المعالم الجديدة للأصول

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المعالم الجديدة للأصول

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار التعارف للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٨

١
٢

٣
٤

٥
٦

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله المعصومين الطاهرين.

وبعد: فاني لم أضع هذا الكتاب ليعبر عن بحوث علم أصول الفقه كما تعالج في الدراسات الخاصة ، ولا ليبرهن على وجهات نظري في المسائل الاصولية بالصورة الكافية لابرازها إبراز دقيقا والاستدلال عليها ومقارنتها الواسعة بسائر الآراء والاتجاهات القائمة في علم الاصول ، كما هي الطريقة المتبعة في الكتب التي تصنف على مستوى الدراسات العالية وبحوث الخارج.

وإنما الهدف الذي أتوخاه من هذا الكتاب هو تقديم علم الأصول بصورة بدائية ومبسطة للمبتدئين في دراسة هذا العلم ، ولهذا راعيت في كل جوانب الكتاب أن يكون في مستوى هذا الهدف.

وقد حاولت إضافة الى ذلك أن أمكن الهواة الراغبين في معلومات عامة عن العلم من الحصول عليها في هذا الكتاب ، ولأجل هذا لاحظت

٧

في درجه التوضيح ما يحقق ذلك.

ويعبر هذا الكتاب عن حلقة من حلقات ثلاثة تندرج في عرض علم الأصول وتمهيده ، وتشكل كل واحدة منها دراسة كاملة لعلم الأصول وإن اختلفت في مستوى العرض والدرجة العلمية للبحث.

ففي هذه الحلقة توفرنا على ايجاد تصورات علمية عامة عن النظريات الأصولية ، وتجنبنا في الغالب الخوض في المناقشات والإحتجاج.

ويتهيأ الطالب عند إكمال هذه الحلقة لدراسة تلك النظريات بصورة تصديقية في الحلقة الثانية التي سوف نعمق فيها التصورات المعطاة في الحلقة الأول مع بحث تصديقي مجمل عن كل نظرية.

وأما الحلقة الثالثة فهي تعرض المستوى الثالث من الدروس التمهدية لعلم الأصول ، ويمارس فيها الطالب دراسة النظريات الأصولية في اطار من الأقوال ووجهات النظر المتخالفة والأدلة المتقابلة.

وأما الهيكل العام والتصميم المشترك الذي وضعته للحلقات الثلاث فله مبرراته التي ترتبط بما اشرت إليه من الأهداف المتوخاة من وضع هذه الحلقة وما يليها ، كما ستتحدث عنه في الحلقات المقبلة ان شاء الله تعالى.

١٤ جمادي الثانية ١٣٨٥ هـ ـ النجف الأشرف ـ محمد باقر الصدر

٨

القسم الاول

المدخل الى علم الاصول

٩
١٠

(تعريف علم الأصول)

تمهيد :

بعد أن آمن الإنسان بالله والإسلام والشريعة وعرف أنه مسئول بحكم كونه عبدا لله تعالى عن امتثال أحكام الله تعالى ، يصبح ملزما بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة والشريعة الإسلامية ، ومدعوا بحكم عقله إلى بناء كل تصرفاته الخاصة وعلاقاته مع الأفراد الآخرين على أساسها ، أي اتخاذ الموقف العملي الّذي تفرضه عليه تبعيته للشريعة بوصفه عبدا للمشرع سبحانه الّذي أنزل الشريعة على رسوله. ولأجل هذا كان لزاما على الإنسان أن يعين الموقف العملي الّذي تفرضه هذه التبعية عليه في كل شأن من شئون الحياة ويحدده ، فهل يفعل أو يترك؟ وهل يتصرف بهذه الطريقة أو بتلك؟.

ولو كانت أحكام الشريعة وأوامرها ونواهيها في كل الأحداث والوقائع واضحة وضوحا كاملا بديهيا للجميع ، لكان تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة في كل واقعة أمرا ميسورا لكل أحد ، لأن كل إنسان يعرف

١١

أن الموقف العملي الّذي تفرضه عليه تبعيته للشريعة في الواجبات هو «أن يفعل» وفي المحرمات هو «أن يترك» وفي المباحات هو «أنه بالخيار إن شاء فعل وان شاء ترك». فلو كانت الواجبات والمحرمات وسائر الأحكام الشرعية محددة ومعلومة بصورة عامة وبديهية لكان الموقف العملي المحتم على الإنسان بحكم تبعيته للشريعة واضحا في كل واقعة ، ولما احتاج تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة إلى بحث علمي ودراسة واسعة.

ولكن عوامل عديدة ـ منها بعدنا الزمني عن عصر التشريع ـ أدت إلى عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة واكتنافها بالغموض. فنشأ نتيجة لذلك غموض في الموقف العملي الّذي تفرضه على الإنسان تبعيته تجاه الشريعة في كثير من الوقائع والأحداث ، لأن الإنسان إذا لم يعلم نوع الحكم الّذي تقرره الشريعة في واقعة ما أهو وجوب أو حرمة أو إباحة فسوف لن يعرف طبيعة الموقف العملي الّذي يتحتم عليه أن يتخذه تجاه الشريعة في تلك الواقعة بحكم تبعيته للشريعة.

وعلى هذا الأساس كان من الضروري أن يوضع علم يتولى رفع الغموض عن الموقف العملي تجاه الشريعة في كل واقعة بإقامة الدليل على تعيين الموقف العملي الّذي تفرضه على الإنسان تبعيته للشريعة وتحديده.

وهكذا كان ، فقد أنشئ علم الفقه للقيام بهذه المهمة ، فهو يشتمل على تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا. والفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في كل حدث من أحداث الحياة وناحية من مناحيها ، وهذا ما نطلق عليه في المصطلح العلمي اسم «عملية استنباط الحكم الشرعي» ، فاستنباط الحكم الشرعي في واقعة معناه إقامة الدليل على تحديد الموقف العملي للإنسان تجاه الشريعة في تلك الواقعة ، أي تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا. ونعني بالموقف العملي تجاه الشريعة السلوك الّذي يفرض على الإنسان بحكم تبعيته للشريعة أن يسلكه تجاهها لكي يفي بحقها ويكون تابعا

١٢

مخلصا لها.

فعلم الفقه إذن هو العلم بالدليل على تحديد الموقف العملي من الشريعة في كل واقعة ، والموقف العملي من الشريعة الّذي يقيم علم الفقه الدليل على تحديده ، هو «السلوك الّذي تفرضه على الإنسان تبعيته للشريعة لكي يكون تابعا مخلصا لها وقائما بحقها» ، وتحديد الموقف العملي بالدليل هو ما نعبر عنه ب «عملية استنباط الحكم الشرعي». ولأجل هذا يمكن القول بأن علم الفقه هو علم استنباط الأحكام الشرعية ، أو علم عملية الاستنباط بتعبير آخر.

وتحديد الموقف العملي بدليل يزيل الغموض الّذي يكتنف الموقف ، يتم في علم الفقه بأسلوبين :

أحدهما : الأسلوب غير المباشر ، وهو تحديد الموقف العملي الّذي تفرضه على الإنسان تبعيته للشريعة عن طريق اكتشاف نوع الحكم الشرعي الّذي قررته الشريعة في الواقعة وإقامة الدليل عليه ، فيزول الغموض عن الحكم الشرعي وبالتالي يزول الغموض عن طبيعة الموقف العملي تجاه الشريعة فنحن إذا أقمنا الدليل على أن الحكم الشرعي في واقعة ما هو الوجوب استطعنا أن نعرف ما هو الموقف الّذي تحتم تبعيتنا للشريعة أن نقفه تجاهها وهو «أن نفعل».

والأسلوب الآخر لتحديد الموقف العملي هو الأسلوب المباشر الّذي يقام فيه الدليل على تحديد الموقف العملي لا عن طريق اكتشاف الحكم الشرعي الثابت في الواقعة ـ كما في الأسلوب الأول ـ ، بل يقام الدليل على تحديد الموقف العملي مباشرة ، وذلك في حالة ما إذا عجزنا عن اكتشاف نوع الحكم الشرعي الثابت في الواقعة وإقامة الدليل على ذلك فلم ندر ما هو نوع الحكم الّذي جاءت به الشريعة ، أهو وجوب أو حرمة أو إباحة؟ ففي هذه الحالة لا يمكن استعمال الأسلوب الأول لعدم توفر الدليل على نوع الحكم الشرعي ، بل يجب أن نلجأ إلى أدلة تحدد الموقف العملي

١٣

بصورة مباشرة وتوجهنا كيف نفعل ونتصرف في هذه الحالة؟ وأي موقف عملي نتخذ تجاه الحكم الشرعي المجهول الّذي لم نتمكن من اكتشافه؟ وما هو السلوك الّذي تحتم تبعيتنا للشريعة أن نسلكه تجاهه لكي نقوم بحق التبعية ونكون تابعين مخلصين وغير مقصرين؟.

وفي كلا الأسلوبين يمارس الفقيه في علم الفقه استنباط الحكم الشرعي ، أي يحدد بالدليل الموقف العملي تجاه الشريعة بصورة غير مباشرة أو مباشرة.

ويتسع علم الفقه لعمليات استنباط كثيرة بقدر الوقائع والأحداث التي تزخر بها حياة الإنسان ، فكل واقعة لها عملية استنباط لحكمها يمارس الفقيه فيها أحد ذينك الأسلوبين المتقدمين.

وعمليات الاستنباط تلك التي يشتمل عليها علم الفقه بالرغم من تعددها وتنوعها تشترك في عناصر موحدة وقواعد عامة تدخل فيها على تعددها وتنوعها ، ويتشكل من مجموع تلك العناصر المشتركة الأساس العام لعملية الاستنباط.

وقد تطلبت هذه العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وضع علم خاص بها لدراستها وتحديدها وتهيئتها لعلم الفقه ، فكان علم الأصول.

تعريف علم الأصول :

وعلى هذا الأساس نرى أن يعرف علم الأصول بأنه «العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي». ولكي نستوعب هذا التعريف بفهم يجب أن نعرف ما هي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط؟.

ولنذكر ـ لأجل ذلك ـ نماذج بدائية من هذه العملية في صيغ مختصرة ، لكي نصل عن طريق دراسة هذه النماذج والمقارنة بينها إلى فكرة

١٤

العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

افرضوا أن فقيها واجه هذه الأسئلة :

١ ـ هل يحرم على الصائم أن يرتمس في الماء؟

٢ ـ هل يجب على الشخص إذا ورث مالا من أبيه أن يؤدي خمسه؟

٣ ـ هل تبطل الصلاة بالقهقهة في أثنائها؟

وأراد الفقيه أن يجيب على هذه الأسئلة ، فانه سوف يجيب على السؤال الأول مثلا «نعم يحرم الارتماس على الصائم». ويستنبط الفقيه هذا الحكم الشرعي بالطريقة التالية : قد دلت رواية يعقوب بن شعيب عن الإمام الصادق عليه‌السلام على حرمة الارتماس على الصائم ، فقد جاء فيها : إن الصادق عليه‌السلام قال : لا يرتمس المحرم في الماء ولا الصائم. والجملة بهذا التركيب تدل في العرف العام ـ أي لدى أبناء اللغة بصورة عامة ـ على الحرمة ، وراوي النص يعقوب بن شعيب ثقة ، والثقة وإن كان قد يخطئ أو يشذ أحيانا ولكن الشارع أمرنا بعدم اتهام الثقة بالخطإ والشذوذ واعتبر روايته دليلا وأمرنا باتباعها ، دون أن نعير احتمال الخطأ أو الشذوذ بإلا. والنتيجة هي أن الارتماس حرام على الصائم والمكلف ملزم بتركه في حالة الصوم بحكم تبعيته للشريعة.

ويجيب الفقيه على السؤال الثاني بالنفي ، أي لا يجب على الولد أن يدفع الخمس من تركة أبيه ، لأن رواية علي بن مهزيار التي حدد فيها الإمام الصادق عليه‌السلام نطاق الأموال التي يجب أداء الخمس منها ، ذكرت ان الخمس ثابت في الميراث الّذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن. والعرف العام يفهم من هذه الجملة أن الشارع لم يجعل خمسا على الميراث الّذي ينتقل من الأب إلى ابنه ، والراوي وان كان من المحتمل وقوعه في خطأ أو شذوذ بالرغم من وثاقته ، ولكن الشارع أمرنا باتباع روايات الثقات والتجاوز عن احتمال الخطأ والشذوذ ، فالمكلف إذن غير ملزم بحكم تبعيته

١٥

للشريعة بدفع خمس المال الّذي يرثه من أبيه.

ويجيب الفقيه على السؤال الثالث بالإيجاب : «القهقهة تبطل الصلاة» بدليل رواية زرارة عن الإمام الصادق عليه‌السلام انه قال : القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة. والعرف العام يفهم من النقض أن الصلاة إذا وقعت فيها القهقهة اعتبرت لغوا ووجب استئنافها ، وهذا يعني بطلانها. ورواية زرارة هي من تلك الروايات التي أمرنا الشارع باتباعها وجعلها أدلة كاشفة ، فيتحتم على المصلي بحكم تبعيته للشريعة أن يعيد صلاته ، لأن ذلك هو الموقف العملي الّذي تطلبه الشريعة منه.

وبملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة نجد أن الأحكام التي استنبطها الفقيه كانت من أبواب شتى ، فالحكم الأول يرتبط بالصوم والصائم ، والحكم الثاني يرتبط بالخمس والنظام المالي في الإسلام ، والحكم الثالث يرتبط بالصلاة ويحدد بعض حدودها. كما نرى أيضا أن الأدلة التي استند إليها الفقيه مختلفة ، فبالنسبة إلى الحكم الأول استند إلى رواية يعقوب بن شعيب وبالنسبة إلى الحكم الثاني استند إلى رواية علي بن مهزيار ، وبالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة. ولكل من الروايات الثلاث نصها وتركيبها اللفظي الخاصّ الّذي يجب أن يدرس بدقة ويحدد معناه ، ولكن توجد في مقابل هذا التنوع وهذه الاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة أدخلها الفقيه في عملية الاستنباط في المواقف الثلاثة جميعا :

فمن تلك العناصر المشتركة الرجوع إلى العرف العام في فهم النص (١) ، فان الفقيه اعتمد في فهمه للنص في كل موقف على طريقة فهم العرف العام للنص ، وذلك يعني أن العرف العام حجة ومرجع في تعيين مدلول اللفظ. وهذا ما يطلق عليه في علم الأصول اسم «حجية

__________________

(١) نريد بالنص هنا الكلام المنقول عن المعصوم عليه‌السلام.

١٦

الظهور» (٢) فحجية الظهور إذن عنصر مشترك في عمليات الاستنباط الثلاث. وكذلك أيضا يوجد عنصر مشترك آخر ، وهو أمر الشارع باتباع روايات الثقات ، لأن الفقيه في كل عملية من عمليات الاستنباط الثلاث كان يواجه نصا يرويه ثقة قد يحتمل فيه الخطأ والشذوذ لعدم كونه معصوما ولكنه تجاوز هذا الاحتمال وأخرجه من حسابه استنادا إلى أمر الشارع باتباع روايات الثقات ، وهو ما نطلق عليه اسم «حجية الخبر». ومعنى هذا أن حجية الخبر عنصر مشترك في عمليات الاستنباط الثلاث ، ولو لا هذا العنصر المشترك لما أمكن للفقيه أن يستنبط حرمة الارتماس في الموقف الأول ، ولا عدم وجوب الخمس من رواية علي بن مهزيار في الموقف الثاني ، ولا بطلان الصلاة بالقهقهة في الموقف الثالث.

وهكذا نستنتج أن عمليات الاستنباط للأحكام في الفقه تشتمل على عناصر خاصة كما تشتمل على عناصر مشتركة ، ونعني بالعناصر الخاصة تلك العناصر التي تتغير من مسألة إلى مسألة ، فرواية يعقوب بن شعيب عنصر خاص في عملية استنباط حرمة الارتماس ، لأنها لم تدخل في عمليات الاستنباط الأخرى ، بل دخل بدلا عنها عناصر خاصة أخرى ، كرواية علي بن مهزيار ورواية زرارة. ونعني بالعناصر المشتركة القواعد العامة التي تدخل في عمليات استنباط أحكام عديدة على مواضيع مختلفة ، كعنصر حجية الظهور وعنصر حجية الخبر.

وفي علم الأصول تدرس العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي لا يقتصر ارتباطها على مسألة فقهية خاصة بالذات. وفي علم الفقه تدرس

__________________

(١) الحجية في مصطلح علم الأصول تعني كون الدليل صالحا لاحتجاج المولى به على العبد بقصد مؤاخذته إذا لم يعمل العبد به ، ولاحتجاج العبد به على المولى بقصد التخلص من العقاب إذا عمل به. فكل دليل له هذه الصلاحية من كلتا الناحيتين يعتبر حجة في المصطلح الأصولي ، وظهور كلام المولى من هذا القبيل ، ولهذا يوصف بالحجية.

١٧

العناصر الخاصة بكل عملية من عمليات الاستنباط في المسألة التي ترتبط بتلك العملية.

وهكذا يترك للفقيه في كل مسألة أن يفحص بدقة الروايات الخاصة التي ترتبط بتلك المسألة ويدرس قيمة تلك الروايات ويحاول فهم نصوصها وألفاظها على ضوء العرف العام. بينما يتناول الأصولي البحث عن حجية العرف العام بالذات والبحث عن حجية الخبر ، ويطرح أسئلة ليجيب عليها من هذا القبيل : هل العرف العام حجة؟ وما هو مدى النطاق الّذي يجب الرجوع فيه إلى العرف العام؟ وبأي دليل نثبت حجية الخبر؟ وما هي الشروط العامة في الخبر الّذي منحه الشارع صفة الحجية واعتبره دليلا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تتصل بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

وعلى هذا الضوء نستطيع أن نفهم التعريف الّذي أعطيناه لعلم الأصول ، إذ قلنا : «إن علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط» أي إنه علم يبحث عن العناصر التي تدخل في عمليات استنباط متعددة لأحكام مواضيع متنوعة ، كحجية الظهور العرفي وحجية الخبر ، العنصرين المشتركين اللذين دخلا في استنباط أحكام الصوم والخمس والصلاة.

ولا يحدد علم الأصول العناصر المشتركة فحسب ، بل يحدد أيضا درجات استعمالها في عملية الاستنباط والعلاقة القائمة بينها ، كما سنرى في البحوث المقبلة إن شاء الله تعالى. وبهذا يضع للعملية الاستنباطية نظامها العام الكامل.

ونستخلص من ذلك أن علم الأصول وعلم الفقيه مرتبطان معا باستنباط الحكم الشرعي ، فعلم الفقه هو علم نفس عملية الاستنباط ، وعلم الأصول علم العناصر المشتركة في عملية الاستنباط. والفقيه يمارس

١٨

في علم الفقه عملية استنباط الحكم الشرعي بإضافة العناصر الخاصة للعملية في البحث الفقهي إلى العناصر المشتركة التي يستمدها من علم الأصول ، والأصولي يدرس في علم الأصول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ويضعها في خدمة الفقيه.

موضوع علم الأصول :

لكل علم ـ عادة ـ موضوع أساسي ترتكز جميع بحوثه عليه وتدور حوله وتستهدف الكشف عما يرتبط بذلك الموضوع من خصائص وحالات وقوانين ، فالفيزياء مثلا موضوعها الطبيعة ، وبحوث الفيزياء ترتبط كلها بالطبيعة وتحاول الكشف عن حالاتها وقوانينها العامة. والنحو موضوعه الكلمة ، لأنه يبحث عن حالات إعرابها وبنائها ورفعها ونصبها ، فما هو موضوع علم الأصول الّذي يتوفر هذا العلم على دراسته وتدور بحوثه حوله؟.

ونحن إذا لاحظنا التعريف الّذي قدمناه لعلم الأصول استطعنا أن نعرف أن علم الأصول يدرس في الحقيقة نفس عملية الاستنباط التي يمارسها الفقيه في علم الفقه ، وتتعلق بحوثه كلها بتدقيق هذه العملية وإبراز ما فيها من عناصر مشتركة ، وعلى هذا الأساس تكون عملية الاستنباط هي موضوع علم الأصول باعتباره علما يدرس العناصر المشتركة التي تدخل في تلك العملية من قبيل حجية الظهور العرفي وحجية الخبر.

علم الأصول منطق الفقه :

ولا بد ان معلوماتكم عن علم المنطق تسمح لنا أن نستخدم علم المنطق كمثال لعلم الأصول ، فإن علم المنطق ـ كما تعلمون ـ يدرس في الحقيقة عملية التفكير ، مهما كان لونها ومجالها وحقلها العلمي ، ويحدد

١٩

النظام العام الّذي يجب أن تتبعه عملية التفكير لكي يكون التفكير سليما. مثلا : يعلمنا علم المنطق كيف يجب أن ننهج في الاستدلال بوصفه عملية تفكير لكي يكون الاستدلال صحيحا؟ كيف نستدل على أن سقراط فان؟ وكيف نستدل على أن نار الموقد الموضوع أمامي محرقة؟ وكيف نستدل على أن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين؟ وكيف نستدل على أن الخطّ الممتد بدون نهاية مستحيل؟ وكيف نستدل على أن الخسوف ينتج عن توسط الأرض بين الشمس والقمر؟. كل هذا يجيب عليه علم المنطق بوضع المناهج العامة للاستدلال ، كالقياس والاستقراء التي تطبق في مختلف هذه الحقول من المعرفة ، فهو إذن علم لعملية التفكير إطلاقا ، إذ يضع المناهج والعناصر العامة فيها.

وعلم الأصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية ، غير أنه يبحث عن نوع خاص من عملية التفكير ، أي عن عملية التفكير الفقهي في استنباط الأحكام ، ويدرس العناصر المشتركة العامة التي يجب أن تستوعبها عملية الاستنباط ، وتتكيف وفقا لها ، لكي يكون الاستنباط سليما والفقيه موفقا في استنتاجه. فهو يعلمنا : كيف يجب أن ننهج في استنباط الحكم الشرعي؟ كيف نستنبط الحكم بحرمة الارتماس على الصائم؟ كيف نستنبط الحكم باعتصام ماء الكر؟ كيف نستنبط الحكم بوجوب صلاة العيد؟ كيف نستنبط الحكم بحرمة تنجيس المسجد؟ كيف نستنبط الحكم ببطلان البيع الصادر عن إكراه؟. كل هذا يوضحه علم الأصول بوضع المناهج العامة لعملية الاستنباط والكشف عن عناصرها المشتركة.

وعلى هذا الأساس قد نطلق على علم الأصول اسم «منطق علم الفقه» لأنه يلعب بالنسبة إلى علم الفقه دورا إيجابيا مماثلا للدور الإيجابي الّذي يؤديه علم المنطق للعلوم والفكر البشري بصورة عامة ، فهو على هذا الأساس «منطق علم الفقه» أو «منطق عملية الاستنباط» بتعبير آخر.

ونستخلص من ذلك كله أن علم الفقه هو العلم بعملية الاستنباط ،

٢٠