المعالم الجديدة للأصول

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المعالم الجديدة للأصول

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار التعارف للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٨

ولهذا البحث تاريخه الزاخر في علم الأصول وفي تاريخ الفكر الفقهي ، كما سنرى.

الاتجاهات المتعارضة في الإدراك العقلي

وقد شهد تاريخ التفكير الفقهي اتجاهين متعارضين في هذه النقطة كل التعارض ، يدعو أحدهما إلى اتخاذ العقل في نطاقه الواسع الّذي يشمل الإدراكات الناقصة ، وسيلة رئيسية للإثبات في مختلف المجالات التي يمارسها الأصولي والفقيه. والآخر يشجب العقل ويجرده إطلاقا عن وصفه وسيلة رئيسية للإثبات ، ويعتبر البيان الشرعي هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها في عمليات الاستنباط.

ويقف بين هذين الاتجاهين المتطرفين اتجاه ثالث معتدل يتمثل في جلّ فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، وهو الاتجاه الّذي يؤمن ـ خلافا للاتجاه الثاني ـ بأن العقل أو الإدراك العقلي وسيلة رئيسية صالحة للإثبات إلى صف البيان الشرعي ، ولكن لا في نطاق منفتح ـ كما زعمه الاتجاه الأول ـ بل ضمن النطاق الّذي تتوفر فيه للإنسان القناعة التامة والإدراك الكامل الّذي لا يوجد في مقابله احتمال الخطأ ، فكل إدراك عقلي يدخل ضمن هذا النطاق ويستبطن الجزم الكامل فهو وسيلة إثبات ، وأما الإدراك العقلي الناقص الّذي يقوم على أساس الترجيح ولا يتوفر فيه عنصر الجزم فلا يصلح وسيلة إثبات لأي عنصر من عناصر عملية الاستنباط.

فالعقل في رأي الاتجاه الثالث أداة صالحة للمعرفة ، وجديرة بالاعتماد عليها والإثبات بها إذا أدت إلى إدراك حقيقة من الحقائق إدراكا كاملا لا يشوبه شك. فلا كفران بالعقل كأداة للمعرفة ، ولا إفراط في الاعتماد عليه فيما لا ينتج عنه إدراك كامل.

وقد تطلّب هذا الاتجاه المعتدل الّذي مثله جل فقهاء مدرسة أهل

٤١

البيت عليهم‌السلام أن يخوضوا المعركة في جبهتين : إحداهما المعركة ضد أنصار الاتجاه الأول الّذي كانت مدرسة الرّأي في الفقه تتبناه بقيادة جماعة من أقطاب علماء العامة ، والأخرى المعركة ضد حركة داخلية نشأت داخل صفوف الفقهاء الإماميين متمثلة في المحدثين والأخباريين من علماء الشيعة الذين شجبوا العقل وادعوا أن البيان الشرعي هو الوسيلة الوحيدة التي يجوز استخدامها للإثبات ، وهكذا نعرف أن المعركة الأولى كانت ضد استغلال العقل والأخرى كانت إلى صفه.

١ ـ المعركة ضد استغلال العقل

قامت منذ أواسط القرن الثاني مدرسة فقهية واسعة النطاق تحمل اسم مدرسة الرّأي والاجتهاد بالمعنى الأول الّذي تقدم في البحث السابق ، وتطالب باتخاذ العقل بالمعنى الواسع الّذي يشمل الترجيح والظن والتقدير الشخصي للموقف ، أداة رئيسية للإثبات إلى صف البيان الشرعي ، ومصدرا للفقيه في الاستنباط ، وأطلقت عليه اسم الاجتهاد.

وكان على رأس هذه المدرسة أو من روادها الأولين أبو حنيفة المتوفى سنة (١٥٠) والمأثور عن رجالات هذه المدرسة أنهم كانوا حيث لا يجدون بيانا شرعيا يدل على الحكم يدرسون المسألة على ضوء أذواقهم الخاصة وما يدركون من مناسبات وما يتفتق عنه تفكيرهم الخاصّ من مرجحات لهذا التشريع على ذاك ويفتون بما يتفق مع ظنهم وترجيحهم ويسمون ذلك استحسانا أو اجتهادا.

والمعروف عن أبي حنيفة أنه كان متفوقا في ممارسة هذا النوع من العمل الفقهي ، فقد روي عن تلميذه محمد بن الحسن أن أبا حنيفة كان يناظر أصحابه فينتصفون منه ويعارضونه حتى إذا قال : استحسن لم يلحقه أحد. وجاء في كلام له وهو يحدّد نهجه العام في الاستنباط «إني آخذ

٤٢

بكتاب الله إذا وجدته ، فما لم أجده أخذت بسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أخذت بقول أصحابه من شئت وادع من شئت ، ثم لا أخرج من قولهم إلى غيرهم ، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين فلي أن اجتهد كما اجتهدوا».

والفكرة الأساسية التي دعت إلى قيام هذه المدرسة وتبني العقل المنفتح بوصفه وسيلة رئيسية للإثبات ومصدرا لاستنباط الحكم هي الفكرة الشائعة في صفوف تلك المدرسة التي كانت تقول : «إن البيان الشرعي المتمثل في الكتاب والسنة قاصر لا يشتمل إلا على أحكام قضايا محدودة ، ولا يتسع لتعيين الحكم الشرعي في كثير من القضايا والمسائل».

وقد ساعد على شيوع هذه الفكرة في صفوف فقهاء العامة اتجاههم المذهبي السني ، إذ كانوا يعتقدون أن البيان الشرعي يتمثل في الكتاب والسنة النبوية المأثورة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فقط ، ولما كان هذا لا يفي إلا بجزء من حاجات الاستنباط اتجهوا إلى علاج الموقف وإشباع هذه الحاجات عن طريق تمطيط العقل والمناداة بمبدإ الاجتهاد. واما فقهاء الإمامية فقد كانوا على العكس من ذلك بحكم موقفهم المذهبي ، لأنهم كانوا يؤمنون بأن البيان الشرعي لا يزال مستمرا باستمرار الأئمة عليهم‌السلام فلم يوجد لديهم أي دافع نفسي للتوسع غير المشروع في نطاق العقل.

وعلى أي حال فقد شاعت فكرة عدم كفاية الكتاب والسنة لإشباع حاجات الاستنباط ، ولعبت دورا خطيرا في عقلية كثير من فقهاء العامة ووجهتهم نحو الاتجاه العقلي المتطرف.

وتطورت هذه الفكرة وتفاقم خطرها بالتدريج ، إذ انتقلت الفكرة من اتهام القرآن والسنة ـ أي البيان الشرعي ـ بالنقص وعدم الدلالة على الحكم في كثير من القضايا ، إلى اتهام نفس الشريعة بالنقص وعدم استيعابها لمختلف شئون الحياة ، فلم تعد المسألة مسألة نقصان في البيان والتوضيح

٤٣

بل في التشريع الإلهي بالذات. ودليلهم على النقص المزعوم في الشريعة هو أنها لم تشرع لتبقى في ضمير الغيب محجوبة عن المسلمين ، وإنما شرعت وبينت عن طريق الكتاب والسنة لكي يعمل بها وتصبح منهاجا للأمة في حياتها ولما كانت نصوص الكتاب والسنة ـ في رأي العامة ـ لا تشتمل على أحكام كثير من القضايا والمسائل ، فيدل ذلك على نقص الشريعة وأن الله لم يشرع في الإسلام إلا أحكاما معدودة ، وهي الأحكام التي جاء بيانها في الكتاب والسنة وترك التشريع في سائر المجالات الأخرى إلى الناس أو إلى الفقهاء من الناس بتعبير أخص ليشرعوا الأحكام على أساس الاجتهاد والاستحسان ، على شرط أن لا يعارضوا في تشريعهم تلك الأحكام الشرعية المحدودة المشرعة في الكتاب والسنة النبوية.

وقد رأينا أن الاتجاه العقلي المتطرف كان نتيجة لشيوع فكرة النقص وانعكاسها ، وحين تطورت فكرة النقص من اتهام البيان إلى اتهام نفس الشريعة انعكس هذا التطور أيضا على مجال الفكر السني ، ونتج عنه القول بالتصويب الّذي وصل فيه ذلك الاتجاه العقلي المتطرف إلى قصارى مداه ، ولتوضيح ذلك لا بد من إعطاء فكرة عن القول بالتصويب.

القول بالتصويب :

بعد أن استباح فقهاء مدرسة الرّأي والاجتهاد ، لأنفسهم أن يعملوا بالترجيحات والظنون والاستحسانات وفقا للاتجاه العقلي المتطرف ، كان من الطبيعي أن تختلف الأحكام التي يتوصلون إليها عن طريق الاجتهاد تبعا لاختلاف أذواقهم وطرائق تفكيرهم ونوع المناسبات التي يهتمون بها. فهذا يرجح في رأيه الحرمة لأن الفعل فيه ضرر ، وذاك يرجح الإباحة لأن في ذلك توسعة على العباد ، وهكذا. ومن هنا نشأ السؤال التالي : ما هو مدى حظ المجتهدين المختلفين من إصابة الواقع؟ فهل يعتبرون جميعا مصيبين ما دام كل واحد منهم قد عبر عن اجتهاده الشخصي؟ أو ان

٤٤

المصيب واحد فقط والباقون مخطئون؟

وقد شاع في صفوف مدرسة الرّأي القول بأنهم جميعا مصيبون ، لأن الله ليس له حكم ثابت عام في مجالات الاجتهاد التي لا يتوفر فيها النص ، وإنما يرتبط تعيين الحكم بتقدير المجتهد وما يؤدي إليه رأيه واستحسانه ، وهذا هو القول بالتصويب.

وفي هذا الضوء نتبيّن بوضوح ما ذكرناه آنفا من أن القول بالتصويب يعكس تطور فكرة النقص وتحولها إلى اتهام مباشر للشريعة بالنقص وعدم الشمول ، الأمر الّذي سوغ لهؤلاء الفقهاء أن ينفوا وجود حكم شرعي ثابت في مجالات الاجتهاد ويصوبوا المجتهدين المختلفين جميعا.

وهكذا نعرف أن فكرة النقص في البيان الشرعي دفعت إلى الاتجاه العقلي المتطرف تعويضا عن النقص المزعوم في البيان الشرعي ، وحينما تطورت فكرة النقص إلى اتهام الشريعة نفسها بالنقصان وعدم الشمول أدى ذلك إلى تمخض الاتجاه العقلي المتطرف عن القول بالتصويب.

وهذا التطور في فكرة النقص الّذي أدى إلى اتهام الشريعة بالنقصان وتصويب المجتهدين المختلفين جميعا ، أحدث تغييرا كبيرا في مفهوم العقل أو الاجتهاد الّذي يأخذ به أنصار الاتجاه العقلي المتطرف ، فحتى الآن كنا نتحدث عن العقل والإدراك العقلي بوصفه وسيلة إثبات ، أي كاشفا عن الحكم الشرعي كما يكشف عنه البيان في الكتاب أو السنة ، ولكن فكرة النقص في الشريعة التي قام على أساسها القول بالتصويب تجعل عمل الفقيه في مجالات الاجتهاد عملا تشريعيا لا اكتشافيا ، فالعقل بمعناه المنفتح أو الاجتهاد في مصطلح الاتجاه العقلي المتطرف لم يعد ـ على أساس فكرة النقص في الشريعة ـ كاشفا عن الحكم الشرعي ، إذ لا يوجد حكم شرعي ثابت في مجالات الاجتهاد ليكشف عنه الاجتهاد ، وإنما هو أساس لتشريع الحكم من قبل المجتهد وفقا لما يؤدي إليه رأيه. وهكذا يتحول الاجتهاد على ضوء القول بالتصويب إلى مصدر تشريع ، ويصبح الفقيه مشرعا في

٤٥

مجالات الاجتهاد ومكتشفا في مجالات النص.

ولسنا نريد الآن أن ندرس القول بالتصويب ونناقشه ، وانما نستهدف الكشف عن خطورة الاتجاه العقلي المتطرف وأهمية المعركة التي خاضتها مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ضد هذا الاتجاه ، إذ لم تكن معركة ضد اتجاه أصولي فحسب بل هي في حقيقتها معركة للدفاع عن الشريعة وتأكيد كمالها واستيعابها وشمولها لمختلف مجالات الحياة ، ولهذا استفاضت الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام في عصر تلك المعركة تؤكد اشتمال الشريعة على كل ما تحتاج إليه الإنسانية من أحكام وتنظيم في شتى مناحي حياتها ، وتؤكد أيضا وجود البيان الشرعي الكافي لكل تلك الأحكام متمثلا في الكتاب والسنة النبوية وأقوالهم عليهم‌السلام. وفيما يلي نذكر جملة من تلك الأحاديث عن أصول الكافي :

١ ـ عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال : «إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء ، حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد ، حتى لا يستطيع عبد أن يقول : لو كان هذا أنزل في القرآن ، إلا وقد أنزله الله فيه».

٢ ـ عنه عليه‌السلام أيضا انه قال : «ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة».

٣ ـ وعن الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام انه قيل له : أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه؟ قال : «بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه».

٤ ـ وفي حديث عن الإمام الصادق عليه‌السلام يصف فيه الجامعة التي تضم أحكام الشريعة ، فيقول : فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش.

٤٦

رد الفعل المعاكس في النطاق السني :

ولا يعني خوض مدرسة أهل البيت معركة حامية ضد الاتجاه العقلي المتطرف أن هذا الاتجاه كان مقبولا على الصعيد السني بصورة عامة ، وأن المعارضة كانت تتمثل في الفقه الإمامي خاصة ، بل إن الاتجاه العقلي المتطرف قد لقي معارضة في النطاق السني أيضا ، وكانت له ردود فعل معاكسة في مختلف حقول الفكر.

فعلى الصعيد الفقهي تمثل رد الفعل في قيام المذهب الظاهري على يد داود بن علي بن خلف الأصبهانيّ في أواسط القرن الثالث ، إذ كان يدعو إلى العمل بظاهر الكتاب والسنة والاقتصار على البيان الشرعي ، ويشجب الرجوع إلى العقل.

وانعكس رد الفعل على البحوث العقائدية والكلامية متمثلا في الاتجاه الأشعري الّذي عطل العقل وزعم أنه ساقط بالمرة عن إصدار الحكم حتى في المجال العقائدي. فبينما كان المقرر عادة بين العلماء : أن وجوب المعرفة بالله والشريعة ليس حكما شرعيا وانما هو حكم عقلي ، لأن الحكم الشرعي ليس له قوة دفع وتأثير في حياة الإنسان إلا بعد أن يعرف الإنسان ربه وشريعته ، فيجب أن تكون القوة الدافعة إلى معرفة ذلك من نوع آخر غير نوع الحكم الشرعي ، أي أن تكون من نوع الحكم العقلي. أقول : بينما كان هذا هو المقرر عادة بين المتكلمين خالف في ذلك الأشعري ، إذ عزل العقل عن صلاحية إصدار أي حكم وآكد أن وجوب المعرفة بالله حكم شرعي كوجوب الصوم والصلاة.

وامتدّ رد الفعل إلى علم الأخلاق ـ وكان وقتئذ يعيش في كنف علم الكلام ـ فأنكر الأشاعرة قدرة العقل على تمييز الحسن من الأفعال عن قبيحها حتى في أوضح الأفعال حسنا أو قبحا ، فالظلم والعدل لا يمكن

٤٧

للعقل أن يميز بينهما ، وإنما صار الأول قبيحا والثاني حسنا بالبيان الشرعي ، ولو جاء البيان الشرعي يستحسن الظلم ويستقبح العدل لم يكن للعقل أيّ حق للاعتراض على ذلك.

وردود الفعل هذه كانت تشتمل على نكسة وخطر كبير قد لا يقل عن الخطر الّذي كان الاتجاه العقلي المتطرف يستبطنه ، لأنها اتجهت إلى القضاء على العقل بشكل مطلق ، وتجريده عن كثير من صلاحياته ، وإيقاف النموّ العقلي في الذهنية الإسلامية بحجة التعبد بنصوص الشارع والحرص على الكتاب والسنة. ولهذا كانت تختلف اختلافا جوهريا عن موقف مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام التي كانت تحارب الاتجاه العقلي المتطرف ، وتؤكد في نفس الوقت أهمية العقل وضرورة الاعتماد عليه في الحدود المشروعة واعتباره ضمن تلك الحدود أداة رئيسية للإثبات إلى صف البيان الشرعي ، حتى جاء في نصوص أهل البيت عليهم‌السلام «إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة : فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ، وأما الباطنة فالعقول».

وهذا النص يقرر ـ بوضوح ـ وضع العقل إلى صف البيان الشرعي أداة رئيسية للإثبات.

وهكذا جمعت مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام بين حماية الشريعة من فكرة النقص وحماية العقل من مصادرة الجامدين.

وسوف نعود إلى الموضوع بصورة علمية موسعة في الحلقات المقبلة.

٢ ـ المعركة إلى صف العقل

وأما الاتجاه الآخر المتطرف في إنكار العقل وشجبه الّذي وجد داخل نطاق الفكر الإمامي فقد تمثل في جماعة من علمائنا اتخذوا اسم «الأخباريين والمحدثين» وقاوموا دور العقل في مختلف الميادين ، ودعوا إلى الاقتصار على

٤٨

البيان الشرعي فقط ، لأن العقل عرضة للخطإ وتاريخ الفكر العقلي زاخر بالأخطاء ، فلا يصلح لكي يستعمل أداة إثبات في أي مجال من المجالات الدينية.

وهؤلاء الأخباريون هم نفس تلك الجماعة التي شنت حملة ضد الاجتهاد كما أشرنا في البحث السابق.

ويرجع تاريخ هذا الاتجاه إلى أوائل القرن الحادي عشر ، فقد أعلنه ودعا إليه شخص كان يسكن وقتئذ في المدينة باسم «الميرزا محمد أمين الأسترآبادي» المتوفى سنة (١٠٢٣) ه ، ووضع كتابا أسماه «الفوائد المدنية». بلور فيه هذا الاتجاه وبرهن عليه ومذهبه ـ أي جعله مذهبا ـ.

ويؤكد الأسترآبادي في هذا الكتاب أن العلوم البشرية على قسمين : أحدهما العلم الّذي يستمد قضاياه من الحس ، والآخر العلم الّذي لا يقوم البحث فيه على أساس الحس ولا يمكن إثبات نتائجه بالدليل الحسي. ويرى المحدث الأسترآبادي أن من القسم الأول الرياضيات التي تستمد خيوطها الأساسية ـ في زعمه ـ من الحس ، وأما القسم الثاني فيمثل له ببحوث ما وراء الطبيعة التي تدرس قضايا بعيدة عن متناول الحس وحدوده ، من قبيل تجرد الروح ، وبقاء النّفس بعد البدن ، وحدوث العالم.

وفي عقيدة المحدث الأسترآبادي أن القسم الأول من العلوم البشرية هو وحده الجدير بالثقة لأنه يعتمد على الحس ، فالرياضيات مثلا تعتمد في النهاية على قضايا في متناول الحس ، نظير أن (٢+ ٢ ٤). وأما القسم الثاني فلا قيمة له ، ولا يمكن الوثوق بالعقل في النتائج التي يصل إليها في هذا القسم لانقطاع صلته بالحس.

وهكذا يخرج الأسترآبادي من تحليله للمعرفة بجعل الحس معيارا أساسيا لتمييز قيمة المعرفة ومدى إمكان الوثوق بها.

٤٩

ونحن في هذا الضوء نلاحظ بوضوح اتجاها حسيا في إنكار المحدث الأسترآبادي يميل به إلى المذهب الحسي في نظرية المعرفة القائل بأن الحس هو أساس المعرفة ، ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الاخبارية في الفكر العلمي الإسلامي أحد المسارب التي تسرب منها الاتجاه الحسي إلى تراثنا الفكري.

وقد سبقت الاخبارية بما تمثل من اتجاه حسي التيار الفلسفي الحسي الّذي نشأ في الفلسفة الأوروبية على يد «جون لوك» المتوفى سنة (١٧٠٤) م و «دانيد هيوم» المتوفى سنة (١٧٧٦) م ، فقد كانت وفاة الأسترآبادي قبل وفاة «جون لوك» بمائة سنة تقريبا ، ونستطيع أن نعتبره معاصرا ل «فرنسيس بيكون» المتوفى سنة (١٦٢٦) م الّذي مهد للتيار الحسي في الفلسفة الأوروبية.

وعلى أي حال فهناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الاخبارية والمذاهب الحسية والتجربية في الفلسفة الأوروبية ، فقد شنت جميعا حملة كبيرة ضد العقل ، وألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدها من الحس.

وقد أدت حركة المحدث الأسترآبادي ضد المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس إلى نفس النتائج التي سجلتها الفلسفات الحسية في تاريخ الفكر الأوروبي ، إذ وجدت نفسها في نهاية الشوط مدعوة بحكم اتجاهها الخاطئ إلى معارضة كل الأدلة العقلية التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله سبحانه ، لأنها تندرج في نطاق المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس.

فنحن نجد مثلا محدثا ـ كالسيد نعمة الله الجزائري ـ يطعن في تلك الأدلة بكل صراحة وفقا لاتجاهه الأخباري ، كما نقل عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابه الدرر النجفية ، ولكن ذلك لم يؤد بالتفكير الأخباري إلى الإلحاد كما أدى بالفلسفات الحسية الأوروبية ، لاختلافهما في الظروف التي ساعدت على نشوء كل منهما ، فإن الاتجاهات الحسية

٥٠

والتجريبية في نظرية المعرفة قد تكوّنت في فجر العصر العلمي الحديث لخدمة التجربة وإبراز أهميتها ، فكان لديها الاستعداد لنفي كل معرفة عقلية منفصلة عن الحس.

واما الحركة الاخبارية فكانت ذات دوافع دينية ، وقد اتهمت العقل لحساب الشرع لا لحساب التجربة ، فلم يكن من الممكن أن تؤدي مقاومتها للعقل إلى إنكار الشريعة والدين.

ولهذا كانت الحركة الاخبارية تستبطن ـ في رأي كثير من ناقديها ـ تناقضا ، لأنها شجبت العقل من ناحية لكي تخلي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي ، وظلت من ناحية أخرى متمسكة به لإثبات عقائدها الدينية ، لأن إثبات الصانع والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعي بل يجب أن يكون عن طريق العقل.

٥١

تاريخ علم الأصول

مولد علم الأصول :

نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه ، كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث تبعا للمراحل التي مرّ بها علم الشريعة.

ونريد بعلم الشريعة العلم الّذي يحاول التعرف على الأحكام التي جاء الإسلام بها من عند الله تعالى. فقد بدأ هذا العلم في صدر الإسلام متمثلا في الجملة التي قام بها عدد كبير من الرّواة لحفظ الأحاديث الواردة في الأحكام وجمعها ، ولهذا كان علم الشريعة في مرحلته الأولى قائما على مستوى علم الحديث ، وكان العمل الأساسي فيه يكاد أن يكون مقتصرا على جمع الروايات وحفظ النصوص. وأما طريقة فهم الحكم الشرعي من تلك النصوص والروايات فلم تكن ذات شأن في تلك المرحلة ، لأنها لم تكن تعدو الطريقة الساذجة التي يفهم بها الناس بعضهم كلام بعض في المحاورات الاعتيادية.

وتعمقت بالتدريج طريقة فهم الحكم الشرعي من النصوص حتى

٥٢

أصبح استخراج الحكم من مصادره الشرعية عملا لا يخلو عن دقة ويتطلب شيئا من العمق والخبرة ، فانصبت الجهود وتوافرت لاكتساب تلك الدقة التي أصبح فهم الحكم الشرعي من النص واستنباطه من مصادره بحاجة إليها ، وبذلك نشأت بذور التفكير العلمي الفقهي وولد علم الفقه ، وارتفع علم الشريعة من مستوى علم الحديث إلى مستوى الاستنباط والاستدلال العلمي الدّقيق.

ومن خلال نموّ علم الفقه والتفكير الفقهي وإقبال علماء الشريعة على ممارسة عملية الاستنباط ، وفهم الحكم الشرعي من النصوص بالدرجة التي أصبح الموقف يتطلبها من الدقة والعمق. أقول : من خلال ذلك أخذت الخيوط المشتركة (العناصر المشتركة) في عملية الاستنباط تبدو وتتكشف ، وأخذ الممارسون للعمل الفقهي يلاحظون اشتراك عمليات الاستنباط في عناصر عامة لا يمكن استخراج الحكم الشرعي بدونها ، وكان ذلك إيذانا بمولد التفكير الأصولي وعلم الأصول واتجاه الذهنية الفقهية اتجاها أصوليا.

وهكذا ولد علم الأصول في أحضان علم الفقه ، فبينما كان الممارسون للعمل الفقهي قبل ذلك يستخدمون العناصر المشتركة في عملية الاستنباط دون وعي كامل بطبيعتها وحدودها وأهمية دورها في العملية ، أصبحوا بعد تغلغل الاتجاه الأصولي في التفكير الفقهي يعون تلك العناصر المشتركة ويدرسون حدودها.

ولا نشك في أن بذرة التفكير الأصولي وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمة عليهم‌السلام منذ أيام الصادقين عليهما‌السلام على مستوى تفكيرهم الفقهي ، ومن الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وجّهها عدد من الرّواة إلى الإمام الصادق عليه‌السلام وغيره من الأئمة عليهم‌السلام وتلقوا جوابها منهم (١). فإن تلك الأسئلة تكشف عن وجود بذرة التفكير الأصولي عندهم

__________________

(١) فمن ذلك الروايات الواردة في علاج النصوص المتعارضة ، وفي حجية خبر الثقة ، ـ

٥٣

واتجاههم إلى وضع القواعد العامة وتحديد العناصر المشتركة. ويعزز ذلك أن بعض أصحاب الأئمة عليهم‌السلام ألفوا رسائل في بعض المسائل الأصولية ، كهشام بن الحكم من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام الّذي ألف رسالة في الألفاظ.

وبالرغم من ذلك فإن فكرة العناصر المشتركة وأهمية دورها في عمليات الاستنباط لم تكن بالوضوح والعمق الكافيين في أول الأمر ، وإنما اتضحت معالمها وتعمقت بالتدريج خلال توسع العمل الفقهي ونمو عمليات الاستنباط ولم تنفصل دراسة العناصر المشتركة بوصفها دراسة علمية مستقلة عن البحوث الفقهية وتصبح قائمة بنفسها إلا بعد مضي زمن منذ ولادة البذور الأولى للتفكير الأصولي ، فقد عاش البحث الأصولي ردحا من الزمن ممتزجا بالبحث الفقهي غير مستقل عنه في التصنيف والتدريس ، وكان الفكر الأصولي خلال ذلك يثري ويزداد دوره وضوحا وتحديدا ، حتى بلغ في ثرائه ووضوحه إلى الدرجة التي أتاحت له الانفصال عن علم الفقه.

ويبدو أن بحوث الأصول حتى حين وصلت إلى مستوى يؤهلها للاستقلال ، بقيت تتذبذب بين علم الفقه وعلم أصول الدين ، حتى أنها كانت أحيانا تخلط ببحوث في أصول الدين والكلام ، كما يشير إلى ذلك السيد المرتضى في كتابه الأصولي «الذريعة» إذ يقول : «قد وجدت بعض من أفرد لأصول الفقه كتابا ـ وإن كان قد أصاب في سرد معانيه وأوضاعه ومبانيه ـ ولكنه قد شرد عن أصول الفقه وأسلوبها وتعدّاها كثيرا وتخطاها ، فتكلم على حد العلم والنّظر وكيف يولد النّظر العلم ووجوب المسبب عن السبب ... إلى غير ذلك من الكلام الّذي هو محض صرف خالص الكلام في أصول الدين دون أصول الفقه».

__________________

ـ وفي أصالة البراءة ، وفي جواز إعمال الرّأي والاجتهاد ... وما إلى ذلك من قضايا.

٥٤

إلى قيام علم مستقل باسم «علم أصول الفقه». وبالرغم من تمكن علم الأصول من الحصول على الاستقلال الكامل عن علم الكلام «علم أصول الدين» ، فقد بقيت فيه رواسب فكرية يرجع تاريخها إلى عهد الخلط بينه وبين علم الكلام ، وظلت تلك الرواسب مصدرا للتشويش ، فمن تلك الرواسب ـ على سبيل المثال ـ الفكرة القائلة بأن أخبار الآحاد «وهي الروايات الظنية التي لا يعلم صدقها» لا يمكن الاستدلال بها في الأصول ، لأن الدليل في الأصول يجب أن يكون قطعيا.

فإن مصدر هذه الفكرة هو علم الكلام ، ففي هذا العلم قرر العلماء أن أصول الدين تحتاج إلى دليل قطعي ، فلا يمكن أن نثبت صفات الله والمعاد مثلا بأخبار الآحاد ، وقد أدى الخلط بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه واشتراكهما في كلمة الأصول إلى تعميم تلك الفكرة إلى أصول الفقه ، ولهذا نرى الكتب الأصولية ظلت إلى زمان المحقق في القرن السابع تعترض على إثبات العناصر المشتركة في عملية الاستنباط بخبر الواحد انطلاقا من تلك الفكرة.

ونحن نجد في كتاب الذريعة لدى مناقشة الخلط بين أصول الفقه وأصول الدين تصورات دقيقة نسبيا ومحددة عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، فقد كتب يقول : «اعلم أن الكلام في أصول الفقه انما هو على الحقيقة كلام في أدلة الفقه ... ولا يلزم على ما ذكرناه أن تكون الأدلة والطرق إلى أحكام وفروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء أصولا ، لأن الكلام في أصول الفقه انما هو كلام في كيفية دلالة ما يدل من هذه

٥٥

الأصول على الأحكام على طريق الجملة دون التفصيل ، وأدلة الفقهاء إنما هي على نفس المسائل ، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل».

وهذا النص في مصدر من أقدم المصادر الأصولية في التراث الشيعي ، يحمل بوضوح فكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ويسميها أدلة الفقه على الإجمال ، ويميز بين البحث الأصولي والفقهي على أساس التمييز بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية ـ أي بين العناصر المشتركة والعناصر الخاصة في تعبيرنا ـ وهذا يعني أن فكرة العناصر المشتركة كانت مختمرة وقتئذ إلى درجة كبيرة ، والفكرة ذاتها نجدها بعد ذلك عند الشيخ الطوسي وابن زهرة والمحقق الحلي وغيرهم ، فانهم جميعا عرفوا علم الأصول بأنه «علم أدلة الفقه على وجه الإجمال» وحاولوا التعبير بذلك عن فكرة العناصر المشتركة.

ففي كتاب العدة قال الشيخ الطوسي : «أصول الفقه هي أدلة الفقه فإذا تكلمنا في هذه الأدلة فقد نتكلم فيما يقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق الجملة ، ولا يلزمنا عليها أن تكون الأدلة الموصلة إلى فروع الفقه ، لأن هذه الأدلة أدلة على تعيين المسائل ، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل».

ومصطلح الإجمالية والتفصيلية يعبر هنا عن العناصر المشتركة والعناصر الخاصة.

ونستخلص مما تقدم أن ظهور علم الأصول والانتباه العلمي إلى العناصر المشتركة في عملية الاستنباط كان يتوقف على وصول عملية الاستنباط إلى درجة من الدقة والاتساع وتفتح الفكر الفقهي وتعمقه ، ولهذا لم يكن من المصادفة أن يتأخر ظهور علم الأصول تاريخيا عن ظهور علم الفقه والحديث ، وأن ينشأ في أحضان هذا العلم بعد أن نما التفكير الفقهي وترعرع بالدرجة التي سمحت بملاحظة العناصر المشتركة ودرسها بأساليب البحث العلمي ، ولأجل ذلك كان من الطبيعي أيضا أن تختمر

٥٦

فكرة العناصر المشتركة تدريجا وتدق على مر الزمن حتى تكتسب صيغتها الصارمة وحدودها الصحيحة وتتميز عن بحوث الفقه وبحوث أصول الدين.

الحاجة إلى علم الأصول تاريخية :

ولم يكن تأخر ظهور علم الأصول تاريخيا عن ظهور علم الفقه والحديث ناتجا عن ارتباط العقلية الأصولية بمستوى متقدم نسبيا من التفكير الفقهي فحسب ، بل هناك سبب آخر له أهمية كبيرة في هذا المجال ، وهو أن علم الأصول لم يوجد بوصفه لونا من ألوان الترفه الفكري ، وإنما وجد تعبيرا عن حاجة ملحة شديدة لعملية الاستنباط التي تتطلب من علم الأصول ، تموينها بالعناصر المشتركة التي لا غنى لها عنها ، ومعنى هذا أن الحاجة إلى علم الأصول تنبع من حاجة عملية الاستنباط إلى العناصر المشتركة التي تدرس في هذا العلم وتحدد ، وحاجة عملية الاستنباط إلى هذه العناصر الأصولية هي في الواقع حاجة تاريخية وليست حاجة مطلقة ، أي إنها حاجة توجد وتشتد بعد أن يبتعد الفقه عن عنصر النصوص ، ولا توجد بتلك الدرجة في الفقه المعاصر لعصر النصوص.

ولكي تتضح الفكرة لديك افرض نفسك تعيش عصر النبوة على مقربة من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تسمع منه الأحكام مباشرة وتفهم النصوص الصادرة منه بحكم وضوحها اللغوي ومعاصرتك لكل ظروفها وملابساتها أفكنت بحاجة ـ لكي تفهم الحكم الشرعي ـ أن ترجع إلى عنصر مشترك أصولي كعنصر حجية الخبر وأنت تسمع النص مباشرة من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أو ينقله لك أناس تعرفهم مباشرة ولا تشك في صدقهم؟ أو كنت في حاجة إلى أن ترجع إلى عنصر مشترك أصولي كعنصر حجية الظهور العرفي وأنت تدرك بسماعك للنص الصادر من النبي معناه الّذي يريده إدراكا واضحا لا يشوبه شك في كثير من الأحيان بحكم اطلاعك على جميع ملابسات النص

٥٧

وظروفه؟ أو كنت بحاجة إلى التفكير في وضع قواعد لتفسير الكلام المجمل إذا صدر من النبي وأنت قادر على سؤاله والاستيضاح منه بدلا عن التفكير في تلك القواعد؟. وهذا يعني أن الإنسان كلما كان أقرب إلى عصر التشريع وأكثر امتزاجا بالنصوص ، كان أقل حاجة إلى التفكير في القواعد العامة والعناصر المشتركة ، لأن استنباط الحكم الشرعي يتم عندئذ بطريقة ميسرة دون أن يواجه الفقيه ثغرات عديدة ليفكر في ملئها عن طريق العناصر الأصولية. وأما إذا ابتعد الفقيه عن عصر النص واضطر إلى الاعتماد على التاريخ والمؤرخين والرّواة والمحدثين في نقل النصوص ، فسوف يواجه ثغرات كبيرة وفجوات تضطره إلى التفكير في وضع القواعد لملئها ، فهل صدر النص المروي ـ من المعصوم حقيقة أو كذب الراوي أو أخطأ في نقله؟ وما ذا يريد المعصوم بهذا النص؟ هل يريد المعنى الّذي أفهمه فعلا من النص حين أقرأه أو معنى آخر كان له ما يوضحه من الظروف والملابسات التي عاشها النص ولم نعشها معه؟ وما ذا يصنع الفقيه حيث يعجز عن الحصول على نصّ في المسألة؟. وهكذا يصبح الإنسان بحاجة إلى عنصر كحجية الخبر أو حجية الظهور العرفي أو غيرهما من القواعد الأصولية.

وهذا هو ما نقصده من القول بأن الحاجة إلى علم الأصول حاجة تاريخية ترتبط بمدى ابتعاد عملية الاستنباط عن عصر التشريع وانفصالها عن ظروف النصوص الشرعية وملابساتها ، لأن الفاصل الزمني عن ذلك الظرف هو الّذي يخلق الثغرات والفجوات في عملية الاستنباط. وهذه الثغرات هي التي توجد الحاجة الملحة إلى علم الأصول والقواعد الأصولية.

وارتباط الحاجة إلى علم الأصول بتلك الثغرات مما أدركه الرواد الأوائل لهذا العلم ، فقد كتب السيد الجليل حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي المتوفى سنة (٥٨٥) ه في القسم الأول من كتابه الغنية يقول :

٥٨

«لما كان الكلام في فروع الفقه يبنى على أصول له وجب الابتداء بأصوله ثم اتباعها بالفروع ، وكان الكلام في الفروع من دون إحكام أصله لا يثمر ، وقد كان بعض المخالفين سأل فقال : إذا كنتم لا تعملون في الشرعيات إلا بقول المعصوم فأي فقر بكم إلى أصول الفقه ، وكلامكم فيها كأنه عبث لا فائدة فيه» ففي هذا النص يربط ابن زهرة بين الحاجة إلى علم الأصول والثغرات في عملية الاستنباط ، إذ يجعل التزام الإمامية بالعمل بقول الإمام عليه‌السلام فحسب سببا لاعتراض القائل بأنهم ما داموا كذلك لا حاجة لهم بعلم الأصول ، لأن استخراج الحكم إذا كان قائما على أساس قول المعصوم مباشرة فهو عمل ميسر لا يشتمل على الثغرات التي تتطلب التفكير في وضع القواعد والعناصر الأصولية لملئها.

ونجد في نصّ للمحقق السيد محسن الأعرجي المتوفى سنة (١٢٢٧) ه في كتابه الفقهي وسائل الشيعة وعيا كاملا لفكرة الحاجة التاريخية لعلم الأصول ، فقد تحدث عن اختلاف القريب من عصر النص عن البعيد منه في الظروف والملابسات وقال في جملة كلامه : «أين من حظي بالقرب ممن ابتلي بالبعد حتى يدعى تساويهما في الغنى والفقر؟ كلا إن بينهما ما بين السماء والأرض ، فقد حدث بطول الغيبة وشدة المحنة وعموم البلية ، ما لو لا الله وبركة آل الله لردها جاهلية. فسدت اللغات وتغيرت الاصطلاحات وذهبت قرائن الأحوال وكثرت الأكاذيب وعظمت التقية واشتد التعارض بين الأدلة حتى لا تكاد تعثر على حكم يسلم منه ، مع ما اشتملت عليه من دواعي الاختلاف ، وليس هنا أحد يرجع إليه بسؤال. وكفاك مائزا بين الفريقين قرائن الأحوال وما يشاهد في المشافهة من الانبساط والانقباض ... وهذا بخلاف من لم يصب إلا أخبارا مختلفة وأحاديث متعارضة يحتاج فيها إلى العرض على الكتاب والسنة المعلومة ... فانه لا بد له من الإعداد والاستعداد والتدرب في ذلك كي لا يزل ، فانه انما يتناول من بين مشتبك القنا».

٥٩

وفي هذا الضوء نعرف أن تأخر علم الأصول تاريخيا لم ينتج فقط عن ارتباطه بتطور الفكر الفقهي ونمو الاستنباط ، بل هو ناتج أيضا عن طبيعة الحاجة إلى علم الأصول فانها حاجة تاريخية توجد وتشتد تبعا لمدى الابتعاد عن عصر النصوص.

التصنيف في علم الأصول :

وعلى الضوء المتقدم الّذي يقرر أن الحاجة إلى علم الأصول حاجة تاريخية نستطيع أن نفسر الفارق الزمني بين ازدهار علم الأصول في نطاق التفكير الفقهي السني وازدهاره في نطاق تفكيرنا الفقهي الإمامي ، فإن التاريخ يشير إلى أن علم الأصول ترعرع وازدهر نسبيا في نطاق الفقه السني قبل ترعرعه وازدهاره في نطاقنا الفقهي الإمامي ، حتى إنه يقال : إن علم الأصول على الصعيد السني دخل في دور التصنيف في أواخر القرن الثاني ، إذ الف في الأصول كل من الشافعي المتوفى سنة (١٨٢) ه ومحمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة (١٨٩) ه بينما قد لا نجد التصنيف الواسع في علم الأصول على الصعيد الشيعي إلا في أعقاب الغيبة الصغرى ـ أي في مطلع القرن الرابع ـ بالرغم من وجود رسائل سابقة لبعض أصحاب الأئمة عليهم‌السلام في مواضيع أصولية متفرقة.

وما دمنا قد عرفنا أن نمو التفكير الأصولي ينتج عن الحاجة إلى الأصول في عالم الاستنباط ، وأن هذه الحاجة تاريخية تتسع وتشتد بقدر الابتعاد عن عصر النصوص ، فمن الطبيعي أن يوجد ذلك الفارق الزمني وأن يسبق التفكير الأصولي السني إلى النموّ والاتساع ، لأن المذهب السني كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فحين اجتاز التفكير الفقهي السني القرن الثاني كان قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة زمنية كبيرة تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات في عملية الاستنباط الأمر الّذي يوحي بالحاجة الشديدة إلى وضع القواعد العامة الأصولية لملئها. وأما

٦٠