المعالم الجديدة للأصول

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المعالم الجديدة للأصول

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار التعارف للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٨

وعلى هذا الضوء نستطيع الآن أن نفهم معنى ذلك القول الأصولي القائل : إن صيغة فعل الأمر تدل على الوجوب ، فان معناه أن الصيغة قد وضعت للنسبة الإرسالية بوصفها ناتجة عن شوق شديد وإلزام أكيد ، ولهذا يدخل معنى الإلزام والوجوب ضمن الصورة التي نتصور بها المعنى اللغوي للصيغة عند سماعها دون أن يصبح فعل الأمر مرادفا لكلمة الوجوب.

وليس معنى دخول الإلزام والوجوب في معنى الصيغة أن صيغة الأمر لا يجوز استعمالها في مجال المستحبات ، بل قد استعملت كثيرا في موارد الاستحباب كما استعملت في موارد الوجوب ، ولكن استعمالها في موارد الوجوب استعمال حقيقي ، لأنه استعمال للصيغة في المعنى الّذي وضعت له ، واستعمالها في موارد الاستحباب استعمال مجازي يبرره الشبه القائم بين الاستحباب والوجوب.

٢ ـ (صيغة النهي):

صيغة النهي نحو «لا تذهب» ، «لا تخن» ، «لا تكسل في طلب العلم». والمقرر بين الأصوليين هو القول بأن صيغة النهي تدل على الحرمة ، ويجب أن نفهم هذا القول بصورة مماثلة لفهمنا القول بأن صيغة الأمر تدل على الوجوب ، فإن النهي يشكل جملة مفيدة ويشتمل لأجل ذلك على نسبة تامة ، وتعتبر الجملة التي يشكلها جملة إنشائية لا إخبارية ، فأنت حين تقول «لا تذهب» لا تريد أن تخبر عن عدم الذهاب وإنما تريد أن تمنع المخاطب عن الذهاب وتمسكه عن ذلك ، فصيغة الأمر والنهي متفقتان في كل هذا ولكنهما تختلفان في الإرسال والإمساك ، لأن صيغة الأمر تدل على نسبة إرسالية كما سبق ، وأما صيغة النهي فتدل على نسبة إمساكية ، أي إنا حين نسمع جملة «اذهب» نتصور نسبة بين الذهاب والمخاطب ونتصور أن المتكلم يرسل المخاطب نحوها

١٤١

ويبعثه إلى تحقيقها كما يرسل الصياد كلبه نحو الفريسة ، وأما حين نسمع جملة «لا تذهب» فنتصور نسبة بين الذهاب والمخاطب ، ونتصور أن المتكلم يمسك مخاطبه عن تلك النسبة ويزجره عنها ، كما لو حاول كلب الصيد أن يطارد الفريسة فأمسك به الصياد ، ولهذا نطلق عليها اسم «النسبة الإمساكية».

وتدخل الحرمة في مدلول النهي بالطريقة التي دخل بها الوجوب إلى مدلول الأمر ، ولنرجع بهذا الصدد إلى مثال الصياد ، فانا نجد أن الصياد حين يمسك كلبه عن تتبع الفريسة قد يكون إمساكه هذا ناتجا عن كراهة تتبع الكلب للفريسة بدرجة شديدة ، وقد ينتج عن كراهة ذلك بدرجة ضعيفة. ونظير هذا تماما نتصوره في النسبة الإمساكية التي نتحدث عنها ، فإنا قد نتصورها ناتجة عن كراهة شديدة للمنهي عنه ، وقد نتصورها ناتجة عن كراهة ضعيفة.

ومعنى القول بأن صيغة النهي تدل على الحرمة في هذا الضوء أن الصيغة موضوعة للنسبة الإمساكية بوصفها ناتجة عن كراهة شديدة وهي الحرمة ، فتدخل الحرمة ضمن الصورة التي نتصور بها المعنى اللغوي لصيغة النهي عند سماعها.

وفي نفس الوقت قد تستعمل صيغة النهي في موارد الكراهة ، فينهى عن المكروه أيضا بسبب الشبه القائم بين الكراهة والحرمة ، ويعتبر استعمالها في موارد المكروهات استعمالا مجازيا.

٣ ـ (الإطلاق):

وتوضيحه أن الشخص إذا أراد أن يأمر ولده بإكرام جاره المسلم فلا يكتفي عادة بقوله : «أكرم الجار» بل يقول : «أكرم الجار المسلم ، وأما إذا كان يريد من ولده أن يكرم جاره مهما كان دينه فيقول : «أكرم الجار»

١٤٢

ويطلق كلمة الجار ـ أي لا يقيدها بوصف خاص ـ ويفهم من قوله عندئذ أن الأمر لا يختص بالجار المسلم بل يشمل الجار الكافر أيضا ، وهذا الشمول نفهمه نتيجة لذكر كلمة الجار مجردة عن القيد ، ويسمى هذا ب «الإطلاق» ويسمى اللفظ في هذه الحالة «مطلقا». وعلى هذا الأساس يعتبر تجرد الكلمة من القيد اللفظي في الكلام دليلا على شمول الحكم ، ومثال ذلك من النص الشرعي قوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) ، فقد جاءت كلمة البيع هنا مجردة عن أي قيد في الكلام ، فيدل هذا الإطلاق على شمول الحكم بالحلية لجميع أنواع البيع. وأما كيف أصبح ذكر الكلمة بدون قيد في الكلام دليلا على الشمول وما هو مصدر هذه الدلالة فهذا ما لا يتسع له البحث على مستوى هذه الحلقة.

٤ ـ (أدوات العموم):

أدوات العموم مثالها «كل» في قولنا : «احترم كل عادل» و «قاطع كل من يعادي الإسلام» ، وذلك أن الآمر حين يريد أن يدلل على شمول حكمه وعمومه قد يكتفي بالإطلاق وذكر الكلمة بدون قيد كما شرحناه آنفا فيقول : «أكرم الجار» وقد يريد مزيدا من التأكيد على العموم والشمول فيأتي بأداة خاصة للدلالة على ذلك فيقول : في المثال المتقدم مثلا «أكرم كل جار» ، فيفهم السامع من ذلك مزيدا من التأكيد على العموم والشمول ، ولهذا تعتبر كلمة «كل» من أدوات العموم لأنها موضوعة في اللغة لذلك ، ويسمى اللفظ الّذي دلت الأداة على عمومه «عاما» ويعبر عنه ب «مدخول الأداة» ، لأن أداة العموم دخلت عليه وعممته.

ونستخلص من ذلك أن التدليل على العموم يتم بإحدى طريقتين : الأولى سلبية وهي الإطلاق ، أي ذكر الكلمة بدون قيد. والثانية إيجابية وهي استعمال أداة للعموم نحو «كل» و «جميع» و «كافة» وما إليها من ألفاظ.

١٤٣

وقد اختلف الأصوليون في صيغة الجمع المعرف باللام من قبيل «الفقهاء» «العلماء» ، «الجيران» ، «العقود». فقال بعضهم : إن هذه الصيغة نفسها من أدوات العموم أيضا مثل كلمة «كل» ، فأيّ جمع من قبيل «فقهاء» أو «علماء» أو «جيران» إذا أراد المتكلم إثبات الحكم لجميع أفراده والتدليل على عمومه بطريقة إيجابية أدخل عليه اللام فيجعله جمعا معرفا باللام ويقول : «احترم الفقهاء» أو «أكرم الجيران» أو «أوفوا بالعقود».

وبعض الأصوليين يذهب إلى أن صيغة الجمع المعرف باللام ليست من أدوات العموم ، ونحن إنما نفهم الشمول في الحكم عند ما نسمع المتكلم يقول «أكرم الجيران» مثلا بسبب الإطلاق وتجرد الكلمة عن القيود لا بسبب دخول اللام على الجمع ، أي بطريقة سلبية لا إيجابية ، فلا فرق بين أن يقال : «أكرم الجيران» أو «أكرم الجار» فكما يستند فهمنا للشمول في الجملة الثانية إلى الإطلاق كذلك الحال في الجملة الأولى ، فالمفرد المعرف باللام ـ وهو الجار ـ والجمع المعرف باللام ـ وهو الجيران ـ لا يدلان على الشمول إلا بالطريقة السلبية ، أي بإطلاق الكلمة وتجريدها عن القيد.

٥ ـ (أداة الشرط):

أداة الشرط مثالها «إذا» في قولنا : «إذا زالت الشمس فصلّ» و «إذا أحرمت للحج فلا تتطيب» ، وتسمى الجملة التي تدخل عليها أداة الشرط جملة شرطية ، وهي تختلف في وظيفتها اللغوية عن غيرها من الجمل التي لا توجد فيها أداة شرط ، فإن سائر الجمل تقوم بربط كلمة بأخرى ، نظير ربط الخبر بالمبتدإ في قولنا : «علي إمام» أو ربط الفعل بالفاعل في قولنا : «ظهر نور الإسلام». وأما الجملة الشرطية فهي تربط بين جملتين ، ففي مثال «إذا زالت الشمس فصلّ» تعتبر «زالت الشمس»

١٤٤

جملة وتعتبر «صلّ» جملة أخرى ، وأداة الشرط تربط بين هاتين الجملتين وتجعل الأولى شرطا والثانية مشروطة أو جزاء.

وعلى هذا الأساس نعرف أن الجملة الشرطية تحتوي على شرط ومشروط وإذا لاحظنا المثالين المتقدمين للجملة الشرطية وجدنا أن الشرط في مثال «إذا زالت الشمس فصلّ» هو زوال الشمس ، والشرط في قولنا : «إذا أحرمت للحج فلا تتطيب» هو الإحرام للحج ، وأما المشروط فهو مدلول جملة «صلّ» و «لا تتطيب». ولما كان مدلول «صلّ» بوصفه صيغة أمر هو الوجوب ومدلول «لا تتطيب» بوصفه صيغة نهي هو الحرمة كما تقدم ، فنعرف أن المشروط هو الوجوب أو الحرمة أي الحكم الشرعي ، ومعنى أن الحكم الشرعي مشروط بزوال الشمس أو بالإحرام للحج أنه مرتبط بالزوال أو الإحرام ومقيد بذلك ، والمقيد ينتفي إذا انتفى قيده. وينتج عن ذلك أن أداة الشرط تدل على انتفاء الحكم الشرعي في حالة انتفاء الشرط ، لأن ذلك نتيجة طبيعية لدلالتها على تقييد الحكم الشرعي وجعله مشروطا ، فيدل قولنا : «إذا زالت الشمس فصلّ» على عدم وجوب الصلاة قبل الزوال ، ويدل قولنا : «إذا أحرمت للحج فلا تتطيب» على عدم حرمة الطيب في حالة عدم الإحرام للحج ، وبذلك تصبح الجملة الشرطية ذات مدلولين : أحدهما إيجابي والآخر سلبي. فالإيجابي هو ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط ـ أي إن الوجوب يثبت عند الزوال ـ ومدلولها السلبي هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط ـ أي عدم وجوب الصلاة قبل الزوال وعدم حرمة الطيب في غير حالة الإحرام للحج.

ويسمى المدلول الإيجابي «منطوقا» للجملة ، والمدلول السلبي «مفهوما». وكل جملة لها مثل هذا المدلول السلبي يقال في العرفي الأصولي : إن هذه الجملة أو القضية ذات مفهوم.

وقد وضع بعض الأصوليين قاعدة عامة لهذا المدلول السلبي في اللغة فقال : إن كل أداة لغوية تدل على تقييد الحكم وتحديده لها مدلولها

١٤٥

سلبي ، إذ تدل على انتفاء الحكم خارج نطاق الحدود التي تضعها للحكم ، وأداة الشرط تعتبر مصداقا لهذه القاعدة العامة ، لأنها تدل على تحديد الحكم بالشرط.

ومن مصاديق القاعدة أيضا أداة الغاية حين تقول مثلا : «صم حتى تغيب الشمس» ، فإن «صم» هنا فعل أمر يدل على الوجوب ، وقد دلت حتى بوصفها أداة غاية على وضع حد وغاية لهذا الوجوب الّذي تدل عليه صيغة الأمر ، ومعنى وضع غاية له تقييده ، فيدل على انتفاء وجوب الصوم بعد مغيب الشمس ، وهذا هو المدلول السلبي الّذي نطلق عليه اسم المفهوم.

ويسمى المدلول السلبي للجملة الشرطية ب «مفهوم الشرط» كما يسمى المدلول السلبي لأداة الغاية ـ من قبيل حتى في المثال المتقدم ـ ب «مفهوم الغاية».

الفصل الثاني

في حجية الظهور

ما هو المطلوب في التفسير :

إذا أردنا أن نفسر كلمة من ناحية لغوية ـ كما يصنع اللغويون في معاجم اللغة ـ فسوف نفسرها بمعناها الّذي ارتبطت به في اللغة أو بأقرب معانيها إليها إذا كانت ذات معان متعددة فنقول عن كلمة «بحر» مثلا : إنها تدل في اللغة على الكمية الهائلة الغزيرة من الماء المجتمعة في مكان واحد ، لأن هذا هو أقرب المعاني إلى الكلمة في اللغة أي المعنى الظاهر منها.

وأما إذا جاءت كلمة بحر في كلام شخص يقول : «اذهب إلى

١٤٦

البحر في كل يوم» وأردنا أن نفسر الكلمة في كلامه فلا يكفي أن نعرف ما هو أقرب المعاني إلى كلمة البحر لغة ـ أي المعنى الظاهر منها ـ بل يجب أن نعرف ما ذا أراد المتكلم بالكلمة ، لأن المتكلم قد يريد بالكلمة معنى آخر غير المعنى الظاهر. فالمهم بصورة أساسية إذن أن نكتشف مراد المتكلم ـ أي المدلول النفسيّ للفظ ـ ولا يكفي مجرد معرفة المدلول اللغوي.

ومثال ذلك أيضا صيغة الأمر إذا جاءت في كلام الآمر ولم ندر هل أراد الوجوب أو الاستحباب؟ فإن الغرض الأساسي هو أن نعرف ما ذا أراد؟ ولا يكفينا أن نعرف مدلول الصيغة لغويا فحسب ، إذ قد يكون مدلولها اللغوي هو الوجوب ، والمتكلم قد أراد الاستحباب على سبيل الاستعمال المجازي مثلا.

وإذا كنا قد درسنا في الفصل السابق المدلول اللغوي لصيغة افعل فانما ذلك لكي نستفيد منه في تحديد المدلول النفسيّ التصديقي للصيغة ، ولكي يوجهنا المدلول اللغوي إلى معرفة المدلول التصديقي واكتشاف إرادة المتكلم كما سنرى.

ظهور حال المتكلم :

عرفنا سابقا أن للدلالة مصدرين : أحدهما اللغة بما تشتمل عليه من أوضاع وهي مصدر الدلالة التصورية ، والآخر حال المتكلم وهو مصدر الدلالة التصديقية النفسيّة.

وكما نتساءل بالنسبة إلى المصدر الأول ما هو أقرب المعاني إلى اللفظ في اللغة لكي يكون هو المعنى الظاهر للفظ لغويا من بين سائر معانيه ، كذلك نتساءل بالنسبة إلى المصدر الثاني ما هو المدلول التصديقي النفسيّ الأقرب إلى حال المتكلم؟ ونريد بالمعنى الأقرب إلى اللفظ لغة في السؤال الأول المعنى الّذي ينتقل الذهن إلى تصوره عند

١٤٧

سماع اللفظ قبل أن ينتقل إلى تصور غيره ، ونريد بالمدلول التصديقي الأقرب لحال المتكلم في السؤال الثاني ما هو المرجح في تقدير نوعية الإرادة التي توجد في نفس المتكلم.

ومثال ذلك كلمة «البحر» ، فنحن نتساءل أولا ما هو المعنى الأقرب إليها في اللغة هل البحر من الماء أو البحر من العلم؟ ونجيب أن المعنى الأقرب لغويا لها بموجب النظام اللغوي العام هو البحر من الماء ، لأنه معنى حقيقي والمعنى الحقيقي في النظام اللغوي العام أقرب من المعنى المجازي ، ويعني كون المعنى الحقيقي أقرب إلى اللفظ أن الذهن ينتقل إلى تصوره عند سماع اللفظ قبل أن ينتقل إلى تصور غيره. ونتساءل ثانيا ما ذا يريد المتكلم بكلمة البحر في قوله : «اذهب إلى البحر في كل يوم» فهل يريد المعنى الأقرب لغويا الّذي نتصوره عند سماع الكلمة قبل غيره من المعاني وهو البحر من الماء ، أو يريد المعنى الأبعد لغويا وهو البحر من العلم؟ ولما كان مصدر الدلالة التصديقية الدالة على إرادة المتكلم هو حال المتكلم فيجب أن نعرف أيّ هذين التقديرين أقرب إلى حال المتكلم ، فهل الأقرب إلى حاله أن يريد المعنى الحقيقي الظاهر من اللفظ لغة أو المعنى الأبعد؟.

ويجيب علم الأصول على ذلك أن الظاهر من حال المتكلم أنه يريد المعنى الأقرب لغويا ، ويعني كون هذا أقرب إلى حال المتكلم أن المرجح في حال المتكلم ـ بوصفه قد تكلم بلفظ له معنى لغوي ظاهر ـ أنه يريد المعنى الظاهر الأقرب إلى اللفظ دون الأبعد.

فلدينا إذن ظهوران : ظهور لغوي لكلمة البحر في المعنى الحقيقي ، وهذا الظهور لا يعني أكثر من أن الذهن ينتقل إلى تصور هذا المعنى قبل تصور المعاني الأخرى ، وظهور حالي تصديقي ، وهو ظهور حال المتكلم في أنه يريد باللفظ إفهام الأقرب إليه من معانيه لغة ، وهذا الظهور يعني أن الأرجح في حال المتكلم أن يريد باللفظ معناه الظاهر.

١٤٨

حجية الظهور :

ومن المقرر في علم الأصول أن ظهور حال المتكلم في إرادة أقرب المعاني إلى اللفظ حجة ، ومعنى حجية هذا الظهور اتخاذه أساسا لتفسير الدليل اللفظي على ضوئه ، فنفترض دائما أن المتكلم قد أراد المعنى الأقرب إلى اللفظ في النظام اللغوي العام (١) أخذا بظهور حاله. ولأجل ذلك يطلق على حجية الظهور اسم «أصالة الظهور» ، لأنها تجعل الظهور هو الأصل لتفسير الدليل اللفظي.

وفي ضوء هذا نستطيع أن نعرف لما ذا كنا نهتم في الفصل السابق بتحديد المدلول اللغوي الأقرب للكلمة والمعنى الظاهر لها بموجب النظام اللغوي العام؟ مع أن المهم عند تفسير الدليل اللفظي هو اكتشاف ما ذا أراد المتكلم باللفظ من معنى؟ لا ما هو المعنى الأقرب إليه في اللغة؟ فإنا ندرك في ضوء أصالة الظهور أن الصلة وثيقة جدا بين اكتشاف مراد المتكلم وتحديد المدلول اللغوي الأقرب للكلمة ، لأن أصالة الظهور تحكم بأن مراد المتكلم من اللفظ هو نفس المدلول اللغوي الأقرب ، أي المعنى الظاهر من اللفظ لغة ، فلكي نعرف مراد المتكلم يجب أن نعرف المعنى الأقرب إلى اللفظ لغة لنحكم بأنه هو المعنى المراد للمتكلم.

تطبيقات حجية الظهور على الأدلة اللفظية :

وسوف نستعرض فيما يلي ثلاث حالات لتطبيق قاعدة حجية الظهور :

__________________

(١) لا نريد باللغة والنظام اللغوي العام هنا اللغة في مقابل العرف ، بل النظام القائم بالفعل لدلالة الألفاظ سواء كان لغويا أوليا أو ثانويا.

١٤٩

(الأولى) أن يكون للفظ في الدليل معنى وحيد في اللغة ولا يصلح للدلالة على معنى آخر في النظام اللغوي العام. والقاعدة العامة تحتم في هذه الحالة أن يحمل اللفظ على معناه الوحيد ويقال : «إن المتكلم أراد ذلك المعنى» ، لأن المتكلم يريد باللفظ دائما المعنى المحدد له في النظام اللغوي العام ، ويعتبر الدليل في مثل هذه الحالة صريحا في معناه.

(الثانية) أن يكون للفظ معان متعددة متكافئة في علاقتها باللفظ بموجب النظام اللغوي العام من قبيل المشترك ، وفي هذه الحالة لا يمكن تعيين المراد من اللفظ على أساس تلك القاعدة ، إذ لا يوجد معنى أقرب إلى اللفظ من ناحية لغوية لتطبق القاعدة عليه ، ويكون الدليل في هذه الحالة مجملا.

(الثالثة) أن يكون للفظ معان متعددة في اللغة وأحدها أقرب إلى اللفظ لغويا من سائر معانيه ، ومثاله كلمة «البحر» التي لها معنى حقيقي قريب وهو «البحر من الماء» ومعنى مجازي بعيد وهو «البحر من العلم» ، فإذا قال الآمر : «اذهب إلى البحر في كل يوم» وأردنا أن نعرف ما ذا أراد المتكلم بكلمة البحر من هذين المعنيين؟ يجب علينا أن ندرس السياق الّذي جاءت فيه كلمة البحر ونريد ب «السياق» كل ما يكتنف اللفظ الّذي نريد فهمه من دوالّ أخرى ، سواء كانت لفظية كالكلمات التي تشكل مع اللفظ الّذي نريد فهمه كلاما واحدا مترابطا ، أو حالية كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالة في الموضوع.

فلا بد لنا لكي نفهم المعنى الّذي أراده المتكلم من لفظ «البحر» في المثال المتقدم أن ندرس السياق الّذي جاءت فيه كلمة البحر ونحدد المدلول اللغوي والمعنى الظاهر لكل كلمة وردت في ذلك السياق ، فإن لم نجد في سائر الكلمات التي وردت في السياق ما يدل على خلاف المعنى الظاهر من كلمة البحر كان لزاما علينا أن نفسر كلمة البحر على أساس المعنى اللغوي الأقرب ونقرر أن مراد الآمر من البحر الّذي أمرنا بالذهاب إليه في كل يوم

١٥٠

هو بحر الماء لا بحر العلم تطبيقا للقاعدة العامة القائلة بحجية الظهور.

وقد نجد في سائر أجزاء الكلام ما لا يتفق مع ظهور كلمة البحر ، ومثاله أن يقول الآمر : «اذهب إلى البحر في كل يوم واستمع إلى حديثه باهتمام» فان الاستماع إلى حديث البحر لا يتفق مع المعنى اللغوي الأقرب إلى كلمة البحر ، لأن البحر من الماء لا يستمع إلى حديثه وانما يستمع إلى حديث البحر من العلم ـ أي العالم الّذي يشابه البحر لغزارة علمه ـ وفي هذه الحالة نجد أنفسنا نتساءل ما ذا أراد المتكلم بكلمة البحر ، هل أراد بها البحر من العلم بدليل أنه أمرنا بالاستماع إلى حديثه ، أو أراد بها البحر من الماء ولم يقصد بالحديث هنا المعنى الحقيقي بل أراد به الإصغاء إلى صوت أمواج البحر؟ وهكذا نظل مترددين بين كلمة البحر وظهورها اللغوي من ناحية ، وكلمة الحديث وظهورها اللغوي من ناحية أخرى ، ومعنى هذا أنا نتردد بين صورتين إحداهما صورة الذهاب إلى بحر من الماء المتموج والاستماع إلى صوت موجه ، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة البحر. والأخرى صورة الذهاب إلى عالم غزير العلم والاستماع إلى كلامه ، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة الحديث. وفي هذا المجال يجب أن نلاحظ السياق جميعا ككل ونرى أيّ هاتين الصورتين أقرب إليه في النظام اللغوي العام؟ أي إن هذا السياق إذا ألقي على ذهن شخص يعيش اللغة ونظامها بصورة صحيحة هل سوف تسبق إلى ذهنه الصورة الأولى أو الصورة الثانية؟ فإن عرفنا أن إحدى الصورتين أقرب إلى السياق بموجب النظام اللغوي العام ـ ولنفرضها الصورة الثانية ـ تكوّن للسياق ككل ظهور في الصورة الثانية ووجب أن نفسر الكلام على أساس تلك الصورة الظاهرة.

ويطلق على كلمة الحديث في هذا المثال اسم «القرينة» ، لأنها هي التي دلت على الصورة الكاملة للسياق وأبطلت مفعول كلمة البحر وظهورها.

وأما إذا كانت الصورتان متكافئتين في علاقتهما بالسياق فهذا يعني أن

١٥١

أن الكلام أصبح مجملا ولا ظهور له ، فلا يبقى مجال لتطبيق القاعدة العامة.

القرينة المتصلة والمنفصلة :

عرفنا أن كلمة «الحديث» في المثال السابق قد تكون قرينة في ذلك السياق ، وتسمى «قرينة متصلة» لأنها متصلة بكلمة البحر التي أبطلت مفعولها وداخلة معها في سياق واحد ، والكلمة التي يبطل مفعولها بسبب القرينة تسمى ب «ذي القرينة».

ومن أمثلة القرينة المتصلة الاستثناء من العام ، كما إذا قال الآمر : «أكرم كل فقير إلا الفساق» ، فإن كلمة «كل» ظاهرة في العموم لغة ، وكلمة «الفساق» تتنافى مع العموم ، وحين ندرس السياق ككل نرى أن الصورة التي تقتضيها هذه الكلمة أقرب إليه من صورة العموم التي تقتضيها كلمة «كل» ، بل لا مجال للموازنة بينهما ، وبهذا تعتبر أداة الاستثناء قرينة على المعنى العام للسياق.

فالقرينة المتصلة هي كل ما يتصل بكلمة أخرى ، فيبطل ظهورها ويوجه المعنى العام للسياق الوجهة التي تنسجم معه.

وقد يتفق أن القرينة بهذا المعنى لا تجيء متصلة بالكلام بل منفصلة عنه فتسمى «قرينة منفصلة». ومثاله أن يقول الآمر : «أكرم كل فقير» ثم يقول في حديث آخر بعد ساعة : «لا تكرم فساق الفقراء» ، فهذا النهي لو كان متصلا بالكلام الأول لاعتبر قرينة متصلة ولكنه انفصل عنه في هذا المثال.

وفي هذا الضوء نفهم معنى القاعدة الأصولية القائلة : إن ظهور القرينة مقدم على ظهور ذي القرينة سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة.

وهناك فروق بين القرينة المتصلة والمنفصلة لا مجال لدراستها على مستوى هذه الحلقة.

١٥٢

٢ ـ الدليل البرهاني

تمهيد

دراسة العلاقات العقلية :

حينما يدرس العقل العلاقات بين الأشياء يتوصل إلى معرفة أنواع عديدة من العلاقة ، فهو يدرك مثلا علاقة التضاد بين السواد والبياض ، وهي تعني استحالة اجتماعهما في جسم واحد ، ويدرك علاقة التلازم بين السبب والمسبب ، فان كل مسبب في نظر العقل ملازم لسببه ويستحيل انفكاكه عنه ، نظير الحرارة بالنسبة إلى النار ، ويدرك علاقة التقدم والتأخر في الدرجة بين السبب والمسبب. ومثاله : إذا أمسكت مفتاحا بيدك وحركت يدك فيتحرك المفتاح بسبب ذلك ، وبالرغم من أن المفتاح في هذا المثال يتحرك في نفس اللحظة التي تتحرك فيها يدك فان العقل يدرك أن حركة اليد متقدمة على حركة المفتاح وحركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد لا من ناحية زمنية بل من ناحية تسلسل الوجود ، ولهذا نقول حين نريد أن نتحدث عن ذلك : «حركت يدي فتحرك المفتاح» فالفاء هنا تدل على الترتيب وتأخر حركة المفتاح عن حركة اليد مع أنهما وقعا في زمان واحد.

١٥٣

فهناك إذن تأخر لا يمت إلى الزمان بصلة وإنما ينشأ عن تسلسل الوجود في نظر العقل ، بمعنى أن العقل حين يلحظ حركة اليد وحركة المفتاح ويدرك أن هذه نابعة من تلك ، يرى أن حركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد بوصفها نابعة منها ، ويرمز إلى هذا التأخر بالفاء فيقول : «تحركت يدي فتحرك المفتاح» ، ويطلق على هذا التأخر اسم «التأخر الرتبي» أي التأخر في الدرجة.

وبعد أن يدرك العقل تلك العلاقات يستطيع أن يستفيد منها في اكتشاف وجود الشيء أو عدمه ، فهو عن طريق علاقة التضاد بين السواد والبياض يستطيع أن يثبت عدم السواد في جسم إذا عرف أنه أبيض نظرا إلى استحالة اجتماع البياض والسواد في جسم واحد ، فما دام أبيض وجب بحكم علاقة التضاد أن لا يكون أسود. وعن طريق علاقة التلازم بين المسبب وسببه يستطيع العقل أن يثبت وجود المسبب إذا عرف وجود السبب نظرا إلى استحالة الانفكاك بينهما. وعن طريق علاقة التقدم والتأخر يستطيع العقل أن يكتشف عدم وجود المتأخر قبل الشيء المتقدم ، لأن ذلك يناقض كونه متأخرا ، فإذا كانت حركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد في تسلسل الوجود فمن المستحيل أن تكون حركة المفتاح ـ والحالة هذه ـ موجودة بصورة متقدمة على حركة اليد في تسلسل الوجود ، لأن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون متقدما على الشيء ويكون في نفس الوقت متأخرا عنه.

وكما يدرك العقل هذه العلاقات بين الأشياء ويستفيد منها في الكشف عن وجود شيء أو عدمه ، كذلك يدرك العلاقات القائمة بين الأحكام ، ويستفيد من تلك العلاقات في الكشف عن وجود حكم أو عدمه ، فهو يدرك مثلا التضاد بين الوجوب والحرمة كما كان يدرك التضاد بين السواد والبياض وكما كان يستخدم هذه العلاقة في نفي السواد إذا عرف وجود البياض كذلك يستخدم علاقة التضاد بين الوجوب والحرمة لنفي الوجوب

١٥٤

عن الفعل إذا عرف أنه حرام.

فهناك إذن أشياء تقوم بينها علاقات في نظر العقل ، وهناك أحكام تقوم بينها علاقات في نظر العقل أيضا. ونطلق على الأشياء اسم «العالم التكويني» وعلى الأحكام اسم «العالم التشريعي».

وكما يمكن للعقل أن يكشف وجود الشيء أو عدمه في العالم التكويني عن طريق تلك العلاقات كذلك يمكن للعقل أن يكشف وجود الحكم أو عدمه في العالم التشريعي عن طريق تلك العلاقات.

ومن أجل ذلك كان من وظيفة علم الأصول أن يدرس تلك العلاقات في عالم الأحكام بوصفها قضايا عقلية صالحة لأن تكون عناصر مشتركة في عملية الاستنباط.

الطريقة القياسية :

وهذه العلاقات تدخل في عملية الاستنباط ضمن دليل يشكله الفقيه بطريقة قياسية ، وهي الطريقة التي نستنتج فيها نتيجة خاصة من قانون عام ، من قبيل قولنا : «هذا مثلث وكل مثلث له ثلاثة أضلاع فهذا المثلث له ثلاثة أضلاع» فان هذا القول يشتمل على استنتاج عدد أضلاع هذا المثلث وأنها ثلاثة من القانون العام القائل : «إن كل مثلث له ثلاثة أضلاع».

وهكذا الحال في العلاقات التي ندرسها في العالم التشريعي ، فانها تشكل قوانين عامة ويستنتج الفقيه منها نتائج خاصة بطريقة قياسية فيقول مثلا : «الصلاة في المكان المغصوب حرام ، وكل حرام لا يمكن أن يكون واجبا لعلاقة التضاد القائمة بين الوجوب والحرمة ، فالصلاة في المكان المغصوب إذن لا يمكن أن تكون واجبة».

ومن الطبيعي على هذا الأساس أن نتكلم عن العلاقات العقلية

١٥٥

القائمة في عالم الأحكام تحت عنوان «الدليل القياسي» ، لأنها تكوّن العناصر المشتركة في الدليل القياسي ، ولكنا بالرغم من ذلك استبدلنا كلمة القياس ب «البرهان» ، لأن كلمة القياس قد يختلط معناها المنطقي الّذي نريده هنا بمعان أخرى ، فآثرنا أن نضع الدليل البرهاني عنوانا لدراسة تلك العلاقات العقلية.

وقد تعرضت الطريقة القياسية في الاستدلال لنقد شديد من الناحية المنطقية وبخاصة في عصرنا الحديث ، وسوف نتناول ذلك في الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.

تقسيم البحث

توجد في العالم التشريعي أقسام من العلاقات : فهناك قسم من العلاقات قائم بين نفس الأحكام ـ أي بين حكم شرعي وحكم شرعي آخر ـ ، وقسم ثان من العلاقات قائم بين الحكم وموضوعه ، وقسم ثالث بين الحكم ومتعلقه ، وقسم رابع بين الحكم ومقدماته ، وقسم خامس وهو العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد ، وقسم سادس وهو العلاقات القائمة بين الحكم وأشياء أخرى خارجة عن نطاق العالم التشريعي. وسوف نتحدث عن نماذج لأكثر هذه الأقسام (١) في فصول :

__________________

(١) أي لغير القسم السادس ، وأما القسم السادس فنريد به ما كان من قبيل علاقة التلازم بين الحكم العقلي والحكم الشرعي المقررة في المبدأ القائل : «كلما حكم به العقل حكم به الشرع» ، فان هذه العلاقة تقوم بين الحكم الشرعي وشيء خارج عن نطاق العالم التشريعي ، وهو حكم العقل. وقد أجلنا دراسة ذلك إلى الحلقات المقبلة.

١٥٦

الفصل الأول

في العلاقات القائمة بين نفس الأحكام

علاقة التضاد بين الوجوب والحرمة :

من المعترف به في علم الأصول أنه ليس من المستحيل أن يأتي المكلف بفعلين في وقت واحد أحدهما واجب والآخر حرام ، فيعتبر مطيعا من ناحية إتيانه بالواجب وجديرا بالثواب ، ويعتبر عاصيا من ناحية إتيانه للحرام ومستحقا للعقاب. فشرب الماء النجس مثلا حرام ودفع الزكاة إلى الفقير واجب ، فلو أن إنسانا حمل الماء النجس بإحدى يديه وشربه وأعطى باليد الأخرى في نفس الوقت زكاته للفقير فقد عصى وامتثل وأتى بالحرام والواجب في وقت واحد.

وأما الفعل الواحد فلا يمكن أن يتصف بالوجوب والحرمة معا ، لأن العلاقة بين الوجوب والحرمة هي علاقة تضاد ولا يمكن اجتماعهما في فعل واحد كما لا يمكن أن يجتمع السواد والبياض في جسم واحد ، فدفع الزكاة إلى الفقير لا يمكن أن يكون ـ وهو واجب ـ حراما في نفس الوقت ، وشرب النجس لا يمكن أن يكون ـ وهو حرام ـ واجبا في نفس الوقت.

وهكذا يتضح :

(أولا) أن الفعلين المتعددين ـ كدفع الزكاة وشرب النجس ـ يمكن أن يتصف أحدهما بالوجوب والآخر بالحرمة ولو أوجدهما المكلف في زمان واحد.

(وثانيا) أن الفعل الواحد لا يمكن أن يتصف بالوجوب والحرمة معا.

١٥٧

والنقطة الرئيسية في هذا البحث عند الأصوليين هي أن الفعل قد يكون واحدا بالذات والوجود ومتعددا بالوصف والعنوان ، وعندئذ فهل يلحق بالفعل الواحد لأنه واحد وجودا وذاتا؟ أو يلحق بالفعلين لأنه متعدد بالوصف والعنوان؟ ومثاله : أن يتوضأ المكلف بماء مغصوب ، فإن هذه العملية التي يؤديها إذا لوحظت من ناحية وجودها فهي شيء واحد وإذا لوحظت من ناحية أوصافها فهي توصف بوصفين ، إذ يقال عن العملية : إنها وضوء ، ويقال عنها في نفس الوقت : إنها غصب وتصرف في مال الغير بدون إذنه ، وكل من الوصفين يسمى «عنوانا». ولأجل ذلك تعتبر العملية في هذا المثال واحدة ذاتا ووجودا ومتعددة وصفا وعنوانا.

وفي هذه النقطة قولان للأصوليين : «أحدهما» أن هذه العملية ما دامت متعددة بالوصف والعنوان تلحق بالفعلين المتعددين ، فكما يمكن أن يتصف دفع الزكاة للفقير بالوجوب وشرب الماء النجس بالحرمة كذلك يمكن أن يكون أحد وصفي العملية وعنوانيها واجبا وهو عنوان الوضوء والوصف الآخر حراما وهو عنوان الغصب. وهذا القول يطلق عليه اسم «القول بجواز اجتماع الأمر والنهي».

«والقول الآخر» يؤكد على إلحاق العملية بالفعل الواحد على أساس وحدتها الوجودية ، ولا يبرر مجرد تعدد الوصف والعنوان عنده تعلق الوجوب والحرمة معا بالعملية. وهذا القول يطلق عليه اسم «القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي».

وهكذا اتجه البحث الأصولي إلى دراسة تعدد الوصف والعنوان من ناحية أنه هل يبرر اجتماع الوجوب والحرمة معا في عملية الوضوء بالماء المغصوب؟ أو أن العملية ما دامت واحدة وجودا وذاتا فلا يمكن أن توصف بالوجوب والحرمة في وقت واحد.

ونحن نعتقد أن العملية التي لها وصفان وعنوانان يمكن أن يتعلق

١٥٨

الوجوب بأحدهما والحرمة بالآخر ، ولا تمنع عن ذلك وحدة العملية وجودا ، ولكن هذا لا ينطبق على كل وصف بل إنما تتسع العملية الواحدة للوجوب والحرمة معا إذا كان لها وصفان وعنوانان يتوفر فيهما شرائط خاصة لا مجال لتفصيلها الآن.

هل تستلزم حرمة العقد فساده؟

إن صحة العقد معناها أن يترتب عليه أثره الّذي اتفق عليه المتعاقدان ، ففي عقد البيع يعتبر البيع صحيحا ونافذا إذا ترتب عليه نقل ملكية السلعة من البائع إلى المشتري ونقل ملكية الثمن من المشتري إلى البائع ، ويعتبر فاسدا وباطلا إذا لم يترتب عليه ذلك.

وبديهي أن العقد لا يمكن أن يكون صحيحا وفاسدا في وقت واحد فإن الصحة والفساد متضادان كالتضاد بين الوجوب والحرمة ، فكما لا يمكن أن يكون الفعل الواحد واجبا وحراما كذلك لا يمكن أن يكون العقد الواحد صحيحا وفاسدا.

والسؤال هو هل يمكن أن يكون العقد صحيحا وحراما؟ ونجيب على ذلك بالإيجاب ، إذ لا تضاد بين الصحة والحرمة ولا تلازم بين الحرمة والفساد لأن معنى تحريم العقد منع المكلف من إيجاد البيع ، ومعنى صحته أن المكلف إذا خالف هذا المنع والتحريم وباع ترتب الأثر على بيعه وانتقلت الملكية من البائع إلى المشتري ، ولا تنافي بين أن يكون إيجاد المكلف للبيع وممارسته له مبغوضا للشارع وممنوعا عنه وأن يترتب عليه الأثر في حالة صدوره من المكلف ، فلا تلازم إذن بين حرمة العقد وفساده ولا تضاد بين حرمته وصحته بل يمكن أن يكون العقد حراما وصحيحا في نفس الوقت. ومثال ذلك في حياتنا الاعتيادية : أنك قد لا تريد أن يزورك فلان وتبغض ذلك أشد البغض ، ولكن إذا اتفق وزارك ترى لزاما عليك أن ترتب الأثر على زيارته وتقوم بضيافته. فكما أمكن في هذا المثال أن تبغض زيارة فلان

١٥٩

لك وفي نفس الوقت ترتب الأثر عليها إذا اتفق له أن زارك كذلك يمكن في مسألتنا أن يبغض الشارع صدور عقد البيع من المكلف ويمنع عنه ، ولكنه يرتب الأثر عليه إذا عصى المكلف ومارس البيع ، فيحكم بنقل الملكية من البائع إلى المشتري كما ترتب أنت الأثر على زيارة فلان لك إذا زارك بالرغم من أنك تبغض زيارته.

وهذا يعني أن النهي عن المعاملة ـ أي عقد البيع ونحوه ـ لا يستلزم فسادها بل يتفق مع الحكم بصحة العقد في نفس الوقت ، خلافا لعدد من الأصوليين القائلين بأن النهي عن المعاملة يقتضي فسادها إيمانا منهم بوجود علاقة تضاد بين الصحة والحرمة.

الفصل الثاني

في العلاقات القائمة بين الحكم وموضوعه

الجعل والفعلية :

حين حكمت الشريعة بوجوب الحج على المستطيع وجاء قوله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) أصبح الحج من الواجبات في الإسلام وأصبح وجوبه حكما ثابتا في الشريعة ، ولكن إذا افترضنا أن المسلمين وقتئذ لم يكن يوجد فيهم شخص مستطيع تتوفر فيه خصائص الاستطاعة شرعا فلا يتوجه وجوب الحج إلى أيّ فرد من أفراد المسلمين ، لأنهم ليسوا مستطيعين والحج انما يجب على المستطيع ، أي إن وجوب الحج لا يثبت في هذه الحالة لأيّ فرد بالرغم من كونه حكما ثابتا في الشريعة ، فإذا أصبح أحد الأفراد مستطيعا اتجه الوجوب نحوه وأصبح ثابتا بالنسبة إليه.

وعلى هذا الضوء نلاحظ أن للحكم ثبوتين : أحدهما ثبوت الحكم في الشريعة ، والآخر ثبوته بالنسبة إلى هذا الفرد أو ذاك. فحين حكم

١٦٠