البراهين الجليّة - ج ١

السيّد حسن الصدر

البراهين الجليّة - ج ١

المؤلف:

السيّد حسن الصدر


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: الوفاء
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-319-628-8
ISBN الدورة:
978-964-319-628-9

الصفحات: ٤١٦

وقال بعد ذلك أيضاً: واعتقاد قدم العالم أو بعض أجزائه كفر كما صرّحوا به (١) . انتهى.

فصحّت شهادتهم بلا ارتياب.

ومنها: في آخر صفحة ٦٠ قال: وهذا التقدير الذي نريد أن نتكلّم عليه هـو تقدير إمكان دوام الحوادث وتسلسـلها وإمكان حـوادث لا أوّل لهـا.

إلى أن قال: والمراد هنا الجواز الخارجي لا مجرد الجواز الذهني الذي هو عدم العلم بالامتناع (٢) .

إلى أن قال في وسط صفحة ٨١: وعلى هذا التقدير فليس فيه إلاّ دوام الحوادث وتسلسلها، وهذا هو التقدير الذي تكلّمنا عليه، ويلزم أن يقوم بذات الفاعل مايريده ويقدر عليه، وهذا هو قول أئمّة الحديث (٣) .

إلى أن قال في صفحة ٨٢: ولكن من لم يقل بذلك يظهر بينه وبين أئمّة طوائف أهل الملل وغيرها من النزاع والخصومات والمكابرات ما أغنى الله عنه من لم يشركه في ذلك، وتتكافأ عنده الأدلّة، ويبقى في أنواع الحيرة والشكّ والاضطراب، قد عافى الله منها من هداه وبيّن له الحقّ، إلى آخر كلامه (٤) .

فهو يحمد الله على مشاركة الكفّار في القول بقدم العالم نعوذ بالله من الضلال.

____________________

(١) الإعلام بقواطع الإسلام ١: ١٥٦.

(٢) منهاج السنّة ١: ٢٣٢.

(٣) نفس المصدر ١: ٢٩٨.

(٤) نفس المصدر ١: ٢٩٨.

٢٠١

الفصل الخامس: في دعواه أنّ القرآن محدث في ذات الله سبحانهوتعالى ، وأنّه يتكلّم بصوت، ذكر ذلك في هامش صفحة ٢٠ من الجزء الثاني ما لفظه: وهذا الصوت الذي تكلّم الله به ليس هو الصوت المسموع من العبد، بل ذلك صوته كما هو معلوم لعامّة الناس، وقد نصّ على ذلك الأئمّة أحمد وغيره، فالكلام المسموع منه هو كلام الله لا كلام غيره. إلى آخره (١) .

وفي صفحة ٢٢١ عند قول المصنّف: فإنّ أمره ونهيه وإخباره حادث لاستحالة أمر معدوم (٢) ، فذكر ابن تيميّة أنّ هذه مسألة كلام الله والناس فيها مضطربون قد بلغوا إلى سبعة (٣) أقوال، وذكر أنّ الثاني قول الأشعرية وابن كلاب وغيرهم، والخامس والسادس قول الشيعة وغيرهم.

إلى أن قال ما لفظه: سابعها: قول من يقول إنّه لم يزل متكلّماً إذا شاء بكلام يقوم به، وهو متكلّم بصـوت يُسمع، وأنّ نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعيّن قديماً، وهذا هو المأثور عن أئمّة الحديث والسنّة. إلى آخره (٤) .

وقال في هامش الجزء الثاني في الصفحة العاشرة ما هذا لفظه: وأمّا مسألة قيام الأفعال الاختياريّة به فإنّ ابن كُلاّب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلّم الناس

____________________

(١) درء تعارض العقل والنقل ٢: ٤٠.

(٢) منهاج الكرامة: ٤٢.

(٣) كذا في النسختين، وفي المصدر: تسعة بدل: سبعة.

(٤) منهاج السنّة ٢: ٣٥٨.

٢٠٢

فيهم، وهذا الباب ممّا هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة، وبقايا بعض الاعتزال فيهم (١) .

وقال في آخر صفحة ٨٥ من الجزء الأوّل ما لفظه: وأنّ كلامه قديم، بمعنى أنّه قديم النوع لم يزل الله متكلّماً بمشيته، كما قاله السلف والأئمّة، والذين قالوا: إنّه قديم العين افترقوا على حزبين:

حزب قالوا: يمتنع أن يكون القديم هو الحرف والأصوات; لامتناع البقاء عليها، وكونها توجد شيئاً بعد شيء لأنّ المسبوق بغيره لا يكون قديماً، فالقديم هو المعني، ويمتنع وجود معان لا نهاية لها في آن واحد، والتخصيص بعدد دون عدد لا موجب له، فالقديم معنى واحد، هو الأمر بكلّ مأمور، والخبر عن كلّ مخبر، وهو معنى التوراة والإنجيل والقرآن، وهو آية الكرسي، وآية الدَّين، و( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ )، وأنكروا أن يكون الكلام العربي كلام الله.

والحزب الثاني قالوا: بل الحروف والأصوات قديمة أزليّة الأعيان (٢) .

إلى أن قال: والمقصود أنّ هذه الطريق الكلاميّة التي ابتدعها الجهميّة والمعتزلة، وأنكرها سلف الاُمّة وأئمّتها، صارت عند كثير من النظار والمتأخّرين هي دين الإسلام، ويعتقدون أنّ من خالفها فقد خالف دين الإسلام. إلى آخره (٣) .

فابن تيميّة عند أهل السنّة مخالف لدين الإسلام باعترافه.

____________________

(١) دَرء تعارض العقل والنقل ٢: ١٨.

(٢) انظر الملل والنحل ١: ١٥٤، وشرح العقيدة الطحاوية: ١٧٣.

(٣) منهاج السنّة ١: ٣١٥.

٢٠٣

ثمّ تأمّل هل هذا الذي اعتقده ابن تيميّة هو المأثور عن أئمّة الحديث والسنّة ؟ أم هو شيء لا يعرفه أحد منهم ولم يفه به إلاّ ابن تيميّة وأتباعه الحشويّة؟ فهو الكاذب على أئمّة الحديث والسنّة دائماً، وهذا الكذب لم يزل قائماً بذاته وليس أمراً منفصلا عنه يفعله شيئاً فشيئاً، غير أن أشخاصه ونوعه محدث بحدوث ذاته، عامله الله بعدله.

الفصل السادس : في عبارته الدالّة على ترجيحه أنّ الله تعالى بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر.

قال في صفحة ٢٦٠ عند قول المصنّف في الطعن على المشبّهة: إنّهم قالوا: إنّه تعالى يفضل عنه من العرش من كلّ جانب أربع أصابع (١) ما لفظه: فهذا لا أعرف له قائلا ولا ناقلا، ولكن روي في حديث عبد الله بن خليفة: أنّه ما يفضل من العرش أربع أصابع (٢) ، يروى بالنفي ويروى بالإثبات، والحديث قد طعن فيه غير واحد من المحدّثين كالإسماعيلي (٣)

____________________

(١) منهاج الكرامة: ٤٤، وانظر الكامل لابن الأثير ٨: ٣٠٨، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ٣: ٢٢٦، الملل والنحل الشهرستاني ١: ١٥٣ ١٥٤.

(٢) جامع البيان في تفسير القرآن ٣: ٨، مجمع الزوائد ١٠: ١٥٩.

(٣) الحافظ الرحالة محمد بن مهران النيسابوري، المعروف بالإسماعيلي الجرجاني كبير الشافعية بناحيته، سمع الحديث من إسحاق بن راهويه وجمع كثير، حدث عنه رفيقه إبراهيم بن أبي طالب وأبو العباس السرّاج وغيرهما. قال الحاكم: هو أحد أركان الحديث بنيسابور كثرة ورحلة واشتهاراً. توفي سنة ٢٩٥ هـ. الأنساب ١: ١٥٨، سير أعلام النبلاء ١٤: ١١٧/٦٠، لسان الميزان ٥: ٨١/٢٦٨، شذرات الذهب ٢: ٢٢١.

٢٠٤

وابن الجوزي (١) ، ومن الناس من ذكر له شواهد وقوّاه (٢) .

ولفظ النفي لا يرد عليه شيء، فإنّ مثل هذا اللفظ يرد لعموم النفي كقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما في السماء موضع أربع أصابع إلاّ وملك قائم أوقاعد أو راكع أو ساجد (٣) أي ما فيها موضع، ومنه قول العرب: ما في السماء قدر كفّ سحاباً (٤) وذلك لأنّ الكفّ يقدر به الممسوحات كما يقدر بالذراع، وأصغر الممسوحات التي يقدّر به الإنسان من أعضـائه الكفّ فصـار مثلا لأقلّ شيء.

قال: فإذا قيل: إنّه ما يفضل من العرش أربع أصابع، كان المعـنى: مايفضل منه شيء. إلى آخر كلامه (٥) .

فإنّ قوله: «ولفظ النفي لا يرد عليه شيء» وإبرامه في تقريبه إلى أن

____________________

(١) الشيخ جمال الدين، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي القرشي التيمي الحنبلي. وكان من كبار الوعّاظ ببغداد، فقيها، عالماً بالتاريخ والحديث، واسع الاطلاع، كثير التصانيف. وعن الدبيشي: إليه انتهت معرفة الحديث وعلومه. قال ابن خلّكان: علامة عصره، وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ، توفّي ببغداد سنة ٥٩٧ هـ. وممّا أنشده في مجالس وعظه:

أهوى علياً وإيماني محبّته

كم مشرك دمه من سيفه وكفا

إن كنتَ ويحك لم تسمع فضائله

فاسمع مناقبه من (هل أتى) وكفى

وفيات الأعيان ٣: ١١٦/٣٧٠، الكامل في التاريخ ١٢: ١٧١، سير أعلام النبلاء ٢١: ٣٦٥/١٩٢، تذكرة الحفاظ ٤: ١٣٤٢/١٠٩٨، روضات الجنّات ٥: ٣٥/٤٣٥، الأعلام للزركلي ٣: ٣١٦، معجم المؤلِّفين ٥: ١٥٧.

(٢) انظر الملل والنحل ١: ١٤٩ ١٥٤.

(٣) المصنّف لعبد الرزاق ٩: ١٩١/١٧٩٣٤، الدرّ المنثور ١: ٣٢٨، جامع البيان ٢٣: ٦٩، نهاية الأرب للنويري ١: ٣٦.

(٤) شرح ابن عقيل ٢ : ٢٨٩ ، وفيه : ما في السماء قدرُ راحة سحاباً .

(٥) منهاج السنّة ٢: ٦٣٠.

٢٠٥

قال: «كان المعنى ما يفضل منه شيء» يعطي أنّه يرى ذلك، وهو عبارة اُخرى عمّا نسب إليه من أنّه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر; لأنّه نصّ «أنّه لا يفضل منه شيء» وهو معنى بقدر العرش لا يفضل منه شيء يكون به أكبر ولا ينقص منه بحيث يكون أصغر..

فهو كما قال ابن حجر (١) لا كما قال المعاصر القاصر: إنّه ليس كما قال، بل هو عن ذلك بمعزل وبعيد عنه بألف ألف منزل، وصرّح بكذب ما عزي إليه، بل قال: وكذلك شهادات العلماء حاكمة باختلاف ما زوّر ابن حجر عليه (٢) .

وقد عرفت صدق الرجل، وأنّه لم يزوّر كلمة واحدة، غير أنّ المعاصر قاصر لا خبرة له بالكلمات والشهادات التي عرفت، ولا بالنصوص من لفظ ابن تيميّة التي سمعت.

وأقبح من ذلك أنّه يستدلّ على براءة ابن تيميّة بأقوال أتباعه وشركائه في الضلال، وبنفيه للتشبيه والتكيف والتجسيم مع إثباته معانيها بعبارات شتّى وبيانات متكرّرة، فهو كالمقرّ بالتشبيه المنكر له، فيؤخـذ بإقراره ولاينفعه إنكاره.

قولك: إنّ العزّ بن عبد السلام وغيره صحّحوا أنّ المجسّم لا يكفّر (٣) .

قلت: راجع التنبيه الرابع من هذه البراهين الجليّة تعرف ضعف ما

____________________

(١) في الفتاوى الحديثية: ٨٥.

(٢) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين: ٣٨٨ ٣٨٩.

(٣) انظر جلاء العينين في محاكمة الأحمدين: ٣٨٨.

٢٠٦

قلت (١) ، ما هكذا يا سعد توردُ الإبل (٢) . العلماء الأئمّة أتقى من أن يفوهوا بالباطل وينسبون إلى ابن تيميّة ما لم يقله وما هو عنه بمعزل «لكن حبّك الشيء يعمي ويصمّ» (٣) .

الفصل السابع : في إثباته الحركة والانتقال للربّ.

قال في كتاب بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول المطبوع بهامش منهاج السنّة في صفحة ٢٢٤ من الجزء الأوّل ما لفظه: وقول طوائف من أهل السنّة والحديث الذين يقولون: إنّ الحركة من لوازم الحياة، وكلّ حيّ متحرّك، والذين يقولون: إنّه لم يزل متكلّماً إذا شاء. إلى آخره (٤) .

وقال في هامش أوّل الجزء الثاني ما لفظه: معلوم بالسمع اتّصاف الله تعالى بالأفعال الاختياريّة القائمة كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطىّ، والإتيان، والمجيء، والنزول، ونحو ذلك (٥) .

وقد تقدّم أيضاً شهادة ابن بطوطة أنّه رآه بعينه نزل درجة من درج المنبر وقال: ينزل الله كنزولي هذا (٦) .

____________________

(١) راجع ص: ٥٨.

(٢) عجز بيت لمالك بن مناة تمثلت به العرب وتمثل به أمير المؤمنين عليه‌السلام أيضاً، يضرب لمن قصّر في الأمر، والبيت:

أوردها سعد وسعد مشتمل

ما هكذا يا سعد تورد الإبل

انظر مجمع الأمثال ٢: ٣٦٤/٤٣٦٢، تاج العروس (سعد).

(٣) في جمهرة الأمثال ١: ٣٥٦/٥٣٦: قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٤) دَرء تعارض العقل والنقل ١: ٣٦١.

(٥) نفس المصدر ٢: ٣.

(٦) راجع ص: ٧٢.

٢٠٧

وفي الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني أنّه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا فنسب إلى التجسيم (١) .

والموجود في منهاجه في (صفحة ٢٦٢) من الجزء الأوّل ما لفظه: وأمّا حديث النزول إلى سماء الدنيا كلّ ليلة، فهي الأحاديث المعروفة الثابتة عندأهل العلم بالحديث، وكذلك حديث دنوّه عشيّة عرفه رواه مسلم في صحيحه، وأمّا النزول ليلة النصف من شعبان ففيه حديث اختلف في إسناده (٢) .

ثمّ إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلوا منه العرش، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه (٣) ، وحمّاد بن زيد (٤) ، وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى أبي مسدّد (٥) ، وهم متفقون على

____________________

(١) الدرر الكامنة ١: ٩٣/٤٠٩.

(٢) منهاج السنّة ٢: ٦٣٧، وانظر صحيح مسلم ٢: ٩٨٢/٤٣٦، وسنن ابن ماجة ١: ٤٤٤، وفضائل الأوقات للبيهقي: ١١٨.

(٣) إسحاق بن إبراهيم بن مخلّد بن إبراهيم المروزي، المعروف بابن راهويه (أبويعقوب) محدّث، فقيه، رحل إلى الحجاز والعراق، وروى عنه يحيى بن آدم، ومن أقرانه أحمد بن حنبل. له: المسند، وكتاب التفسير، توفّي سنة ٢٣٧ أو ٢٣٨ هـ.

سير أعلام النبلاء ١١: ٣٥٨/٧٩، طبقات الشافعية الكبرى ٢: ٨٣/ ١٩، معجم المؤلِّفين ٢: ٢٢٨.

(٤) ابن درهم أبو إسماعيل الأزدي (الأزرق) مولى آل جرير بن حازم الجهضمي البصري، الأزرق الضرير، أحد الأعلام، العلاّمة الحافظ، محدّث الوقت، أصله من سجستان، كان عثمانياً، سمع من أنس بن سيرين وعمرو بن دينار وغيرهما، روى عنه سفيان، وشعبة وغيرهما، مات سنة ١٧٩ هـ. ذكر الذهبي كلمات العلماء في مدحه فراجع. الطبقات لابن سعد ٧: ٢٨٦، التاريخ الكبير للبخاري ٣: ٢٧/٢٩٩٤، سير أعلام النبلاء ٧: ٤٥٦/١٦٥، الأعلام للزركلي ٢: ٢٧١.

(٥) انظر طبقات الحنابلة لأبي يعلى ٢: ٤٢٥/٤٩٤.

٢٠٨

أنّ الله ليس كمثله شيء، وأنّه لا يُعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفاته بصفات خلقه.

وقد تنازعوا في النزول هل هو فعل منفصل عن الربّ في المخلوق أو فعل يقوم به، على قولين معروفين لأهل السنّة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الحديث والتصوّف..

وكذلك تنازعهم في الاستواء على العرش هل هو بفعل منفصل عنه يفعله بالعرش كتقريبه إليه، أو فعل يقوم بذاته على قولين:

والأوّل: قول ابن كُلاّب، والأشعري، والقاضي أبي يعلى، وأبي الحسن التميمي (١) ، وأهل بيته (٢) ، وأبي سليمان الخطّابي (٣) ، وأبي بكر

____________________

(١) عبد العزيز بن الحارث الحنبلي، من رؤساء الحنابلة وأكابر البغاددة، وأحد فقهائهم، له كلام في مسائل الخلاف، مولده سنة ٣١٧ هـ، حدّث عن نفطويه النحوي وغيره، وحدّث عنه بشر بن عبد الله الرومي وغيره. توفّي سنة ٣٧١ هـ. تاريخ بغداد ١٠:٤٦١/٥٦٣٢، طبقات الحنابلة ٢: ١٢١/٦١٦، الوافي بالوفيات ١٨: ٤٧٠/٤٩٥.

(٢) أي التميميّون.

(٣) حمد وقيل: أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن الخطّاب، الخطّابي كان فقيهاً أديباً محدّثاً، له التصانيف البديعة، منها: غريب الحديث، سمع بالعراق أبا علي الصفّار وغيره ، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله بن البيّع النيسابوري وغيره، وكان يشبّه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علماً وأدباً وزهداً وتدريساً وتأليفاً، وكانت وفاته في سنة ٣٨٨ هـ وقيل فى تاريخ فوته غير ذلك. يتيمة الدهر ٤: ٣٨٣/٦٦، معجم الاُدباء ٤: ٢٤٦/٥٨، وفيات الأعيان لابن خلّكان ٢: ١٨٤/٢٠٧، طبقات الشافعية للأسنوي ١: ٢٢٣/٤٢٠، الأنساب السمعاني ٢: ٤٣٥/٣٥٦٧، هدية العارفين ١: ٦٨.

٢٠٩

البيهقي (١) ، وابن الزاغوني (٢) ، وابن عقيل (٣) ، وغيرهم ممّن يقول: إنّه لا يقوم بذاته ما يتعلّق بمشيته وقدرته.

والثاني: قـول أئمّـة أهل الحـديث وجمهورهـم، كابن المبـارك (٤) ،

____________________

(١) أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى، البيهقي الخسروجردي، الفقيه الشافعي الحافظ الكبير المشهور، واحد زمانه، وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله ابن البيّع في الحديث، ثمّ الزائد عليه في أنواع العلوم، أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمّد العمري المروزي، غلب عليه الحديث واشتهر به، ورحل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره، وهو أوّل من جمع نصوص الإمام الشافعي، ومن مشهور مصنّفاته السنن الكبرى والسنن الصغرى، توفّي سنة ٤٥٨ هـ. وفيات الأعيان ١: ٦٩/٢٨، طبقات الشافعية للسبكي ٤: ٨/٢٥٠، طبقات الشافعية للأسنوي ١: ٩٨/١٧٢.

(٢) أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزغواني البغدادي، صاحب التصانيف، كان واعظاً من أعيان الحنابلة، قال ابن الجوزي: صحبته زماناً وسمعت منه وعلقت عنه العلم والوعظ، توفّي سنة ٥٢٧ أو ٥٢٦ هـ. مشيخة ابن الجوزي: ٧٩ ـ ٨١، سير أعلام النبلاء ١٩: ٦٠٥/٣٥٤، الأعلام للزركلي ٣: ٤٠ و ٣١٠.

(٣) أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمّد البغدادي الظفري، شيخ الحنابلة، صحب العلماء من عدّة مذاهب وأخذ عنهم فبرز في فنون متعدّدة، تفقه على القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي وغيره، وقرأ الاصول والخلاف على ابن الصبّاغ الشافعي، وأخذ الكلام عن أبي علي بن الوليد، والمناظرة عن أبي اسحاق الشيرازي الشافعي، سمع منه ابن المغازلي وغيره، وصنّف بالفقه والاُصول وغيرهما، توفّي سنة ٥١٣ هـ سير أعلام النبلاء ١٩: ٤٤٣/٢٥٩، طبقات الحنابلة ٢: ٢٢٢/٧٠٥.

(٤) عبد الله بن مبارك بن واضح الحنظلي بالولاء، أبو عبد الرحمن المروزي، كان خوارزمي الاُمّ وتركي الأب، تفقه على سفيان الثوري ومالك بن أنس، وعن الذهبي: تفقّه بأبي حنيفة، روى عن الربيع بن الأنس الخراساني وجمع، روى عنه معمّر، والثوري، وأبو إسحاق الفزارى وغيرهم. وكان محدّثاً فقيهاً شاعراً، وقد أكثر من الترحال والتطواف في طلب العلم والغزو والحج والتجارة، توفّي سنة ١٨١ أو ١٨٢ هـ.

٢١٠

وحمّـاد بن زيد، والأوزاعـي (١) ، والبخـاريّ (٢) ، وحـرب الكرمـانيّ (٣) ، وابن خزيمة (٤) ، ويحيى بن عمّار السجستانيّ (٥) ، وعثمان بن السعيد

____________________

طبقات ابن سعد ٧: ٣٧٢، فهرست ابن النديم: ٣١٩، حلية الأولياء ٨: ١٦٢/٣٩٧، الوافي بالوفيات ١٧: ٤١٩/٣٥٩.

(١) عبد الرحمن بن عمرو بن محمّد، أبو عمرو الأوزاعي، والأوزاع بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل : بطن من همدان واسمه مرثد بن زيد، وقيل : الأوزاع قرية بدمشق إمام أهل الشام، وكان يسكن بيروت.

انظر : طبقات الكبرى لابن سعد ٧ : ٤٨٨، التاريخ الكبير ٥ : ١٩٨ / ٧١٠٤، المعارف : ٢٧٨، المعرفة والتاريخ ٢ : ٣٩، الجرح والتعديل ١ : ١٨٤، الفهرست لابن النديم : ٣١٨، حلية الأولياء ٦ : ١٣٥ / ٣٥٤، سير أعلام النبلاء ٧ : ١٠٧ / ٤٨، وفيات الأعيان ٣ : ١٠٦/٣٦١، طبقاتب الفقهاء للشيرازي : ٧٦ ح كتاب تذكرة الحفاظ ١ : ١٧٨/ ١٧٧، البداية والنهاية ١٠:١٢٠، شذرات الذهب ١: ٢٤١، طبقات الفقهاء ٢: ٣٠٣/ ٤٩٠.

(٢) أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن المغيرة الجعفي البخاري، من علماء المحدثين، المتوفى سنة ٢٥٦ هـ صاحب الصحيح والتاريخ. الفهرست لابن النديم: ٤٣٢، تاريخ دمشق ٥٢: ٤٩، الكامل في التاريخ ٧: ٢٤٠، البداية والنهاية ١١: ٢٧.

(٣) أبو محمّد حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، الفقيه الحافظ تلميذ أحمد بن حنبل، رحل وطلب العلم. قال الخلال: كان رجلاً جليلاً حثّني المروزي على الخروج إليه. سمع أبا الوليد الطيالسي والحميدي وغيرهما. أخذ عنه أبو حاتم الرازي مع تقدّمه وعبد الله بن إسحاق النهاوندي. توفّي سنة ٢٨٠ هـ. طبقات الحنابلة ١:١٣٦/١٨٩، سير أعلام النبلاء ١٣:٢٤٤/١٢٧، شذرات الذهب ٢: ١٧٦.

(٤) محمّد بن إسحاق بن خزيمة السلميّ، أبو بكر النيسابوريّ، الشافعي. ولد بنيسابور سنة ٢٢٣ هـ، ورحل في طلب العلم إلى العراق والشام والجزيرة ومصر. وكان فقيهاً مجتهداً حافظاً مصنفاً. حدّث عن إسحاق بن راهوية وأبي سعيد الأشجّ وجمع. وحدّث عنه أبو حاتم البستي والبخاري وخلق كثير. قال الحاكم: ومصنّفاته تزيد على مائة وأربعين كتاباً سوى المسائل. توفّي سنة ٣١١ هـ. طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣: ١٠٩/١١٩، الوافي بالوفيات ٢: ١٩٦/٥٦٥، الأعلام للزركلي ٦: ٢٩.

(٥) أبو زكريا الشيباني النيهي السجستاني، الإمام المحدث والواعظ، شيخ سجستان،

٢١١

الدارمي (١) ، وابن حامد (٢) ، وأبي بكر عبد العزيز (٣) ، وأبي عبد الله بن مندة، وإسماعيل الأنصاري (٤) ، وغيرهم. إلى آخره (٥) .

أقول: مذهب ابن تيميّة في النزول مذهب أئمّة أهل الحديث، فيكون النزول فعلا يقوم بالربّ غير منفصل عنه قائماً بذاته، كما هو مسلكه

____________________

نزيل هراة، كان فصيحاً مفوّهاً، حسن الموعظة، رأساً في السير، أكمل التفسير على المنبر في سنة ٣٩٢، توفّي بهراة سنة ٤٢٢ هـ. سير أعلام النبلاء ١٧: ٤٨١/٣١٨، تاريخ الإسلام الذهبي ٢٩: ٩٧، شذرات الذهب ٣: ٢٢٦.

(١) السجستاني محدث هراة وأحد الأعلام، رحل وطوف ولقي الكبار، وأخذ علم الحديث عن أبن حنبل وابن المديني وإسحاق بن راهويه وابن معين وأخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن البويطي وتقدّم في هذه العلوم، وله الردّ على الجهمية والرد على بشر المريسي، توفّي سنة ٢٨٠ أو ٢٨٢ هـ كما أرخه الحاكم. الوافي بالوفيات ١٩: ٣٢٠ البداية والنهاية ١١: ٧٥، شذرات الذهب ٢: ١٧٦.

(٢) أبو عبد الله، الحسن بن حامد البغدادي الوراق، شيخ الحنابلة، مصنّف كتاب الجامع في عشرين مجلّداً فى اختلاف الفقهاء. كان مدرس أصحاب أحمد وفقيههم في زمانه، روى عن أبي بكر النجار وأبي بكر الشافعي، وروى عنه أبو علي الأهوازي وغيره. توفّي سنة ٤٠٣ هـ. طبقات الحنابلة ٢: ١٧١/٦٣٨، سير أعلام النبلاء ١٧:٢٠٣/١١٦، الوافي بالوفيات ١١ : ٤١٥ / ٥٩٤، الأعلام ٢: ٢٠١.

(٣) ابن جعفر بن أحمد الحنبلي، صاحب الخلاّل أو المعروف بغلام الخلاّل، وشيخ الحنابلة، وعالمهم المشهور، وصاحب التصانيف. روى عن موسى بن هارون وغيره، وحدّث عنه أحمد بن الجنيد الخطيبي، توفّي سنة ٣٦٣ هـ. العبر للذهبي ٢: ١١٦، البداية والنهاية ١١: ٢٩٨، شذرات الذهب ٣: ٤٥.

(٤) عبد الله بن محمّد بن علي بن محمّد الأنصاري أبو إسماعيل الأنصاري الهروي الفقيه، الحافظ العارف من ولد صاحب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبي أيوب الأنصاري، صوفي، كان عالماً في التفسير والحديث والسيرة والعربية والتاريخ والأنساب، ومن مصنّفاته منازل السائرين الذي مرّت الإشارة إليه في الصفحة: ١٥٩، توفّي سنة ٤٨١ هـ. سير أعلام النبلاء ١٨: ٥٠٣/٢٦٠، طبقات المفسرين للسيوطي: ٤٦/ ٤٥، الذيل على طبقات الحنابلة ٣: ٤٢/٢٧، طبقات الصوفية ٢: ١٨٤/٣٨٩.

(٥) منهاج السنّة ٢: ٦٣٨ ٦٤٠.

٢١٢

في كلّ الصفات الجزئيّة، فيكون مراده من قوله: كنزولي هذا كما رواه ابن بطوطة في رحلته عن مشاهدة من ابن تيميّة حين حضر الجمعة معه في المسجد في الشام، وصعد ابن تيميّة المنبر وذكر حديث النزول ونزل عن المنبر درجة (١) ، ورآه من روى عنه ابن حجر في الدرر الكامنة أيضاً أنّه نزل عن المنبر درجتين وقال: كنزولي هذا (٢) ، بيان أنّ النزول ليس فعلا منفصلا عن الربّ بل هو قائم به مثل قيام فعله به في نزوله عن المنبر.

لكن من المعلوم بالضرورة أنّ هذا الذي نسبه إلى أئمّة أهل الحديث وجمهورهم إن كان مراده بهم غير الحشويّة من أهل الحديث والسنّة فهم بُراء منه وكذب محض عليهم، ولا يوجد نقله عن أحد من أهل السنّة والجماعة غير الحشويّة.

قال الإمام البيهقي في كتاب الأسماء والصفات: وقد [زلّ] (٣) بعض شيوخ أهل الحديث ممّن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال، فحاد عن هذه الطريقة حين روى حديث النزول، ثمّ أقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف ينزل ربّنا إلى السماء؟ قيل له: ينزل كيف يشاء. فإن قال: هل يتحرّك إذا نزل؟ فيقال: إن شاء تحرّك وإن شاء لم يتحرّك. وهذا خطأ فاحش عظيم، والله لا يوصف بالحركة; لأنّ الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنّما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون، وكلاهما من أعراض الحدوث وأوصاف المخلوقين، والله تبارك

____________________

(١) رحلة ابن بطوطة ١: ٣١٧.

(٢) الدرر الكامنة ١: ٩٣.

(٣) في النسختين: نزل والمثبت عن المصدر.

٢١٣

وتعالى متعال عنهما، ليس كمثله شيء (١) ، انتهى.

هذا ما عليه أئمّة أهل الحديث من أسلاف ابن تيميّة، وعليه أئمّة أهل الحديث من أهل السنّة والجماعة، لكن ابن تيميّة قد انتهى في قوّة الافتراء والكذب على أهل السنّة والجماعة، كيف ومن كان له مسكة من العقل لا يقول بمقالة هؤلاء الحشويّة، وأنّ النزول والاستواء صفة ذاتيّة كالعلم والقدرة، بل هو وأتباعه من الحشويّة كثيراً ما يدلّسون ويكذّبون على السلف وينسبون مقالتهم الزائغة إلى السلف ترويجاً للباطل ـ ومَن مِنَ العوام يعرف أنّه كذب ـ وتكثيراً للقائل بهذا الباطل، وأنّه تمويه ضمنه ابن تيميّة، تكيف وتشبيه ودعاء إلى الجهل.

وقال في صفحة ٢٤٩: فإذا سمّي العدم الذي فوق العالم حيزاً وقال: يمتنع أن يكون تعالى فوق العالم; لئلاّ يكون متحيّزاً، فهذا معنى باطل لأنّه ليس هناك موجود غيره حتّى يكون فيه (٢) ، انتهى.

أقول: لكنّه لا ينفكّ حينئذ عن الأكوان التي منها الحركة والسكون، ويكون قابلا للقسمة والأشكال، وكلّ ذلك محال في حقّ الواجب.

وأصرح من ذلك ما ذكره في كتاب بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول في هامش صفحة ٢٢٤ من الجزء الأوّل من منهاج السنّة المطبوع مالفظه : وقول طوائف من أهل السنّة والحديث كالذين يقولون: إنّ الحركة من لوازم الحياة وكلّ حيّ متحرّك (٣) . إلى آخره.

وقال في هامش الصفحة الرابعة من الجزء الثاني ما لفظه: وكان الناس

____________________

(١) الأسماء والصفات: ٤٥٤ ٤٥٥.

(٢) منهاج السنّة ٢: ٥٥٦.

(٣) دَرء تعارض العقل والنقل ١: ٣٦١.

٢١٤

قبل أبي محمّد بن كلاّب صنفين: فأهـل السنّة والجماعة يثبتـون ما يقـوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهميّة من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا. فأثبت ابن كلاّب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلّق بمشيته وقدرته من الأفعال وغيرها، ووافقه على ذلك أبو العبّاس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري، وغيرهما.

إلى أن قال: وأئمّة السنّة والحديث على إثبات النوعين.

قال: بل صرّح هؤلاء بلفظ الحركة، وأنّ ذلك هو مذهب أئمّة السنّة والحديث من المتقدّمين والمتأخّرين (١) .

أقول: يعني المتقدّمين من الحشويّة (٢) والمتأخّرين منهم.

تصريحه بأنّ الربّ لا يخلو عن نوع الحوادث:

وقال المحروم في هامش الصفحة السادسة من الجزء الرابع من منهاج السنّة ما لفظه: وإذا عرضنا على العقل الصريح ذاتاً لا فعل لها ولا حركة ولا تقدر أن تصعد ولا تنزل ولا تأتي ولا تجيء ولا تقرب ولا تقبض ولا تطوي ولا تحدث شيئاً بفعل يقوم بها، وذاتاً تقدر على هذه الأفعال وتحدث الأشياء بفعل لها، كانت هذه الذات أكمل، فإنّ تلك كالجمادات أو الحي الزَمِن المجدّع، والحي أكمل من الجماد، والحي القادر على العمل

____________________

(١) دَرء تعارض العقل والنقل ٢: ٦ ٧.

(٢) سُمّيت حشويّة; لأنّهم يحشّون الأحاديث الّتي لا أصل لها في الأحاديث المرويّة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي يدخلونها فيها وليست منها، وجميع الحشويّة يقولون بالجبر والتشبيه، وقال قوم منهم: قد كان محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كافراً قبل البعثة لقوله تعالى: ( وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى )، وأنّ الله تعالى موصوف عندهم بالنفس واليد والسمع والبصر، وأنّهم أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة، وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة... انظر إحقاق الحقّ ١: ١٧٥، المقالات والفرق: ١٣٦.

٢١٥

أكمل من العاجز عنه (١) . إلى آخر كلامه الشنيع الصريح في التجسيم والتشبيه.

وقال في هامش صفحة ١٣٣ من الجزء الرابع ما لفظه: فنحن نقول: إنّ كلّ قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون، فإنّه إمّا أن يكون منتقلا أو لا يكون منتقلا، فإن كان منتقلا فهو متحرّك وإلاّ فهو ساكن.

فإن قلت: ثبوت الانتقال وسلبه فرع قبوله.

قيل لك: هذا التقسيم معلوم بالضرورة في كلّ قائم بنفسه، كما ذكرت أنّه معلوم بالضرورة في كلّ ما سمّيته متحيّزاً، وحيّزه عدم محض، فإنّه إذا لم يكن إلاّ الانتقال وعدم الانتقال، فالانتقال هو الحركة وعدمه هو السكون.

وإذا قلت: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة فلا بدّ من ثبوت القبول.

كان الجواب من وجوه:

أحدها: أن يقال لك مثل هذا فيما سمّيته متحيّزاً.

الثاني: أن يقال: هذا اصطلاح اصطلحته وإلاّ فكلّ ما ليس بمتحرّك وهو قائم بنفسه فهو ساكن، كما أنّه كلّ ما ليس بحىّ هو ميّت.

الثالث: أن يقال: هب أنّ الأمر كذلك، ولكن إذا اعتبرنا الموجودات فما يقبل الحركة أكمل ممّا لا يقبلها، فإذا كان عدم الحركة عمّا من شأنه أن يقبلها صفة نقص فكونه لا يقبل الحركة أعظم نقصاً، كما ذكرنا مثل ذلك في الصفات.

____________________

(١) درء تعارض العقل والنقل ٤: ٨.

٢١٦

ونقول: رابعاً: الحركة الاختياريّة للشيء كمال له كالحياة ونحوها، فإذاقدّرنا ذاتين أحدهما تتحرّك باختيارها والآخر لا تتحرّك أصلا كانت الاُولى أكمل .

ويقول الخصم: رابعاً قوله: لم لا يجوز أن يكون متحرّكاً؟ قولك: الحركة حادثة.

قلت: حادثة النوع أو الشخص؟ الأوّل ممنوع والثاني مسلّم.

قولك: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. إن اُريد به ما لا يخلو عن نوعها فممنوع، والثاني لا يضرّ وأنت لم تذكر حجّة على حدوث نوع الحركة إلاّ حجّة واحدة وهو قولك: الحادث لا يكون أزليّاً وهي ضعيفة (١) ، انتهى موضع الحاجة من كلامه.

وحاصله: إثبات الحركة والسكون للربّ، وأنّ الحركة قديمة النوع حادثة الشخص، وأنّ الربّ لا يخلو عن نوع الحوادث فهو محل لنوعها، وكلّ هذه الكلمات كفر وتجسيم بالضرورة الإسلاميّة.

وصرّح بعد هذا الكلام بإثبات الحيَّز للربّ تعالى، قال ما لفظه: فليس اختصاصه بحيِّز معيّن من لوازم ذاته بل هو باختياره، وإذا كان يختصّ بعض الأحياز بما شاء من مخلوقاته فتصرفه بنفسه أعظم من تصرفه لمخلوقاته (٢) . إلى آخر كلامه القبيح والكفر البراح الصريح.

تصريحه بالجسميّة

وقد صرّح بالجسميّة الحقيقيّة في هامش صفحة ١٦٥ قال: ليس هو

____________________

(١) انظر درء تعارض العقل والنقل ٤: ١٥٨ ١٦٠.

(٢) نفس المصدر ٤: ١٦١.

٢١٧

مثل كلّ جسم من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع، ولكن شاركها في مسمّى الجسمية، كما إذا قيل: هو حيّ وغيره حي شاركه في مسمّى الحي، وكذلك شارك غيره في مسمّى العالم والقادر والموجود والذات والحقيقة، فماكان من لوازم القدر المشترك ثبت لهما، وما اختصّ بأحدهما لم يثبت للآخر (١) .

وأنت خبير بأنّ هذا عين التشبيه بالضرورة، فإنّ العبد لا يشارك الربّ في ا لعلم والقدرة والحياة والحقيقة ولا غير ذلك، ولا بينهما قدر مشترك بالضرورة، ولكن المحروم مشبّه مبدع.

في تصريحه بـ :

افتقار الربّ افتقار المركّب إلى أجزائه تعالى الله

وقد صرّح بصحة افتقار الربّ وتركبه من أجزائه، قال في آخر هامش صفحة ١٧٢ من الجزء الرابع: وإذا قيل: هو مفتقر إلى صفاته اللازمة، أو جزئه، أو لوازم ذاته، أو نحو ذلك كان حقيقة ذلك أنّه لا يكون موجوداً إلاّ بصفات الكمال، وأنّه يمتنع وجوده دون صفات الكمال التي هي من لوازم ذاته، وهذا حقّ (٢) . إلى آخره.

وقال في هامش صفحة ١٨٩ من هذا الجزء الرابع: فإن قيل: نعني بالافتقار أنّه لا يوجد هذا إلاّ مع هذا. قيل: ولم قلتم: إنّ مثل هذا ممتنع على الواجب بنفسه (٣) ؟.

إلى أن قال في هامش صفحة ١٩٠: الوجه الرابع أن يقال: قول

____________________

(١) درء تعارض العقل والنقل ٤: ١٩٦.

(٢) نفس المصدر ٤: ٢٠٤.

(٣) نفس المصدر ٤: ٢٢١.

٢١٨

القائل: إن المركّب مفتقر إلى كلّ واحد من تلك الأجزاء، أتعني بالمركّب تلك الأجزاء، أو تعني به اجتماعها، أو الأمرين، أو شيئاً رابعاً؟ فإن عنيت الأوّل كان المعنى أنّ تلك الأجزاء مفتقرة إلى تلك الأجزاء، وكان حاصله: أنّ الشيء المركّب مفتقر إلى المركّب، وأنّ الشيء مفتقر إلى نفسه، وأنّ الواجب بنفسه مفتقر إلى الواجب بنفسه، ومعلوم أنّ الواجب بنفسه لا يكون مستغنياً عن نفسه بل وجوبه بنفسه يستلزم أنّ نفسه لا تستغني عن نفسه، فما ذكرتموه من الافتقار هو تحقيق لكونه واجباً بنفسه لا مانع لكونه واجباً بنفسه (١) . إلى آخره.

تصريحه بـ :

افتقاره تعالى افتقار المشروط إلى شرطه تعالى

وقال في هامش صفحة ١٦٩ من الجزء الأوّل ما لفظه: ولفظ الافتقار هنا إن اُريد به افتقار المشروط إلى شرطه فهذا هو تلازم من الجانبين، وليس ذلك ممتنعاً، والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقراً إلى ما هو خارج عن نفسه، فأمّا ما كان صفة لازمة لذاته وهو داخل في مسمّى اسمه، فقول القائل: إنّه مفتقر إليها كقوله: إنّه مفتقر إلى نفسه...

قال: ولا تكون نفسه إلاّ بما هو داخل في مسمّى اسمها، وهذا حقّ (٢) . انتهى موضع الحاجة من كلامه.

تصريحه بـ :

إثبات التشبيه والتجسيم القبيح

وصرّح بالتجسيم القبيح في هامش الجزء الأوّل في صفحة ٧٠ قال ما

____________________

(١) درء تعارض العقل والنقل ٤: ٢٢٢ ـ ٢٢٣.

(٢) نفس المصدر ١: ٢٨٢.

٢١٩

لفظه: فإن مَن نفى شيئاً من الصفات لكون إثباتها تجسيماً وتشبيهاً يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية أو العلوّ أو الرؤية أو نحو ذلك وقال له: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه; لأنّه لا يعقل ما هو كذلك إلاّ الجسم، قال له المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلاّ ما هو جسم (١) . إلى آخره.

تصريحه بالجهة هو وإمامه أحمد:

وصرّح بالجهة، وأنّه تعالى على العرش باين عن السفل، وأنّه مع الخلق بعلمه لا بذاته، وأنّ هذا مذهب إمامه أحمد، قال في هامش صفحة ١٤١ من الجزء الأوّل: كالإمام أحمد في ردّه على الجهميّة، لما بين دلالة القرآن على علوّه واستوائه على عرشه، وأنّه مع ذلك عالم بكلّ شيء، كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَـوَتِ وَالارْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الارْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (٢) فبيّن أنّ المراد بذكر المعيّة أنّه عالم بهم، كما افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، وأنّه بيّن سبحانه أنّه مع علوّه على العرش، يعلم ما الخلق عاملون، كما في حديث عبّاس بن عبد المطلّب الذي رواه أبو داوُد وغيره عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال فيه: «والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه» (٣) فبيّن

____________________

(١) درء تعارض العقل والنقل ١: ١٢٧ ١٢٨.

(٢) سورة الحديد ٥٧: ٤.

(٣) انظر درء التعارض ١: ٢٣٧ الهامش رقم ٢، سنن أبي داوُد ٤: ٢٣١/٤٧٢٣، ضعفاء

٢٢٠