المعالم الجديدة للأصول

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المعالم الجديدة للأصول

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار التعارف للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٨

الإمامية فقد كانوا وقتئذ يعيشون عصر النص الشرعي ، لأن الإمام عليه‌السلام امتداد لوجود النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكانت المشاكل التي يعانيها فقهاء الإمامية في الاستنباط أقل بكثير إلى الدرجة التي لا تفسح المجال للإحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الأصول.

ولهذا نجد أن الإمامية بمجرد أن انتهى عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص تفتحت ذهنيتهم الأصولية وأقبلوا على درس العناصر المشتركة ، وحققوا تقدما في هذا المجال على يد الرواد النوابغ من فقهائنا من قبيل الحسن بن علي بن أبي عقيل ومحمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي في القرن الرابع.

ودخل علم الأصول بسرعة دور التصنيف والتأليف ، فألف الشيخ محمد ابن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد المتوفى سنة (٤١٣) ه كتابا في الأصول واصل فيه الخطّ الفكري الّذي سار عليه ابن أبي عقيل وابن الجنيد قبله ، ونقدهما في جملة من آرائهما. وجاء بعده تلميذه السيد المرتضى المتوفى سنة (٤٣٦) ه فواصل تنمية الخطّ الأصولي وأفرد لعلم الأصول كتابا موسعا نسبيا سماه «الذريعة» وذكر في مقدمته أن هذا الكتاب منقطع النظير في إحاطته بالاتجاهات الأصولية التي تميز الإمامية باستيعاب وشمول.

ولم يكن السيد المرتضى هو الوحيد من تلامذة المفيد الذين واصلوا تنمية هذا العلم الجديد والتصنيف فيه ، بل صنف فيه أيضا عدد آخر من تلامذة المفيد ، منهم سلار بن عبد العزيز الديلمي المتوفى سنة (٤٣٦) ه إذ كتب كتابا باسم التقريب في أصول الفقه.

ومنهم الشيخ الفقيه المجدد محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة (٤٦٠) الّذي انتهت إليه الزعامة الفقهية بعد أستاذيه الشيخ المفيد والسيد المرتضى ، فقد كتب كتابا في الأصول باسم «العدة في الأصول» وانتقل علم الأصول على يده إلى دور جديد من النضج الفكري ، كما انتقل الفقه

٦١

أيضا إلى مستوى أرفع من التفريع والتوسع.

وكان يقوم في هذا العصر إلى صف البحث الأصولي عمل واسع النطاق في جمع الأحاديث المنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ودمج المجاميع الصغيرة في موسوعات كبيرة ، فما انتهى ذلك العصر حتى حصل الفكر العلمي الإمامي على مصادر أربعة موسعة للحديث. وهي الكافي لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة (٣٢٩) ه ومن لا يحضره الفقيه للصدوق محمد بن علي بن الحسين المتوفى سنة (٣٨١) ه والتهذيب للشيخ الطوسي ألفه في حياة الشيخ المفيد والاستبصار له أيضا. وتسمى هذه الكتب في العرف الإمامي بالكتب الأربعة.

تطور علم النظرية وعلم التطبيق على يد الشيخ الطوسي :

لم تكن مساهمة الشيخ الطوسي في الأصول مجرد استمرار للخط وإنما كانت تعبر عن تطور جديد كجزء من تطور شامل في التفكير الفقهي والعلمي كله ، أتيح لهذا الفقيه الرائد أن يحققه ، فكان كتاب العدة تعبيرا عن الجانب الأصولي من التطور ، بينما كان كتاب المبسوط في الفقه تعبيرا عن التطور العظيم في البحث الفقهي على صعيد التطبيق بالشكل الّذي يوازي التطور الأصولي على صعيد النظريات.

والفارق الكيفي بين اتجاهات العلم التي انطلقت من هذا التطور الجديد واتجاهاته قبل ذلك ، يسمح لنا باعتبار الشيخ الطوسي حدا فاصلا بين عصرين من عصور العلم بين العصر العلمي التمهيدي والعصر العلمي الكامل ، فقد وضع هذا الشيخ الرائد حدا للعصر التمهيدي وبدأ به عصر العلم الّذي أصبح الفقه والأصول فيه علما له دقته وصناعته وذهنيته العلمية الخاصة.

ولعل أفضل طريقة ممكنة في حدود إمكانات هذه الحلقة لتوضيح

٦٢

التطور العظيم الّذي أحرزه العلم على يد الشيخ الطوسي ، أن نلاحظ نصين كتب الشيخ أحدهما في مقدمة كتاب العدة وكتب الآخر في مقدمة كتاب المبسوط.

أما في كتاب العدة فقد كتب في مقدمته يقول : «سألتم أيدكم الله إملاء مختصر في أصول الفقه يحيط بجميع أبوابه على سبيل الإيجاز والاختصار على ما تقتضيه مذاهبنا وتوجبه أصولنا ، فان من صنّف في هذا الباب سلك كل قوم منهم المسلك الّذي اقتضاه أصولهم ولم يعهد من أصحابنا لأحد في هذا المعنى إلا ما ذكره شيخنا أبو عبد الله رحمه‌الله في المختصر الّذي له في أصول الفقه ولم يستقصه وشذ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها وتحريرات غير ما حررها ، وإن سيدنا الأجل المرتضى ـ أدام الله علوه ـ وإن أكثر في أماليه وما يقرأ عليه شرح ذلك ، فلم يصنّف في هذا المعنى شيئا يرجع إليه ويجعل ظهرا يستند إليه ، وقلتم : ان هذا فن من العلم لا بد من شدة الاهتمام به ، لأن الشريعة كلها مبنية عليه ولا يتم العلم بشيء منها دون إحكام أصولها ، ومن لم يحكم أصولها فانما يكون حاكيا ومعتادا ولا يكون عالما».

وهذا النص من الشيخ الطوسي يعكس مدى أهمية العمل الأصولي الّذي أنجزه ـ قدس‌سره ـ في كتاب العدة وطابعه التأسيسي في هذا المجال ، وما حققه من وضع النظريات الأصولية ضمن الإطار المذهبي العام للإمامية.

ويعزز هذا النص من الناحية التاريخية أولية الشيخ المفيد في التصنيف الأصولي على الصعيد الشيعي ، كما أنه يدل على أن الشيخ الطوسي كتب كتاب العدة أو بدأ به في حياة السيد المرتضى ، إذ دعا له بالبقاء. ولعله لأجل ذلك لم يكن يعرف وقتئذ شيئا عن كتاب الذريعة للمرتضى ، إذ نفى وجود كتاب له في علم الأصول. وهذا يعني أن الطوسي بدأ بكتابه قبل أن يكتب المرتضى الذريعة أو أن الذريعة كانت مؤلفة فعلا ولكنها

٦٣

لم يعلن عنها ولم يطلع عليها الشيخ الرائد حين بدأ تصنيفه للكتاب.

وكتب الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي العظيم المبسوط ، يقول : «إني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة والمنتسبين إلى علم الفروع يستخفون بفقه أصحابنا الإمامية وينسبونهم إلى قلة الفروع وقلة المسائل ويقولون : إنهم أهل حشو ومناقصة ، وإن من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الأصول ، لأن جل ذلك وجمهوره مأخوذ من هذين الطريقين وهذا جهل منهم بمذاهبنا وقلة تأمل لأصولنا ، ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أن جل ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا ومنصوص عليه عن أئمتنا الذين قولهم في الحجة يجري مجرى قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إما خصوصا أو عموما أو تصريحا أو تلويحا. وأما ما كثروا به كتبهم من مسائل الفروع فلا فرع من ذلك الا وله مدخل في أصولنا ومخرج على مذاهبنا لا على وجه القياس بل على طريقة توجب علما يجب العمل عليها ويسوغ المصير إليها من البناء على الأصل وبراءة الذّمّة وغير ذلك. مع أن أكثر الفروع لها مدخل فيما نصّ عليه أصحابنا ، وإنما كثر عددها عند الفقهاء لتركيبهم المسائل بعضها على بعض وتعليقها والتدقيق فيها حتى أن كثيرا من المسائل الواضحة دق لضرب من الصناعة وإن كانت المسألة معلومة واضحة. وكنت على قديم الوقت وحديثه متشوق النّفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك تتوق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك القواطع وتشغلني الشواغل وتضعف نيتي أيضا فيه قلة رغبة هذه الطائفة فيه وترك عنايتهم به ، لأنهم ألفوا الاخبار وما رووه من صريح الألفاظ حتى أن مسألة لو غير لفظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها وقصر فهمهم عنها ، وكنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصلوها من المسائل وفرقوه في كتبهم ، ورتبته ترتيب الفقه وجمعت بين النّظائر ورتبت فيه الكتب على ما رتبت للعلة التي بينتها هناك ، ولم أتعرض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الأبواب وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها ، بل أوردت جميع ذلك أو

٦٤

أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك ، وعملت بآخره مختصر جمل العقود في العبادات سلكت فيه طريق الإيجاز والاختصار وعقود الأبواب في ما يتعلق بالعبادات ، ووعدت فيه أن أعمل كتابا في الفروع خاصة يضاف إلى كتاب النهاية ويجتمع معه يكون كاملا كافيا في جميع ما يحتاج إليه ، ثم رأيت أن ذلك يكون مبتورا يصعب فهمه على الناظر فيه ، لأن الفرع إنما يفهمه إذا ضبط الأصل معه ، فعدلت إلى عمل كتاب يشتمل على عدد بجميع كتب الفقه التي فصلها الفقهاء ، وهي نحو من ثلاثين كتابا اذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ ، واقتصرت على مجرد الفقه دون الأدعية والآداب ، وأعقد فيه الأبواب وأقسم فيه المسائل وأجمع بين النّظائر وأستوفيه غاية الاستيفاء وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون وأقول ما عندي على ما تقتضيه مذاهبنا وتوجبه أصولنا بعد أن أذكر أصول جميع المسائل ... وهذا الكتاب إذا سهل الله تعالى إتمامه يكون كتابا لا نظير له لا في كتب أصحابنا ولا في كتب المخالفين ، لأني إلى الآن ما عرفت لأحد من الفقهاء كتابا واحدا يشتمل على الأصول والفروع مستوفيا مذهبنا ، بل كتبهم وإن كانت كثيرة فليس يشتمل عليهما كتاب واحد. وأما أصحابنا فليس لهم في هذا المعنى ما يشار إليه ، بل لهم مختصرات».

وهذا النص يعتبر من الوثائق التاريخية التي تتحدث عن المراحل البدائية من تكون الفكر الفقهي التي مر بها علم الشريعة لدى الإمامية ونما من خلالها حتى أنتج أمثال الشيخ الطوسي من النوابغ الذين نقلوه إلى مستوى أوسع وأعمق.

ويبدو من هذا النص أن البحث الفقهي الّذي سبق الشيخ الطوسي وأدركه هذا الفقيه العظيم وضاق به ، كان يقتصر في الغالب على استعراض المعطيات المباشرة للأحاديث والنصوص ، وهي ما سماها الشيخ الطوسي بأصول المسائل ، ويتقيد في استعراض تلك المعطيات بنفس

٦٥

الصيغ التي جاءت في مصادرها من تلك الأحاديث. ومن الطبيعي أن البحث الفقهي حين يقتصر على أصول المسائل المعطاة بصورة مباشرة في النصوص ويتقيد بصيغتها المأثورة ، يكون بحثا منكمشا لا مجال فيه للإبداع والتعمق الواسع النطاق.

وكتاب المبسوط كان محاولة ناجحة وعظيمة في مقاييس التطور العلمي لنقل البحث الفقهي من نطاقه الضيق المحدود في أصول المسائل إلى نطاق واسع يمارس الفقيه فيه التفريع والتفصيل والمقارنة بين الأحكام وتطبيق القواعد العامة ويتتبع أحكام مختلف الحوادث والفروض على ضوء المعطيات المباشرة للنصوص.

وبدرس نصوص الفقيه الرائد رضوان الله عليه في العدة والمبسوط ، يمكننا أن نستخلص الحقيقتين التاليتين :

إحداهما أن علم الأصول في الدور العلمي الّذي سبق الشيخ الطوسي كان يتناسب مع مستوى البحث الفقهي الّذي كان يقتصر وقتئذ على أصول المسائل والمعطيات المباشرة للنصوص ، ولم يكن بإمكان علم الأصول في تلك الفترة أن ينمو نموا كبيرا ، لأن الحاجات المحدودة للبحث الفقهي الّذي حصر نفسه في حدود المعطيات المباشرة للنصوص لم تكن تساعد على ذلك فكان من الطبيعي أن ينتظر علم الأصول نمو التفكير الفقهي واجتيازه تلك المراحل التي كان الشيخ الطوسي يضيق بها ويشكو منها.

والحقيقة الأخرى هي ان تطور علم الأصول الّذي يمثله الشيخ الطوسي في كتاب العدة كان يسير في خط مواز للتطور العظيم الّذي أنجز في تلك الفترة على الصعيد الفقهي. وهذه الموازاة التاريخية بين التطورين تعزز الفكرة التي قلناها سابقا عن التفاعل بين الفكر الفقهي والفكر الأصولي أي بين بحوث النظرية وبحوث التطبيق الفقهي ، فان الفقيه الّذي يشتغل في حدود التعبير عن مدلول النص ومعطاه المباشر بنفس

٦٦

عبارته أو بعبارة مرادفة ويعيش قريبا من عصر صدوره من المعصوم ، لا يحس بحاجة شديدة إلى قواعد ، ولكنه حين يدخل في مرحلة التفريع على النص ودرس التفصيلات وافتراض فروض جديدة لاستخراج حكمها بطريقة ما من النص يجد نفسه بحاجة كبيرة ومتزايدة إلى العناصر والقواعد العامة وتنفتح أمامه آفاق التفكير الأصولي الرحيبة.

ويجب أن لا نفهم من النصوص المتقدمة التي كتبها الشيخ الطوسي أن نقل الفكر الفقهي من دور الاقتصار على أصول المسائل والجمود على صيغ الروايات إلى دور التفريع وتطبيق القواعد ، قد تم على يد الشيخ فجأة وبدون سابق إعداد ، بل الواقع ان التطور الّذي أنجزه الشيخ في الفكر الفقهي كان له بذوره التي وضعها قبله أستاذاه السيد المرتضى والشيخ المفيد وقبلهما ابن أبي عقيل وابن الجنيد كما أشرنا سابقا ، وكان لتلك البذور أهميتها من الناحية العلمية حتى نقل عن أبي جعفر بن معد الموسوي وهو متأخر عن الشيخ الطوسي أنه وقف على كتاب ابن الجنيد الفقهي واسمه التهذيب فذكر أنه لم ير لأحد من الطائفة كتابا أجود منه ولا أبلغ ولا أحسن عبارة ولا أرق معنى منه ، وقد استوفى فيه الفروع والأصول وذكر الخلاف في المسائل واستدل بطريق الإمامية وطريق مخالفيهم. فهذه الشهادة تدل على قيمة البذور التي نمت حتى آتت أكلها على يد الطوسي.

وقد جاء كتاب العدة للطوسي الّذي يمثل نمو الفكر الأصولي في أعقاب تلك البذور تلبية لحاجات التوسع في البحث الفقهي. وعلى هذا الضوء نعرف أن من الخطأ القول بأن كتاب العدة ينقض العلاقة بين تطور الفقه وتطور الأصول ويثبت إمكانية تطور الفكر الأصولي بدرجة كبيرة دون أن يحصل أدنى تغيير في الفكر الفقهي ، لأن الشيخ صنّف العدة في حياة السيد المرتضى والفكر الفقهي وقتئذ كان يعيش مستواه البدائي ولم يتطور الا خلال كتاب المبسوط الّذي كتبه الشيخ في آخر حياته. ووجه الخطأ في

٦٧

هذا القول أن كتاب المبسوط وإن كان متأخرا تاريخيا عن كتاب العدة ولكن كتاب المبسوط لم يكن إلا تجسيدا للتوسع والتكامل للفكر الفقهي الّذي كان قد بدأ بالتوسع والنموّ والتفريع على يد ابن الجنيد والسيد المرتضى وغيرهما.

الوقوف النسبي للعلم :

ما مضى المجدد العظيم محمد بن الحسن الطوسي ـ قدس‌سره ـ حتى قفز بالبحوث الأصولية وبحوث التطبيق الفقهي قفزة كبيرة وخلّف تراثا ضخما في الأصول يتمثل في كتاب العدة وتراثا ضخما في التطبيق الفقهي يتمثل في كتاب المبسوط. ولكن هذا التراث الضخم توقف عن النموّ بعد وفاة الشيخ المجدد طيلة قرن كامل في المجالين الأصولي والفقهي على السواء.

وهذه الحقيقة بالرغم من تأكيد جملة من علمائنا لها تدعو إلى التساؤل والاستغراب ، لأن الحركة الثورية التي قام بها الشيخ في دنيا الفقه والأصول والمنجزات العظيمة التي حققها في هذه المجالات كان من المفروض والمترقب أن تكون قوة دافعة للعلم وأن تفتح لمن يخلف الشيخ من العلماء آفاقا رحيبة للإبداع والتجديد ومواصلة السير في الطريق الّذي بدأه الشيخ ، فكيف لم تأخذ أفكار الشيخ وتجديداته مفعولها الطبيعي في الدفع والإغراء بمواصلة السير؟.

هذا هو السؤال الّذي يجب التوفر على الإجابة عنه ، ويمكننا بهذا الصدد أن نشير إلى عدة أسباب من المحتمل أن تفسر الموقف :

١ ـ من المعلوم تاريخيا أن الشيخ الطوسي هاجر إلى النجف سنة (٤٤٨) ه نتيجة للقلاقل والفتن التي ثارت بين الشيعة والسنة في بغداد أي قبل وفاته ب (١٢) سنة ، وكان يشغل في بغداد قبل هجرته مركزا علميا معترفا به من الخاصة والعامة حتى ظفر بكرسي الكلام والإفادة من

٦٨

الخليفة القائم بأمر الله الّذي لم يكن يمنح هذا الكرسي إلا لكبار العلماء الذين يتمتعون بشهرة كبيرة ، ولم يكن الشيخ مدرسا فحسب بل كان مرجعا وزعيما دينيا ترجع إليه الشيعة في بغداد وتلوذ به في مختلف شئونها منذ وفاة السيد المرتضى عام (٤٣٦) ه ولأجل هذا كانت هجرته إلى النجف سببا لتخليه عن كثير من المشاغل وانصرافه انصرافا كاملا إلى البحث العلمي الأمر الّذي ساعده على إنجاز دوره العلمي العظيم الّذي ارتفع به إلى مستوى المؤسسين كما أشار إلى ذلك المحقق الشيخ أسد الله التستري في كتاب مقابس الأنوار ، إذ قال : «ولعل الحكمة الإلهية فيما اتفق للشيخ تجرده للاشتغال بما تفرد به من تأسيس العلوم الشرعية ولا سيما المسائل الفقهية».

فمن الطبيعي على هذا الضوء أن يكون للسنين التي قضاها الشيخ في النجف أثرها الكبير في شخصيته العلمية التي تمثلت في كتاب المبسوط ، وهو آخر ما ألفه في الفقه كما نصّ على ذلك ابن إدريس في بحث الأنفال من السرائر ، بل آخر ما ألفه في حياته كما جاء في كلام مترجميه.

وإلى جانب هذا نلاحظ أن الشيخ بهجرته إلى النجف قد انفصل في أكبر الظن عن تلامذته وحوزته العلمية في بغداد ، وبدأ ينشئ في النجف حوزة فتية حوله من أولاده أو الراغبين في الالتحاق بالدراسات الفقهية من مجاوري القبر الشريف أو أبناء البلاد القريبة منه كالحلة ونحوها ، ونمت الحوزة على عهده بالتدريج وبرز فيها العنصر المشهدي ـ نسبة إلى المشهد العلوي ـ والعنصر الحلي وتسرب التيار العلمي منها إلى الحلة.

ونحن حين نرجح أن الشيخ بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية وأنشأ في مهجره حوزة جديدة ، نستند إلى عدة مبررات :

فقبل كل شيء نلاحظ أن مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف لم يشيروا إطلاقا إلى أن تلامذة الشيخ الطوسي في بغداد رافقوه أو التحقوا به فور هجرته إلى النجف ، وإذا لاحظنا إضافة إلى ذلك قائمة تلامذة الشيخ التي يذكرها مؤرخوه نجد أنهم لم يشيروا إلى مكان التلمذة

٦٩

إلا بالنسبة إلى شخصين جاء النص على أنهما تلمذا على الشيخ في النجف ، وهما الحسين ابن المظفر بن علي الحمداني والحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي وأقرب الظن فيهما معا انهما من التلامذة المحدثين للشيخ الطوسي. أما الحسين بن المظفر فقد ذكر الشيخ منتجب الدين في ترجمته من الفهرست أنه قرأ على الشيخ جميع تصانيفه في الغري ، وقراءته لجميع تصانيف الشيخ عليه في النجف يعزز احتمال أنه من تلامذته المحدثين الذين التحقوا به بعد هجرته إلى النجف ، إذ لم يقرأ عليه شيئا منها قبل ذلك التاريخ ، ويعزز ذلك أيضا أن أباه المظفر كان يحضر درس الشيخ الطوسي أيضا ومن قبله السيد المرتضى ـ كما نصّ على ذلك منتجب الدين في الفهرست ـ وهذا يعزز احتمال كون الابن من طبقة متأخرة عن الطبقة التي يندرج فيها الأب من تلامذة الشيخ. وأما الحسن بن الحسين البابويهي القمي فنحن نعرف من ترجمته أنه تلمذ على عبد العزيز بن البراج الطرابلسي أيضا وروى عن الكراجكي والصهرشتي ، وهؤلاء الثلاثة هم من تلامذة الشيخ الطوسي ، وهذا يعني أن الحسن الّذي تلمذ على الشيخ في النجف كان من تلامذته المتأخرين ، لأنه تلمذ على تلامذته أيضا.

ومما يعزز احتمال حداثة الحوزة التي تكونت حول الشيخ في النجف الدور الّذي أداه فيها ابنه الحسن المعروف بأبي علي ، فقد تزعم الحوزة بعد وفاة أبيه ، ومن المظنون أن أبا علي كان في دور الطفولة أو أوائل الشباب حين هاجر أبوه إلى النجف ، لأن تاريخ ولادته ووفاته وإن لم يكن معلوما ولكن الثابت تاريخيا أنه كان حيا في سنة (٥١٥) ه كما يظهر من عدة مواضع من كتاب بشارة المصطفى ، أي إنه عاش بعد هجرة أبيه إلى النجف قرابة سبعين عاما ، ويذكر عن تحصيله أنه كان شريكا في الدرس عند أبيه مع الحسن بن الحسين القمي الّذي رجحنا كونه من الطبقة المتأخرة ، كما يقال عنه أن أباه أجازه سنة (٤٥٥) ه أي قبل وفاته بخمسين سنة ، وهو يتفق مع حداثة تحصيله.

٧٠

فإذا عرفنا أنه خلف أباه في التدريس والزعامة العلمية للحوزة في النجف بالرغم من كونه من تلامذته المتأخرين في أغلب الظن استطعنا أن نقدّر المستوى العلمي العام لهذه الحوزة ، ويتضاعف الاحتمال في كونها حديثة التكوّن.

والصورة التي تكتمل لدينا على هذا الأساس هي أن الشيخ الطوسي بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية في بغداد وأنشأ حوزة جديدة حوله في النجف وتفرغ في مهجره للبحث وتنمية العلم ، وإذا صدقت هذه الصورة أمكننا تفسير الظاهرة التي نحن بصدد تعليلها ، فإن الحوزة الجديدة التي نشأت حول الشيخ في النجف كان من الطبيعي أن لا ترقى إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الّذي أنجزه الطوسي في الفكر العلمي ، لحداثتها. وأما الحوزة الأساسية ذات الجذور في بغداد فلم تتفاعل مع أفكار الشيخ ، لأنه كان يمارس عمله العلمي في مهجره منفصلا عن تلك الحوزة ، فهجرته إلى النجف وإن هيأته للقيام بدوره العلمي العظيم لما أتاحت له من تفرغ ولكنها فصلته عن حوزته الأساسية ، ولهذا لم يتسرب الإبداع الفقهي العلمي من الشيخ إلى تلك الحوزة التي كان ينتج ويبدع بعيدا عنها ، وفرق كبير بين المبدع الّذي يمارس إبداعه العلمي داخل نطاق الحوزة ويتفاعل معها باستمرار وتواكب الحوزة إبداعه بوعي وتفتح ، وبين المبدع الّذي يمارس إبداعه خارج نطاقها وبعيدا عنها.

ولهذا كان لا بد ـ لكي يتحقق ذلك التفاعل الفكري الخلاق ـ أن يشتدّ ساعد الحوزة الفتية التي نشأت حول الشيخ في النجف حتى تصل إلى ذلك المستوى من التفاعل من الناحية العلمية ، فسادت فترة ركود ظاهري بانتظار بلوغ الحوزة الفتية إلى ذلك المستوى ، وكلف ذلك العلم أن ينتظر قرابة مائة عام ليتحقق ذلك ولتحمل الحوزة الفتية أعباء الوراثة العلمية للشيخ حتى تتفاعل مع آرائه وتتسرب بعد ذلك بتفكيرها المبدع الخلاق إلى الحلة ، بينما ذوت الحوزة القديمة في بغداد وانقطعت عن مجال الإبداع

٧١

العلمي الّذي كانت الحوزة الفتية في النجف ـ وجناحها الحلي بصورة خاصة ـ الوريثة الطبيعية له.

٢ ـ وقد أسند جماعة من العلماء ذلك الركود الغريب إلى ما حظي به الشيخ الطوسي من تقدير عظيم في نفوس تلامذته رفعه في أنظارهم عن مستوى النقد ، وجعل من آرائه ونظرياته شيئا مقدسا لا يمكن أن ينال باعتراض أو يخضع لتمحيص. ففي المعالم كتب الشيخ حسن بن زين الدين ناقلا عن أبيه ـ قدس‌سره ـ أن أكثر الفقهاء الذين نشئوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به وروي عن الحمصي وهو ممن عاصر تلك الفترة أنه قال : «لم يبق للإمامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك».

وهذا يعني أن ردّ الفعل العاطفي لتجديدات الشيخ قد طغا متمثلا في تلك النزعة التقديسية على رد الفعل الفكري الّذي كان ينبغي أن يتمثل في درس القضايا والمشاكل التي طرحها الشيخ والاستمرار في تنمية الفكر الفقهي.

وقد بلغ من استفحال تلك النزعة التقديسية في نفوس الأصحاب أنا نجد فيهم من يتحدث عن رؤيا لأمير المؤمنين عليه‌السلام شهد فيها الإمام عليه‌السلام بصحة كل ما ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي «النهاية» ، وهو يشهد عن مدى تغلغل النفوذ الفكري والروحي للشيخ في أعماق نفوسهم.

ولكن هذا السبب لتفسير الركود الفكري قد يكون مرتبطا بالسبب الأول ، إذ لا يكفي التقدير العلمي لفقيه في العادة مهما بلغ لكي يغلق على الفكر الفقهي للآخرين أبواب النموّ والتفاعل مع آراء ذلك الفقيه ، وإنما يتحقق هذا عادة حين لا يكون هؤلاء في المستوى العلمي الّذي يؤهلهم لهذا التفاعل فيتحول التقدير إلى إيمان وتعبد.

٧٢

٣ ـ والسبب الثالث يمكننا أن نستنتجه من حقيقتين تاريخيتين : إحداهما أن نمو الفكر العلمي والأصولي لدى الشيعة لم يكن منفصلا عن العوامل الخارجية التي كانت تساعد على تنمية الفكر والبحث العلمي ، ومن تلك العوامل عامل الفكر السني ، لأن البحث الأصولي في النطاق السني ونمو هذا البحث وفقا لأصول المذهب السني كان حافزا باستمرار للمفكرين من فقهاء الإمامية لدراسة تلك البحوث في الإطار الإمامي ، ووضع النظريات التي تتفق معه في كل ما يثيره البحث السني من مسائل ومشاكل والاعتراض على الحلول المقترحة لها من قبل الآخرين.

ويكفي للاستدلال على دور الإثارة الّذي كان يقوم به التفكير الأصولي السني ، هذان النصان لشخصين من كبار فقهاء الإمامية :

١ ـ قال الشيخ الطوسي في مقدمة كتاب العدة يبرر إقدامه على تصنيف هذا الكتاب الأصولي : «إن من صنف في هذا الباب سلك كل قوم منهم المسلك الّذي اقتضاه أصولهم ولم يعهد من أصحابنا لأحد في هذا المعنى».

٢ ـ وكتب ابن زهرة في كتابه الغنية وهو يشرح الأغراض المتوخاة من البحث الأصولي قائلا : «على أن لنا في الكلام في أصول الفقه غرضا آخر سوى ما ذكرناه ، وهو بيان فساد كثير من مذاهب مخالفينا فيها وكثير من طرقهم إلى تصحيح ما هو صحيح منها (١) وأنه لا يمكنهم تصحيحها وإخراجهم بذلك عن العلم بشيء من فروع الفقه ، لأن العلم بالفروع من دون العلم بأصله محال ، وهو غرض كبير يدعو إلى العناية بأصول الفقه ويبعث على الاشتغال بها».

__________________

(١) أي الكشف عن فساد كثير من متبنياتهم من ناحية وفساد الأدلة التي يستندون إليها لإثبات المتبنيات الصحيحة من ناحية أخرى.

٧٣

هذه هي الحقيقة الأولى.

والحقيقة الأخرى هي أن التفكير الأصولي السني كان قد بدأ ينضب في القرن الخامس والسادس ويستنفذ قدرته على التجديد ويتجه إلى التقليد والاجترار ، حتى أدى ذلك إلى سدّ باب الاجتهاد رسميا.

ويكفينا لإثبات هذه الحقيقة شهادة معاصرة لتلك الفترة من عالم سني عاشها وهو الغزّالي المتوفى سنة (٥٠٥) ه ، إذ تحدث عن شروط المناظر في البحث فذكر منها «أن يكون المناظر مجتهدا يفتى برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له ، فأما من لم يبلغ رتبة الاجتهاد ـ وهو حكم كل أهل العصر ـ فأي فائدة له في المناظرة».

ونحن إذا جمعنا بين هاتين الحقيقتين وعرفنا أن التفكير الأصولي السني الّذي يشكل عامل إثارة للتفكير الأصولي الشيعي كان قد أخذ بالانكماش ومني بالعقم ، استطعنا أن نستنتج أن التفكير العلمي لدى فقهائنا الإمامية رضوان الله عليهم قد فقد أحد المثيرات المحركة له ، الأمر الّذي يمكن أن نعتبره عاملا مساعدا في توقف النموّ العلمي.

ابن إدريس يصف فترة التوقف :

ولعل من أفضل الوثائق التاريخية التي تصف تلك الفترة ما ذكره الفقيه المبدع محمد بن أحمد بن إدريس الّذي أدرك تلك الفترة وكان له دور كبير في مقاومتها وبثّ الحياة من جديد في الفكر العلمي كما سنعرف بعد لحظات ، فقد كتب هذا الفقيه في مقدمة كتابه السرائر يقول : «إني لما رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمدية والأحكام الإسلامية وتثاقلهم عن طلبها وعداوتهم لما يجهلون وتضييعهم لما يعلمون ، ورأيت ذا السن من أهل دهرنا هذا لغلبة الغباوة عليه مضيعا لما استودعته الأيام

٧٤

مقصرا في البحث عما يجب عليه علمه حتى كأنه ابن يومه ومنتج ساعته ... ورأيت العلم عنانه في يد الامتهان وميدانه قد عطل منه الرهان تداركت منه الذماء الباقي وتلافيت نفسا بلغت التراقي».

تجدد الحياة والحركة في البحث العلمي :

ما انتهت مائة عام حتى دبّت الحياة من جديد في البحث الفقهي والأصولي على الصعيد الإمامي ، بينما ظل البحث العلمي السني على ركوده الّذي وصفه الغزّالي في القرن الخامس.

ومرد هذا الفرق بين الفكرين والبحثين إلى عدة أسباب أدت إلى استئناف الفكر العلمي الإمامي نشاطه الفقهي والأصولي دون الفكر السني. ونذكر من تلك الأسباب السببين التاليين :

١ ـ إن روح التقليد وإن كانت قد سرت في الحوزة التي خلفها الشيخ الطوسي كما تغلغلت في أوساط الفقه السني ، ولكن نوعية الروح كانت تختلف لأن الحوزة العلمية التي خلفها الشيخ الطوسي سرى فيها روح التقليد لأنها كانت حوزة فتية ، فلم تستطع أن تتفاعل بسرعة مع تجديدات الشيخ العظيمة ، وكان لا بد لها أن تنتظر مدة من الزمن حتى تستوعب تلك الأفكار وترتفع إلى مستوى التفاعل معها والتأثير فيها ، فروح التقليد فيها موقتة بطبيعتها. وأما الحوزات الفقهية السنية فقد كان شيوع روح التقليد فيها نتيجة لشيخوختها بعد أن بلغت قصارى نموها ، أو بعد أن استنفدت أغراضها ، الأمر الّذي لا يمكننا التوسع في شرحه الآن على مستوى هذه الحلقة ، فكان من الطبيعي أن يتفاقم فيها روح الجمود والتقليد.

٢ ـ إن الفقه السني كان هو الفقه الرسمي الّذي تتبناه الدولة وتستفتيه في حدود وفائها بالتزاماتها الدينية ، ولهذا كانت الدولة تشكل

٧٥

عامل دفع وتنمية للفقه السني ، الأمر الّذي يجعل الفقه السني يتأثر بالأوضاع السياسية ويزدهر في عصور الاستقرار السياسي وتخبو جذوته في ظروف الارتباك السياسي.

وعلى هذا الأساس كان من الطبيعي أن يفقد الفقه السني شيئا مهما من جذوته في القرن السادس والسابع وما بعدهما تأثرا بارتباك الوضع السياسي وانهياره أخيرا على يد المغول الذين عصفوا بالعالم الإسلامي وحكوماته.

وأما الفقه الإمامي فقد كان منفصلا عن الحكم دائما ومغضوبا عليه من الأجهزة الحاكمة في كثير من الأحايين ، ولم يكن الفقهاء الإماميون يستمدون دوافع البحث العلمي من حاجات الجهاز الحاكم ، بل من حاجات الناس الذين يؤمنون بإمامة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ويرجعون إلى فقهاء مدرستهم في حل مشاكلهم الدينية ومعرفة أحكامهم الشرعية. ولأجل هذا كان الفقه الإمامي يتأثر بحاجات الناس ولا يتأثر بالوضع السياسي كما يتأثر الفقه السني.

ونحن إذا أضفنا إلى هذه الحقيقة عن الفقه الإمامي حقيقة أخرى ، وهي أن الشيعة المتعبدين بفقه أهل البيت كانوا في نمو مستمر كميا وكانت علاقاتهم بفقهائهم وطريقة الإفتاء والاستفتاء تتحدد وتتسع ، استطعنا أن نعرف أن الفقه الإمامي لم يفقد العوامل التي تدفعه نحو النموّ بل اتسعت باتساع التشيع وشيوع فكرة التقليد بصورة منظمة.

وهكذا نعرف أن الفكر العلمي الإمامي كان يملك عوامل النموّ داخليا باعتبار فتوته وسيره في طريق التكامل ، وخارجيا باعتبار العلاقات التي كانت تربط الفقهاء الإماميين بالشيعة وبحاجاتهم المتزايدة.

ولم يكن التوقف النسبي له بعد وفاة الشيخ الرائد إلا لكي يستجمع قواه ويواصل نموه عند الارتفاع إلى مستوى التفاعل مع آراء الطوسي.

٧٦

وأما عنصر الإثارة المتمثل في الفكر العلمي السني فهو وإن فقده الفكر العلمي الإمامي نتيجة لجمود الحوزات الفقهية السنية ، ولكنه استعاده بصورة جديدة ، وذلك عن طريق عمليات الغزو المذهبي التي قام بها الشيعة ، فقد أصبحوا في القرن السابع وما بعده في دور الدعوة إلى مذهبهم ، ومارس علماؤنا كالعلامة الحلي وغيره هذه الدعوة في نطاق واسع ، فكان ذلك كافيا لإثارة الفكر العلمي الشيعي للتعمق والتوسع في درس أصول السنة وفقهها وكلامها ، ولهذا نرى نشاطا ملحوظا في بحوث الفقه المقارن قام به العلماء الذين مارسوا تلك الدعوة من فقهاء الإمامية كالعلامة الحلي.

صاحب السرائر إلى صاحب المعالم :

وكانت بداية خروج الفكر العلمي عن دور التوقف النسبي على يد الفقيه المبدع محمد بن أحمد بن إدريس المتوفى سنة (٥٩٨) ه ، إذ بث في الفكر العلمي روحا جديدة ، وكان كتابه الفقهي «السرائر» إيذانا ببلوغ الفكر العلمي في مدرسة الشيخ إلى مستوى التفاعل مع أفكار الشيخ ونقدها وتمحيصها.

وبدراسة كتاب السرائر ومقارنته بالمبسوط يمكننا أن ننتهي إلى النقاط التالية :

١ ـ إن كتاب السرائر يبرز العناصر الأصولية في البحث الفقهي وعلاقتها به بصورة أوسع مما يقوم به كتاب المبسوط بهذا الصدد ، فعلى سبيل المثال نذكر أن ابن إدريس أبرز في استنباطه لأحكام المياه ثلاث قواعد أصولية وربط بحثه الفقهي بها ، بينما لا نجد شيئا منها في أحكام المياه من كتاب المبسوط وإن كانت بصيغتها النظرية العامة موجودة في كتب الأصول قبل ابن إدريس.

٧٧

٢ ـ إن الاستدلال الفقهي لدى ابن إدريس أوسع منه في كتاب المبسوط وهو يشتمل في النقاط التي يختلف فيها مع الشيخ على توسع في الاحتجاج وتجميع الشواهد ، حتى أن المسألة التي لا يزيد بحثها في المبسوط على سطر واحد قد تبلغ في السرائر صفحة مثلا ، ومن هذا القبيل مسألة طهارة الماء المتنجس إذا تمم كرا بماء متنجس أيضا فقد حكم الشيخ في المبسوط ببقاء الماء على النجاسة ولم يزد على جملة واحدة في توضيح وجهة نظره ، وأما ابن إدريس فقد اختار طهارة الماء في هذه الحالة ، وتوسع في بحث المسألة ثم ختمه قائلا : «ولنا في هذه المسألة منفردة نحو من عشر ورقات قد بلغنا فيها أقصى الغايات وحججنا القول فيها والأسئلة والأدلة والشواهد من الآيات والأخبار».

ونلاحظ في النقاط التي يختلف فيها ابن إدريس مع الشيخ الطوسي اهتماما كبيرا منه باستعراض الحجج التي يمكن أن تدعم وجهة نظر الطوسي وتفنيدها ، وهذه الحجج التي يستعرضها ويفندها إما أن تكون من وضعه وإبداعه يفترضها افتراضا ثم يبطلها لكي لا يبقي مجالا لشبهة في صحة موقفه ، أو أنها تعكس مقاومة الفكر التقليدي السائد لآراء ابن إدريس الجديدة. أي إن الفكر السائد استفزته هذه الآراء وأخذ يدافع عن آراء الطوسي ، فكان ابن إدريس يجمع حجج المدافعين ويفندها. وهذا يعني أن آراء ابن إدريس كان لها رد فعل وتأثير معاصر على الفكر العلمي السائد الّذي اضطره ابن إدريس للمبارزة.

ونحن نعلم من كتاب السرائر أن ابن إدريس كان يجابه معاصريه بآرائه ويناقشهم ولم يكن منكمشا في نطاق تأليفه الخاصّ ، فمن الطبيعي أن يثير ردود الفعل وأن تنعكس ردود الفعل هذه على صورة حجج لتأييد رأي الشيخ ، فمن مجابهات ابن إدريس تلك ما جاء في المزارعة من كتاب السرائر ، إذ كتب عن رأي فقهي يستهجنه ويقول : «والقائل بهذا القول السيد العلوي أبو المكارم بن زهرة الحلبي شاهدته ورأيته وكاتبته وكاتبني

٧٨

وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ فاعتذر رحمه‌الله بأعذار غير واضحة».

كما نلمح في بحوث ابن إدريس ما كان يقاسيه من المقلدة الذين تعبدوا بآراء الشيخ الطوسي وكيف كان يضيق بجمودهم؟ ففي مسألة تحديد المقدار الواجب نزحه من البئر إذا مات فيها كافر يرى ابن إدريس ان الواجب نزح جميع ما في البئر بدليل ان الكافر إذا باشر ماء البئر وهو حي وجب نزح جميعها اتفاقا ، فوجوب نزح الجميع إذا مات فيها أولى. وإذا كان هذا الاستدلال ـ الاستدلال بالأولوية ـ يحمل طابعا عقليا جريئا بالنسبة إلى مستوى العلم الّذي عاصره ابن إدريس فقد علق عليه يقول : «وكأني بمن يسمع هذا الكلام ينفر منه ويستبعده ويقول : من قال هذا ومن ينظره في كتابه ومن أشار من أهل هذا الفن الذين هم القدوة في هذا إليه؟».

وأحيانا نجد أن ابن إدريس يحتال على المقلدة فيحاول أن يثبت لهم أن الشيخ الطوسي يذهب إلى نفس رأيه ولو بضرب من التأويل ، فهو في مسألة الماء المتنجس المتمم كرا بمثله يفتي بالطهارة ويحاول أن يثبت ذهاب الشيخ الطوسي إلى القول بالطهارة أيضا ، فيقول : «فالشيخ أبو جعفر الطوسي الّذي يتمسك بخلافه ويقلده في هذه المسألة ويجعل دليلا يقوي القول والفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله. وأنا أبين ـ إن شاء الله ـ أن أبا جعفر تفوح من فيه رائحة تسليم هذه المسألة بالكلية إذا تؤمل كلامه وتصنيفه حق التأمل وأبصر بالعين الصحيحة وأحضر له الفكر الصافي».

٣ ـ وكتاب السرائر من الناحية التاريخية يعاصر إلى حد ما كتاب الغنية الّذي قام فيه حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي بدراسة مستقلة لعلم الأصول ، لأن ابن زهرة هذا توفي قبل ابن إدريس ب (١٩) عاما ، فالكتابان متقاربان من الناحية الزمنية.

ونحن إذا لاحظنا أصول ابن زهرة وجدنا فيه ظاهرة مشتركة بينه

٧٩

وبين فقه ابن إدريس تميزهما عن عصر التقليد المطلق للشيخ ، وهذه الظاهرة المشتركة هي الخروج على آراء الشيخ والأخذ بوجهات نظر تتعارض مع موقفه الأصولي أو الفقهي ، وكما رأينا ابن إدريس يحاول في السرائر تفنيد ما جاء في فقه الشيخ من أدلة كذلك نجد ابن زهرة يناقش في الغنية الأدلة التي جاءت في كتاب العدة ويستدل على وجهات نظر معارضة ، بل يثير أحيانا مشاكل أصولية جديدة لم تكن مثارة من قبل في كتاب العدة بذلك النحو (١).

وهذا يعني أن الفكر العلمي كان قد نمى واتسع بكلا جناحيه الأصولي والفقهي حتى وصل إلى المستوى الّذي يصلح للتفاعل مع آراء الشيخ ومحاكمتها إلى حدّ ما على الصعيدين الفقهي والأصولي ، وذلك يعزز ما قلناه سابقا من أن نمو الفكر الفقهي ونمو الفكر الأصولي يسيران في خطين متوازيين ولا يتخلف أحدهما عن الآخر تخلفا كبيرا ، لما بينهما من تفاعل وعلاقات.

واستمرت الحركة العلمية التي نشطت في عصر ابن إدريس تنمو وتتسع وتزداد ثراء عبر الأجيال ، وبرز في تلك الأجيال نوابغ كبار صنفوا في الأصول والفقه وأبدعوا ، فمن هؤلاء المحقق نجم الدين جعفر بن حسن بن يحيى بن سعيد الحلي المتوفى سنة (٦٧٦) ه ، وهو تلميذ تلامذة

__________________

(١) لا بأس أن يذكر المدرس مثالين او ثلاثة للمسائل التي اختلف فيها رأي ابن زهرة عن رأي الشيخ. فمن ذلك مسألة دلالة الأمر على الفور ، فقد كان الشيخ يقول بدلالته على الفور ، وانكر ابن زهرة ذلك وقال : ان صيغة الأمر حيادية لا تدل على فور ولا تراخ. من ذلك ايضا مسألة اقتضاء النهي عن المعاملة لفسادها ، فقد كان الشيخ يقول بالاقتضاء وانكر ابن زهرة ذلك مميزاً بين مفهومي الحرمة والفساد ونافياً للتلازم بينهما. وقد أثار ابن زهرة في بحوث العام والخاص مشكلة حجية العام المخصص في غير مورد التخصيص ، بينما لم تكن هذه المشكلة قد اثيرت في كتاب العدة.

٨٠