البراهين الجليّة - ج ١

السيّد حسن الصدر

البراهين الجليّة - ج ١

المؤلف:

السيّد حسن الصدر


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: الوفاء
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-319-628-8
ISBN الدورة:
978-964-319-628-9

الصفحات: ٤١٦

فأثبت لهما رضي الله عنهما الأقوال المتناقضة صريحاً.

وقال في رسالة الفرقان في صفحة ٨٤وصفحة ٨٥: وعمر لمّا كان يعتقد أنّ النبيّ لم يمت ولكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى (١) ، وأنّه لايموت حتّى يموت أصحابه، لم يكن هذا قادحاً في إيمانه، وإنّما كان غلطاً ورجع عنه (٢) .انتهى .

أقول: وإلى هذا وأمثاله أشار ابن تيميّة بقوله: إنّ عمر له غلطات وبليّات وأي بليّات على ما نقله الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة في ترجمة ابن تيميّة (٣) .

وقال في صفحة ٤٨من رسالة الفرقان: فصل: وكلّ من خالف ما جاء به الرسول لم يكن عنده علم بذلك ولا عدل بل لا يكون عنده إلاّ جهل وظلم.

إلى أن قال: فكلّ ما خالف حكم الله ورسوله فإمّا شرع منسوخ وإمّا شرع مبدّل.

قال: لكن هذا وهذا قد يقعان في خفي الاُمور ودقيقها.

قال: كما وقع مثل ذلك من بعض الصحابة في مسائل الطلاق والفرائض ونحو ذلك (٤) . انتهى.

أقول: يريد «في مسائل الطلاق» عمر; لحديث أبي الصهباء (٥) .

____________________

(١) فى الملل والنحل ١ : ١٥ : قال عمر بن الخطّاب : من قال إنّ محمّداً مات قتلته بسيفي هذا، وإنّما رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم عليه‌السلام .

(٢) مجموعة الفتاوى ١٣: ٦١.

(٣) انظر الدرر الكامنة ١: ٩٢ لم نعثر فيه على نص العبارة وتقدّم في الصفحة: ٢٥٧ ذيل رقم ٣ عن الفتاوى الحديثية.

(٤) انظر مجوعة الفتاوى ١٣: ٣٨.

(٥) صحيح مسلم ٢: ١٠٩٩/١٦ و ١٧، وسنن أبي داوُد ٢: ٢٦١/٢١٩٩ و ٢٢٠٠.

٢٦١

وقال في صفحة ١٢٧ من الجزء الثالث من منهاج السنّة ما لفظه: وقد جمع الناس الأقضية والفتاوي المنقولة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فوجدوا أصوبها وأدلّها على علم صاحبها اُمور أبي بكر، ثمّ عمر، ولهذا كان مايوجد من الاُمور التي وجد نصّ يخالفهما عن عمر أقلّ ممّا وجد عن علي، وأمّا أبو بكر فلا يكاد يوجد نصّ يخالفه (١) . انتهى.

فأثبت مخالفة النصّ لعمر وعلي وعثمان بل ولأبي بكر في غير هذا الكتاب، فإنّه ذكر أنّ أبا بكر أمر بتحريق اللوطي والنصّ أن يقتل (٢) في صفحة٤٦ من كتاب السياسة الشرعيّة (٣) المطبوع بمصر.

وفي صفحة ٢٠ ذكر أنّ عمر شاطر من عماله من كان له فضل ودين لايتهم بخيانة (٤) .

وقال في صفحة ٢٢أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقدّم ذوي الحاجات، كما قدّمهم في مال بني النضير، وقال عمر بن الخطّاب: ليس أحد أحقّ بهذا المال من أحد إنّما هو: الرجل وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل فحاجته، فجعلهم عمر أربعة أقسام (٥) .

____________________

(١) منهاج السنّة ٥: ٥٠٨.

(٢) المغني لابن قدامة ١٠: ١٥٦، تفسير القرطبي ٧:٢٤٤، أحكام القرآن لابن العربي ٣:٥١٥، ملحقات إحقاق الحق للسيد المرعشي ١٧: ٤٤٦.

(٣) السياسة الشرعية: ٩٠، ومجموعة الفتاوى ٢٨: ١٨٥.

(٤) السياسة الشرعية: ٤٠، ومجموعة الفتاوى ٢٨: ١٥٧، وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ٣٠٧ و ٢٨٢، تاريخ الخلفاء السيوطي: ١٤١.

(٥) السياسة الشرعية: ٤٥، ومجموعة الفتاوى ٢٨: ١٦٠، وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ٢٨٢، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٣١٢، تفسير السمرقندي ٣: ٣٤٤.، تفسير أبي السعود ٨: ٢٢٩، تفسير القمي ٢: ٣٦٠، مجمع البيان ٥: ٢٦٢.

٢٦٢

وفي صفحة ٤٧قال: وقد كان عمر لمّا كثر الشرب زاد فيه النفي وحلق الرأس مبالغة في الزجر عنه (١) . فتأمّل.

وقال في صفحة ٦٤: وقد قال عمر بن الخطّاب: احترسوا من الناس بسوء الظنّ (٢) ، فهذا أمر عمر، مع أنّه لا يجوز عقوبة الحاكم بسوء الظنّ (٣) .

وفي صفحة ٨ قال: وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر عنه أنّه كان له فيها هوى فلم يعزله أبو بكر من أجلها بل عتّبه عليها (٤) . يعني: خالد بن الوليد.

وذكر في صفحة ٢١٧ من الجزء الرابع من منهاج السنّة أنّ قول علي في خمس وعشرين [خمس] (٥) شياه خلاف النصوص المتواترة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٦) .

ثمّ قال: وقول عليّ في الجـدّ لم يقل به أحـد من العلماء إلاّ ابن أبي ليلى (٧) .

ثمّ قال: وقد جمع الشافعي ومحمّد بن نصر المروزي (٨) كتاباً كبيراً

____________________

(١) السياسة الشرعية: ٩٢، ومجموعة الفتاوى ٢٨: ١٨٦، وانظر الطبقات الكبرى ٣:٢٩٩، مسند أحمد ١: ٤٢، تاريخ الطبري ٣: ٢٧٩.

(٢) المعجم الأوسط للطبراني ١: ٣٥٥/٦٠٢، السنن الكبرى للبيهقي ١٠: ١٢٩، مجمع الزوائد للهيثمي ٨: ٨٩، وقد ورد عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٣) السياسة الشرعية: ١٢٢، مجموعة الفتاوى ٢٨: ٢٠٥.

(٤) السياسة الشرعية: ١٨، ومجموعة الفتاوى ٢٨: ١٤٤، وانظر فوات الوفيات ٣: ٢٣٤، وفيات الأعيان ٥: ٩ ١٥، الكامل لابن الأثير ٢: ٣٥٨.

(٥) الزيادة من المصدر.

(٦) الاُمّ ٧: ١٧٠، السنن الكبرى للبيهقي ٤: ٩٢، المصنّف لابن أبي شيبة ٢:٣٥٩/ ٩٨٨٩.

(٧) انظر المغني لابن قدامة ٧: ٦٥ ٦٨/٤٨٦٧، الاُم للشافعي ٧: ١٧٩.

(٨) أبو عبد الله المروزي أحد فقهاء العامّة المشهورين، صاحب التصانيف الكثيرة، ولد

٢٦٣

فيما لم يأخذ به المسلمون من قول عليّ (١) ; لكون قول غيره من الصحابة أتبع للكتاب والسنّة، وكان المرجوح من قوله أكثر من المرجوح من قول أبي بكر وعمر وعثمان (٢) . انتهى موضع الحاجة.

النوع الخامس : من الأنواع المكفّرة لأحمد بن تيميّة ورميه له انحرافه من عليّ عليه‌السلام ، وقد صحّ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «عليّ باب حطّة من دخل منه كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً».

أخرجه الدارقطني في الإفراد (٣) .

ورواه العلاّمة ابن حجر في الصواعق، وهو الحديث الرابع والثلاثون من الأربعين حديث التي رواها في فضل عليّ عليه‌السلام (٤) .

ورواه مجدّد دين السنّة في المائة التاسعة العلاّمة جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير (٥) الذي نصّ في أوّله على ما هذا لفظه: وبالغت في تحرير التخريج، فتركت القشر وأخذت اللباب، وصنته عمّا تفرد به وضّاع أو كذّاب، ففاق بذلك الكتب المؤلّفة في هذا النوع كالفائق والشهاب (٦) .

____________________

ببغداد، ونشأ بنيسابور، واستوطن سمرقند، توفّي سنة ٢٩٤ هـ. تاريخ بغداد ٣:٣١٥، سير أعلام النبلاء ١٤: ٣٣/١٣، الوافي بالوفيات ٥: ١١١/٢١٢.

(١) انظر : الأم للشافعي ٧ : ١٦٣ ـ ١٩٠.

(٢) منهاج السنّة ٨: ٢٨١.

(٣) انظر الافراد ٣: ٢٩٣.

(٤) الصواعق المحرقة ٢: ٣٦٦ مؤسّسة الرسالة.

(٥) الجامع الصغير: ٢ : ١٧٧ / ٥٥٩٢.

(٦) الجامع الصغير ١: ٥، وقال المناوي في فيض القدير ١: ٢٢: الشهاب بكسر

٢٦٤

وأخرج الديلمي عن ابن عمر عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «عليّ باب حطّة فمن دخل منه كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً» (١) .

ورواه البدخشاني (٢) في مفتاح النجاة (٣) .

أمّا إثبات الصغرى على ابن تيميّة وخروجه عن باب حطّة بنصّ ابن تيميّة على موجب ذلك، فإنّه شنّع على عليّ بالخطأ في مسائل كثيرة، ونسبه إلى الجهل فيها، وإلى مخالفة النصّ، وإلى عدم اتّباع السنّة، وإلى مخالفة النصّ المتواتر، وخطّأه في حروبه بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صفّين والجمل، وأنّه قتل المسلمين على الولاية والرئاسة لا الديانة، وشنّع عليه بفساد الرأي في خلافته، وبحبّ الرئاسة، وأنّ خلافته لم يحصل للمسلمين فيها إلاّ الشرّ والفتنة في دينهم ودنياهم، وأنّه كان آذى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفاطمة، وأنّه احتجّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقدر والجبر، وأنّ في إيمانه قولان لأنّه آمن حال صباه، وأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذمّ مصاهرته، وأنّه ردّ أمر الله وكره ما رضي به الله وسخط حكم الله، وأنّه صدر منه ذنوب اقتضت أن

____________________

أوّله للقاضي أبي عبد الله محمّد بن سلامة القضاعي المصري... وقال أيضاً: والظاهر أنّ مراده بالفائق الفائق في اللفظ الرائق تأليف ابن غنام.

(١) فردوس الأخبار ٣: ٦٤/٤١٧٩.

(٢) الحافظ العلاّمة الميرزا محمّد بن معتمد خان البدخشاني الحارثي، من أكابر علماء العامة في القرن الثانى عشر، كان حيّاً سنة ١١٢٦ هـ. انظر الغدير ١: ١٤٣، خلاصة عبقات الأنوار ١: ٢٧، حديث الثقلين نجم الدين العسكري: ١٢٤، وفيه المتوفى سنة ١٢٠٠ هـ، مجلّة تراثنا ٢٦: ١٧.

(٣) عنه في نفحات الأزهار ١٠: ٢٩٥، وانظر المعجم الصغير للطبراني ١: ١٤٠، ميزان الاعتدال ١: ٥٣٢/١٩٨٦، كنز العمال ١١: ٦٠٣/٣٢٩١٠، ينابيع المودّة ٢:٩٦/٢٣٢.

٢٦٥

يكفّره بها الخوارج، وذكر خلافته وذمّها، وشنّع عليه بخروجه عن المدينة وأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «إنّ المدينة تنفى خَبَثها» (١) ، وأنّه استحلّ دماء المسلمين وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رئاسته وقد قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢) ، وقال: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣) ، وذكر أنّه كان مخذولا لأنّ قتاله لم يكن لله، إلى غير ذلك ممّا ستقف عليه تفصيلا.

فقد قال في الجزء الرابع من منهاجـه الذي سمّاه منهاج السنّة في صفحة ٢١٨ ما لفظه: وأمّا إسـلام عليّ فهل يكون مخرجـاً من الكفر؟ على قولين مشهورين ، ومذهب الشـافعي (٤) أنّ إسلام الصبي غير مخرج له من الكفر (٥) .

أقول: أوّلا: إنّ ذكر عليّ والأئمة من ولده: بالمكروه أذيّة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومؤذيه كافر بالاتّفاق، والكافر يقتل.

____________________

(١) مسند أحمد ٣: ٣٠٦، مسند أبي داوُد الطيالسي: ٢٣٨/١٧١٤، أُصول السرخسي ١:٣١٤، القواعد والفوائد للشهيد الأول ٢: ١٢٠، فتح الباري ١: ٢٦٩.

(٢) مسند أحمد ١: ٣٨٥، صحيح البخاري ١: ٨٧/٤٧ الباب ٣٧، سنن ابن ماجة ١:٢٧/٦٩ و ٢: ١٢٩٩/٣٩٣٩، سنن الترمذي ٣: ٢٣٨/٢٠٤٩، سنن النسائي ٧: ١٢١.

(٣) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٠٠/٣٩٤٢، سنن أبي داوُد ٤: ٢٢١/٤٦٨٦، سنن الترمذي ٣: ٣٢٩/ ٢٢٨٩.

(٤) شرح السير الكبير للسرخسي ١: ٢٠٢، تفسير الرازي ١١: ٤، كشف المراد للعلاّمة الحلّي: ٣٨٨. مجموع النووي ١٩: ٢٢٣، الشرح الكبير لابن قدامة ١٠: ٨٣.

(٥) منهاج السنّة ٨: ٢٨٦.

٢٦٦

قال العلاّمة الأجهوري (١) نقلا عن التلمساني (٢) في حاشيته على الشفا في الفصل السادس والعشرين من أبواب المعجزات: إنّ أبا طالب حمى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله وفعله، وفي ذكره بالمكروه أذيّة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومؤذيه كافر، والكافر يقتل، وكذا القول في أبويه صلوات الله عليهم (٣) .

وقال التلمساني في حاشيته على الشفا عند ذكر أبي طالب عليه‌السلام : قيل: إنّه أسلم، والأكثر أنّه لم يسلم، ولا ينبغي ذكره إلاّ في حماية النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّه حماه ونصره بقوله وفعله، وفي ذكره بالمكروه أذيّة له، ومؤذيه كافر، والكافر يقتل (٤) .

وروى الطبراني والبيهقي: أنّ بنت أبي لهب ـواسمها سبيعة وقيل: درّة قدمت المدينة مسلمة مهاجرة، فقال عمر: لا تغني عنك هجرتك أنت بنت حطب النار. فتأذّت من ذلك فذكرته للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاشتدّ غضبه، ثمّ قام على المنبر فقال: «ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي، مَن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عزّوجلّ» (٥) .

____________________

(١) عطيّة بن عطيّة البرهاني القاهري المصري الضرير، من كبار الشافعيّة: ولد بأجهور الورد من قرى مصر، قدم القاهرة وأخذ من علمائها، ثمّ تصدّى للتدريس والتأليف، توفّي سنة ١١٩٠ هـ. الأعلام للزركلي ٤: ٢٣٨، معجم المؤلّفين ٦: ٢٨٧.

(٢) أبو العبّاس أحمد بن محمّد، المعروف بالمقرئ التلمساني، ولد ونشأ بالمغرب، وانتقل إلى فاس ثمّ إلى القاهرة، وتنقل في الديار المصريّة والشاميّة والحجازيّة، ومن مؤلّفاته نفح الطيب في غصن الاُندلس الرطيب، توفّي في مصر سنة ١٠٤٠ هـ. الأعلام للزركلي ١: ٢٣٧.

(٣و٤) انظر أسنى المطالب في نجاة أبي طالب عليه‌السلام لزيني دحلان: ١١٢، وملحقات إحقاق الحق للمرعشي رحمه‌الله ٢٩: ٦١١.

(٥) المعجم الكبير ٢٤: ٢٥٨/٦٦٠، أُسد الغابة ٧: ١٣٩/٦٩٨٢، ذخائر العقبى: ١٧، نظم درر السمطين للزرندي: ٢٣٣، وانظر ملحقات إحقاق الحقّ ٢٤: ٣٢٤.

٢٦٧

وفي الصواعق المحرقة لابن حجر: «من آذى علياً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله» (١) .

وأي أذيّة أعظم من تنقيصات ابن تيميُّة الناصب العداوة لعليّ والأئمّة من ولده؟! يرمي عليّاً بكلّ عظيمة، ويستنقص الأئمّة من أولاده، كما تقدّم ويأتي تفصيلا نصّ لفظه في التنقيص بكلّ واحد واحد منهم عليهم السلام إن شاء الله تعالى، فهو من أشدّ الناس إيذاءً لرسول الله صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين.

أقول ثانياً: قوله: وأمّا إسلام عليّ فهل يكون مخرجاً له من الكفر؟ على قولين ، إلى آخره.

نصّ في شكّ في إيمان عليّ، أو ترجيح لعدم إيمانه بقرينة ما نقله عن الشافعيّ في إسلام الصبي، وعلى أي حال فهو ردّ للمعوّل عليه ضرورة من قول الله في القرآن (٢) ورسوله من إيمان علي وطهارته (٣) .

وأيضاً وهو تنقيص من عليّ وتنقيصه كفر بإجماع المذاهب الأربعة.

وأيضاً هو إيذاء لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; لأنّ تنقيص أهل بيته إيذاء له (٤) .

وأيضاً وهو سبّ من عليّ وقد صحّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من سبّك فقد

____________________

(١) الصواعق المحرقة: ٢٠٣، وانظر أيضاً تاريخ البخاري ٦: ١٣٢/٨٥٥٣، المعيار والموازنة: ٢٢٤، الجوهرة في نسب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه ٢: ١٥، تاريخ دمشق ٤٢: ٢٠٤.

(٢) كآية الولاية المائدة: ٥٥، وآية التبليغ المائدة: ٦٧، وآية التطهير الأحزاب: ٣٣. وغيرها.

(٣) مسند أحمد ١: ١١١، تاريخ الطبري ٢: ٣١٩/٣٢١، شرح النهج لابن أبي الحديد ١٣: ٢١٠، شرح معاني الأخبار لأحمد بن محمّد بن سلمة ٤: ٣٨٧ حديث المنزلة، صحيح البخاري ٥: ٨١/٢٢٥، صحيح مسلم ٤: ١٨٧١/٣٢، مستدرك الحاكم ٣:٣٣٧، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ٤٣ ٤٤.

(٤) مسند أحمد ٦: ٣٢٣، المستدرك للحاكم ٣: ١٢١، ذخائر العقبى: ٦٦، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة ٢: ١١٧٩، الصواعق المحرقة ١: ١٤٩.

٢٦٨

سبّني» (١) رواه الصدّيق عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكلّ هذه العناوين فيها آيات قرآنيّة وروايات في الصحاح بيّنة يشهد بكفر صاحبيها.

وأنا أسرد عليك تنقيصات هذا المحروم من عليّ رضي‌الله‌عنه حتّى ينتهي نصبه ونفاقه عندك إلى البداهة:

قال في صفحة ١٤٤ من الجزء الأوّل من منهاج السنّة: أمّا تصويب القتال فليس هو قول أئمّة السنّة، بل هم يقولون: إنّ تركه كان أولى (٢) ، وطائفة رابعة تجعل عليّاً هو الإمام (٣) ، وكان مجتهداً مصيباً في القتال، ومَن قاتله كانوا مجتهدين مخطئين، وهذا قول كثير من أهل الكلام والرأي من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم (٤) .

إلى أن قال: والمقصود أنّ الخلاف في خلافة عليّ وحروبه كثيرة مشتهرة بين الخلف والسلف (٥) .

إلى أن قال: وخلافة عليّ لم يقاتل فيها كافر ولا فتح مصر، وإنّما

____________________

(١) مسند أحمد ٦ : ٣٢٣ ، محمّد بن سليمان الكوفي في مناقب أمير المؤمنين ٢ : ٥٩٨/١١٠١ ، مناقب ابن المغازلي : ٣٩٤/٤٤٧ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٣٣ ، المستدرك للحاكم ٣ : ١٢١ ، مجمع الزوائد ٩ : ١٣٠ ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : ٩٩ ، جزء الحميري على محمّد الجميري : ٢٨ ، نظم درر السمطين : ١٠٥ ، الجامع الصغير ٢ : ٦٠٨ / ٨٧٣٦ ، كنز العمال ١١ : ٥٧٣ .

(٢و٣) فرق الشيعة: ٥، المقالات والفرق: ٤، المغني للقاضي عبد الجبار: ٣٠ الإمامة القسم الثاني: ٧٣ ـ ٧٩، الجمل (مصنّفات المفيد ١): ٥٤، الفصل في الملل والأهواء ٣: ٧٨، مناقب ابن شهرآشوب ٣: ٢١٦، بحار الأنوار ٣٢: ٣٢٠/٢٩٢، فتح الباري ١: ٤٣١ فراجع أنّه عليه السلام كان مصيباً في حروبه.

(٤) منهاج السنّة ١: ٥٣٨ ٥٣٩.

(٥) نفس المصدر ١: ٥٤٥.

٢٦٩

كان السيف بين أهل القبلة (١) . انتهى.

وهذا طعن في عليّ، والطعن فيه يوجب الكفر كما في كتاب الصحائف في علم الكلام (٢) في الفصل الثالث لشمس الدين محمّد السمرقندي، ومن شروحه المعارف في شرح الصحائف.

هذا هو الكفر البراح الصريح من ابن تيميّة:

وقال في صفحة ١٦٥ من هذا الجزء أيضاً قال ما لفظه: ولو مثّل ممثّل طلب عليّ والحسين الأمر بطلب الإسماعيليّة كالحاكم (٣) وأمثاله، وقال: إنّ عليّاًوالحسين كانا ظالمين طالبين للرئاسة بغير حقّ بمنزلة الحاكم وأمثاله من ملوك بني عبيد أما كان يكون ظالماً (٤) ؟ إلى آخره.

وقال في صفحة ١٤٥ من الجزء الثاني من منهاج السنّة: وصاهر نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببناته الثلاثة لبني اُميّة، فزوّج أكبر بناته زينب بأبي العاص بن الربيع ابن أُمية بن عبد شمس وحمد صهره لما أراد عليّ أن يتزوّج ابنة أبي جهل، فذكر صهراً له من بني اُميّة بن عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته، وقال:

____________________

(١) منهاج السنّة ١: ٥٤٦.

(٢) الصحائف الإلهيّة: ٤٩٤.

(٣) الحاكم: هو أبو علي المنصور، الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله نزار بن المعزّ بالله معدّ ابن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بأمر الله محمّد بن المهديّ عبيدالله، العُبيدي الفاطمي المغربي الأصل، الثالث من خلفاء مصر من بنى عبيد، مولده سنة ٣٧٥ هـ. وهم المسمّون بدولة العبيديون أو الفاطميون بمصر، وأنكر بعضهم هذه النسبة وقال ابن خلدون في تاريخه ٤: ٣٧: ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب. انظر الكامل في التاريخ ٩: ٣١٤، النجوم الزاهرة ٤: ١٧٧، تاريخ أبي الفداء ١: ٤٧٥ سنة ٣٨٦ هـ

(٤) منهاج السنّة ٢: ٦٧ ٦٨.

٢٧٠

«حدّثني فصدق ووعدني فوفى لي» (١) انتهى (٢) .

فتدبّر ما يؤخذ من مفهوم هذا الكلام، وكرّر هذه القصّة في مواضع من كتبه لمحض الانتقاص من عليّ (٣) .

قال في صفحة ١٨٥ من الجزء الثاني من منهاج السنّة: فإنّ عليّاً لما خطب ابنة أبي جهل على فاطمة عليها‌السلام وقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً فقال: «إنّ بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا عليّاً ابنتهم، وإنّي لا آذن ثمّ لا آذن ثمّ لا آذن، إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي ويتزوّج ابنتهم، فإنّ فاطمة بضعة منّي يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» (٤) فلا يظنّ بعلي رضي‌الله‌عنه أنّه ترك الخطبة في الظاهر فقط بل تركها بقلبه وتاب بقلبه عمّا كان طلبه وسعى فيه (٥) . انتهى. فتأمّل.

وقال في صفحة ١٩٤ من الجزء الثالث من منهاج السنّة ما لفظه: ولمّا خطب بنت أبي جهل قال: «إنّ بني المغيرة استأذنوني في أن يزوّجوا ابنتهم عليّاً، وإنّي لا آذن ثمّ لا آذن ثم لا آذن إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي ويتزوّج ابنتهم، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدوّ الله عند رجل واحد» (٦) . انتهى.

وقال في صفحة ١٧٠ من الجزء الثاني من منهاج السنّة ما لفظه: كما

____________________

(١) صحيح البخاري ٥: ٨٧ ب ٤٦ و ٧: ٧٢ ب ١١٠/١٥٩، صحيح مسلم ٤: ١٩٠٣/٩٥، سنن أبي داود ١: ٤٦٠/٢٠٦٩.

(٢) منهاج السنّة ٤: ١٤٥.

(٣) نفس المصدر ٤: ١٤٥، ٢٤٢، ٢٥٠، و٦: ٢٨ ٢٩، و٨: ٢٣٥، ٢٤٦.

(٤) صحيح البخاري ٧: ٧٢ ب ١١٠/١٥٩، صحيح مسلم ٤: ١٩٠٢/٩٣.

(٥) منهاج السنّة ٤: ٣١٥.

(٦) نفس المصدر ٦: ٢٦١.

٢٧١

في حديث خطبة عليّ لابنة أبي جهل لما قام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً فقال: «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، وأنّي لا آذن ثمّ لا آذن، إنّما فاطمة بضعة منّي يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها، إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي وينكح ابنتهم».

وفي رواية: «إنّي أخاف أن تفتتن في دينها» (١) .

ثمّ ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه مصاهرته إيّاه فقال: «حدّثني فصدّقني ووعدني فوفى لي، وأنّي لست أحلّ حراماً ولا اُحرّم حلالا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدوّ الله عند رجل واحد أبداً».

ثمّ قال: والسبب داخل في اللفظ قطعاً... وقد قال في الحديث: «يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» ومعلوم قطعاً أنّ خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها والنبيّ رابه ذلك وآذاه، فإن كان هذا وعيداً لاحقاً بفاعله لزم أن يلحق هذا الوعيد عليّ بن أبي طالب (٢) . إلى آخر ما ذكره.

وقال في صفحة ٢٠٨ من الجزء الرابع من منهاج السنّة ما لفظه: وأمّا مصاهرة عليّ... قد شركه في ذلك أبو العاص بن الربيع زوّجه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكبر بناته زينب وحمد مصاهرته، وأراد أن يتشبّه به عليّ في حكم المصاهرة لمّا أراد عليّ أن يتزوّج بنت أبي جهل، فذكر صهره هذا قال: «وحدّثني فصدّقنيووعدني فوفا لي» (٣) . انتهى.

فليتأمّل المسلم المنصف مراد ابن تيميّة من هذا الكلام هل هو إلاّ التنقيص والتشنيع على عليّ رضي‌الله‌عنه .

____________________

(١) صحيح مسلم ٤: ١٩٠٤/٩٥.

(٢) منهاج السنّة ٤: ٢٥١ ٢٥٢.

(٣) نفس المصدر ٨: ٢٤٦.

٢٧٢

وقال عامله الله بعدله أيضاً في صفحة ١٦٨ من الجزء الثاني من منهاج السنّة ما لفظه: بل لو قال القائل: إنّه لا يعرف من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّه عتب على عثمان في شيء وقد عتب على عليّ في غير موضع لما أبعد، فإنّه لمّا أراد أن يتزوّج بنت أبي جهل اشتكته فاطمة لأبيها وقالت: «إنّ الناس يقولون: إنّك لا تغضب لبناتك» فقام خطيباً وقال: «إنّ بني المغيرة استأذنوني أن يزوّجوا بنتهم علي بن أبي طالب، وإنّى لا آذن ثمّ لا آذن ثمّ لاآذن إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي ويتزوّج ابنتهم، فإنّما فاطمة بضعة منّي يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها»، ثمّ ذكر صهراً له من بني عبدشمس فقال: «حدثني فصدّقني ووعدني فوفى لي» وهو حديث ثابت صحيح أخرجاه في الصحيحين (١) .

وكذلك لمّا طرقه وفاطمة ليلا فقال: «ألا تصليان؟ فقال له: إنّما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا. فانطلق وهو يضرب فخذه ويقول: ( وَكَانَ الانسَانُ أَكْثَرَ شَىْء جَدَلاً ) (٢) » (٣) .

وأمّا الفتاوى: فقد أفتى أنّ المتوفّي عنها زوجها وهي حامل تعتد أبعد الأجلين، وهذه الفتيا كان قد أفتى بها أبو السنابل بعكك على عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «كذب أبو السـنابل» (٤) وأمثال ذلك كثير (٥) . انتهى بلفظه.

وفيه مواضع لصحة الحكم عليه: بالنفاق، والنصب، والعداوة القلبيّة

____________________

(١) راجع الصفحة: ٢٧١ الهامش: ١.

(٢) سورة الكهف ١٨: ٥٤.

(٣) صحيح البخاري ٢: ٤٩٣/١٠٥١، صحيح مسلم ١: ٥٣/٧٧٥.

(٤) الاُم للشافعي ٥: ٢٢٤، المسند للشافعي: ٢٤٤، مسند أحمد ١: ٤٤٧.

(٥) منهاج السنّة ٤: ٢٤٢ ٢٤٥.

٢٧٣

لعليّ، ولا يمكن صدور مثل هذه البيانات ممّن يواد عليّاً ويحبّه لولا يبغضه كما هو ظاهر..

مع أنّ قصة خطبته بنت أبي جهل موضوعة لا أصل لها; لانحصار النسبة بالمسور بن مخرمة، وقد نصّ العلماء كابن عبد البرّ في الاستيعاب (١) وغيره (٢) ممّن كتب في أحوال الصحابة أنّ المسور بن مخرمة ولد بمكّة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه المدينة عقيب ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وقبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمسور بن ثمان سنين، فيكون قد سمع من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنبر حكاية القصّة وغضبه، وما نقله بطوله في حال كونه صبياً.

ومثل هذا لا يعتمد عليه عند العقلاء بحيث يترتب عليه ما رتّب ابن تيميّة..

على أنّ المسور المتهم في روايته; لأنّه كان منحرفاً عن عليّ، قال في الاستيعاب: وكان الخوارج تعظّمه وتبجّل رأيه (٣) .

أقول: ولا يمكن ذلك منهم إلاّ لمن علموا منه تمام البغض لعليّ، وكان كذلك، فإنّه سكن لذلك الشام كما نصّ عليه الذهبي وغيره (٤) ، ومعلوم حال بني أُميّة بالنسـبة إلى عليّ، فلا مانع للمسور بن مخرمة أن يضع ما ينقّص في عليّ ، كما لا يخفى على المنصف المتدبّر.

____________________

(١) الاستيعاب ٣: ٤١٦.

(٢) الجرح والتعديل للرازي ٨ : ٢٩٧ / ١٣٦٦ ، تاريخ دمشق ٥٨ : ١٥٨ / ٧٤٣٦ ، اُسد الغابة ٥ : ١٧٠ / ٤٩٢٦ ، تاريخ الإسلام للذهبي ٥ : ٢٤٤ .

(٣) انظر الاستيعاب ٣: ٤١٧، وسير أعلام النبلاء ٣: ٣٩١/٦٠.

(٤) انظر تاريخ الإسلام ٥: ٢٤٢، وسير أعلام النبلاء ٣: ٣٩٠/٦٠. طبقات ابن سعد تحقيق عليّ محمّد عمير ٦: ٥٢١/١٣٨١، تاريخ دمشق ٥٨: ١٩٥/٧٤٣٦.

٢٧٤

(والمتأمّل في حديث البخاري حكاية خطبة بنت أبي جهل يعرف أنّها من أكاذيب الفضيحة والافتراءات الصريحة لا يصدّق بها إلاّ الناصب المعادي لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي وفاطمة عليهما‌السلام ، فإنّ الذي نسب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه صعد المنبر وبين أرجحيّة أبي العاص وأفضليته على عليّ، وهو لا يزال في المواطن في الحضر والسفر ينوّه باسم عليّ ويفضّله ويميّزه عن غيره، ويجعله مرّة في المباهلة نفسه (١) ، واُخرى بمنزلة هارون من موسى (٢) ، وتارة يجعله مولى كلّ مؤمن ومؤمنة (٣) ، ومَن كان يقول ذلك وأمثال ذلك ممّا لا يحصى، لا يصعد المنبر ويذمّه ويشنّع عليه بما يلزمه التناقض في القول، كلاّ ثمّ كلاّ حاشا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ذلك، وحاشا أميرالمؤمنين من مثل ذلك، وحاشا فاطمة من التفوّه بكلمات الجاهليّة فإنّها المطهَّرة الزكيّة، لكن بني أُميّة شوّقوا المسور بن مخرمة فزملهم إلى وضع ذلك ونحوه كما هي عادتهم المستمرّة، يعرفها المتضلّع في التواريخ، من فذلكاتهم ذكر الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه‌السلام في الرواية عن المسور حتّى يكون من أوضح التجري على تدليس الباطل، ولا غرابة ممّن طبع على الخيانة والكذب والعداوة لعليّ وولده، فالحَكَم الله يوم فصل القضاء والزعيم محمّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) (٤) .

____________________

(١) الآية ٩١ من سورة آل عمران، وانظر صحيح مسلم ٤: ١٨٨٣/٦١، شواهد التنزيل ١:١٤١، مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي: ٣١٨/٢٦٢.

(٢) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي: ٢٧/٤٠ ٥٦، المصنّف لابن أبي شيبة ٦: ٣٦٩/٣٢٠٦٩.

(٣) سنن الترمذي ٥: ٢٩٦/٣٧٩٦، المصنّف لابن أبي شيبة ٦: ٣٦٩/٣٢٠١١٢ ـ ٣٢٠٦٩، المناقب للخوارزمي: ٢٦٤/٢٤٦.

(٤) ما بين القوسين ليس في النسخة الاُولى.

٢٧٥

وكذلك ابن تيميّة فلقد غلبت عليه الشاميّة حتّى قال في صفحة ١٦٣ من لجزء الأوّل من منهاج السنّة ما لفظه: فإن جاز للرافضي أن يقول: إنّ هذا كان طالباً للمال والرئاسة. أمكن للناصبي أن يقول: كان عليّ ظالماً طالباً للمال والرئاسة، قاتل على الولاية حتّى قتل المسلمين بعضهم بعضاً، ولم يقاتل كافراً، ولم يحصل للمسلمين في مدّة ولايته إلاّ شرّ وفتنة في دينهم ودنياهم (١) . انتهى.

الخلاف في خلافته عليه‌السلام وذمّها:

وقال في صفحة ١٤٨ من الجزء الثاني من منهاج السنّة: ومن المعلوم أنّ الخلفاء الثلاثة اتّفق عليهم المسلمون، وكان السيف في زمانهم مسلولاً على الكفّار مكفوفاً عن أهل الإسلام، وأمّا عليّ فلم يتّفق المسلمون على مبايعته، بل وقعت الفتنة تلك المدّة وكان السيف في تلك المدّة مكفوفاً عن الكفّار مسلولا على أهل الإسلام (٢) ، انتهى.

في أنّ علياً وفاطمة ردّا أمر الله وسخطا حكمه وكرها ما رضى الله:

وقال في صفحة ١٧٢ من الجزء الثاني أيضاً ما لفظه: أبو بكر وعمر وليا الأمر، والله قد أمر بطاعة ولي الأمـر، وطاعة ولي الأمـر طاعة الله ومعصيته معصية الله، فمن سخط أمره وحكمه فقد سخط أمر الله وحكمه (٣) .

ثمّ أخذ يشنّع على عليّ وفاطمة رضي الله عنهما: بأنّهما ردّا أمر الله،

____________________

(١) منهاج السنة ٢: ٦٠.

(٢) نفس المصدر ٤: ١٦١.

(٣) نفس المصدر ٤: ٢٥٦.

٢٧٦

وكرها ما رضى الله، لأنّ الله يرضيه طاعته وطاعة ولي الأمر، فمن كره طاعة ولي الأمر فقد كره رضوان الله، والله يسخط لمعصيته، ومعصية ولي الأمر معصيته، فمن اتّبع معصية ولي الأمر فقد اتّبع ما أسخط الله وكره رضوانه (١) . إلى آخره.

أقول: بل كان لهم من الشبهات والتأويلات ما يمنع علمهم بوجوب متابعة أبي بكر، فكيف جاز لابن تيميّة التشنيع عليهما بذلك؟! وقد حكى هذا الكلام الشيخ صدر الدين بن بهادر خان في كتاب منتهى المقال في شرح حديث شدّ الرحال عن ابن تيميّة من كتابه المذكور، وحكم عليه بالتشنيع في حقّ أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسيأتي نقل عبارته في الشهادات إن شاءالله.

التشنيع بخروجه عن المدينة:

وقال في صفحـة ١٨٦ من الجـزء الثاني: [لو قال قائل] (٢) : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «إنّ المدينة تنفي خبثَها وينصع طيبُها» (٣) ، وقال: «لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلاّ أبدلها الله خيراً منه» أخرجه في الموطّأ (٤) ، وقال: إنّ علياً خرج منها ولم يُقِم بها كما أقام الخلفاء قبله، ولهذا لم تجتمع عليه الكلمة.

____________________

(١) منهاج السنّة ٤: ٢٥٦ ٢٥٧.

(٢) الزيادة من المصدر

(٣) انظر صحيح البخاري ٣: ٥٩ الباب ٨٥ الحديث ١٤٢، صحيح مسلم ٢: ١٠٠٦/١٣٨٣، المصنّف لعبد الرزاق ٩: ١١٨/١٧١٦٤.

(٤) الموطأ ٢: ٨٨٧/٦، مسند أحمد بن حنبل ١: ١٨٥، المصنّف لعبد الرزاق ٩:١١٨، المستدرك للحاكم ٤: ٤٥٤.

٢٧٧

لكان الجواب: أنّ المجتهد إذا كان دون عليّ لم يتناوله الوعيد فعليّ أولى أن لا يتناوله الوعيد لاجتهاده، وبهذا يجاب عن خروج عائشة، وإذا كان المجتهد مُخطئاً فالخطأ مغفور بالكتاب والسنّة (١) . انتهى، فتأمّل.

رميه بالمقاتلة للرئاسة، مخالفته للرسول في ذلك، فهو كافر:

وأظهر تمام مكنونه ونصبه في صفحة ٢٣٣ من هذا الجزء الثاني قال ما لفظه: ثمّ يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم الناصبة: عليّ قد استحلّ دماء المسلمين وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رئاسة وقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢) وقال: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣) فيكون عليّ كافراً لذلك، لم تكن حجتكم أقوى من حجّتهم، لأنّ الأحاديث التي احتجّوا بها صحيحة (٤) . انتهى.

فهل يبقى لمسلم شكّ في نصب ابن تيميّة ونفاقه؟! لا والله لا يفوه بهذامن كان له أدنى مَوَدَّة لعليّ المشهود له بالطهارة في القرآن (٥) ، وأنّه نفس رسول الله في آية المباهلة (٦) ، وأنّه من رسول الله ورسول الله

____________________

(١) منهاج السنّة ٤: ٣٢٠ ٣٢١.

(٢) صحيح البخاري ١: ٨٧ الباب ٣٧ الحديث ٤٧، صحيح مسلم ١: ٨١ /١١٦.

(٣) سنن النسائي ٧: ١٢٧، مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٣٠ و ٢: ٨٥.

(٤) منهاج السنّة ٤: ٤٩٩ ٥٠٠.

(٥) الآية ٣٣ من سورة الأحزاب، وانظر مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ و ٣: ٢٥٩ و٤:١٠٧ و٦: ٢٩٢، صحيح مسلم ٤: ١٨٨٣/٢٤٢٤، سنن الترمذي ٥:٣٠/٣٢٥٨، المستدرك للحاكم ٢: ٤١٦ و٣: ١٣٣ ١٤٧، ١٥٨، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ١٤٩، مسند أبي داوُد الطيالسي: ٢٧٤، مصنّف ابن أبي شيبة ٦: ٣٧٣/٣٢٠٩٣ ٣٢٠٩٤، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١١٣ الأحاديث ٨٤٠٩، ٨٤٥٣، ٨٤٥٤، ٨٤٥٩.

(٦) سورة آل عمران ٣: ٦١، راجع تفسير الطبري ٣: ٢١٢ ٢١٣، مناقب أبن

٢٧٨

منه (١) ، وأنّه منه بمنزلة هارون من موسى (٢) وأنّه يحبّه الله ورسوله في حديث سعد يوم خيبر (٣) ، لكن كلمات ابن تيميّة فيه وفي أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا يؤيّد ما قيل: إنّ أصل هؤلاء البيت بني تيميّة كانوا من الخوارج، والله العالم بسرائر عباده.

____________________

المغازلي: ٢٦٣/٣١٠، شواهد التنزيل ١: ١٢٠/١٦٨، ١٧٦، الكشاف للزمخشري ١: ٣٦٨، كشف الغمّة ١: ٣١٤، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول لمحمد ابن طلحة الشافعي: ٣٧، تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين: ٣١، تاريخ الإسلام للذهبي ٣:٦٢٧، تفسير ابن أبي حاتم الرازي ٢: ٦٦٧.

(١) مسند أبي يعلى ١: ٢٩٣، صحيح ابن حبّان ١٥: ٣٧٤/٦٩٢٩، الآحاد والمثاني ٣: ١٨٣ و٤ : ٢٧٩/٢٢٩٨، سنن الترمذي ٥: ٢٩٦/٣٧٩٦، المصنّف لابن أبي شيبة ٦: ٣٦٨/٣٢٠٦٢، السنن الكبرى للنسائي ٥: ٨١٤٦ ٨١٤٧، مسند أبي داوُد الطيالسي: ١١١، سنن ابن ماجة ١: ٤٤/١١٩، مسند أحمد بن حنبل ٤: ١٦٤، ٤٣٧ و ٥: ٣٥٦.

(٢) مسند أحمد بن حنبل ١: ١٧٠، ١٧٣، ١٧٥، ١٧٩، ١٨٢، ١٨٤، ٣٣١ و٣:٣٢، ٣٣٨ و٦: ٣٦٩، ٤٣٨، صحيح البخاري ٥: ٨١/٢٢٦، ٦: ٣٠٩/٨٥٧، صحيح مسلم ٤: ١٨٧/٢٤٠٤، سنن ابن ماجة ١: ٤٣/١١٥، ١٢١، سنن الترمذي ٥: ٣٠٢/٣٨٠٨، ٣٨١٣، المستدرك للحاكم ٢: ٣٣٧ و٣: ١٠٩، ١٣٣، السنن الكبرى للبيهقي ٩: ٤٠، مسند أبي داوُد الطيالسي: ٢٨، المصنّف لعبد الرزاق ٥:١٦٧/٩٧٤٥ و ١١: ١٠٣/٢٠٣٩٠، المعيار والموازنة للاسكافي: ٧٠.

(٣) مسند أحمد بن حنبل ١: ١٣٣ و ٤: ٥٢ و ٥: ٣٥٣، صحيح البخاري ٥: ٢٤٥، التاريخ الكبير للبخاري ٢: ١٠٠/١٨٨١، صحيح مسلم ٤: ١٨٧١ الباب ٤ الأحاديث ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، الثقات لابن حبّان ٢ : ٢٦٧ فضائل الصحابة للنسائي: ١٦، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٣٦٢، المصنّف لعبد الرزاق ٥: ١١٨/٩٦٣٧ و ١١: ١٠٣/٢٠٣٩٥، مصنّف ابن أبي شيبة ٧: ٣٩٣، ٣٦٨٦٨، كتاب السنة لابن أبي عاصم: ٥٨٩، السنن الكبرى للنسائي ٥/٤٦: ٨١٥١ و ٨٤٠٦، ٨٤٠٧، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ٥٩، المعجم للطبراني ٧: ٣١/٦٢٨٧، ٦٢٨٧، ٦٣٠٤، مجمع الزوائد ٦: ١٥٠، كنز العمال ١٠: ٤٦٧/٣٠١٢٦.

٢٧٩

حاصله أنّه كان مخذولا لأنّه لم يكن لله ورسوله:

وقال في صفحة ٢٣٤: فلو كان محاربته محاربة للرسول لكان المنتصر في آخر الأمر هو، ولم يكن الأمر كذلك، بل كان في آخر الأمر يطلب مسالمة معاوية ومهادنته وأن يكفّ عنه، كما كان يطلب معاوية ذلك منه أوّل الأمر، فعلم أنّ ذلك القتال وإن كان واقعاً باجتهاد فليس هو من القتال الذي يكون محارب أصحابه محارباً لله ورسوله (١) . انتهى.

أقول: ما أصـدق قول العلاّمـة ابن حجـر في الجوهر المنظم في ابن تيميّة: من أنّه برز له من قـوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهـوان، وأوجـب له الحرمان (٢) .

قد كان عليّ المنتصر في كلّ حروبه بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالضرورة والتواتر، انتصر يوم البصرة، ويوم حرب الخوارج، ويوم صفين حتّى لاذ معاوية بالمصاحف، وقد أفردوا الكتب في أخبار تلك الحروب، وأنّه يوم قُتِلَ كان قد عسكر بالنخيلة بمائة ألف من المسلمين يريد الرجعة إلى صفين فعمّمه ابن ملجم المرادي (٣) .

وقد أخرج شيوخ الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برواية الصحابة من طرق كثيرة يعرفها الممارس: أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين (٤) .

____________________

(١) منهاج السنّة ٤: ٥٠٤ ٥٠٥.

(٢) انظر الجوهر المنظم (الوهابية المتطرفة موسوعة نقدية ١): ٦٦.

(٣) الكامل في التاريخ ٣: ٤٠٤.

(٤) مستدرك الحاكم ٣: ١٣٩، تاريخ بغداد ٨: ٣٣٦/٤٤٤٦ و ١٣: ١٨٧/٧١٦٥،

٢٨٠