المعالم الجديدة للأصول

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المعالم الجديدة للأصول

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار التعارف للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٨

وعلم الأصول هو منطق تلك العملية الّذي يبرز عناصرها المشتركة ونظامها العام الّذي يجب على علم الفقه الاعتماد عليه.

أهمية علم الأصول في عملية الاستنباط :

ولسنا بعد ذلك بحاجة إلى التأكيد على أهمية علم الأصول وخطورة دوره في عالم الاستنباط ، لأنه ما دام يقدّم لعملية الاستنباط عناصرها المشتركة يضع لها نظامها العام ، فهو عصب الحياة في عملية الاستنباط والقوة الموجهة ، وبدون علم الأصول يواجه الشخص في الفقه ركاما متناثرا من النصوص والأدلة دون أن يستطيع استخدامها والاستفادة منها في الاستنباط كإنسان يواجه أدوات النجارة ويعطى منشارا وفأسا وما إليهما من أدوات دون أن يملك أفكارا عامة عن عملية النجارة وطريقة استخدام تلك الأدوات.

وكما أن العناصر المشتركة في الاستنباط التي يدرسها علم الأصول ضرورية لعملية الاستنباط ، فكذلك العناصر الخاصة التي تختلف من مسألة إلى أخرى ، كمفردات الآيات والروايات المتناثرة التي تشكل العناصر الخاصة والمتغيرة في عملية الاستنباط ، فإنها الجزء الضروري الآخر فيها الّذي لا تتم العملية بدونه ، ولا يكفي في إنجاحها مجرد الاطلاع على العناصر المشتركة التي يمثلها علم الأصول واستيعابها.

ومن يحاول الاستنباط على أساس الاطلاع الأصولي فحسب نظير من يملك معلومات نظرية عامة عن عملية النجارة ولا يوجد لديه فأس ولا منشار وما إليهما من أدوات النجارة ، فكما يعجز هذا الشخص عن وضع سرير خشبي مثلا فكذلك يعجز الأصولي عن الاستنباط إذا لم يفحص بدقة العناصر الخاصة المتغيرة.

وهكذا نعرف أن العناصر المشتركة والعناصر الخاصة قطبان مندمجان في عملية الاستنباط ولا غنى للعملية عنهما معا ، ولهذا يتحتم على المستنبط أن يدرس العناصر المشتركة ويحددها في علم الأصول ثم يضيف إليها في

٢١

بحوث علم الفقه العناصر الخاصة لتكتمل لديه عملية الاستنباط التي يمارسها في علم الفقه.

الأصول والفقه يمثلان النظرية والتطبيق :

ونخشى أن نكون قد أوحينا إليكم بتصور خاطئ ، حين قلنا ان المستنبط يدرس في علم الأصول العناصر المشتركة ويحددها ويتناول في بحوث علم الفقه العناصر الخاصة ليكمل بذلك عملية الاستنباط ، إذ قد يتصور البعض أنا إذا درسنا في علم الأصول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وعرفنا مثلا حجية الخبر وحجية الظهور العرفي وما إليهما من العناصر الأصولية فلا يبقى علينا بعد ذلك أي جهد علمي ، إذ لا نحتاج ما دمنا نملك تلك العناصر الا إلى مجرد استخراج الروايات والنصوص من مواضعها ، نظير من يستخرج تاريخ غزوة خيبر أو روايات الهجرة من تاريخ السيرة النبوية ، وبهذا يكون عمل الفقيه في علم الفقه مقتصرا على مجرد التفتيش عن العناصر الخاصة من الروايات والنصوص ، لكي تضاف إلى العناصر المشتركة ويستنبط منها الحكم الشرعي ، وهو عمل سهل يسير بطبيعته لا يشتمل على جهد علمي ، ونتيجة ذلك أن الجهد العلمي الّذي يبذله المجتهد في عملية الاستنباط يتمثل في وضع العناصر المشتركة وتنظيمها ودراستها في علم الأصول ، لا في جمع العناصر الخاصة من النصوص والروايات وغيرها في علم الفقه.

ولكن هذا التصور خاطئ إلى درجة كبيرة ، لأن المجتهد إذا درس العناصر المشتركة لعملية الاستنباط وحددها في علم الأصول لا يكتفي بعد ذلك بتجميع أعمى للعناصر الخاصة من كتب الأحاديث والروايات مثلا ، بل يبقى عليه أن يمارس في علم الفقه تطبيق تلك العناصر المشتركة ونظرياتها العامة على العناصر الخاصة. والتطبيق مهمة فكرية بطبيعتها

٢٢

تحتاج إلى درس وتمحيص ، ولا يغني الجهد العلمي المبذول أصوليا في دراسة العناصر المشتركة وتحديد نظرياتها العامة عن بذل جهد جديد في التطبيق.

ولا نستطيع الآن أن نضرب الأمثلة المتنوعة لتوضيح دقة التطبيق ، لأن فهم الأمثلة يتوقف على اطلاع مسبق على النظريات الأصولية العامة. ولهذا نكتفي بمثال واحد بسيط ، فنفرض أن المجتهد آمن في علم الأصول بحجية الظهور العرفي بوصفه عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط ، فهل يكفيه بعد هذا أن يضع إصبعه على رواية علي بن مهزيار التي حددت مجالات الخمس مثلا ، ليضيفها إلى العنصر المشترك ويستنبط من ذلك عدم وجوب الخمس في ميراث الأب؟ أو ليس المجتهد بحاجة إلى تدقيق مدلول النص في الرواية لمعرفة نوع مدلوله في العرف العام ودراسة كل ما يرتبط بتحديد ظهوره العرفي من قرائن وأمارات داخل إطار النص أو خارجه ، لكي يتمكن بأمانة من تطبيق العنصر المشترك القائل بحجية الظهور العرفي؟ فهناك إذن بعد اكتشاف العنصر المشترك والإيمان بحجية الظهور ، مشكلة تعيين نوع الظهور في النص ودراسة جميع ملابساته ، حتى إذا تأكد المجتهد من تعيين الظهور في النص ودلالته على عدم وجوب الخمس في الميراث ، طبق على النص النظرية العامة التي يقررها العنصر المشترك القائل بحجية الظهور العرفي ، واستنتج من ذلك أن الحكم الشرعي هو عدم وجوب الخمس.

وفي هذا الضوء نعرف أن البحث الفقهي عن العناصر الخاصة في عملية الاستنباط ليس مجرد عملية تجميع ، بل هو مجال التطبيق للنظريات العامة التي تقررها العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، وتطبيق النظريات العامة له دائما موهبته الخاصة ودقته ، ومجرد الدقة في النظريات العامة لا يغني عن الدقة في تطبيقها. ألا ترون أن من يدرس بعمق النظريات العامة في الطب يحتاج في مجال تطبيقها على حالة مرضية إلى دقة

٢٣

وانتباه كامل وتفكير في تطبيق تلك النظريات على المريض الّذي بين يديه؟

فالبحث الأصولي عن العناصر المشتركة وما تقرره من نظريات عامة يشابه بحث العالم الطبيب عن النظريات العامة في الطب ، ودراسة الفقيه للعناصر الخاصة في مجال تطبيق تلك النظريات العامة من قبيل دراسة الطبيب لحالات المريض في مجال تطبيق النظريات العامة في الطب عليه ، وكما قد يحتاج الطبيب إلى قدر كبير من الدقة والجهد لكي يوفق لتطبيق تلك النظريات العامة على مريضه تطبيقا صحيحا يمكنه من شفائه ، فكذلك الفقيه بعد أن يخرج من دراسة علم الأصول بالعناصر المشتركة والنظريات العامة ويواجه مسألة في نطاق البحث الفقهي من مسائل الخمس أو الصوم أو غيرهما ، فهو يحتاج أيضا إلى دقة وتفكير في طريقة تطبيق تلك العناصر المشتركة على العناصر الخاصة بالمسألة تطبيقا صحيحا.

وهكذا نعرف أن علم الأصول الّذي يمثل العناصر المشتركة هو «علم النظريات العامة» ، وعلم الفقه الّذي يشتمل على العناصر الخاصة هو «علم تطبيق تلك النظريات في مجال العناصر الخاصة» ، ولكل منهما دقته وجهده العلمي الخاصّ.

واستنباط الحكم الشرعي هو نتيجة مزج النظرية بالتطبيق ، أي العناصر المشتركة بالعناصر الخاصة ، وعملية المزج هذه هي عملية الاستنباط ، والدقة في وضع النظريات العامة لا تغني عن الدقة في تطبيقها خلال عملية الاستنباط.

وقد أشار الشهيد الثاني إلى أهمية التطبيق الفقهي وما يتطلبه من دقة إذ كتب في قواعده يقول : «نعم يشترط مع ذلك ـ أي مع وضع النظريات العامة ـ أن تكون له قوة يتمكن بها من ردّ الفروع إلى أصولها واستنباطها منها ، وهذه هي العمدة في هذا الباب ... وإنما تلك القوة بيد الله يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده ، ولكثرة المجاهدة والممارسة لأهلها مدخل عظيم في تحصيلها».

٢٤

التفاعل بين الفكر الأصولي والفكر الفقهي :

عرفنا أن علم الأصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى علم الفقه ، والعلاقة بينهما علاقة النظرية بالتطبيق ، لأن علم الأصول يمارس وضع النظريات العامة عن طريق تحديد العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، وعلم الفقه يمارس تطبيق تلك النظريات والعناصر المشتركة على العناصر الخاصة التي تختلف من مسألة إلى أخرى.

وهذا الترابط الوثيق بين علم الأصول وعلم الفقه يفسر لنا التفاعل المتبادل بين الذهنية الأصولية ومستوى البحث العلمي على صعيد النظريات من ناحية ، وبين الذهنية الفقهية ومستوى البحث العلمي على صعيد التطبيق من ناحية أخرى ، لأن توسع بحوث التطبيق يدفع بحوث النظرية خطوة إلى الإمام ، لأنه يثير أمامها مشاكل ويضطرها إلى وضع النظريات العامة لحلولها ، كما أن دقة البحث في النظريات تنعكس على صعيد التطبيق ، إذ كلما كانت النظريات أدق تطلبت طريقة تطبيقها دقة وعمقا واستيعابا أكبر.

وهذا التفاعل المتبادل بين الذهنيتين والمستويين الفكريين لعلم الأصول وعلم الفقه يؤكده تاريخ العلمين على طول الخطّ ، وتكشف عنه بوضوح دراسة المراحل التي مر بها البحث الفقهي والبحث الأصولي في تاريخ العلم فقد كان علم الأصول يتسع ويثري تدريجا تبعا لتوسع البحث الفقهي ، لأن اتساع نطاق التطبيق الفقهي كان يلفت أنظار الممارسين إلى مشاكل جديدة ، فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة وتتخذ الحلول صورة العناصر المشتركة في علم الأصول. كما أن تدقيق العناصر المشتركة في علم الأصول وتحديد حدودها بشكل صارم كان ينعكس على مجال التطبيق ، إذ

٢٥

كلما كانت النظريات العامة موضوعة في صيغ أكثر صرامة وبدقة أكبر ، كانت أكثر غموضا وتطلبت في مجال التطبيق التفاتا أكبر وانتباها أكمل.

ولا نستطيع الآن ـ ونحن في الحلقة الأولى ـ أن نقدم النماذج من العلمين على هذا التفاعل ، لأن الطالب لا يملك حتى الآن خبرة واسعة ببحوث علم الأصول ، ولكن يكفينا أن يعرف الطالب الآن أن التفاعل بين البحث الفقهي والبحث الأصولي هو مصداق لخط عريض يعبر عن التفاعل المتبادل في كثير من الأحايين بين بحوث النظرية وبحوث تطبيقها. أو ليس ممارسة العالم الطبيب لتطبيق النظريات على مرضاه في نطاق واسع يوحي إليه بمشاكل جديدة باستمرار ، فيتولى بحث النظريات العامة العلمية في الطب حل تلك المشاكل ، ويتعمق تدريجا وينعكس بالتالي على التطبيق؟ إذ كلما ازداد الرصيد النظريّ للطبيب أصبح التطبيق بالنسبة إليه عملا واسعا. وكلنا نعلم أن طبيب الأمس كان يكتفي في مجال التطبيق بإحصاء نبض المريض فينتهي عمله في لحظات ، بينما يظل طبيب اليوم يدرس حالة المريض في عملية معقدة واسعة النطاق.

ونفس ظاهرة التفاعل المتبادل بين الفكر الفقهي والفكر الأصولي الّذي يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى الفقه ، نجدها بين الفكر العلمي إطلاقا والفكر المنطقي العام الّذي يدرس النظام الأساسي للتفكير البشري ، إذ كلما اتسع نطاق المعرفة البشرية وتنوعت مجالاتها تجددت مشاكل في مناهج الاستدلال والنظام العام للفكر ، فيتولى المنطق تذليل تلك المشاكل وتطوير نظرياته وتكميلها بالشكل الّذي يحتفظ لنفسه بقوة التوجيه والتنظيم العليا للفكر البشري.

وعلى أي حال فإن فكرة التفاعل هذه سواء كانت بين علم الفقه ومنطقه الخاصّ المتمثل في الأصول ، أو بين العلوم كلها ومنطقها العام ، أو بين بحث أيّ نظرية وبحث تطبيقها ، تحتاج إلى توضيح وشرح أوسع.

٢٦

ولا نستهدف الآن من الإشارة إلى الفكرة الا أن ينفتح ذهن الطالب لها ولو على سبيل الإجمال.

نماذج من الأسئلة التي يجيب عليها علم الأصول :

ويحسن بنا أن نقدم قائمة تشتمل على نماذج من الأسئلة التي يعتبر الجواب عليها من وظيفة علم الأصول ، لنجسد بذلك للطالب الّذي لا يملك الآن خبرة ببحوث هذا العلم أهمية الدور الّذي يلعبه علم الأصول في عملية الاستنباط :

١ ـ ما هو الدليل على حجية خبر الثقة؟

٢ ـ لما ذا يجب أن نفسر النص الشرعي على ضوء العرف العام؟

٣ ـ ما ذا نصنع في مسألة إذا لم نجد فيها دليلا يكشف عن نوع الحكم الشرعي فيها؟

٤ ـ ما هي قيمة الأكثرية في المسألة الفقهية؟ وهل يكتسب الرّأي طابعا شرعيا ملزما بالقبول إذا كان القائلون به أكثر عددا.

٥ ـ كيف نتصرف إذا واجهنا نصين لا يتفق مدلول أحدهما مع مدلول الآخر؟

٦ ـ ما هو الموقف إذا كنا على يقين بحكم شرعي معيّن ثم شككنا في استمراره؟

٧ ـ ما هي الألفاظ التي تدل مباشرة على الوجوب والإلزام؟ وهل يعتبر منها فعل الأمر ، من قبيل : اغتسل ، توضأ ، صل؟.

إلى عشرات من الأسئلة التي يتولى علم الأصول الجواب عليها ، ويحدد بذلك العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، ويملأ كل الثغرات التي يمكن أن تواجه الفقيه في عملية استنباطه للحكم الشرعي.

٢٧

جواز عملية الاستنباط

في ضوء ما تقدم عرفنا أن علم الأصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى عملية الاستنباط ، لأنه يشتمل على عناصرها المشتركة ويمدها بقواعدها العامة ونظامها الشامل ، ولهذا لا يتاح للشخص أن يمارس عملية الاستنباط بدون دراسة علم الأصول.

وما دام علم الأصول مرتبطا بعملية الاستنباط هذا الارتباط الوثيق فيجب أن نعرف قبل كل شيء موقف الشريعة من هذه العملية ، فهل سمح الشارع لأحد بممارستها أو لا؟ فإن كان الشارع قد سمح بها فمن المعقول أن يوضع علم باسم «علم الأصول» لدراسة عناصرها المشتركة ، وأما إذا كان الشارع قد حرمها فيلغو الاستنباط ، وبالتالي يلغو علم الأصول رأسا لأن هذا العلم إنما وضع للتمكين من الاستنباط ، فحيث لا استنباط لا توجد حاجة إلى علم الأصول لأنه يفقد بذلك مبررات وجوده ، فلا بد إذن أن تدرس هذه النقطة بصورة أساسية.

والحقيقة أن هذه النقطة ـ أي مسألة جواز الاستنباط ـ حين تطرح

٢٨

للبحث بالصيغة التي طرحناها ، لا يبدو أنها جديرة بالتأمل والبحث العلمي ، لأننا حين نتساءل : هل يجوز لنا ممارسة عملية الاستنباط أو لا؟ يجيء الجواب على البداهة بالإيجاب ، لأن عملية الاستنباط هي ـ كما عرفنا سابقا ـ عبارة عن «تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا» ، ومن البديهي أن الإنسان بحكم تبعيته للشريعة ووجوب امتثال أحكامها عليه ملزم بتحديد موقفه العملي منها ، ولما لم تكن أحكام الشريعة غالبا في البداهة والوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل ، فليس من المعقول أن يحرم على الناس جميعا تحديد الموقف العملي تحديدا استدلاليا ويحجر عليهم النّظر في الأدلة التي تحدد موقفهم تجاه الشريعة ، فعملية الاستنباط إذن ليست جائزة فحسب بل من الضروري أن تمارس. وهذه الضرورة تنبع من واقع تبعية الإنسان للشريعة ، والنزاع في ذلك على مستوى النزاع في البديهيات.

ولكن لسوء الحظ اتفق لهذه النقطة أن اكتسبت صيغة أخرى لا تخلو عن غموض وتشويش ، فأصبحت مثارا للاختلاف نتيجة لذلك الغموض والتشويش ، فقد استخدمت كلمة الاجتهاد للتعبير عن عملية الاستنباط وطرح السؤال هكذا «هل يجوز الاجتهاد في الشريعة أو لا؟» وحينما دخلت كلمة الاجتهاد في السؤال ـ وهي كلمة مرت بمصطلحات عديدة في تاريخها ـ أدت إلى إلقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث ، ونتج عن ذلك أن تقدم جماعة من علمائنا المحدثين ليجيبوا على السؤال بالنفي ، وبالتالي ليشجبوا علم الأصول كله لأنه انما يراد لأجل الاجتهاد ، فإذا ألغي الاجتهاد لم تعد حاجة إلى علم الأصول.

وفي سبيل توضيح ذلك يجب أن نذكر التطور الّذي مرت به كلمة الاجتهاد ، لكي نتبين كيف ان النزاع الّذي وقع حول جواز عملية الاستنباط والضجة التي أثيرت ضدها لم يكن إلا نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي وغفلة عن التطورات التي مرت بها كلمة الاجتهاد في تاريخ العلم.

٢٩

الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو «بذل الوسع للقيام بعمل ما» وقد استعملت هذه الكلمة ـ لأول مرة ـ على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض مدارس الفقه السني وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة : «إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص». والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي ، فالفقيه حيث لا يجد النص يرجع إلى تفكيره الخاصّ ويستلهمه ويبني على ما يرجح في فكره الشخصي من تشريع ، وقد يعبر عنه بالرأي أيضا.

والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلة الفقيه ومصدرا من مصادره فكما أن الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنة ويستدل بهما كذلك يستند في حالات عدم توفر النص إلى الاجتهاد الشخصي ويستدل به.

وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني ، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة ، ولقي في نفس الوقت معارضة شديدة من أئمة أهل البيت عليهم‌السلام والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم ، كما سنرى في البحث المقبل.

وتتبّع كلمة الاجتهاد يدل على أن الكلمة حملت هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة إلى القرن السابع ، فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الّذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصادر الحكم ، وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمة أيضا والرّواة الذين حملوا آثارهم وكانت الحملة تستعمل كلمة الاجتهاد غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الّذي جاء في الروايات ، فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتابا أسماه «الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس» وصنف هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني كتابا في الموضوع باسم كتاب «الرد على من ردّ آثار الرسول واعتمد على

٣٠

نتائج العقول» ، وصنف في عصر الغيبة الصغرى أو قريبا منه إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتابا في الرد على عيسى بن أبان في الاجتهاد ، كما نصّ على ذلك كله النجاشي صاحب الرّجال في ترجمة كل واحد من هؤلاء.

وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة ، ونذكر له ـ على سبيل المثال ـ تعقيبه في كتابه على قصة موسى والخضر ، إذ كتب يقول : «إن موسى ـ مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى ـ لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتى اشتبه عليه وجه الأمر به ، فإذا لم يجز لأنبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك ... فإذا لم يصلح موسى للاختيار ـ مع فضله ومحله ـ فكيف تصلح الأمة لاختيار الإمام ، وكيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة».

وفي أواخر القرن الرابع يجيء الشيخ المفيد فيسير على نفس الخطّ ويهجم على الاجتهاد ، وهو يعبر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذّكر ويكتب كتابا في ذلك باسم «النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرّأي».

ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس إذ كتب في الذريعة يذم الاجتهاد ويقول : «إن الاجتهاد باطل ، وان الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرّأي ولا الاجتهاد» وكتب في كتابه الفقهي «الانتصار» معرضا بابن الجنيد ـ قائلا : «إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرّأي والاجتهاد وخطأه ظاهر» وقال في مسألة مسح الرجلين في فصل الطهارة من كتاب الانتصار : «إنا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به».

واستمر هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضا ، فالشيخ

٣١

الطوسي الّذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدة قائلا :

«أما القياس والاجتهاد فعندنا انهما ليسا بدليلين ، بل محظور في الشريعة استعمالهما».

وفي أواخر القرن السادس يستعرض ابن إدريس في مسألة تعارض البينتين من كتابه السرائر عددا من المرجحات لإحدى البينتين على الأخرى ، ثم يعقب ذلك قائلا : «ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا ، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا».

وهكذا تدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة الاجتهاد كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم إلى أوائل القرن السابع ، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمة لونا مقيتا وطابعا من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الإمامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانه.

ولكن كلمة الاجتهاد تطورت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ، ولا يوجد لدينا الآن نصّ شيعي يعكس هذا التطور أقدم تاريخا من كتاب المعارج للمحقق الحلي المتوفى سنة (٦٧٦) ، إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول : «وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية ، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهادا ، لأنها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره ، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد. فان قيل : يلزم ـ على هذا ـ ان يكون الإمامية من أهل الاجتهاد. قلنا : الأمر كذلك لكن فيه إيهام من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد ، فإذا استثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس».

ويلاحظ على هذا النص بوضوح أن كلمة الاجتهاد كانت لا تزال في

٣٢

الذهنية الإمامية مثقلة بتبعة المصطلح الأول ، ولهذا يلمح النص إلى أن هناك من يتحرج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمى فقهاء الإمامية مجتهدين. ولكن المحقق الحلي لم يتحرج عن اسم الاجتهاد بعد أن طوره أو تطور في عرف الفقهاء تطويرا يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي ، إذ بينما كان الاجتهاد مصدرا للفقيه يصدر عنه ودليلا يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية ، أصبح في المصطلح الجديد يعبر عن الجهد الّذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره ، فلم يعد مصدرا من مصادر الاستنباط ، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه.

والفرق بين المعنيين جوهري للغاية ، إذ كان للفقيه على أساس المصطلح الأول للاجتهاد أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاصّ في حالة عدم توفر النص ، فإذا قيل له : ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا؟ استدل بالاجتهاد وقال : الدليل هو اجتهادي وتفكيري الخاصّ. وأما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أيّ حكم من الأحكام بالاجتهاد ، لأن الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدرا للحكم بل هو عملية استنباط الأحكام من مصادرها ، فإذا قال الفقيه «هذا اجتهادي» كان معناه أن هذا هو ما استنبطه من المصادر والأدلة ، فمن حقنا أن نسأله ونطلب منه أن يدلنا على تلك المصادر والأدلة التي استنبط الحكم منها.

وقد مر هذا المعنى الجديد لكلمة الاجتهاد بتطور أيضا ، فقد حدده المحقق الحلي في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص فكل عملية استنباط لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمى اجتهادا دون ما يستند إلى تلك الظواهر. ولعل الدافع إلى هذا التحديد أن استنباط الحكم من ظاهر النص ليس فيه كثير جهد أو عناء علمي ليسمى اجتهادا.

ثم اتسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك فأصبح يشمل عملية استنباط

٣٣

الحكم من ظاهر النص أيضا ، لأن الأصوليين بعد هذا لاحظوا بحق أن عملية استنباط الحكم من ظاهر النص تستبطن كثيرا من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور وتحديده وإثبات حجية الظهور العرفي. ولم يقف توسع الاجتهاد كمصطلح عند هذا الحد ، بل شمل في تطور حديث عملية الاستنباط بكل ألوانها ، فدخلت في الاجتهاد كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي أو على تعيين الموقف العملي مباشرة.

وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عملية الاستنباط ، وبالتالي أصبح علم الأصول العلم الضروري للاجتهاد لأنه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

وهذه التطورات التي مرت بها كلمة الاجتهاد كمصطلح ترتبط بتطورات نفس الفكر العلمي إلى حد ما ، وهذا ما قد يمكن توضيحه خلال دراستنا لتأريخ علم الأصول.

***

على هذا الضوء يمكننا أن نفسر موقف جماعة من المحدثين عارضوا الاجتهاد وبالتالي شجبوا علم الأصول ، فإن هؤلاء استفزتهم كلمة الاجتهاد لما تحمل من تراث المصطلح الأول الّذي شنّ أهل البيت عليهم‌السلام حملة شديدة عليه ، فحرموا الاجتهاد الّذي حمل المجتهدون من فقهائنا رأيته ، واستدلوا على ذلك بموقف الأئمة عليهم‌السلام ومدرستهم الفقهية ضد الاجتهاد ، وهم لا يعلمون أن ذلك الموقف كان ضد المعنى الأول للاجتهاد ، والفقهاء من الأصحاب قالوا بالمعنى الثاني للكلمة.

وهكذا واجهت عملية الاستنباط هجوما مريرا من هؤلاء باسم الهجوم على الاجتهاد ، وتحملت التبعات التاريخية لهذه الكلمة ، وبالتالي امتدّ الهجوم إلى علم الأصول لارتباطه بعملية الاستنباط والاجتهاد.

ونحن بعد أن ميّزنا بين معنيي الاجتهاد نستطيع أن نعيد إلى المسألة

٣٤

بداهتها ، وتتبين بوضوح أن جواز الاجتهاد بالمعنى المرادف لعملية الاستنباط من البديهيات.

وما دامت عملية استنباط الحكم الشرعي جائزة بالبداهة فمن الضروري أن يحتفظ بعلم الأصول لدراسة العناصر المشتركة في هذه العملية.

ويبقى علينا ـ بعد أن أثبتنا جواز عملية الاستنباط في الإسلام ـ أن ندرس نقطتين :

إحداهما هي : أن الإسلام هل يسمح بهذه العملية في كل عصر ولكل فرد ، أو لا يسمح بها إلا لبعض الأفراد وفي بعض العصور؟

والنقطة الأخرى هي : أن الإسلام كما يسمح للشخص أن يستنبط حكمه هل يسمح له باستنباط حكم غيره وإفتائه بذلك؟ وسوف ندرس هاتين النقطتين في بعض الحلقات المقبلة التي أعددناها لمراحل أعلى من دراسة هذا العلم.

٣٥

الوسائل الرئيسية للإثبات في علم الأصول

عرفنا أن عملية الاستنباط تتألف من عناصر مشتركة وعناصر خاصة ، وأن علم الأصول هو علم العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، ففيه تدرس هذه العناصر وتحدد وتنظم.

وما دام علم الأصول هو العلم الّذي يتكفل بدراسة تلك العناصر فمن الطبيعي أن يبرز هذا السؤال الأساسي : ما هي وسائل الإثبات التي يستخدمها علم الأصول ، لكي يثبت بها حجية الخبر أو حجية الظهور العرفي ، أو غير ذلك من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط؟.

ونظير هذا السؤال يواجهه كل علم ، فبالنسبة إلى العلوم الطبيعية نسأل مثلا : ما هي وسائل الإثبات التي تستخدمها هذه العلوم لاكتشاف قوانين الطبيعة وإثباتها؟ والجواب هو أن وسيلة الإثبات الرئيسية في العلوم الطبيعية هي التجربة. وبالنسبة إلى علم النحو يسأل أيضا : ما هي وسائل الإثبات التي يستخدمها النحوي لاكتشاف قوانين إعراب الكلمة وتحديد حالات رفعها ونصبها؟ والجواب هو أن الوسيلة الرئيسية للإثبات

٣٦

في علم النحو هي النقل عن المصادر الأصلية للغة وكلمات أبنائها الأولين. فلا بد لعلم الأصول إذن أن يواجه هذا السؤال وأن يحدد منذ البدء وسائل الإثبات التي ينبغي أن يستخدمها لإثبات العناصر المشتركة وتحديدها.

وفي هذا المجال نقول : إن الوسائل الرئيسية التي ينبغي لعلم الأصول أن يستخدمها مردّها إلى وسيلتين رئيسيتين ، وهما :

١ ـ البيان الشرعي (الكتاب والسنة).

٢ ـ الإدراك العقلي.

فلا تكتسب أي قضية طابع العنصر المشترك في عملية الاستنباط ، ولا يجوز إسهامها في العملية الا إذا أمكن إثباتها بإحدى هاتين الوسيلتين الرئيسيتين ، فإذا حاول الأصولي مثلا أن يدرس حجية الخبر لكي يدخله في عملية الاستنباط ـ إذا كان حجة ـ يطرح على نفسه هذين السؤالين :

هل ندرك بعقولنا أن الخبر حجة وملزم بالاتباع أم لا؟

وهل يوجد بيان شرعي يدل على حجيته؟

ويحاول الأصولي في بحثه الجواب على هذين السؤالين وفقا للمستوى الّذي يتمتع به من الدقة والانتباه ، فإذا انتهى الباحث من دراسته إلى الإجابة بالنفي على كلا السؤالين كان معنى ذلك أنه لا يملك وسيلة لإثبات حجية الخبر ، وبالتالي يستبعد الخبر عن نطاق الاستنباط. وأما إذا استطاع الباحث أن يجيب بالإيجاب على أحد السؤالين أدى هذا إلى إثبات حجية الخبر ودخولها في عملية الاستنباط بوصفها عنصرا أصوليا مشتركا ..

وسوف نرى خلال البحوث المقبلة أن عددا من العناصر المشتركة قد تم إثباتها بالوسيلة الأولى ـ أي البيان الشرعي ـ وعددا آخر ثبت بالوسيلة الثانية ـ أي الإدراك العقلي ـ. فمن قبيل الأول حجية الخبر وحجية الظهور

٣٧

العرفي ، ومن نماذج الثاني القانون القائل : «ان الفعل لا يمكن أن يكون واجبا وحراما في وقت واحد».

وعلى ضوء ما تقدم نعرف أن من الضروري ـ قبل البدء في بحوث علم الأصول لدراسة العناصر المشتركة ـ أن ندرس الوسائل الرئيسية التي ينبغي للعلم استخدامها في سبيل إثبات تلك العناصر ، ونتكلم عن حدودها لكي نستطيع بعد هذا أن نستخدمها وفقا لتلك الحدود.

البيان الشرعي :

البيان الشرعي هو إحدى الوسيلتين الرئيسيتين لإثبات العناصر التي تساهم في عملية الاستنباط. ونقصد بالبيان الشرعي ما يلي :

١ ـ «الكتاب الكريم» وهو القرآن الّذي أنزل بمعناه ولفظه على سبيل الإعجاز وحيا على أشرف المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله.

٢ ـ «السنة» وهي كل بيان صادر من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أو أحد الأئمة المعصومين عليهم‌السلام ، والبيان الصادر منهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

١ ـ «البيان الإيجابي القولي» وهو الكلام الّذي يتكلم به المعصوم عليه‌السلام.

٢ ـ «البيان الإيجابي الفعلي» وهو الفعل الّذي يصدر من المعصوم عليه‌السلام.

٣ ـ «البيان السلبي» وهو تقرير المعصوم عليه‌السلام ، أي سكوته عن وضع معيّن بنحو يكشف عن رضاه بذلك الوضع وانسجامه مع الشريعة.

ويجب الأخذ بكل هذه الأنواع من البيان الشرعي ، وإذا دلّ شيء منها على عنصر مشترك من عناصر عملية الاستنباط ثبت ذلك العنصر المشترك واكتسب طابعه الشرعي.

٣٨

وفي هذا المجال توجد عدة بحوث نتركها للحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.

الإدراك العقلي :

الإدراك العقلي هو الوسيلة الرئيسية الثانية التي تستخدم في بحوث هذا العلم لإثبات العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، إذ قد يكون العنصر المشترك في عملية الاستنباط مما ندركه بعقولنا دون حاجة إلى بيان شرعي لإثباته ، من قبيل القانون القائل : «إن الفعل لا يمكن أن يكون حراما وواجبا في وقت واحد» ، فإننا لا نحتاج في إثبات هذا القانون إلى بيان شرعي يشتمل على صيغة للقانون من هذا القبيل ، بل هو ثابت عن طريق العقل ، لأن العقل يدرك أن الوجوب والحرمة صفتان متضادتان ، وأن الشيء الواحد لا يمكن أن يشتمل على صفتين متضادتين ، فكما لا يمكن أن يتصف الجسم بالحركة والسكون في وقت واحد كذلك لا يمكن أن يتصف الفعل بالوجوب والحرمة معا.

والإدراك العقلي له مصادر متعددة ودرجات مختلفة.

فمن ناحية المصادر ينقسم الإدراك العقلي إلى أقسام :

(منها) الإدراك العقلي القائم على أساس الحس والتجربة. ومثاله إدراكنا أن الماء يغلي إذا بلغت درجة حرارته مائة ، وأن وضعه على النار إلى مدة طويلة يؤدي إلى غليانه.

(ومنها) الإدراك العقلي القائم على أساس البداهة. ومثاله إدراكنا جميعا أن الواحد نصف الاثنين ، وأن الضدين لا يجتمعان ، وأن الكل أكبر من الجزء. فإن هذه الحقائق بديهية ينساق إليها الذهن بطبيعته دون عناء أو تأمل.

(ومنها) الإدراك القائم على أساس التأمل النظريّ. ومثاله إدراكنا

٣٩

أن المعلول يزول إذا زالت علته ، فان هذه الحقيقة ليست بديهية ، ولا ينساق إليها الذهن بطبيعته ، وإنما ندرك بالتأمل عن طريق البرهان والاستدلال.

ومن ناحية الدرجات ينقسم الإدراك العقلي إلى درجات :

(فمنه) الإدراك الكامل القطعي. وهو أن ندرك بعقولنا حقيقة من الحقائق إدراكا لا نحتمل فيه الخطأ والاشتباه ، كإدراكنا أن زوايا المثلث تساوي قائمتين ، وأن الضدين لا يجتمعان ، وأن الأرض كروية ، وأن الماء يكتسب الحرارة من النار إذا وضع عليها.

(ومن الإدراك العقلي) ما يكون ناقصا. والإدراك الناقص هو اتجاه العقل نحو ترجيح شيء دون الجزم به لاحتمال الخطأ ، كإدراكنا أن الجواد الّذي سبق في مناورات سابقة سوف يسبق في المرة القادمة أيضا ، وأن الدواء الّذي نجح في علاج أمراض معينة سوف ينجح في علاج أعراض مرضية مشابهة ، وأن الفعل المشابه للحرام في أكثر خصائصه يشاركه في الحرمة.

والسؤال الأساسي في هذا البحث : ما هي حدود العقل أو الإدراك العقلي الّذي يقوم بدور الوسيلة الرئيسية لإثبات العناصر المشتركة في عملية الاستنباط؟ فهل يمكن استخدام الإدراك العقلي كوسيلة للإثبات مهما كان مصدره ومهما كانت درجته ، أو لا يجوز استخدام الإدراك العقلي كوسيلة للثبات إلا ضمن حدود معينة من ناحية المصدر أو الدرجة.

وقد اتجه البحث حول هذه النقطة نحو معالجة الدرجة أكثر من اتجاهه نحو معالجة المصدر ، فاتسعت الدراسات الأصولية التي تناولت حدود العقل من ناحية الدرجة ، واختلفت الاتجاهات حول مدى شمول العقل وحدوده ـ بوصفه وسيلة إثبات رئيسية ـ فهل يشمل الإدراكات الناقصة التي تؤدي إلى مجرد الترجيح أو يختص بالإدراك الكامل المنتج للجزم؟.

٤٠