المعالم الجديدة للأصول

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المعالم الجديدة للأصول

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار التعارف للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٨

ويستشعر الهيبة للفلاسفة الكبار وللمسلمات الأساسية في الفلسفة بالدرجة التي تجعل هدفه الأقصى استيعاب أفكارهم والقدرة على الدفاع عنها ، وبينما كان البحث الفلسفي على هذه الصورة كان البحث الأصولي يخوض بذكاء وعمق في درس المشاكل الفلسفية متحررا من سلطان الفلاسفة التقليديين وهيبتهم. وعلى هذا الأساس تناول علم الأصول جملة من قضايا الفلسفة والمنطق التي تتصل بأهدافه ، وأبدع فيها إبداعا أصيلا لا نجده في البحث الفلسفي التقليدي ، ولهذا يمكننا القول بأن الفكر الّذي أعطاه علم الأصول في المجالات التي درسها من الفلسفة والمنطق أكثر جدة من الفكر الّذي قدمته فلسفة الفلاسفة المسلمين نفسهم في تلك المجالات.

وفيما يلي نذكر بعض تلك الحقول التي أبدع فيها الفكر الأصولي (١) :

١ ـ في مجال نظرية المعرفة ، وهي النظرية التي تدرس قيمة المعرفة البشرية ومدى إمكان الاعتماد عليها ، وتبحث عن المصادر الرئيسية لها.

فقد امتد البحث الأصولي إلى مجال هذه النظرية وانعكس ذلك في الصراع الفكري الشديد بين الأخباريين والمجتهدين الّذي كان ولا يزال يتمخض عن أفكار جديدة في هذا الحقل ، وقد عرفنا سابقا كيف ان التيار الحسي تسرّب عن طريق هذا الصراع إلى الفكر العلمي عند فقهائنا ، بينما لم يكن قد وجد في الفلسفة الأوروبية إلى ذلك الوقت.

٢ ـ في مجال فلسفة اللغة ، فقد سبق الفكر الأصولي أحدث اتجاه عالمي في المنطق الصوري اليوم ، وهو اتجاه المناطقة الرياضيين الذين يردون الرياضيات إلى المنطق والمنطق إلى اللغة ، ويرون أن الواجب الرئيسي على

__________________

(١) هذه النماذج لا يطلب تدريسها بالتفصيل وإنما يكتفي المدرس ـ إذا رأى مجالا ـ بالإشارة إلى بعضها ، وسوف نستعرضها بصورة أوضح في الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.

١٠١

الفيلسوف أن يحلل اللغة ويفلسفها بدلا عن أن يحلل الوجود الخارجي ويفلسفه. فان المفكرين الأصوليين قد سبقوا في عملية التحليل اللغوي ، وليست بحوث المعنى الحرفي والهيئات في الأصول الا دليلا على هذا السبق.

ومن الطريف أن يكتب اليوم «برتراند رسل» رائد ذلك الاتجاه الحديث في العالم المعاصر محاولا التفرقة بين جملتين لغويتين في دراسته التحليلية للغة وهما : «مات قيصر» و «موت قيصر» أو «صدق موت قيصر» فلا ينتهي إلى نتيجة وإنما يعلق على مشكلة التمييز المنطقي بين الجملتين فيقول : «لست أدري كيف أعالج هذه المشكلة علاجا مقبولا» (١).

أقول : من الطريف أن يعجز باحث في قمة ذلك الاتجاه الحديث عن تحليل الفرق بين تلك الجملتين ، بينما يكون علم الأصول قد سبق إلى دراسة هذا الفرق في دراساته الفلسفية التحليلية للغة ووضع له أكثر من تفسير.

٣ ـ وكذا نجد لدى بعض المفكرين الأصوليين بذور نظرية الأنماط المنطقية ، فقد حاول المحقق الشيخ محمد كاظم الخراسانيّ في الكفاية أن يميز بين الطلب الحقيقي والطلب الإنشائي بما يتفق مع الفكرة الرئيسية في تلك النظرية. وبهذا يكون الفكر الأصولي قد استطاع أن يسبق «برتراند رسل» صاحب تلك النظرية ، بل استطاع بعد ذلك أكثر من هذا فقام بمناقشتها ودحضها وحلّ التناقضات التي بني «رسل» نظريته على أساسها.

٤ ـ ومن أهم المشاكل التي درستها الفلسفة القديمة وتناولتها البحوث

__________________

(١) أصول الرياضيات ج ١ ص ٩٦ ترجمة الدكتور محمد موسى أحمد والدكتور أحمد فؤاد الأهواني.

١٠٢

الجديدة في التحليل الفلسفي للغة هي مشكلة الكلمات التي لا يبدو أنها تعبر عن شيء موجود ، فما ذا نقصد بقولنا مثلا «الملازمة بين النار والحرارة» وهل هذه الملازمة موجودة إلى جانب وجود النار والحرارة أو معدومة؟ وإذا كانت موجودة فأين هي موجودة؟ وإذا كانت معدومة ولا وجود لها فكيف نتحدث عنها. وقد درس الفكر الأصولي هذه المشكلة متحررا عن القيود الفلسفية التي كانت تحصر المسألة في نطاق الوجود والعدم ، فأبدع فيها.

وكل هذه الأمثلة والنماذج نذكرها الآن لينفتح لها الطالب على سبيل الإجمال ، وأما توضيحها وشرحها فنؤجله إلى الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.

١٠٣

الحكم الشرعي وتقسيمه

عرفنا أن علم الأصول يدرس العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي ، ولأجل ذلك يجب أن نكوّن فكرة عامة منذ البدء عن الحكم الشرعي الّذي يقوم علم الأصول بتحديد العناصر المشتركة في عملية استنباطه.

الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان والخطابات الشرعية في الكتاب والسنة مبرزة للحكم وكاشفة عنه ، وليست هي الحكم الشرعي نفسه.

وعلى هذا الضوء يكون من الخطأ تعريف الحكم الشرعي بالصيغة المشهورة بين قدماء الأصوليين ، إذ يعرفونه بأنه الخطاب الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين ، فان الخطاب كاشف عن الحكم والحكم هو مدلول الخطاب.

أضف إلى ذلك أن الحكم الشرعي لا يتعلق بأفعال المكلفين دائما ، بل قد يتعلق بذواتهم أو بأشياء أخرى ترتبط بهم ، لأن الهدف من الحكم

١٠٤

الشرعي تنظيم حياة الإنسان ، وهذا الهدف كما يحصل بخطاب متعلق بأفعال المكلفين كخطاب «صلّ» و «صم» و «لا تشرب الخمر» كذلك يحصل بخطاب متعلق بذواتهم أو بأشياء أخرى تدخل في حياتهم من قبيل الأحكام والخطابات التي تنظم علاقة الزوجية وتعتبر المرأة زوجة للرجل في ظلّ شروط معينة ، أو تنظم علاقة الملكية وتعتبر الشخص مالكا للمال في ظل شروط معينة ، فإن هذه الأحكام ليست متعلقة بأفعال المكلفين بل الزوجية حكم شرعي متعلق بذواتهم والملكية حكم شرعي متعلق بالمال. فالأفضل إذن استبدال الصيغة المشهورة بما قلناه من أن الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الإنسان سواء كان متعلقا بأفعاله أو بذاته أو بأشياء أخرى داخلة في حياته.

تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي :

وعلى ضوء ما سبق يمكننا تقسيم الحكم إلى قسمين :

أحدهما الحكم الشرعي المتعلق بأفعال الإنسان والموجه لسلوكه مباشرة في مختلف جوانب حياته الشخصية والعبادية والعائلية والاقتصادية والسياسية التي عالجتها الشريعة ونظمتها جميعا ، كحرمة شرب الخمر ووجوب الصلاة ووجوب الإنفاق على بعض الأقارب وإباحة إحياء الأرض ووجوب العدل على الحاكم.

والآخر الحكم الشرعي الّذي لا يكون موجها مباشرا للإنسان في أفعاله وسلوكه ، وهو كل حكم يشرّع وضعا معينا يكون له تأثير غير مباشر على سلوك الإنسان ، من قبيل الأحكام التي تنظم علاقات الزوجية ، فإنها تشرع بصورة مباشرة علاقة معينة بين الرّجل والمرأة وتؤثر بصورة غير

١٠٥

مباشرة على السلوك وتوجهه لأن المرأة بعد أن تصبح زوجة مثلا تلزم بسلوك معيّن تجاه زوجها ، ويسمى هذا النوع من الأحكام بالأحكام الوضعيّة.

والارتباط بين الأحكام الوضعيّة والأحكام التكليفية وثيق ، إذ لا يوجد حكم وضعي إلا ويوجد إلى صفه حكم تكليفي ، فالزوجية حكم شرعي وضعي توجد إلى صفه أحكام تكليفية ، وهي وجوب إنفاق الزوج على زوجته ووجوب التمكين على الزوجة ، والملكية حكم شرعي وضعي توجد إلى صفه أحكام تكليفية من قبيل حرمة تصرف غير المالك في المال إلا بإذنه ، وهكذا.

أقسام الحكم التكليفي :

ينقسم الحكم التكليفي ـ وهو الحكم المتعلق بأفعال الإنسان والموجه لها مباشرة ـ إلى خمسة أقسام ، وهي كما يلي :

١ ـ «الوجوب» وهو حكم شرعي يبعث نحو الشيء الّذي تعلق به بدرجة الإلزام ، نحو وجوب الصلاة ووجوب إعالة المعوزين على ولي الأمر.

٢ ـ «الاستحباب» وهو حكم شرعي يبعث نحو الشيء الّذي تعلق به بدرجة دون الإلزام ، ولهذا توجد إلى صفه دائما رخصة من الشارع في مخالفته ، كاستحباب صلاة الليل.

٣ ـ «الحرمة» وهي حكم شرعي يزجر عن الشيء الّذي تعلق به بدرجة الإلزام ، نحو حرمة الرّبا وحرمة الزنا وبيع الأسلحة من أعداء الإسلام.

٤ ـ «الكراهة» وهي حكم شرعي يزجر عن الشيء الّذي تعلق به بدرجة دون الإلزام ، فالكراهة في مجال الزجر كالاستحباب في مجال

١٠٦

البعث ، كما أن الحرمة في مجال الزجر كالوجوب في مجال البعث ، ومثال المكروه خلف الوعد.

٥ ـ «الإباحة» وهي أن يفسح الشارع المجال للمكلف لكي يختار الموقف الّذي يريده ، ونتيجة ذلك أن يتمتع المكلف بالحرية فله أن يفعل وله أن يترك.

١٠٧
١٠٨

القسم الثاني

بحوث علم الأصول

١٠٩
١١٠

تنويع البحث

حينما يتناول الفقيه مسألة كمسألة الإقامة للصلاة ويحاول استنباط حكمها يتساءل في البداية : ما هو نوع الحكم الشرعي المتعلق بالإقامة أهو وجوب أو استحباب؟ فإن حصل على دليل يكشف عن نوع الحكم الشرعي للإقامة أمكنه الجواب على السؤال الّذي طرحه منذ البدء في ضوء هذا الدليل وكان عليه أن يحدد موقفه العملي واستنباطه على أساسه ، فيكون استنباطا قائما على أساس الدليل.

وإن لم يحصل الفقيه على دليل يعين نوع الحكم الشرعي المتعلق بالإقامة فسوف يضطر إلى الكف عن محاولة اكتشاف الحكم الشرعي ما دام لا يوجد في المجال الفقهي دليل عليه ، ويظل الحكم الشرعي مجهولا للفقيه لا يدري أهو وجوب أو استحباب؟ وفي هذه الحالة يستبدل الفقيه سؤاله الأول الّذي طرحه في البداية بسؤال جديد كما يلي : ما هي القواعد التي تحدد الموقف العملي تجاه الحكم الشرعي المجهول؟ فبينما كان الفقيه يحاول تحديد الموقف العملي عن طريق اكتشاف نوع الحكم الشرعي وإقامة الدليل عليه ، أصبح يحاول تحديد الموقف العملي على ضوء القواعد التي تعالج

١١١

مثل هذا الموقف تجاه الحكم المجهول ، وهذه القواعد تسمى بالأصول العملية. ومثالها أصالة البراءة ، وهي القاعدة القائلة ان كل إيجاب أو تحريم مجهول لم يقم عليه دليل فلا أثر له على سلوك الإنسان وليس الإنسان ملزما بالاحتياط من ناحيته والتقيد به ، ويقوم الاستنباط في هذه الحالة على أساس الأصل العملي بدلا عن الدليل.

ولأجل هذا يمكننا تنويع عملية الاستنباط إلى نوعين : أحدهما الاستنباط القائم على أساس الدليل ، كالاستنباط المستمد من نصّ دال على الحكم الشرعي ، والآخر الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي كالاستنباط المستمد من أصالة البراءة.

ولما كان علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط فهو يزود كلا النوعين بعناصره المشتركة ، وعلى هذا الأساس ننوع البحوث الأصولية إلى نوعين نتكلم في النوع الأول عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط القائمة على أساس الدليل ، ونتكلم في النوع الثاني عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط القائمة على أساس الأصل العملي :

العنصر المشترك بين النوعين :

ويوجد بين العناصر المشتركة في عملية الاستنباط عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي بكلا نوعيها ما كان منها قائما على أساس الدليل وما كان قائما على أساس الأصل العملي.

وهذا العنصر هو حجية العلم «القطع» ، ونريد بالعلم انكشاف قضية من القضايا بدرجة لا يشوبها شك. ومعنى حجية العلم يتلخص في أمرين :

(أحدهما) أن العبد إذا تورط في مخالفة المولى نتيجة لعلمه بقطعه

١١٢

واعتقاده فليس للمولى معاقبته ، وللعبد أن يعتذر عن مخالفته للمولى بأنه عمل على وفق قطعه ، كما إذا قطع العبد خطأ بأن الشراب الّذي أمامه ليس خمرا فشربه اعتمادا على قطعه وكان الشراب خمرا في الواقع فليس للمولى أن يعاقبه على شربه للخمر ما دام قد استند إلى قطعه ، وهذا أحد الجانبين من حجية العلم ويسمى بجانب المعذرية.

(والآخر) أن العبد إذا تورط في مخالفة المولى نتيجة لتركه العمل بقطعه فللمولى أن يعاقبه ويحتج عليه بقطعه ، كما إذا قطع العبد بأن الشراب الّذي أمامه خمر فشربه وكان خمرا في الواقع ، فإن من حق المولى أن يعاقبه على مخالفته ، لأن العبد كان على علم بحرمة الخمر وشربه فلا يعذر في ذلك ، وهذا هو الجانب الثاني من حجية العلم ويسمى بجانب المنجزية.

وبديهي أن حجية العلم بهذا المعنى الّذي شرحناه لا يمكن أن تستغني عنه أي عملية من عمليات استنباط الحكم الشرعي ، لأن الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائما بنتيجة ، وهي العلم بالموقف العملي تجاه الشريعة وتحديده على أساس الدليل أو على أساس الأصل العملي. ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثر لا بد من الاعتراف مسبقا بحجية العلم ، إذ لو لم يكن العلم حجة ولم يكن صالحا للاحتجاج به من المولى على عبده ومن العبد على مولاه لكانت النتيجة التي خرج بها الفقيه من عملية الاستنباط لغوا ، لأن علمه ليس حجة ، ففي كل عملية استنباط لا بد إذن أن يدخل عنصر حجية العلم لكي تعطي العملية ثمارها ويخرج منها الفقيه بنتيجة إيجابية. وبهذا أصبحت حجية العلم أعم العناصر الأصولية المشتركة وأوسعها نطاقا.

وليست حجية العلم عنصرا مشتركا في عمليات استنباط الفقيه للحكم الشرعي فحسب ، بل هي في الواقع شرط أساسي في دراسة الأصولي للعناصر المشتركة نفسها أيضا ، فنحن حينما ندرس مثلا مسألة

١١٣

حجية الخبر أو حجية الظهور العرفي إنما نحاول بذلك تحصيل العلم بواقع الحال في تلك المسألة ، فإذا لم يكن العلم حجة فأيّ جدوى في دراسة حجية الخبر والظهور العرفي.

فالفقيه والأصولي يستهدفان معا من بحوثهما تحصيل العلم بالنتيجة الفقهية «تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة» أو الأصولية «العنصر المشترك» ، فبدون الاعتراف المسبق بحجية العلم تصبح بحوثهما عبثا لا طائل تحته.

وحجية العلم ثابتة بحكم العقل ، فإن العقل يحكم بأن للمولى سبحانه حق الطاعة على الإنسان في كل ما يعلمه من تكاليف المولى وأوامره ونواهيه فإذا علم الإنسان بحكم إلزامي من المولى «وجوب أو حرمة» دخل ذلك الحكم الإلزاميّ ضمن نطاق حق الطاعة ، وأصبح من حق المولى على الإنسان أن يمتثل ذلك الإلزام الّذي علم به ، فإذا قصر في ذلك أو لم يؤد حق الطاعة كان جديرا بالعقاب ، وهذا هو جانب المنجزية في حجية العلم ، ومن ناحية أخرى يحكم العقل أيضا بأن الإنسان القاطع بعدم الإلزام من حقه أن يتصرف كما يحلو له ، وإذا كان الإلزام ثابتا في الواقع والحالة هذه فليس من حق المولى على الإنسان أن يمتثله ولا يمكن للمولى أن يعاقبه على مخالفته ما دام الإنسان قاطعا بعدم الإلزام ، وهذا هو جانب المعذرية في حجية العلم.

والعقل كما يدرك حجية القطع كذلك يدرك أن الحجية لا يمكن أن تزول عن القطع بل هي لازمة له ، ولا يمكن حتى للمولى أن يجرد القطع من حجيته ويقول : إذا قطعت بعدم الإلزام فأنت لست معذورا ، أو يقول : إذا قطعت بالإلزام فلك أن تهمله ، فإن كل هذا مستحيل بحكم العقل ، لأن القطع لا تنفك عنه المعذرية والمنجزية بحال من الأحوال ، وهذا هو معنى المبدأ الأصولي القائل باستحالة صدور الردع من الشارع عن القطع.

١١٤

قد تقول : هذا المبدأ الأصولي يعني إن العبد إذا تورط في عقيدة خاطئة فقطع مثلا بأن شرب الخمر حلال فليس للمولى أن ينبهه على الخطأ.

والجواب أن المولى بإمكانه التنبيه على الخطأ وإخبار العبد بأن الخمر ليس مباحا ، لأنه بذلك يزيل القطع من نفس العبد ويرده إلى الصواب ، والمبدأ الأصولي الآنف الذّكر إنما يقرر استحالة صدور الردع من المولى عن العمل بالقطع مع بقاء القطع ثابتا ، فالقاطع بحلية شرب الخمر يمكن للمولى أن يزيل قطعه ولكن من المستحيل أن يردعه عن العمل بقطعه ويعاقبه على ذلك ما دام قطعه ثابتا ويقينه بالحلية قائما.

١١٥

النوع الأول

العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الدليل

تمهيد :

الدليل الّذي يستند إليه الفقيه في استنباط الحكم الشرعي إما أن يؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي أو لا :

ففي الحالة الأولى يكون الدليل قطعيا ويستمد شرعيته وحجيته من حجية القطع ، لأنه يؤدي إلى القطع بالحكم ، والقطع حجة بحكم العقل فيتحتم على الفقيه أن يقيم على أساسه استنباطه للحكم الشرعي. ومن نماذج الدليل القطعي كل آية كريمة تدل على حكم شرعي بصراحة ووضوح لا يقبل الشك والتأويل ، ومن نماذجه أيضا القانون القائل «كلما وجب الشيء وجبت مقدمته» ، فان هذا القانون يعتبر دليلا قطعيا على وجوب الوضوء بوصفه مقدمة للصلاة.

وأما في الحالة الثانية فالدليل ناقص لأنه ليس قطعيا ، والدليل الناقص إذا حكم الشارع بحجيته وأمر بالاستناد إليه في عملية الاستنباط بالرغم من نقصانه ، أصبح كالدليل القطعي وتحتم على الفقيه الاعتماد عليه. ومن نماذج الدليل الناقص الّذي جعله الشارع حجة خبر الثقة ،

١١٦

فان خبر الثقة لا يؤدي إلى العلم لاحتمال الخطأ فيه أو الشذوذ ، فهو دليل ظني ناقص ، وقد جعله الشارع حجة وأمر باتباعه وتصديقه ، فارتفع بذلك في عملية الاستنباط إلى مستوى الدليل القطعي.

وإذا لم يحكم الشارع بحجية الدليل الناقص فلا يكون حجة ولا يجوز الاعتماد عليه في الاستنباط ، لأنه ناقص يحتمل فيه الخطأ.

وقد نشك ولا نعلم هل جعل الشارع الدليل الناقص حجة أو لا ولا يتوفر لدينا الدليل الّذي يثبت الحجية شرعا أو ينفيها ، وعندئذ يجب أن نرجع إلى قاعدة عامة يقررها الأصوليون بهذا الصدد ، وهي القاعدة القائلة : «إن كل دليل ناقص ليس حجة ما لم يثبت بالدليل الشرعي العكس» ، وهذا هو معنى ما يقال في علم الأصول من أن «الأصل في الظن هو عدم الحجية الا ما خرج بدليل قطعي».

ونستخلص من ذلك أن الدليل الجدير بالاعتماد عليه فقهيا هو الدليل القطعي أو الدليل الناقص الّذي ثبتت حجيته شرعا بدليل قطعي.

تقسيم البحث :

والدليل في المسألة الفقهية سواء كان قطعيا أو لم يكن ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

١ ـ «الدليل اللفظي» وهو الدليل المستمد من كلام المولى ، كما إذا سمعت مولاك يقول : «أقيموا الصلاة» ، فتستدل بذلك على وجوب الصلاة.

٢ ـ «الدليل البرهاني» (١) وهو الدليل المستمد من قانون عقلي عام ،

__________________

(١) لا نريد بكلمة البرهان مصطلحها المنطقي ، بل نريد بها الطريقة القياسية في ـ

١١٧

كما إذا ثبت لديك وجوب الوضوء بوصفه مقدمة للصلاة استنادا إلى القانون العقلي العام الّذي يقول : «كلما وجب الشيء وجبت مقدمته».

٣ ـ «الدليل الاستقرائي» وهو الدليل المستمد من تتبع حالات كثيرة ، كما إذا استطعت أن تعرف أن أباك يأمرك بالإحسان إلى جارك الفقير عن طريق تتبعك لذوقه وأمره بالإحسان إلى فقراء كثيرين في حالات مماثلة.

ولكل من هذه الأدلة الثلاثة نظامه الخاصّ ومنهجه المتميز وعناصره المشتركة.

وعلى هذا الأساس سوف نقسم البحث إلى ثلاثة أقسام ، فندرس في القسم الأول الدليل اللفظي وعناصره المشتركة ، وفي القسم الثاني الدليل البرهاني وعناصره المشتركة ، وفي القسم الثالث الدليل الاستقرائي وعناصره المشتركة.

__________________

ـ الاستدلال ، غير أنا تحاشينا عن استخدام كلمة القياس بدلا عن كلمة البرهان ، لأن لها معنى في المصطلح الأصولي يختلف عن مدلولها المنطقي الّذي نريده هنا.

١١٨

١ ـ الدليل اللفظي

تمهيد

الاستدلال بالدليل اللفظي على الحكم الشرعي يرتبط بالنظام اللغوي العام للدلالة ، ولهذا نجد من الضروري أن نمهد للبحث في الأدلة اللفظية والعناصر الأصولية المشتركة فيها بدراسة إجمالية لطبيعة الدلالة اللغوية وكيفية تكونها ونظرة عامة فيها :

ما هو الوضع والعلاقة اللغوية :

في كل لغة تقوم علاقات بين مجموعة من الألفاظ ومجموعة من المعاني ، ويرتبط كل لفظ بمعنى خاص ارتباطا يجعلنا كلما تصورنا اللفظ انتقل ذهننا فورا إلى تصور المعنى ، فالإنسان العارف بالعربية متى تصور كلمة «الماء» مثلا قفز ذهنه فورا إلى تصور ذلك السائل الخاصّ الّذي نشر به في حياتنا الاعتيادية ، وهذا الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى وانتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر هو ما نطلق عليه اسم «الدلالة» ،

١١٩

فحين نقول : «كلمة الماء تدل على السائل الخاصّ» نريد بذلك أن تصور كلمة الماء يؤدي إلى تصور ذلك السائل الخاصّ ، ويسمى اللفظ «دالا» والمعنى «مدلولا».

وعلى هذا الأساس نعرف ان العلاقة بين تصور اللفظ وتصور المعنى تشابه إلى درجة ما العلاقة التي نشاهدها في حياتنا الاعتيادية بين النار والحرارة أو بين طلوع الشمس والضوء ، فكما أن النار تؤدي إلى الحرارة وطلوع الشمس يؤدي إلى الضوء كذلك تصور اللفظ يؤدي إلى تصور المعنى ، ولأجل هذا يمكن القول بأن تصور اللفظ سبب لتصور المعنى كما تكون النار سببا للحرارة وطلوع الشمس سببا للضوء ، غير أن علاقة السببية بين تصور اللفظ والمعنى مجالها الذهن ، لأن تصور اللفظ والمعنى انما يوجد في الذهن ، وعلاقة السببية بين النار والحرارة أو بين طلوع الشمس والضوء مجالها العالم الخارجي.

والسؤال الأساسي بشأن هذه العلاقة التي توجد في اللغة بين اللفظ والمعنى هو السؤال عن مصدر هذه العلاقة وكيفية تكوّنها ، فكيف تكوّنت علاقة السببية بين اللفظ والمعنى؟ وكيف أصبح تصور اللفظ سببا لتصور المعنى مع أن اللفظ والمعنى شيئان مختلفان كل الاختلاف؟.

ويذكر في علم الأصول عادة اتجاهان في الجواب على هذا السؤال الأساسي ، يقوم الاتجاه الأول على أساس الاعتقاد بأن علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته كما نبعت علاقة النار بالحرارة من طبيعة النار ذاتها ، فلفظ «الماء» مثلا له بحكم طبيعته علاقة بالمعنى الخاصّ الّذي نفهمه منه ، ولأجل هذا يؤكد هذا الاتجاه أن دلالة اللفظ على المعنى ذاتية وليست مكتسبة من أي سبب خارجي. ويعجز هذا الاتجاه عن تفسير الموقف تفسيرا شاملا ، لأن دلالة اللفظ على المعنى وعلاقته به إذا كانت ذاتية وغير نابعة من أي سبب خارجي وكان اللفظ بطبيعته يدفع الذهن البشري إلى تصور معناه فلما ذا يعجز غير العربي عن الانتقال إلى تصور

١٢٠