المعالم الجديدة للأصول

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المعالم الجديدة للأصول

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار التعارف للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٨

الإسلام بوجوب الحج على المستطيع في الآية الكريمة ثبت هذا الحكم في الشريعة ولو لم يكن يوجد مستطيع وقتئذ إطلاقا ، بمعنى أن شخصا لو سأل في ذلك الوقت ما هي أحكام الشريعة؟ لذكرنا من بينها وجوب الحج على المستطيع سواء كان في المسلمين مستطيع فعلا أو لا ، وبعد أن يصبح هذا الفرد أو ذاك مستطيعا يثبت الوجوب عليه.

ونعرف على هذا الأساس أن الحكم بوجوب الحج على المستطيع لا يتوقف ثبوته في الشريعة بوصفه حكما شرعيا إلا على تشريعه وجعله من قبل الله تعالى سواء كانت الاستطاعة متوفرة في المسلمين فعلا أو لا. وأما ثبوت وجوب الحج على هذا المكلف أو ذاك فيتوقف إضافة إلى تشريع الله للحكم وجعله له على توفر خصائص الاستطاعة في المكلف.

والثبوت الأول للحكم ـ أي ثبوته في الشريعة ـ يسمى بالجعل «جعل الحكم».

والثبوت الثاني للحكم ـ أي ثبوته على هذا المكلف بالذات أو ذاك ـ يسمى بالفعلية «فعلية الحكم» ، فجعل الحكم معناه تشريعه من قبل الله ، وفعلية الحكم معناها ثبوته فعلا لهذا المكلف أو ذاك.

موضوع الحكم :

وموضوع الحكم مصطلح أصولي نريد به مجموع الأشياء التي تتوقف عليها فعلية الحكم المجعول بمعناها الّذي شرحناه ، ففي مثال وجوب الحج يكون وجود المكلف المستطيع موضوعا لهذا الوجوب ، لأن فعلية هذا الوجوب تتوقف على وجود مكلف مستطيع. ومثال آخر : حكمت الشريعة بوجوب الصوم على كل مكلف غير مسافر ولا مريض إذا هلّ عليه هلال شهر رمضان ، وهذا الحكم يتوقف ثبوته الأول على جعله شرعا ، ويتوقف ثبوته الثاني ـ أي فعليته ـ على وجود موضوعه ، أي وجود مكلف غير مسافر

١٦١

ولا مريض وهلّ عليه هلال شهر رمضان ، فالمكلف وعدم السفر وعدم المرض وهلال شهر رمضان هي العناصر التي تكوّن الموضوع الكامل للحكم بوجوب الصوم.

وإذا عرفنا معنى موضوع الحكم استطعنا أن ندرك أن العلاقة بين الحكم والموضوع تشابه ببعض الاعتبارات العلاقة بين المسبب وسببه كالحرارة والنار ، فكما أن المسبب يتوقف على سببه كذلك الحكم يتوقف على موضوعه لأنه يستمد فعليته من وجود الموضوع. وهذا معنى العبارة الأصولية القائلة : «إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه» أي إن وجود الحكم فعلا يتوقف على وجود موضوعه فعلا.

وبحكم هذه العلاقة بين الحكم والموضوع يكون الحكم متأخرا في درجته عن الموضوع ، ويكون الموضوع متقدما عليه كما يتقدم كل سبب على مسببه.

وتوجد في علم الأصول قضايا تستنتج من هذه العلاقة وتصلح للاشتراك في عمليات الاستنباط لا مجال للدخول في تفاصيلها الآن.

الفصل الثالث

العلاقات القائمة بين الحكم ومتعلقه

عرفنا أن وجوب الصوم ـ مثلا ـ موضوعه مؤلف من عدة عناصر تتوقف عليها فعلية الوجوب ، فلا يكون الوجوب فعليا وثابتا إلا إذا وجد مكلف غير مسافر ولا مريض وهلّ عليه هلال شهر رمضان ، وأما متعلق هذا الوجوب فهو الفعل الّذي يؤديه المكلف نتيجة لتوجه الوجوب إليه ، وهو الصوم في هذا المثال.

وعلى هذا الضوء نستطيع أن نميز بين متعلق الوجوب وموضوعه ، فإن المتعلق يوجد بسبب الوجوب ، فالمكلف انما يصوم لأجل وجوب

١٦٢

الصوم عليه ، بينما يوجد الحكم نفسه بسبب الموضوع ، فوجوب الصوم لا يصبح فعليا إلا إذا وجد مكلف غير مريض ولا مسافر وهلّ عليه الهلال.

وهكذا نجد أن وجود الحكم يتوقف على وجود الموضوع ، بينما يكون سببا لإيجاد المتعلق وداعيا للمكلف نحوه.

وعلى هذا الأساس نعرف أن من المستحيل أن يكون الوجوب داعيا إلى إيجاد موضوعه ومحركا للمكلف نحوه كما يدعو إلى إيجاد متعلقه ، فوجوب الصوم على كل مكلف غير مسافر ولا مريض لا يمكن أن يفرض على المكلف أن لا يسافر وإنما يفرض عليه أن يصوم إذا لم يكن مسافرا ، ووجوب الحج على المستطيع لا يمكن أن يفرض على المكلف أن يكتسب ليحصل على الاستطاعة وانما يفرض الحج على المستطيع ، لأن الحكم لا يوجد إلا بعد وجود موضوعه ، فقبل وجود الموضوع لا وجود للحكم لكي يكون داعيا إلى إيجاد موضوعه ، ولأجل ذلك وضعت في علم الأصول القاعدة القائلة : «إن كل حكم يستحيل أن يكون محركا نحو أيّ عنصر من العناصر الدخيلة في تكوين موضوعه بل يقتصر تأثيره وتحريكه على نطاق المتعلق».

الفصل الرابع

العلاقات القائمة بين الحكم والمقدمات

المقدمات التي يتوقف عليها وجود الواجب على قسمين :

أحدهما المقدمات التي يتوقف عليها وجود المتعلق ، من قبيل السفر الّذي يتوقف أداء الحج عليه ، أو الوضوء الّذي تتوقف الصلاة عليه ، أو التسلح الّذي يتوقف الجهاد عليه.

والآخر المقدمات التي تدخل في تكوين موضوع الوجوب ، من قبيل نية الإقامة التي يتوقف عليها صوم شهر رمضان ، والاستطاعة التي تتوقف

١٦٣

عليها حجة الإسلام.

والفارق بين هذين القسمين أن المقدمة التي تدخل في تكوين موضوع الوجوب يتوقف على وجودها الوجوب نفسه ، لما شرحناه سابقا من أن الحكم الشرعي يتوقف وجوده على وجود موضوعه ، فكل مقدمة دخيلة في تحقق موضوع الحكم يتوقف عليها الحكم ولا يوجد بدونها ، خلافا للمقدمات التي لا تدخل في تكوين الموضوع وانما يتوقف عليها وجود المتعلق فحسب ، فإن الحكم يوجد قبل وجودها ، لأنها لا تدخل في موضوعه.

ولنوضح ذلك في مثال الاستطاعة والوضوء : فالاستطاعة مقدمة تتوقف عليها حجة الإسلام ، والتكسب مقدمة للاستطاعة ، وذهاب الشخص إلى محله في السوق مقدمة للتكسب ، وحيث أن الاستطاعة تدخل في تكوين موضوع وجوب الحج فلا وجوب للحج قبل الاستطاعة وقبل تلك الأمور التي تتوقف عليها الاستطاعة. وأما الوضوء فلا يدخل في تكوين موضوع وجوب الصلاة ، لأن وجوب الصلاة لا ينتظر أن يتوضأ الإنسان لكي يتجه إليه بل يتجه إليه قبل ذلك ، وانما يتوقف متعلق الوجوب ـ وهو الصلاة ـ على الوضوء ، ويتوقف الوضوء على تحضير الماء الكافي ، ويتوقف تحضير هذا الماء على فتح خزان الماء مثلا.

فهناك إذن سلسلتان من المقدمات : الأولى سلسلة مقدمات المتعلق ، أي الوضوء الّذي تتوقف عليه الصلاة وتحضير الماء الّذي يتوقف عليه الوضوء وفتح الخزان الّذي يتوقف عليه تحضير الماء. والثانية سلسلة مقدمات الوجوب ، وهي الاستطاعة التي تدخل في تكوين موضوع وجوب الحج والتكسب الّذي تتوقف عليه الاستطاعة وذهاب الشخص إلى محله في السوق الّذي يتوقف عليه التكسب.

وموقف الوجوب من هذه السلسلة الثانية وكل ما يندرج في القسم الثاني من المقدمات سلبي دائما ، لأن هذا القسم يتوقف عليه وجوب

١٦٤

موضوع الحكم ، وقد عرفنا سابقا أن الوجوب لا يمكن أن يدعو إلى موضوعه. وتسمى كل مقدمة من هذا القسم «مقدمة وجوب» أو «مقدمة وجوبية».

وأما السلسلة الأولى والمقدمات التي تندرج في القسم الأول فالمكلف مسئول عن إيجادها ، أي إن المكلف بالصلاة مثلا مسئول عن الوضوء لكي يصلي ، والمكلف بالحج مسئول عن السفر لكي يحج ، والمكلف بالجهاد مسئول عن التسلح لكي يجاهد.

والنقطة التي درسها الأصوليون هي نوع هذه المسئولية ، فقد قدموا لها تفسيرين :

أحدهما أن الواجب شرعا على المكلف هو الصلاة فحسب دون مقدماتها من الوضوء ومقدماته ، وانما يجد المكلف نفسه مسئولا عن إيجاد الوضوء وغيره من المقدمات لأنه يرى أن امتثال الواجب الشرعي لا يتأتى له إلا بإيجاد تلك المقدمات.

والآخر أن الوضوء واجب شرعا لأنه مقدمة للواجب ومقدمة الواجب واجبة شرعا ، فهناك إذن واجبان شرعيان على المكلف : أحدهما الصلاة ، والآخر الوضوء بوصفه مقدمة للصلاة. ويسمى الأول ب «الواجب النفسيّ» لأنه واجب لأجل نفسه. ويسمى الثاني ب «الواجب الغيري» ، لأنه واجب لأجل غيره ، أي لأجل ذي المقدمة وهو الصلاة.

وهذا التفسير أخذ به جماعة من الأصوليين إيمانا منهم بقيام علاقة تلازم بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ، فكلما حكم الشارع بوجوب فعل حكم عقيب ذلك مباشرة بوجوب مقدماته.

١٦٥

الفصل الخامس

في العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد

قد يتعلق الوجوب بشيء واحد ، كوجوب السجود على كل من سمع آية السجدة ، وقد يتعلق بعملية تتألف من أجزاء وتشتمل على أفعال متعددة ، من قبيل وجوب الصلاة ، فإن الصلاة عملية تتألف من أجزاء وتشتمل على أفعال عديدة ، كالقراءة والسجود والركوع والقيام والتشهد وما إلى ذلك. وفي هذه الحالة تصبح العملية بوصفها مركبة من تلك الأجزاء واجبة ويصبح كل جزء واجبا أيضا ، ويطلق على وجوب المركب اسم «الوجوب الاستقلالي» ويطلق على وجوب كل جزء فيه اسم «الوجوب الضمني» ، لأن الوجوب إنما يتعلق بالجزء بوصفه جزءا في ضمن المركب لا بصورة مستقلة عن سائر الأجزاء ، فوجوب الجزء ليس حكما مستقلا ، بل هو جزء من الوجوب المتعلق بالعملية المركبة. ولأجل ذلك كان وجوب كل جزء من الصلاة مثلا مرتبطا بوجوب الأجزاء الأخرى ، لأن الوجوبات الضمنية لأجزاء الصلاة تشكل بمجموعها وجوبا واحدا استقلاليا. ونتيجة ذلك قيام علاقة التلازم في داخل إطار الحكم الواحد بين الوجوبات الضمنية فيه. وتعني علاقة التلازم هذه أنه لا تمكن التجزئة في تلك الوجوبات أو التفكيك بينها ، بل إذا سقط أي واحد منها تحتم سقوط الباقي نتيجة لذلك التلازم القائم بينها.

مثال ذلك : إذا وجب على الإنسان الوضوء وهو مركب من أجزاء عديدة كغسل الوجه وغسل اليمنى وغسل اليسرى ومسح الرّأس ومسح القدمين ، فيتعلق بكل جزء من تلك الأجزاء وجوب ضمني بوصفه جزءا من الوضوء الواجب ، وفي هذه الحالة إذا تعذّر على الإنسان أن يغسل

١٦٦

وجهه لآفة فيه وسقط لأجل ذلك الوجوب الضمني المتعلق بغسل الوجه كان من المحتم أن يسقط وجوب سائر الأجزاء أيضا ، فلا يبقى على الإنسان وجوب غسل يديه فقط ما دام قد عجز عن غسل وجهه ، لأن تلك الوجوبات لا بد أن ينظر إليها بوصفها وجوبا واحدا متعلقا بالعملية كلها أي بالوضوء ، وهذا الوجوب إما أن يسقط كله أو يثبت كله ، ولا مجال للتفكيك.

وعلى هذا الضوء نعرف الفرق بين ما إذا وجب الوضوء بوجوب استقلالي ووجب الدعاء بوجوب استقلالي آخر فتعذر الوضوء ، وبين ما إذا وجب الوضوء فتعذر جزء منه كغسل الوجه مثلا ، ففي الحالة الأولى لا يؤدي تعذر الوضوء إلا إلى سقوط الوجوب الّذي كان متعلقا به ، وأما وجوب الدعاء فيبقى ثابتا ، لأنه وجوب مستقل غير مرتبط بوجوب الوضوء. وفي الحالة الثانية حين يتعذر غسل الوجه ويسقط وجوبه الضمني يؤدي ذلك إلى سقوط وجوب الوضوء وارتفاع سائر الوجوبات الضمنية.

قد تقول : نحن نرى ان الإنسان يكلف بالصلاة ، فإذا أصبح أخرس وعجز عن القراءة فيها كلف بالصلاة بدون قراءة ، فهل هذا إلا تفكيك بين الوجوبات الضمنية ونقض لعلاقة التلازم بينها.

والجواب أن وجوب الصلاة بدون قراءة على الأخرس ليس تجزئة لوجوب الصلاة الكاملة ، وانما هو وجوب آخر وخطاب جديد تعلق منذ البدء بالصلاة الصامتة ، فوجوب الصلاة الكاملة والخطاب بها قد سقط كله نتيجة لتعذر القراءة وخلفه وجوب آخر وخطاب جديد.

١٦٧

٣ ـ الدليل الاستقرائي

تمهيد

الاستقراء هو استنتاج قانون عام من تتبع حالات جزئية كثيرة. ومثال ذلك أن نلاحظ هذه القطعة من الحديد فنراها تتمدد بالحرارة ، ونلاحظ تلك فنراها تتمدد بالحرارة ، وهكذا الثالثة والرابعة ، فنستنتج من تتبع هذه الحالات الجزئية قانونا عاما ، وهو أن كل حديد يتمدد بالحرارة. وهذه الطريقة من الاستدلال هي الطريقة التي يستخدمها العلماء الطبيعيون في العلوم الطبيعية لاكتشاف قوانين الكون والطبيعة.

ونحن إذا تأملنا في الدليل الاستقرائي نجد أن كل حالة من الحالات الجزئية التي نلاحظ فيها تمدد الحديد بالحرارة تشكل قرينة على القانون العام القائل : «إن كل حديد يتمدد بالحرارة» غير أن كل حالة بمفردها تعتبر قرينة إثبات ناقصة ، أي أنها لا تؤدي بنا إلى القطع بالقانون العام ، ولكن حين نضيف إليها حالة جزئية أخرى مماثلة يقوى في ظننا أن ظاهرة التمدد بالحرارة عامة ، فإذا لاحظنا التمدد في حالة ثالثة مماثلة أيضا تأكد ظننا بالتعميم نتيجة لتجمع ثلاث قرائن ، وهكذا تزداد القرائن كلما ازدادت

١٦٨

الحالات التي نستقرئها ، وبالتالي يزداد ظننا بالقانون العام حتى نصل إلى القطع به.

ونحن هنا نسمي كل دليل يقوم على أساس القرائن الناقصة ويستمد قوته من تجمع تلك القرائن «دليلا استقرائيا».

ومن أمثلة الدليل الاستقرائي بهذا المعنى الّذي نريده هنا «التواتر» وهو أن يخبرك عدد كبير جدا من الناس بحادثة رأوها بأعينهم ، فأنت حين تسمع الخبر من أحدهم تحتمل صدقه ولكنك لا تجزم بذلك فتعتبر خبره قرينة ناقصة على وقوع الحادثة ، فإذا سمعت الخبر نفسه من شخص آخر تقوّى في نفسك احتمال وقوع الحادثة نتيجة لاجتماع قرينتين ، وهكذا يظل احتمال وقوع الحادثة ينمو ويكبر كلما جاء مخبر جديد عنها حتى يصل إلى درجة العلم.

وقد نطلق على الدليل الاستقرائي بالمعنى الّذي حددناه اسم «الدليل الاحتمالي» أو «الدليل القائم على حساب الاحتمالات» لأن الدليل الاستقرائي لما كان مرده في التحليل العلمي إلى عملية تجميع القرائن فهو يتضمن قياس قوة الاحتمال الناتج عن كل قرينة وجمع القوى الاحتمالية لمجموع القرائن وفقا لقوانين سوف نشير إليها في الحلقات المقبلة وقياس تلك القوى الاحتمالية وجمعها هو ما يسمى بحساب الاحتمالات وحيث ان الدليل الاستقرائي يتضمن ويعتمد عليه فهو يقوم على أساس حساب الاحتمالات.

وسوف نتحدث فيما يلي عن دور الدليل الاستقرائي في استنباط الأحكام وذلك في فصلين :

١٦٩

الفصل الأول

الاستقراء في الأحكام

من ألوان الدليل الاستقرائي أن ندرس عددا كبيرا من الأحكام الشرعية فنجد أنها تشترك جميعا في اتجاه واحد ، فنكتشف قاعدة عامة في التشريع الإسلامي عن طريقها.

ولنذكر على سبيل المثال لهذا الدليل محاولة ذكرها الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابيه الحدائق والدرر النجفية تستهدف إثبات قاعدة عامة عن طريق الاستقراء ، وتلك القاعدة العامة هي القاعدة القائلة بمعذورية الجاهل ، أي إن كل جاهل إذا ارتكب خطأ نتيجة لجهله بالحكم الشرعي فلا تترتب على ذلك الخطأ تبعة. وقد استدل الفقيه البحراني على هذه القاعدة بحالات كثيرة في الفقه ثبت شرعا أن الجاهل بالحكم معذور فيها ، واستكشف عن طريق استقراء تلك الحالات القاعدة القائلة بمعذورية الجاهل شرعا في جميع الحالات.

وتلك الحالات التي أقام عليها الفقيه البحراني استقراءه واستنتاجه للقاعدة العامة هي الحالات التي نصت عليها الأدلة التالية :

(أولا) ما دلّ من الشرع في أحكام الحج على أن الجاهل معذور ، فمن لبس ـ وهو محرم ـ ثوبا لا يجوز له لبسه جهلا منه بالحكم لا شيء عليه.

(وثانيا) ما دلّ في أحكام الصوم على أن الجاهل معذور ، فمن صام في السفر وهو لا يدري أن الصوم في السفر غير جائز صح صومه ولا شيء عليه.

١٧٠

(وثالثا) ما دلّ في أحكام النكاح على أن الجاهل معذور ، فمن تزوج امرأة في عدتها جهلا منه بحرمة ذلك لم تحرم عليه بالحرمة المؤبدة نظرا إلى جهله ، بل كان له أن يتزوجها من جديد بعد انتهاء عدتها.

(ورابعا) ما دلّ في أحكام الحدود على أن الجاهل معذور ، فمن شرب الخمر جهلا منه بحرمته لا يحد.

(وخامسا) ما دلّ في أحكام الصلاة على أن من صلى أربعا وهو مسافر جهلا منه بوجوب القصر صحت صلاته ولم يجب عليه القضاء.

فكل حالة من هذه الحالات قرينة إثبات ناقصة بالنسبة إلى القاعدة العامة القائلة بمعذورية الجاهل شرعا في جميع الحالات. وبتجمع تلك القرائن يقوى في نفس الفقيه احتمال القاعدة العامة ووثوقه بها.

ومثال آخر : وهو أنا حين نريد أن نعرف اشتمال الاقتصاد الإسلامي على القاعدة القائلة : إن العمل في الثروات الطبيعية أساس للملكية ، قد نستعرض حالات عديدة من العمل ثبت أن العمل فيها أساس للملكية ، فنستنتج من استقراء تلك الحالات صحة القاعدة العامة ، إذ نرى مثلا أن العمل في إحياء الأرض ينتج ملكيتها ، والعمل في إحياء المعدن ينتج ملكيته ، والعمل في حيازة الماء ينتج ملكيته ، والعمل في اصطياد الطائر ينتج ملكيته ، فنستدل باستقراء هذه الحالات على قاعدة عامة في الاقتصاد الإسلامي ، وهي أن العمل في الثروات الطبيعية أساس للملكية.

وموقفنا من الاستقراء يتلخص في التمييز بين القطعي منه وغيره ، فإذا كان قطعيا ـ أي أدى إلى القطع بالحكم الشرعي ـ فهو حجة ، لأنه يصبح دليلا قطعيا ويستمد حجيته من حجية القطع ، وإذا لم يكن قطعيا فلا حجية فيه مهما كانت قوة الاحتمال الناجمة عنه ، لأننا عرفنا سابقا أن كل دليل غير قطعي ليس حجة ما لم يحكم الشارع بحجيته ، والشارع لم

١٧١

يحكم بحجية الاستقراء الّذي لا يؤدي إلى العلم.

القياس خطوة من الاستقراء :

وقد تؤخذ خطوة واحدة من خطوات الاستقراء ويكتفى بها في الاستدلال كما إذا اكتفينا بحالة واحدة من الحالات التي أقام صاحب الحدائق عليها استقراءه وجعلنا منها دليلا على كون الجاهل معذورا في سائر الحالات الأخرى. ويسمى هذا ب «القياس» عند أبي حنيفة وغيره من فقهاء السنة الذين يكتفون في الاستدلال على ثبوت حكم لموضوع بثبوت حكم من نفس النوع على موضوع واحد مشابه له ، ولا يكلفون أنفسهم بتتبع موضوعات مشابهة عديدة واستقراء حالات كثيرة. فبينما كان الاستقراء يكلفنا بملاحظة حالات كثيرة يعذر فيها الجاهل لكي نصل إلى القاعدة العامة القائلة : «إن كل جاهل معذور» ، لا يكلفنا القياس الحنفي إلا بملاحظة حالة واحدة واتخاذها دليلا على إثبات حكم من نفس النوع لسائر الحالات الأخرى.

وما دام الاستقراء ليس حجة ما لم يحصل منه القطع بالحكم الشرعي فمن الطبيعي أن لا يكون القياس حجة ، لأنه خطوة من الاستقراء فصلت عن سائر الخطوات.

الفصل الثاني

الدليل الاستقرائي غير المباشر

كان الدليل الاستقرائي الّذي درسناه في الفصل السابق يشتمل على استقراء عدد من الأحكام الخاصة واستنتاج حكم عام منها ، فالحكم العام يكتشف بالاستقراء مباشرة ، ولهذا نطلق عليه اسم «الدليل الاستقرائي المباشر».

١٧٢

ويوجد قسم آخر من الدليل الاستقرائي ، وهو الدليل الاستقرائي غير المباشر ، ونريد به أن نستدل بالاستقراء لا على الحكم مباشرة بل على وجود دليل لفظي يدل بدوره على الحكم الشرعي ، ففي هذا الاستقراء نكتشف بصورة مباشرة الدليل اللفظي ، وبعد اكتشاف الدليل اللفظي عن طريق الاستقراء نثبت الحكم الشرعي بذلك الدليل اللفظي.

ومثال ذلك «التواتر» ، فقد عرفنا سابقا أن التواتر دليل استقرائي يقوم على أساس تجميع القرائن ، فإذا أخبرنا عدد كبير من الرّواة بنص عن المعصوم عليه‌السلام أصبح النص متواترا ، وحينئذ نستدل بالتواتر بوصفه دليلا استقرائيا على صدور ذلك الكلام من المعصوم عليه‌السلام ـ أي على الدليل اللفظي ـ ثم نستدل بالدليل اللفظي ـ أي بذلك الكلام الثابت صدوره من المعصوم عليه‌السلام بالتواتر ـ على الحكم الشرعي الّذي يدلّ عليه.

وللدليل الاستقرائي غير المباشر بهذا المعنى الّذي شرحناه أمثلة عديدة منها «الإجماع» و «الشهرة» و «الخبر» و «السيرة».

الإجماع والشهرة :

إذا لاحظنا فتوى الفقيه الواحد بوجوب الخمس في المعادن نجد أنها تشكل قرينة إثبات ناقصة على وجود دليل لفظي مسبق يدلّ على هذا الوجوب لأن فتوى الفقيه تجعلنا نحتمل تفسيرين لها : أحدهما أن يكون قد استند في فتواه إلى دليل لفظي مثلا بصورة صحيحة ، والآخر أن يكون مخطئا في فتواه. وما دمنا نحتمل فيها هذين التفسيرين معا فهي قرينة إثبات ناقصة.

فإذا أضفنا إليها فتوى فقيه آخر بوجوب الخمس في المعادن أيضا ، كبر احتمال وجود دليل لفظي يدلّ على الحكم نتيجة لاجتماع قرينتين ناقصتين ، وحين ينضم إلى الفقيهين فقيه ثالث نزداد ميلا إلى الاعتقاد

١٧٣

بوجود هذا الدليل اللفظي. وهكذا نزداد ميلا إلى الاعتقاد بذلك كلما ازداد عدد الفقهاء المفتين بوجوب الخمس في المعادن ، فإذا كان الفقهاء قد اتفقوا جميعا على هذه الفتوى سمي ذلك «إجماعا» ، وإذا كانوا يشكلون الأكثرية فقط سمي ذلك «شهرة».

فالإجماع والشهرة على ضوء مفهومنا الخاصّ عن الدليل الاستقرائي دليلان استقرائيان على وجود دليل مسبق على الحكم قام على أساسه الإجماع أو الشهرة.

وحكم الإجماع والشهرة من ناحية أصولية أنه متى حصل العلم بسبب الإجماع أو الشهرة وجب الأخذ بذلك في عملية الاستنباط وأصبح الإجماع والشهرة حجة ، وإذا لم يحصل العلم بسبب الإجماع أو الشهرة فلا اعتبار بهما.

الخبر :

الخبر هو نقل شيء عن المعصوم عليه‌السلام استنادا إلى الحس كما يصنع الرّواة ، إذ ينقلون نصوصا سمعوها من المعصوم عليه‌السلام بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويعتبر الخبر قرينة إثبات ناقصة ، لأننا إذا سمعنا شخصا ينقل شيئا عن المعصوم عليه‌السلام احتملنا صدقه واحتملنا كذبه ، فيكون قرينة إثبات ناقصة ، وتزداد قوة الإثبات إذا نقل شخص آخر نفس الشيء عن المعصوم عليه‌السلام أيضا نتيجة لاجتماع قرينتين. وهكذا يكبر احتمال الصدق كلما كثر المخبرون حتى يحصل الجزم ، فيسمى الخبر «متواترا».

وكما يكبر احتمال الصدق بسبب زيادة عدد المخبرين كذلك يكبر بسبب نوعية المخبر ، فالمخبر الواحد يزداد احتمال صدقه كلما ازداد اطلاعنا على دينه وورعه وانتباهه.

وحكم الخبر أنه إذا ازداد احتمال صدقه إلى درجة شارفت على القطع كان حجة ، سواء نشأت زيادة احتمال الصدق فيه من كثرة عدد

١٧٤

المخبرين أو من خصائص الورع والنزاهة في المخبر الواحد ، وأما إذا لم يؤد الخبر إلى القطع فيجب أن يلاحظ الراوي ، فإن كان ثقة أخذنا بروايته ولو لم نقطع بصحتها ، لأن الشارع جعل خبر الثقة حجة ، ولكن هذه الحجية ثابتة ضمن شروط لا مجال هنا لتفصيلها. وإذا لم يكن الراوي ثقة فلا يؤخذ بروايته ولا يجوز إدخالها في عملية الاستنباط.

سيرة المتشرعة :

سيرة المتشرعة هي السلوك العام للمتدينين في عصر التشريع من قبيل اتفاقهم على إقامة صلاة الظهر في يوم الجمعة بدلا عن صلاة الجمعة ، أو على عدم دفع الخمس من الميراث.

وهذا السلوك العام إذا حللناه إلى مفرداته ولاحظنا سلوك كل واحد بصورة مستقلة ، نجد أن سلوك الفرد المتدين الواحد في عصر التشريع يعتبر قرينة إثبات ناقصة عن صدور بيان شرعي يقرر ذلك السلوك ، لأننا نحتمل استناد هذا السلوك إلى البيان الشرعي ، وإن كنا نحتمل في نفس الوقت أيضا الخطأ والغفلة وحتى التسامح. فإذا عرفنا أن فردين في عصر التشريع كانا يسلكان نفس السلوك ويصليان الظهر مثلا في يوم الجمعة ازدادت قوة الإثبات.

وهكذا تكبر قوة الإثبات حتى تصل إلى درجة كبيرة ، عند ما نعرف أن ذلك السلوك كان سلوكا عاما يتبعه جمهرة المتدينين في عصر التشريع ، إذ يبدو من المؤكد حينئذ أن سلوك هؤلاء جميعا لم ينشأ عن خطأ أو غفلة أو تسامح ، لأن الخطأ والغفلة والتسامح قد يقع فيه هذا أو ذاك ، وليس من المحتمل أن يقع فيه جمهرة المتدينين في عصر التشريع جميعا. وهكذا نعرف أن السلوك العام مستند إلى بيان شرعي يدلّ على إمكان إقامة الظهر في يوم الجمعة وعدم وجوب الخمس في الميراث. ولأجل هذا نعتبر سيرة

١٧٥

المتشرعة دليلا استقرائيا كالإجماع والشهرة ، وهي في الغالب تؤدي إلى الجزم بالبيان الشرعي ضمن شروط لا مجال لتفصيلها الآن. ومتى كانت كذلك فهي حجة ، وأما إذا لم يحصل منها الجزم فلا اعتبار بها.

السيرة العقلائية :

وهناك نوع آخر من السيرة يطلق عليه في علم الأصول اسم «السيرة العقلائية». والسيرة العقلائية عبارة عن ميل عام عند العقلاء ـ المتدينين وغيرهم ـ نحو سلوك معين دون أن يكون للشرع دور إيجابي في تكوين هذا الميل. ومثال ذلك : الميل العام لدى العقلاء نحو الأخذ بظهور كلام المتكلم.

وفي هذا الضوء نعرف أن السيرة العقلائية تختلف عن سيرة المتشرعة ، فان سيرة المتشرعة التي درسناها آنفا كانت وليدة البيان الشرعي ولهذا تعتبر كاشفة عنه ، وأما السيرة العقلائية فمردها ـ كما عرفنا ـ إلى ميل عام يوجد عند العقلاء نحو سلوك معين لا كنتيجة لبيان شرعي بل نتيجة لمختلف العوامل والمؤثرات الأخرى التي تتكيف وفقا لها ميول العقلاء وتصرفاتهم ، ولأجل هذا لا يقتصر الميل العام الّذي تعبر عنه السيرة العقلائية على نطاق المتدينين خاصة ، لأن الدين لم يكن من عوامل تكوين هذا الميل.

وعلى هذا الأساس يتضح أن طريقة الاستدلال التي كنا نستخدمها في سيرة المتشرعة لا يمكننا استعمالها في السيرة العقلائية ، فقد كنا في سيرة المتشرعة نكتشف عن طريق السيرة البيان الشرعي الّذي أدى إلى قيامها بوصفها نتيجة للبيان الشرعي وناشئة عنه ، إذ لم يكن من المحتمل أن يتفق المتشرعة جميعا على أداء صلاة الظهر في يوم الجمعة مثلا دون أن يكون هناك بيان شرعي يدلّ على ذلك. وأما الميل العام الّذي تمثله السيرة العقلائية فهو ليس ناشئا عن البيان الشرعي ولا ناتجا عن دوافع دينية ليتاح

١٧٦

لنا أن نكتشف عن طريقه وجود بيان شرعي أدّى إلى تكونه وقيامه.

ولأجل هذا يجب أن ننهج في الاستدلال بالسيرة العقلائية نهجا آخر يختلف عن نهجنا في الاستدلال بسيرة المتشرعة.

ويمكننا تلخيص هذا المنهج فيما يلي :

إن الميل الموجود عند العقلاء نحو سلوك معين يعتبر قوة دافعة لهم نحو ممارسة ذلك السلوك ، فإذا سكتت الشريعة عن ذلك الميل ولم تردع عن الانسباق معه كشف سكوتها هذا عن رضاها بذلك السلوك وانسجامه مع التشريع الإسلامي. ومثال ذلك : سكوت الشريعة عن الميل العام عند العقلاء نحو الأخذ بظهور كلام المتكلم وعدم ردعها عنه ، فان ذلك يدلّ على أنها تقرّ هذه الطريقة في فهم الكلام وتوافق على اعتبار الظهور حجة وقاعدة لتفسير ألفاظ الكتاب والسنة ، والا لمنعت الشريعة عن الانسباق مع ذلك الميل العام وردعت عنه في نطاقها الشرعي.

والاستدلال بالسيرة العقلائية يقوم على أساس تجميع القرائن ـ كما رأينا سابقا في سيرة المتشرعة أيضا ـ لأننا إذا حللنا السيرة العقلائية إلى مفرداتها وجدنا أن الميل العام عند العقلاء نحو سلوك معين ـ كالأخذ بالظهور مثلا ـ يعبر عن ميول متشابهة عند عدد كثير من الأفراد تشكل بمجموعها ميلا عاما ، وحين نأخذ فردا من أولئك الافراد الذين يميلون إلى الأخذ بالظهور مثلا ونلاحظ سكوت المولى عنه وعدم ردعه له عن الجري وفق ميله ، يمكننا أن نعتبر سكوت المولى هذا قرينة ناقصة على حجية الظهور عند المولى ، لأن من المحتمل أن يكون هذا السكوت نتيجة لرضا المولى وموافقته ، وهذا يعني الحجية. ومن المحتمل في نفس الوقت أيضا أن لا يكون السكوت ناتجا عن رضا المولى بالأخذ بالظهور وانما سكت عن ذلك الفرد ـ بالرغم من أنه لا يقر العمل بالظهور في الأدلة الشرعية ـ لسبب خاص نظير أن يكون المولى قد اطلع

١٧٧

على أن هذا الفرد لا يرتدع عن العمل على وفق ميله ولو ردعه فتركه وشأنه ، أو أن المولى قد اطلع على أن هذا الفرد سوف لن يجري على وفق ميله ولن يأخذ بالظهور في الدليل الشرعي دون سؤال من الشارع ، أو أن هذا الفرد لن يصادفه ظهور في النطاق الشرعي ليحاول الأخذ به وفقا لميله ... إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تفسر سكوت المولى عن ذلك الفرد وتجعل منه قرينة ناقصة لا كاملة على رضا المولى ، ولكن إذا أضيف إلى ذلك فرد آخر له نفس الميل وسكت عنه المولى فيقوى احتمال الرضا لاجتماع قرينتين ، وهكذا يكبر هذا الاحتمال حتى يؤدي إلى العلم حين يوجد ميل عام ويسكت عنه المولى.

١٧٨

٤ ـ التعارض بين الأدلة

بعد أن استعرضنا الأدلة التي يمكن أن تساهم في عملية الاستنباط بأقسامها الثلاثة يتحتم علينا أن ندرس موقف عملية الاستنباط منها إذا وجد بينها تعارض ، كما إذا دلّ دليل على وجوب شيء مثلا ودلّ دليل آخر على نفي ذلك الوجوب ، فما هي الوظيفة العامة للفقيه في هذه الحالة؟.

والتعارض على قسمين : لأنه يوجد تارة في نطاق الدليل اللفظي بين كلامين صادرين من المعصوم ، وأخرى بين دليل لفظي ودليل من نوع آخر ـ استقرائي أو برهاني ـ أو بين دليلين من غير الأدلة اللفظية.

وسوف نتحدث عن كل من القسمين في فصل :

الفصل الأول

في حالة التعارض بين دليلين لفظيين توجد قواعد نستعرض فيما يلي عددا منها :

١٧٩

١ ـ من المستحيل أن يوجد كلامان للمعصوم يكشف كل منهما بصورة قطعية عن نوع من الحكم يختلف عن الحكم الّذي يكشف عنه الكلام الآخر ، لأن التعارض بين كلامين صريحين من هذا القبيل يؤدي إلى وقوع المعصوم في التناقض ، وهو مستحيل.

٢ ـ قد يكون أحد الكلامين الصادرين من المعصوم صريحا وقطعيا ، ويدلّ الآخر بظهوره على ما ينافي المعنى الصريح لذلك الكلام. ومثاله : أن يقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في نصّ مثلا : «يجوز للصائم أن يرتمس في الماء حال صومه» ويقول في نصّ آخر : «لا ترتمس في الماء وأنت صائم» ، فالنص الأول دالّ بصراحة على إباحة الارتماس للصائم ، والنص الثاني يشتمل على صيغة نهي ، وهي تدل بظهورها على الحرمة ، لأن الحرمة هي أقرب المعاني إلى صيغة النهي وان أمكن استعمالها في الكراهة مجازا ، فينشأ التعارض بين صراحة النص الأول في الإباحة وظهور النص الثاني في الحرمة ، لأن الإباحة والحرمة لا يجتمعان. وفي هذه الحالة يجب الأخذ بالكلام الصريح القطعي ، لأنه يؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي ، فنفسر الكلام الآخر على ضوئه ونحمل صيغة النهي فيه على الكراهة لكي ينسجم مع النص الصريح القطعي الدال على الإباحة ، وعلى هذا الأساس يتبع الفقيه في استنباطه قاعدة عامة ، وهي الأخذ بدليل الإباحة والرخصة إذا عارضه دليل آخر يدلّ على الحرمة أو الوجوب بصيغة نهي أو أمر ، لأن الصيغة ليست صريحة ودليل الإباحة والرخصة صريح غالبا.

٣ ـ قد يكون موضوع الحكم الّذي يدلّ عليه أحد الكلامين أضيق نطاقا وأخص دائرة من موضوع الحكم الّذي يدلّ عليه الكلام الآخر. ومثاله أن يقال في نصّ : «الرّبا حرام» ويقال في نصّ آخر : «الرّبا بين الوالد وولده مباح» فالحرمة التي يدلّ عليها النص الأول موضوعها عام ، لأنها تمنع بإطلاقها عن التعامل الربوي مع أيّ شخص ، والإباحة في النص الثاني موضوعها خاص ، لأنها تسمح بالربا بين الوالد وولده

١٨٠