المعالم الجديدة للأصول

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المعالم الجديدة للأصول

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار التعارف للمطبوعات
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٨

ابن ادريس ومؤلف الكتاب الفقهي الكبير «شرائع الاسلام» الذي اصبح بعد تأليفه محوراً للبحث والتعليق والتدريس في الحوزة بدلاً عن كتاب النهاية الذي كان الشيخ الطوسي قد الفه قبل المبسوط.

وهذا التحول من النهاية الى الشرائع يرمز الى تطور كبير في مستوى العلم ، لأن كتاب النهاية كان كتاباً فقهياً يشتمل على امهات المسائل الفقهية وأصولها ، وأما الشرائع فهو كتاب واسع يشتمل على التفريع وتخريج الأحكام وفقا للمخطط الّذي وضعه الشيخ في المبسوط ، فاحتلال هذا الكتاب المركز الرسمي لكتاب النهاية في الحوزة واتجاه حركة البحث والتعليق إليه يعني أن حركة التفريع والتخريج قد عمّت واتسعت حتى أصبحت الحوزة كلها تعيشها.

وقد صنّف المحقق الحلي كتبا في الأصول ، منها كتاب نهج الوصول إلى معرفة الأصول ، وكتاب المعارج.

ومن أولئك النوابغ تلميذ المحقق وابن أخته المعروف بالعلامة ، وهو الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر المتوفى سنة (٧٢٦) ه ، وله كتب عديدة في الأصول من قبيل «تهذيب الوصول إلى علم الأصول» و «مبادئ الوصول إلى علم الأصول» وغيرهما.

وقد ظل النموّ العلمي في مجالات البحث الأصولي إلى آخر القرن العاشر ، وكان الممثل الأساسي له في أواخر هذا القرن الحسن بن زين الدين المتوفى سنة (١٠١١) ه ، وله كتاب في الأصول باسم «المعالم» مثّل فيه المستوى العالي لعلم الأصول في عصره بتعبير سهل وتنظيم جديد ، الأمر الّذي جعل لهذا الكتاب شأنا كبيرا في عالم البحوث الأصولية حتى أصبح كتابا دراسيا في هذا العلم وتناوله المعلقون بالتعليق والتوضيح والنقد.

ويقارب المعالم من الناحية الزمنية كتاب زبدة الأصول الّذي صنفه

٨١

علم من أعلام العلم في أوائل القرن الحادي عشر ، وهو الشيخ البهائي المتوفى سنة (١٠٣١) ه.

الصدمة التي مني بها علم الأصول :

وقد مني علم الأصول بعد صاحب المعالم بصدمة عارضت نموه وعرضته لحملة شديدة ، وذلك نتيجة لظهور حركة الأخبارية في أوائل القرن الحادي عشر على يد الميرزا محمد أمين الأسترآبادي المتوفى سنة (١٠٢١) ه واستفحال أمر هذه الحركة بعده ، وبخاصة في أواخر القرن الحادي عشر وخلال القرن الثاني عشر.

وكان لهذه الحملة بواعثها النفسيّة التي دفعت الأخباريين من علمائنا رضوان الله عليهم ـ وعلى رأسهم المحدث الأسترآبادي ـ إلى مقاومة علم الأصول ، وساعدت على نجاح هذه المقاومة نسبيا. نذكر منها ما يلي :

١ ـ عدم استيعاب ذهنية الأخباريين لفكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، فقد جعلهم ذلك يتخيلون أن ربط الاستنباط بالعناصر المشتركة والقواعد الأصولية يؤدي إلى الابتعاد عن النصوص الشرعية والتقليل من أهميتها.

ولو أنهم استوعبوا فكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط كما درسها الأصوليون لعرفوا أن لكل من العناصر المشتركة والعناصر الخاصة دورها الأساسي وأهميتها ، وأن علم الأصول لا يستهدف استبدال العناصر الخاصة بالعناصر المشتركة ، بل يضع القواعد اللازمة لاستنباط الحكم من العناصر الخاصة.

٢ ـ سبق السنة تاريخيا إلى البحث الأصولي والتصنيف الموسع فيه ، فقد أكسب هذا علم الأصول إطارا سنيا في نظر هؤلاء الثائرين عليه ، فأخذوا ينظرون إليه بوصفه نتاجا للمذهب السني. وقد عرفنا سابقا ان

٨٢

سبق الفقه السني تاريخيا إلى البحوث الأصولية لم ينشأ عن صلة خاصة بين علم الأصول والمذهب السني ، بل هو مرتبط بمدى ابتعاد الفكر الفقهي عن عصر النصوص التي يؤمن بها ، فان السنة يؤمنون بأن عصر النصوص انتهى بوفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وبهذا وجدوا أنفسهم في أواخر القرن الثاني بعيدين عن عصر النص بالدرجة التي جعلتهم يفكرون في وضع علم الأصول ، بينما كان الشيعة وقتئذ يعيشون عصر النص الّذي يمتد عندهم إلى الغيبة.

ونجد هذا المعنى بوضوح ووعي في نصّ للمحقق الفقيه السيد محسن الأعرجي المتوفى سنة (١٢٢٧) ه ، إذ كتب في وسائله ردا على الأخباريين يقول : «إن المخالفين لما احتاجوا إلى مراعاة هذه الأمور قبل أن نحتاج إليها سبقوا إلى التدوين لبعدهم عن عصر الصحابة وإعراضهم عن أئمة الهدى ، وافتتحوا بابا عظيما لاستنباط الأحكام كثير المباحث دقيق المسارب جم التفاصيل ، وهو القياس. فاضطروا إلى التدوين أشد ضرورة ، ونحن مستغنون بأرباب الشريعة وأئمة الهدى ، نأخذ منهم الأحكام مشافهة ونعرف ما يريدون بديهة. إلى أن وقعت الغيبة وحيل بيننا وبين إمام العصر عليه‌السلام ... فاحتجنا إلى تلك المباحث وألف فيها متقدمونا كابن الجنيد وابن أبي عقيل ، وتلاهما من جاء بعدهما كالسيد والشيخين وأبي الصلاح وأبي المكارم وابن إدريس والفاضلين والشهيدين إلى يومنا هذا. أترانا نعرض عن مراعاتها مع مسيس الحاجة لأن سبقنا إليها المخالفون وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وآله الحكمة ضالة المؤمن! وما كنا في ذلك تبعا وإنما بحثنا عنها أشد البحث واستقصينا أتم الاستقصاء ولم نحكم في شيء منها إلا بعد قيام الحجة وظهور المحجة».

٣ ـ ومما آكد في ذهن هؤلاء الإطار السني لعلم الأصول ان ابن الجنيد ـ وهو من رواد الاجتهاد وواضعي بذور علم الأصول في الفقه الإمامي ـ كان يتفق مع أكثر المذاهب الفقهية السنية في القول بالقياس.

٨٣

ولكن الواقع أن تسرب بعض الأفكار من الدراسات الأصولية السنية إلى شخص كابن الجنيد لا يعني أن علم الأصول بطبيعته سني ، وإنما هو نتيجة لتأثر التجربة العلمية المتأخرة بالتجارب السابقة في مجالها. ولما كان للسنة تجارب سابقة زمنيا في البحث الأصولي فمن الطبيعي أن نجد في بعض التجارب المتأخرة تأثرا بها ، وقد يصل التأثر أحيانا إلى درجة تبني بعض الآراء السابقة غفلة عن واقع الحال. ولكن ذلك لا يعني بحال أن علم الأصول قد استورده الشيعة من الفكر السني وفرض عليهم من قبله ، بل هو ضرورة فرضتها على الفقه الإمامي عملية الاستنباط وحاجات هذه العملية.

٤ ـ وساعد على إيمان الأخباريين بالإطار السني لعلم الأصول تسرب اصطلاحات من البحث الأصولي السني إلى الأصوليين الإماميين وقبولهم بها بعد تطويرها وإعطائها المدلول الّذي يتفق مع وجهة النّظر الإمامية. ومثال ذلك كلمة «الاجتهاد» كما رأينا في بحث سابق ، إذ أخذها علماؤنا الإماميون من الفقه السني وطوروا معناها ، فتراءى لعلمائنا الأخباريين الذين لم يدركوا التحول الجوهري في مدلول المصطلح أن علم الأصول عند أصحابنا يتبنى نفس الاتجاهات العامة في الفكر العلمي السني ، ولهذا شجبوا الاجتهاد وعارضوا في جوازه المحققين من أصحابنا.

٥ ـ وكان الدور الّذي يلعبه العقل في علم الأصول مثيرا آخر للأخباريين على هذا العلم نتيجة لاتجاههم المتطرف ضد العقل ، كما رأينا في بحث سابق.

٦ ـ ولعل أنجح الأساليب التي اتخذها المحدث الأسترآبادي وأصحابه لإثارة الرّأي العام الشيعي ضد علم الأصول هو استغلال حداثة علم الأصول لضربه ، فهو علم لم ينشأ في النطاق الإمامي إلا بعد الغيبة ، وهذا يعني أن أصحاب الأئمة وفقهاء مدرستهم مضوا بدون علم أصول ، ولم يكونوا بحاجة إليه. وما دام فقهاء تلامذة الأئمة ـ من قبيل زرارة بن

٨٤

أعين ومحمد بن مسلم ومحمد بن أبي عمير ويونس بن عبد الرحمن وغيرهم ـ كانوا في غنى عن علم الأصول في فقههم ، فلا ضرورة للتورط فيما لم يتورطوا فيه ، ولا معنى للقول بتوقف الاستنباط والفقه على علم الأصول.

ويمكننا أن نعرف الخطأ في هذه الفكرة على ضوء ما تقدم سابقا من أن الحاجة إلى علم الأصول حاجة تاريخية ، فان عدم إحساس الرّواة والفقهاء الذين عاشوا عصر النصوص بالحاجة إلى تأسيس علم الأصول لا يعني عدم احتياج الفكر الفقهي إلى علم الأصول في العصور المتأخرة التي يصبح الفقيه فيها بعيدا عن جو النصوص ويتسع الفاصل الزمني بينه وبينها ، لأن هذا الابتعاد يخلق فجوات في عملية الاستنباط ويفرض على الفقيه وضع القواعد الأصولية العامة لعلاج تلك الفجوات.

الجذور المزعومة للحركة الأخبارية :

وبالرغم من أن المحدث الأسترآبادي كان هو رائد الحركة الأخبارية فقد حاول في فوائده المدنية أن يرجع بتاريخ هذه الحركة إلى عصر الأئمة وأن يثبت لها جذورا عميقة في تاريخ الفقه الإمامي لكي تكتسب طابعا من الشرعية والاحترام ، فهو يقول : إن الاتجاه الأخباري كان هو الاتجاه السائد بين فقهاء الإمامية إلى عصر الكليني والصدوق وغيرهما من ممثلي هذا الاتجاه في رأي الأسترآبادي ، ولم يتزعزع هذا الاتجاه إلا في أواخر القرن الرابع وبعده حين بدأ جماعة من علماء الإمامية ينحرفون عن الخطّ الأخباري ويعتمدون على العقل في استنباطهم ويربطون البحث الفقهي بعلم الأصول تأثرا بالطريقة السنية في الاستنباط ، ثم أخذ هذا الانحراف بالتوسع والانتشار.

ويذكر المحدث الأسترآبادي بهذا الصدد كلاما للعلامة الحلي ـ الّذي عاش قبله بثلاث قرون ـ جاء فيه التعبير عن فريق من علماء الإمامية بالأخباريين ، ويستدل بهذا النص على سبق الاتجاه الأخباري تاريخيا.

٨٥

ولكن الحقيقة أن العلامة الحلي يشير بكلمة الأخباريين في حديثه إلى مرحلة من مراحل الفكر الفقهي لا إلى حركة ذات اتجاه محدد في الاستنباط ، فقد كان في فقهاء الشيعة منذ العصور الأولى علماء أخباريون يمثلون المرحلة البدائية من التفكير الفقهي ، وهؤلاء هم الذين تحدث عنهم الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط ، وعن ضيق أفقهم واقتصارهم في بحوثهم الفقهية على أصول المسائل وانصرافهم عن التفريع والتوسع في التطبيق. وفي النقطة المقابلة لهم الفقهاء الأصوليون الذين يفكرون بذهنية أصولية ويمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع. فالأخبارية القديمة إذن تعبر عن مستوى من مستويات الفكر الفقهي لا عن مذهب من مذاهبه.

وهذا ما أكده المحقق الجليل الشيخ محمد تقي المتوفى سنة (١٢٤٨) ه في تعليقته الضخمة على المعالم ، إذ كتب بهذا الشأن يقول : «فإن قلت : إن علماء الشيعة كانوا من قديم الزمان على صنفين أخباري وأصولي كما أشار إليه العلامة في النهاية وغيره. قلت : إنه وإن كان المتقدمون من علمائنا على صنفين ، وكان فيهم أخبارية إلا أنه لم تكن طريقتهم ما زعمه هؤلاء ، بل لم يكن الاختلاف بينهم وبين الأصولية الا في سعة الباع في التفريعات الفقهية وقوة النّظر إلى القواعد الكلية والاقتدار على تفريع الفروع عليها ، فقد كانت طائفة منهم أرباب النصوص ورواة الأخبار ولم تكن طريقتهم التعدي عن مضامين الروايات وموارد النصوص ، بل كانوا يفتون غالبا على طبق ما يرون ويحكمون على وفق متون الأخبار ، ولم يكن كثير منهم من أهل النّظر والتعمق في المسائل العلمية ... وهؤلاء لا يتعرضون غالبا للفروع غير المنصوصة ، وهم المعروفون بالأخبارية. وطائفة منهم أرباب النّظر والبحث عن المسائل وأصحاب التحقيق والتدقيق في استعلام الأحكام من الدلائل ، ولهم الاقتدار على تأصيل الأصول والقواعد الكلية عن الأدلة القائمة عليها في الشريعة والتسلط على تفريع الفروع عليها واستخراج أحكامها منها ، وهم الأصوليون منهم ، كالعماني والإسكافي وشيخنا المفيد وسيدنا المرتضى والشيخ وغيرهم ممن يحذو

٨٦

حذوهم. وأنت إذا تأملت لا تجد فرقا بين الطريقتين إلا من جهة كون هؤلاء أرباب التحقيق في المطالب وأصحاب النّظر الدّقيق في استنباط المقاصد وتفريع الفروع على القواعد ، ولهذا اتسعت دائرتهم في البحث والنّظر وأكثروا من بيان الفروع والمسائل وتعدّوا عن متون الأخبار ... وأولئك المحدثون ليسوا غالبا بتلك القوة من الملكة ، وذلك التمكن من الفن ، فلذا اقتصروا على ظواهر الروايات ولم يتعدوا غالبا عن ظواهر مضامينها ولم يوسعوا الدائرة في التفريعات على القواعد ، وأنهم لما كانوا في أوائل انتشار الفقه وظهور المذهب كان من شأنهم تنقيح أصول الأحكام التي عمدتها الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة ، فلم يتمكنوا من مزيد إمعان النّظر في مضامينها وتكثير الفروع المتفرعة عليها ، ثم إن ذلك إنما حصل بتلاحق الأفكار في الأزمنة المتأخرة».

وفي كتاب الحدائق يعترف الفقيه الجليل الشيخ يوسف البحراني ـ بالرغم من موافقته على بعض أفكار المحدث الأسترآبادي ـ بأن هذا المحدث هو أول من جعل الاخبارية مذهبا ، وأوجد الاختلاف في صفوف العلماء على أساس ذلك ، فقد كتب يقول : «ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقع هذا الاعتساف إلا من زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه الله تعالى برحمته المرضية ، فإنه قد جرد لسان التشنيع على الأصحاب وأسهب في ذلك أيّ إسهاب وأكثر من التعصبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب».

اتجاه التأليف في تلك الفترة :

وإذا درسنا النتاج العلمي في الفترة التي توسعت فيها الحركة الأخبارية في أواخر القرن الحادي عشر وخلال القرن الثاني عشر وجدنا اتجاها نشيطا موفقا في تلك المدة إلى جمع الأحاديث وتأليف الموسوعات الضخمة في الروايات والأخبار ، ففي تلك المدة كتب الشيخ محمد باقر

٨٧

المجلسي قدس‌سره المتوفى سنة (١١١٠) ه كتاب البحار وهو أكبر موسوعة للحديث عند الشيعة ، وكتب الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي قدس‌سره المتوفى سنة (١١٠٤) كتاب الوسائل الّذي جمع فيه عددا كبيرا من الروايات المرتبطة بالفقه ، وكتب الفيض محسن القاساني المتوفى سنة (١٠٩١) ه كتاب الوافي المشتمل على الأحاديث التي جاءت في الكتب الأربعة ، وكتب السيد هاشم البحراني المتوفى سنة (١١٠٧) ه أو حوالي ذلك كتاب البرهان في التفسير جمع فيه المأثور من الروايات في تفسير القرآن.

ولكن هذا الاتجاه العام في تلك الفترة إلى التأليف في الحديث لا يعني أن الحركة الأخبارية كانت هي السبب لخلقه وإن كانت عاملا مساعدا في أكبر الظن ، بالرغم من أن بعض أقطاب ذلك الاتجاه لم يكونوا أخباريين ، وإنما تكوّن هذا الاتجاه العام نتيجة لعدة أسباب ، ومن أهمها أن كتبا عديدة في الروايات اكتشفت خلال القرون التي أعقبت الشيخ لم تكن مندرجة في كتب الحديث الأربعة عند الشيعة ، ولهذا كان لا بد لهذه الكتب المتفرقة من موسوعات جديدة تضمها وتستوعب كل ما كشف عنه الفحص والبحث العلمي من روايات وكتب أحاديث.

وعلى هذا الضوء قد يمكن أن نعتبر العمل في وضع تلك الموسوعات الضخمة التي أنجزت في تلك الفترة عاملا من العوامل التي عارضت نمو البحث الأصولي إلى صف الحركة الأخبارية ، ولكنه عامل مبارك على أي حال ، لأن وضع تلك الموسوعات كان من مصلحة عملية الاستنباط نفسها التي يخدمها علم الأصول.

البحث الأصولي في تلك الفترة :

وبالرغم من الصدمة التي مني بها البحث الأصولي في تلك الفترة لم تنطفئ جذوته ولم يتوقف نهائيا ، فقد كتب الملا عبد الله التوني المتوفى سنة

٨٨

(١٠٧١) ه الوافية في الأصول ، وجاء بعده المحقق الجليل السيد حسين الخوانساري المتوفى سنة (١٠٩٨) ه وكان على قدر كبير من النبوغ والدقة ، فأمدّ الفكر الأصولي بقوة جديدة كما يبدو من أفكاره الأصولية في كتابه الفقهي «مشارق الشموس في شرح الدروس» ، ونتيجة لمرانه العظيم في التفكير الفلسفي انعكس اللون الفلسفي على الفكر العلمي والأصولي بصورة لم يسبق لها نظير ، ونقول : انعكس اللون الفلسفي لا الفكر الفلسفي ، لأن هذا المحقق كان ثائرا على الفلسفة وله معارك ضخمة مع رجالاتها ، فلم يكن فكره فكرا فلسفيا بصيغته التقليدية وإن كان يحمل اللون الفلسفي ، فحينما مارس البحث الأصولي انعكس اللون وسرى في الأصول الاتجاه الفلسفي في التفكير بروحية متحررة من الصيغ التقليدية التي كانت الفلسفة تتبناها في مسائلها وبحوثها ، وكان لهذه الروح أثرها الكبير في تاريخ العلم فيما بعد ، كما سنرى إن شاء الله تعالى.

وفي عصر الخوانساري كان المحقق محمد بن الحسن الشيرواني المتوفى سنة (١٠٩٨) ه يكتب حاشيته على المعالم.

ونجد بعد ذلك بحثين أصوليين : أحدهما قام به جمال الدين بن الخوانساري ، إذ كتب تعليقا على شرح المختصر للعضدي ، وقد شهد له الشيخ الأنصاري في الرسائل بالسبق إلى بعض الأفكار الأصولية. والآخر السيد صدر الدين القمي الّذي تلمذ على جمال الدين وكتب شرحا لوافية التوني ودرس عنده الأستاذ الوحيد البهبهاني وتوفي سنة (١٠٧١) ه.

والواقع أن الخوانساري الكبير ومعاصره الشيرواني وابنه جمال الدين وتلميذ ولده صدر الدين ـ بالرغم من أنهم عاشوا فترة زعزعت الحركة الأخبارية للبحث الأصولي وانتشار العمل في الأحاديث ـ كانوا عوامل رفع للتفكير الأصولي ، وقد مهدوا ببحوثهم لظهور مدرسة الأستاذ الوحيد البهبهاني التي افتتحت عصرا جديدا في تاريخ العلم كما سوف نرى ، وبهذا يمكن اعتبار تلك البحوث البذور الأساسية لظهور هذه المدرسة والحلقة

٨٩

الأخيرة التي أكسبت الفكر العلمي في العصر الثاني الاستعداد للانتقال إلى عصر ثالث.

انتصار علم الأصول وظهور مدرسة جديدة :

وقد قدر للاتجاه الأخباري في القرن الثاني عشر أن يتخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له ، وبهذا عاصر ولادة مدرسة جديدة في الفقه والأصول نشأت في كربلاء أيضا على يد رائدها المجدد الكبير محمد باقر البهبهاني المتوفى سنة (١٢٠٦) ه ، وقد نصبت هذه المدرسة الجديدة نفسها لمقاومة الحركة الأخبارية والانتصار لعلم الأصول ، حتى تضاءل الاتجاه الأخباري ومني بالهزيمة ، وقد قامت هذه المدرسة إلى صف ذلك بتنمية الفكر العلمي والارتفاع بعلم الأصول إلى مستوى أعلى ، حتى أن بالإمكان القول بأن ظهور هذه المدرسة وجهودها المتضافرة التي بذلها البهبهاني وتلامذة مدرسته المحققون الكبار قد كان حدا فاصلا بين عصرين من تاريخ الفكر العلمي في الفقه والأصول.

وقد يكون هذا الدور الإيجابي الّذي قامت به هذه المدرسة فافتتحت بذلك عصرا جديدا في تاريخ العلم متأثرا بعدة عوامل :

(منها) عامل ردّ الفعل الّذي أوجدته الحركة الأخبارية ، وبخاصة حين جمعها مكان واحد ككربلاء بالحوزة الأصولية ، الأمر الّذي يؤدي بطبيعته إلى شدة الاحتكاك وتضاعف ردّ الفعل.

(ومنها) أن الحاجة إلى وضع موسوعات جديدة في الحديث كانت قد أشبعت ولم يبق بعد وضع الوسائل والوافي والبحار إلا أن يواصل العلم نشاطه الفكري مستفيدا من تلك الموسوعات في عمليات الاستنباط.

(ومنها) أن الاتجاه الفلسفي في التفكير الّذي كان الخوانساري قد وضع إحدى بذوره الأساسية زوّد الفكر العلمي بطاقة جديدة للنمو وفتح

٩٠

مجالا جديدا للإبداع ، وكانت مدرسة البهبهاني هي الوارثة لهذا الاتجاه.

(ومنها) عامل المكان ، فإن مدرسة الأستاذ الوحيد البهبهاني نشأت على مقربة من المركز الرئيسي للحوزة ـ وهو النجف ـ فكان قربها المكاني هذا من المركز سببا لاستمرارها ومواصلة وجودها عبر طبقات متعاقبة من الأساتذة والتلامذة ، الأمر الّذي جعل بإمكانها أن تضاعف خبرتها باستمرار وتضيف خبرة طبقة من رجالاتها إلى خبرة الطبقة التي سبقتها ، حتى استطاعت أن تقفز بالعلم قفزة كبيرة وتعطيه ملامح عصر جديد. وبهذا كانت مدرسة البهبهاني تمتاز عن المدارس العديدة التي كانت تقوم هنا وهناك بعيدا عن المركز وتتلاشى بموت رائدها.

نصّ يصور الصراع مع الحركة الأخبارية :

وللمحقق البهبهاني رائد هذه المدرسة كتاب في الأصول باسم «الفوائد الحائرية» نلمح فيه ضراوة المعركة التي كان يخوضها ضد الحركة الأخبارية.

ونقتبس من الكتاب نصا يشير فيه إلى بعض شبهات الأخباريين وحججهم ضد علم الأصول ، ويلمّح لدى تفنيدها إلى ما شرحناه سابقا من أن الحاجة إلى علم الأصول حاجة تاريخية.

قال البهبهاني : «لما بعد العهد عن زمان الأئمة وخفت أمارات الفقه والأدلة على ما كان المقرر عند الفقهاء والمعهود بينهم بلا خفاء بانقراضهم وخلو الديار عنهم إلى أن انطمس أكثر آثارهم كما كانت طريقة الأمم السابقة والعادة الجارية في الشرائع الماضية ، انه كلما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى أمارات قديمة وتحدث خيالات جديدة إلى أن تضمحل تلك الشريعة. توهم متوهم أن شيخنا المفيد ومن بعده من فقهائنا إلى الآن كانوا مجتمعين على الضلالة مبدعين بدعا كثيرة ...

٩١

متابعين للعامة مخالفين لطريقة الأئمة ومغيرين لطريقة الخاصة مع غاية قربهم (١) لعهد الأئمة ونهاية جلالتهم وعدالتهم ومعارفهم في الفقه والحديث وتبحرهم وزهدهم وورعهم».

ويستمر في استعراض مدى جرأة خصومه على أولئك الكبار ويحاسبهم على تلك الجرأة ثم يقول : «وشبهتهم الأخرى هي أن رواة هذه الأحاديث ما كانوا عالمين بقواعد المجتهدين (٢) مع أن الحديث كان حجة لهم فنحن أيضا مثلهم لا نحتاج إلى شرط من شرائط الاجتهاد وحالنا بعينه حالهم ، ولا ينقطعون بأن الراوي كان يعلم أن ما سمعه كلام إمامه وكان يفهم من حيث أنه من أهل اصطلاح زمان المعصوم عليه‌السلام ولم يكن مبتلى بشيء من الاختلالات التي ستعرفها ولا محتاجا إلى علاجها».

استخلاص :

ولا يمكننا على مستوى هذه الحلقة أن نتوسع في درس الدور المهم الّذي قامت به هذه المدرسة أستاذا وتلامذة وما حققته للعلم من تطوير وتعميق.

وإنما الشيء الّذي يمكننا تقريره الآن مع تلخيص كل ما تقدم عن تاريخ العلم هو أن الفكر العلمي مرّ بعصور ثلاثة :

(الأول) العصر التمهيدي ، وهو عصر وضع البذور الأساسية لعلم الأصول ، ويبدأ هذا العصر بابن أبي عقيل وابن الجنيد وينتهي بظهور الشيخ.

(الثاني) عصر العلم ، وهو العصر الّذي اختمرت فيه تلك البذور

__________________

(١) أي إن هذه التهمة توجه إليهم بالرغم من أنهم في غاية القرب لعهد الأئمة.

(٢) يقصد بقواعد المجتهدين علم الأصول.

٩٢

وأثمرت وتحددت معالم الفكر الأصولي وانعكست على مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع ، ورائد هذا العصر هو الشيخ الطوسي ومن رجالاته الكبار ابن إدريس والمحقق الحلي والعلامة والشهيد الأول وغيرهم من النوابغ.

(الثالث) عصر الكمال العلمي ، وهو العصر الّذي افتتحته في تاريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر على يد الأستاذ الوحيد البهبهاني ، وبدأت تبني للعلم عصره الثالث بما قدمته من جهود متضافرة في الميدانين الأصولي والفقهي.

وقد تمثلت تلك الجهود في أفكار وبحوث رائد المدرسة الأستاذ الوحيد وأقطاب مدرسته الذين واصلوا عمل الرائد حوالي نصف قرن حتى استكمل العصر الثالث خصائصه العامة ووصل إلى القمة.

ففي هذه المدة تعاقبت أجيال ثلاثة من نوابغ هذه المدرسة :

ويتمثل الجيل الأول في المحققين الكبار من تلامذة الأستاذ الوحيد ، كالسيد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة (١٢١٢) ه ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة (١٢٢٧) ه ، والميرزا أبي القاسم القمي المتوفى سنة (١٢٢٧) ه ، والسيد علي الطباطبائي المتوفى سنة (١٢٢١) ه ، والشيخ أسد الله التستري المتوفى سنة (١٢٣٤) ه.

ويتمثل الجيل الثاني في النوابغ الذين تخرجوا على بعض هؤلاء ، كالشيخ محمد تقي بن عبد الرحيم المتوفى سنة (١٢٤٨) ه ، وشريف العلماء محمد شريف بن حسن علي المتوفى سنة (١٢٤٥) ه ، والسيد محسن الأعرجي المتوفى سنة (١٢٢٧) ه ، والمولى أحمد النراقي المتوفى سنة (١٢٤٥) ه ، والشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة (١٢٦٦) ه ، وغيرهم.

وأما الجيل الثالث فعلى رأسه تلميذ شريف العلماء المحقق الكبير

٩٣

الشيخ مرتضى الأنصاري الّذي ولد بعيد ظهور المدرسة الجديدة عام (١٢١٤) ه وعاصرها في مرحلته الدراسية وهي في أوج نموها ونشاطها ، وقدّر له أن يرتفع بالعلم في عصره الثالث إلى القمة التي كانت المدرسة الجديدة في طريقها إليها.

ولا يزال علم الأصول والفكر العلمي السائد في الحوزات العلمية الإمامية يعيش العصر الثالث الّذي افتتحته مدرسة الأستاذ الوحيد.

ولا يمنع تقسيمنا هذا لتأريخ العلم إلى عصور ثلاثة إمكانية تقسيم العصر الواحد من هذه العصور إلى مراحل من النموّ ، ولكل مرحلة رائدها وموجهها. وعلى هذا الأساس نعتبر الشيخ الأنصاري قدس‌سره المتوفى سنة (١٢٨١) رائدا لأرقى مرحلة من مراحل العصر الثالث وهي المرحلة التي يتمثل فيها الفكر العلمي منذ أكثر من مائة سنة حتى اليوم.

٩٤

مصادر الإلهام للفكر الأصولي

لا نستطيع ـ ونحن لا نزال في الحلقة الأولى ـ أن نتوسع في دراسة مصادر الإلهام للفكر الأصولي ونكشف عن العوامل التي كانت تلهم الفكر الأصولي وتمده بالجديد تلو الجديد من النظريات ، لأن ذلك يتوقف على الإحاطة المسبقة بتلك النظريات ، ولهذا سوف نلخص فيما يلي مصادر الإلهام بصورة موجزة :

١ ـ بحوث التطبيق في الفقه ، فإن الفقيه تنكشف لديه من خلال بحثه الفقهي التطبيقي المشاكل العامة في عملية الاستنباط ، ويقوم علم الأصول عندئذ بوضع الحلول المناسبة لها ، وتصبح هذه الحلول والنظريات عناصر مشتركة في عملية الاستنباط. ولدى محاولة تطبيقها على مجالاتها المختلفة كثيرا ما ينتبه الفقيه إلى أشياء جديدة يكون لها أثر في تعديل تلك النظريات أو تعميقها.

ومثال ذلك أن علم الأصول يقرر أن الشيء إذا وجب وجبت مقدمته ، فالوضوء يجب مثلا إذا وجبت الصلاة ، لأن الوضوء من مقدمات

٩٥

الصلاة ، كما يقرر علم الأصول أيضا أن مقدمة الشيء إنما تجب في الظرف الّذي يجب فيه ذلك الشيء ولا يمكن أن تسبقه في الوجوب ، فالوضوء إنما يجب حين تجب الصلاة ولا يجب قبل الزوال ، إذ لا تجب الصلاة قبل الزوال ، فلا يمكن أن يصبح الوضوء واجبا قبل أن يحلّ وقت الصلاة وتجب.

والفقيه حين يكون على علم بهذه المقررات ويمارس عمله في الفقه فسوف يلحظ في بعض المسائل الفقهية شذوذا جديرا بالدرس ، ففي الصوم يجد مثلا أن من المقرر فقهيا أن وقت الصوم يبدأ من طلوع الفجر ولا يجب الصوم قبل ذلك ، وكذلك من الثابت في الفقه أن المكلف إذا أجنب في ليلة الصيام فيجب عليه أن يغتسل قبل الفجر لكي يصح صومه ، لأن الغسل من الجنابة مقدمة للصوم ، فلا صوم بدونه ، كما أن الوضوء مقدمة للصلاة ولا صلاة بدون وضوء.

ويحاول الفقيه بطبيعة الحال أن يدرس هذه الأحكام الفقهية على ضوء تلك المقررات الأصولية ، فيجد نفسه في تناقض ، لأن الغسل وجب على المكلف فقهيا قبل مجيء وقت الصوم ، بينما يقرر علم الأصول أن مقدمة كل شيء إنما تجب في ظرف وجوب ذلك الشيء ولا تجب قبل وقته. وهكذا يرغم الموقف الفقهي الفقيه أن يراجع من جديد النظرية الأصولية ويتأمل في طريقة للتوفيق بينهما وبين الواقع الفقهي ، وينتج عن ذلك تولد أفكار أصولية جديدة بالنسبة إلى النظرية تحددها أو تعمقها وتشرحها بطريقة جديدة تتفق مع الواقع الفقهي.

وهذا المثال مستمد من الواقع ، فإن مشكلة تفسير وجوب الغسل قبل وقت الصوم تكشف من خلال البحث الفقهي ، وكان أول بحث فقهي استطاع أن يكشف عنها هو بحث ابن إدريس في السرائر ، وإن لم يوفق لعلاجها.

وأدى اكتشاف هذه المشكلة إلى بحوث أصولية دقيقة في طريق

٩٦

التوفيق بين المقررات الأصولية السابقة والواقع الفقهي ، وهي البحوث التي يطلق عليها اليوم اسم بحوث المقدمات المفوتة.

٢ ـ علم الكلام ، فقد لعب دورا مهما في تموين الفكر الأصولي وإمداده ، وبخاصة في العصر الأول والثاني ، لأن الدراسات الكلامية كانت منتشرة وذات نفوذ كبير على الذهنية العامة لعلماء المسلمين حين بدأ علم الأصول يشق طريقه إلى الظهور ، فكان من الطبيعي أن يعتمد عليه ويستلهم منه. ومثال ذلك نظرية الحسن والقبح العقليين ، وهي النظرية الكلامية القائلة بأن العقل الإنساني يدرك بصورة مستقلة عن النص الشرعي قبح بعض الأفعال كالظلم والخيانة وحسن بعضها كالعدل والوفاء والأمانة ، فإن هذه النظرية استخدمت أصوليا في العصر الثاني لحجية الإجماع ، أي إن العلماء إذا اتفقوا على رأي واحد فهو الصواب ، بدليل أنه لو كان خطأ لكان من القبيح عقلا سكوت الإمام المعصوم عنه وعدم إظهاره للحقيقة ، فقبح سكوت الإمام عن الخطأ هو الّذي يضمن صواب الرّأي المجمع عليه.

٣ ـ الفلسفة ، وهي لم تصبح مصدرا لإلهام الفكر الأصولي في نطاق واسع إلا في العصر الثالث تقريبا ، نتيجة لرواج البحث الفلسفي على الصعيد الشيعي بدلا عن علم الكلام وانتشار فلسفات كبيرة ومجددة كفلسفة صدر الدين الشيرازي المتوفى سنة (١٠٥٠) ه ، فان ذلك أدى إلى إقبال الفكر الأصولي في العصر الثالث على الاستمداد من الفلسفة واستلهامها أكثر من استلهام علم الكلام ، وبخاصة التيار الفلسفي الّذي أوجده صدر الدين الشيرازي. ومن أمثلة ذلك ما لعبته مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية في مسائل أصولية متعددة ، كمسألة اجتماع الأمر والنهي ومسألة تعلق الأوامر بالطبائع والأفراد ، الأمر الّذي لا يمكننا فعلا توضيحه.

٤ ـ الظرف الموضوعي الّذي يعيشه المفكر الأصولي ، فإن الأصول

٩٧

قد يعيش في ظرف معين فيستمد من طبيعة ظرفه بعض أفكاره ، ومثاله أولئك العلماء الذين كانوا يعيشون في العصر الأول ويجدون الدليل الشرعي الواضح ميسرا لهم في جلّ ما يواجهونه من حاجات وقضايا ، نتيجة لقرب عهدهم بالأئمة عليهم‌السلام وقلة ما يحتاجون إليه من مسائل نسبيا ، فقد ساعد ظرفهم ذلك وسهولة استحصال الدليل فيه على أن يتصوروا أن هذه الحالة حالة مطلقة ثابتة في جميع العصور. وعلى هذا الأساس ادعوا أن من اللطف الواجب على الله أن يجعل على كل حكم شرعي دليلا واضحا ما دام الإنسان مكلفا والشريعة باقية.

٥ ـ عامل الزمن ، وأعني بذلك أن الفاصل الزمني بين الفكر الفقهي وعصر النصوص كلما اتسع وازداد تجددت مشاكل وكلف علم الأصول بدراستها ، فعلم الأصول يمني نتيجة لعامل الزمن وازدياد البعد عن عصر النصوص بألوان من المشاكل ، فينمو بدراستها والتفكير في وضع الحلول المناسبة لها.

ومثال ذلك أن الفكر العلمي ما دخل العصر الثاني حتى وجد نفسه قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة تجعل أكثر الأخبار والروايات التي لديه غير قطعية الصدور ، ولا يتيسر الاطلاع المباشر على صحتها كما كان ميسورا في كثير من الأحيان لفقهاء العصر الأول ، فبرزت أهمية الخبر الظني ومشاكل حجيته ، وفرضت هذه الأهمية واتساع الحاجة إلى الاخبار الظنية على الفكر العلمي أن يتوسع في بحث تلك المشاكل ويعوّض عن قطعية الروايات بالفحص عن دليل شرعي يدل على حجيتها وإن كانت ظنية ، وكان الشيخ الطوسي رائد العصر الثاني هو أول من توسع في بحث حجية الخبر الظني وإثباتها.

ولما دخل العلم في العصر الثالث أدى اتساع الفاصل الزمني إلى الشك حتى في مدارك حجية الخبر ودليلها الّذي استند إليه الشيخ في مستهل العصر الثاني ، فإن الشيخ استدل على حجية الخبر الظني بعمل

٩٨

أصحاب الأئمة به ، ومن الواضح أنا كلما ابتعدنا عن عصر أصحاب الأئمة ومدارسهم يصبح الموقف أكثر غموضا والاطلاع على أحوالهم أكثر صعوبة. وهكذا بدأ الأصوليون في مستهل العصر الثالث يتساءلون هل يمكننا أن نظفر بدليل شرعي على حجية الخبر الظني أو لا؟ وعلى هذا الأساس وجد في مستهل العصر الثالث اتجاه جديد يدعي انسداد باب العلم ، لأن الأخبار ليست قطعية وانسداد باب الحجة لأنه لا دليل شرعي على حجية الأخبار الظنية ، ويدعو إلى إقامة علم الأصول على أساس الاعتراف بهذا الانسداد ، كما يدعو إلى جعل الظن بالحكم الشرعي ـ أي ظن ـ أساسا للعمل ، دون فرق بين الظن الحاصل من الخبر وغيره ما دمنا لا نملك دليلا شرعيا خاصا على حجية الخبر يميزه عن سائر الظنون.

وقد أخذ بهذا الاتجاه عدد كبير من رواد العصر الثالث ورجالات المدرسة التي افتتحت هذا العصر كالأستاذ البهبهاني وتلميذه المحقق القمي وتلميذه صاحب الرياض وغيرهما ، وبقي هذا الاتجاه قيد الدرس والبحث العلمي حتى يومنا هذا.

وبالرغم من أن لهذا الاتجاه الانسدادي بوادره في أواخر العصر الثاني فقد صرح المحقق الشيخ محمد باقر بن صاحب الحاشية على المعالم بأن الالتزام بهذا الاتجاه لم يعرف عن أحد قبل الأستاذ الوحيد البهبهاني وتلامذته ، كما أكد أبوه المحقق الشيخ محمد تقي في حاشيته على المعالم أن الأسئلة التي يطرحها هذا الاتجاه حديثة ولم تدخل الفكر العلمي قبل عصره.

وهكذا نتبين كيف تظهر بين فترة وفترة اتجاهات جديدة ، وتتضخم أهميتها العلمية بحكم المشاكل التي يفرضها عامل الزمن.

٦ ـ عنصر الإبداع الذاتي ، فان كل علم حين ينمو ويشتدّ يمتلك بالتدريج قدرة على الخلق والتوليد الذاتي نتيجة لمواهب النوابغ في ذلك

٩٩

العلم والتفاعل بين أفكاره. ومثال ذلك في علم الأصول بحوث الأصول العملية بحوث الملازمات والعلاقات بين الأحكام الشرعية ، فان أكثر هذه البحوث نتاج أصولي خالص. ونقصد ببحوث الأصول العملية تلك البحوث التي تدرس نوعية القواعد الأصولية والعناصر المشتركة التي يجب على الفقيه الرجوع إليها لتحديد موقفه العملي إذا لم يجد دليلا على الحكم وظلّ الحكم الشرعي مجهولا لديه. ونقصد ببحوث الملازمات والعلاقات بين الأحكام ما يقوم به علم الأصول من دراسة الروابط المختلفة بين الأحكام ، من قبيل مسألة أن النهي عن المعاملة هل يقتضي فسادها أو لا؟ إذ تدرس في هذه المسألة العلاقة بين حرمة البيع وفساده وهل يفقد أثره في نقل الملكية من البائع إلى المشتري إذا أصبح حراما أو يظل صحيحا ومؤثرا في نقل الملكية بالرغم من حرمته؟ أي إن العلاقة بين الحرمة والصحة هل هي علاقة تضاد أو لا؟

عطاء الفكر الأصولي وإبداعه :

وبودي أن أشير بهذا الصدد إلى حقيقة يجب أن يعلمها الطالب ولو بصورة مجملة ، حيث لا يمكن توضيحها والتوسع فيها على مستوى هذه الحلقة.

وهذه الحقيقة هي أن علم الأصول لم يقتصر إبداعه الذاتي على مجاله الأصيل ـ أي مجال تحديد العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ـ بل كان له إبداع كبير في عدد من أهم مشاكل الفكر البشري ، وذلك إن علم الأصول بلغ في العصر العلمي الثالث وفي المرحلة الأخيرة من هذا العصر بصورة خاصة قمة الدقة والعمق ، ووعى بفهم وذكاء مشاكل الفلسفة وطرائقها في التفكير والاستدلال وبحثها متحررا من التقاليد الفلسفية التي تقيد بها البحث الفلسفي منذ ثلاثة قرون ، إذ كان يسير في خط مرسوم ولا يجسر على التفكير في الخروج عن القواعد العامة للتفكير الفلسفي ،

١٠٠