّدة، انتهى ما في كتاب أنباء نجباء الأبناء لابن ظفر الصقلي المكّي (٢) .

وذكره في الإرشاد لمّا ذكر القصّة قال: فقال يحيى بن أكثم للمأمون: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك. فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي ـ جعلت فداك في مسألة؟ قال له أبو جعفر عليه‌السلام : «سل إن شئت». قال يحيى: ما تقول ـجعلني الله فداك في محرم قتل صيداً؟

فقال له أبو جعفر: «قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أم

____________________

(١) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ١٢٣، وفضائل الصحابة للنسائي: ٢٠، السنن الكبرى للنسائي ٥: ٥٠/٨١٧٩ و١٤٥/٨٥٢٨، صحيح ابن حبّان ١٥: ٤١٢، المعجم الكبير للطبراني ٣: ٣٨/٢٦١٠، ذخائر العقبى: ١٣٩، المستدرك للحاكم ٣:١٦٦، مجمع الزوائد ٩: ١٨٢، تاريخ دمشق ٦٤: ١٩١/١٣١٠٧ ١٣١١١.

(٢) أنباء نجباء الأبناء للصقلي: ٥٨ ٦٢.

٣٩٨

جاهلا؟ قتله عمداً أو خطأً؟ حّراً كان المحرم أم عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد كان أم من كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟» فتحيّر ابن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع...

إلى أن قال المأمون لأبي جعفر: إن رأيت أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيد; لنعلمه ونستفيده.

فقال أبو جعفر عليه‌السلام : «نعم، إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ وكان الصيدمن ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، فإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، وإن كان من الوحوش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحجّ نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة».

فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك. فقال أبو جعفر ليحيى: «أسألك؟» قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلاّ استفدته

٣٩٩

منك. فقال له أبو جعفر: «أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة» إلى آخر ما تقدّم ذكره (١) .

وقد أشار ابن الجوزي إلى هذا الحديث وطوله (٢) ، وقد أخذ ابن المطّهر موضع السؤال والتقسيم، فكيف يكون هذا الحديث الشريف الذي روته العلماء واعتمده الفضلاء، وهو من أكبر ما يدلّ على أنّ علم محمّد الجواد من علم آبائه وأجداده الذي لا ينزف من الأكاذيب التي لا يفرح بها إلاّ جاهل، وقد فرح به العلماء وذكروه في مناقبه، وفرح به المأمون وهو من أهل الفضل، وفرح به ابن أكثم وهو قاضي المسلين؟! لكن ابن تيميّة لشدّة بغضه لأهل البيت عليه‌السلام وحبّه الجاه والرئاسة يعمي على العامة، ولا يعبأ بالفضيحة عندالعلماء ، فإنّ كلّ من عرف العلم عرف أنّ هذا المجلس والسؤال والجواب ممّن عمره سبع سنين (٣) أو تسع (٤) أو أحد عشر سنة (٥) على اختلاف الروايات من أعظم الكرامات بحيث لو كان هذا مقروناً بدعوى الإمامة لكان برهاناً قاطعاً.

والعجب بعد هذا من ابن تيميّة حيث قال: ويحيى بن أكثم أفقه وأعلموأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن محرم قتل صيداً (٦) ،إلى آخره .

ولم يلتفت ابن تيميّة إلى أنّ هذا السؤال من ابن أكثم كان مقدّمة

____________________

(١) الإرشاد للشيخ المفيد ٢: ٢٨٣، وانظر من ص: ٢٧٨ إلى ص: ٢٧٩.

(٢) تذكرة الخواص: ٣٢١.

(٣) الإرشاد للشيخ المفيد ٢: ٢٧١.

(٤) الفصول المهمّة: ٢٦٦، الإتحاف بحبّ الأشراف: ١٦٩، ينابيع المودّة ٣: ١٢٤.

(٥) ذكره الشيخ البهائي في مفتاح الفلاح: ٤٨٦، وفيه قول آخر: عشر سنين.

(٦) منهاج السنّة النبويّة ٤: ٦٩.

٤٠٠