القول الرّشيد في الإجتهاد والتقليد - ج ١

السيّد عادل العلوي

القول الرّشيد في الإجتهاد والتقليد - ج ١

المؤلف:

السيّد عادل العلوي


الموضوع : الفقه
الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي الكبرى
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-6121-61/6
الصفحات: ٤٧٢

حينئذٍ يعمّ الاجتهاد والتقليد.

ويبقى الاحتياط فيمن لم يقصد الاجتهاد الفعلي ، فإنّه أيضاً يمتثل التكليف الواقعي ما دام لم يضرّ بنيّة التقرّب. فعلى كلّ مكلّف ملتفت يجب في الحوادث الواقعة إمّا أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً.

ثمّ الملكة كما ذكرنا إنّما تحصل بالممارسة والتمرين والمداومة على الأفعال التي تنشأ منها ، فإنّ السخاوة قد تأتي من التسخّي ، وكما ورد في الروايات (تحلّموا فتحلموا ، وتزهّدوا فتزهدوا) ، إلّا أنّ ملكة الاجتهاد تمتاز عن باقي الملكات أنّها لا تحصل إلّا بمعرفة العلوم التي يتوقّف عليها حصول هذه الملكة.

فالمجتهد الذي يقع موضوعاً لأحكام شرعية ، هو المستنبط للحكم من دليله التفصيلي عن ملكة تحصل دائماً لأيّ واحدٍ كان بسبب معرفة العلوم التي يتوقّف عليها الاستنباط كما أشار إلى ذلك المدقّق الأصفهاني في تعليقته على الكفاية (١) فليست ملكة الاجتهاد إلّا تلك القوّة الحاصلة من معرفة هذه العلوم وليست بقوّة اخرى تسمّى بالقوّة القدسيّة ، كما عند البعض ، بل الاجتهاد ممكن الحصول للمؤمن والمنافق ، وللصالح والطالح ، وإن كان في الصالحين مسحة قدسيّة ، ولطف إلهي خاصّ في اجتهاداتهم وفقههم الاستدلالي ، فتدبّر.

__________________

(١) الاجتهاد والتقليد : ٢٢.

٦١

السير التاريخي للاجتهاد وأُصول الفقه

لا يخفى أنّ الإسلام بالمعنى الأعمّ هو دين الله جلّ جلاله من آدم صفوة الله وإلى الخاتم حبيب الله (عليهم‌السلام) :

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ)(١).

وأنّ التشريع الإلهي هو فيض قدسي ونعمة ربّانية أنزلها عزوجل لإسعاد الإنسان وتكامله ، وجعل صفوة خلقه محطّاً لنزول هذا الفيض المبارك ، ابتدأ بشيخ الأنبياء نوح (عليه‌السلام) وختاماً بمحمّد حبيب الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ، قال سبحانه :

(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)(٢).

__________________

(١) آل عمران : ١٩.

(٢) الشورى : ١٣.

٦٢

فأنزل معهم الكتاب حافظاً للتشريع وصائناً له عن الزوال والاندثار ، قال سبحانه :

(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(١).

ثمّ عزّز سبحانه كتبه بسنّة رسله وأنبيائه فعصمهم عن الخطأ وكلّ ما يشين بالإنسان وجعلهم أُسوة وقدوة وصارت سننهم ملاكاً للهداية والضلالة وغدت عدلاً لكتب الله وحجّة على العباد.

فختمت الشرائع السماوية بخاتم النبيّين محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله) وبزغ نور الإسلام بالمعنى الأخصّ ، الذي من يبتغي غيره فإنّه لن يقبل منه :

(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)(٢).

فجاء التشريع الإسلامي لهداية الناس ، وأغنى الأُمّة الإسلامية عن أيّ تشريع سواه ، ولبّى حاجة المجتمع منذ اليوم الأوّل وإلى يومنا هذا وغداً على اختلاف العصور والأمصار واختلاف الظروف والشرائط. كلّ هذا كان ببركة الاجتهاد والمجتهدين العظام الذين بذلوا ما في وسعهم لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيلية ، منابع الفقه والأحكام ومصدر التشريع الإسلامي ،

__________________

(١) الحديد : ٢٥.

(٢) آل عمران : ٨٥.

٦٣

أعني الكتاب والسنّة ، وما يؤول إليهما (٢).

فمحمّد رسول الله وخاتم النبيّين قد بلّغ رسالات الله سبحانه ، وقد خلّف من بعده حفظاً لرسالة الله من الضياع والانحراف والانعدام القرآن الكريم والعترة الطاهرة عِدل القرآن وترجمانه ، كما في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين السنّة والشيعة فكانت الشيعة الإمامية الطائفة الحقّة ترجع إليهما في مسائلهم الشرعية وأحكامهم الدينية ومعتقداتهم وسلوكهم ، وأمّا السنّة أبناء العامّة ، فإنّهم يعتقدون بخلافة الكتاب والسنّة النبويّة ، وبما أنّهما يحملان من العمومية والقواعد العامة التي لا تفي بأجوبة الحوادث الواقعة بعد رحلة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ، التجأوا إلى القياس والاجتهاد بالرأي والاستحسان والمصالح المرسلة وسدّ الذرائع وما شابه ذلك من الأُمور الظنّية التي لا تغني من الحقّ شيئاً ، سدّاً للفراغ ، فكانت الصحابة تجتهد حتّى في حياة النبيّ كما حكى عن المقريزي أنّه قال : إنّ العشرة المبشّرة كانوا يجتهدون حتّى في حياة النبيّ.

وبعد رحلة النبيّ ما زالت الصحابة تعمل بالاجتهاد أي العمل بالرأي ، وهو أصل للتقنين ، وأنّه ما يفتي به المجتهد برأيه هو حكم الله فقالوا بالتصويب ، ولمّا وجدوا خطورة هذا الاجتهاد أغلقوا بابه ، وتعبّدوا بالمذاهب الأربعة تقليداً ،

__________________

(٢) إذا أردت تفصيل ذلك فراجع (موسوعة طبقات الفقهاء المقدّمة ، الفقه الإسلامي منابعه وأدواره القسم الأوّل ، تأليف العلّامة المحقّق جعفر السبحاني) وكذلك المجلّد الثاني ، ففيه فوائد وفرائد.

٦٤

فتولّد عندهم علم أُصول الفقه.

إلّا أنّ أصحابنا الإمامية ، فإنّه نقل عن بعضهم أنّه يعتقد باستغناء الأصحاب عن الاجتهاد في عصر الأئمة (عليهم‌السلام) لانفتاح باب العلم ، وربما يقال لئلّا يكون الاجتهاد في مقابل النصّ. والحقّ خلاف ذلك كما يظهر من الأخبار الشريفة ، فإنّ اجتهاد الأصحاب إنّما كان في طول النصوص لا في عرضها ، كما أنّ الأئمة الأطهار (عليهم‌السلام) بأنفسهم كانوا يرجعون الشيعة إلى كبار تلامذتهم والحواريين من أصحابهم ، بل قال الإمام الصادق (عليه‌السلام) : (علينا بإلقاء الأُصول وعليكم بالتفريع) (١) ، كما قال الإمام الرضا (عليه‌السلام) مضمون ذلك أيضاً.

كما إنّ الغالب في سكنى الأئمة (عليهم‌السلام) أنّهم استوطنوا المدينة المنوّرة ، وكان من الصعب لقاءهم والتحدّث معهم في كلّ المسائل ، ومن كلّ البقاع الإسلامية آن ذاك ، كما كان معظمهم تحت الرقابة الحكومية الظالمة ، أو في سجون الطغاة ومعسكراتهم ، فمن الصعب درك فيض حضورهم. ولمثل هذا أرجعوا شيعتهم إلى رواة أحاديثهم ، وفيها العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد والمتعارض ، واستخراج الحكم منها هو الاجتهاد والاستنباط ، فإنّها لم تختصّ بزمن الغيبة الكبرى كما هو الظاهر في الأخبار العلاجية ، كما في مقبولة ابن حنظلة (٢) دلالة على ذلك ، في قوله (عليه‌السلام) : (ينظر في حلالنا وحرامنا) فهذا يعني أنّه صاحب نظر (عرف أحكامنا) وهذا نتيجة

__________________

(١) الوسائل ، كتاب القضاء ١٨ ، الحديث ٥١.

(٢) فروع الكافي ٧ : ٤١٢ ، القضاء ، الحديث ٥.

٦٥

اجتهادية بعد النظر وملاحظة الأدلّة ، فتدبّر.

كما كان الأئمة يأمرون الشيعة برجوعهم إلى بعض أصحابهم الثقات.

قال أبو جعفر (عليه‌السلام) لأبان بن تغلب : (اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس ، فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك).

عن عبد العزيز بن المهتدي ، قال : سألت الرضا (عليه‌السلام) فقلت : إنّي لا ألقاك في كلّ وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ قال : خذ عن يونس بن عبد الرحمن.

عن عليّ بن المسيّب الهمداني ، قال : قلت للرضا (عليه‌السلام) : شقّتي بعيدة ، ولست أصل إليك في كلّ وقت ، فممّن آخذ عنه معالم ديني؟ قال : من زكريا بن آدم المأمون على الدين والدنيا.

عن عبد الله بن أبي يعفور ، قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم ويجيء الرجل من أصحابنا يسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه؟ قال : فما يمنعك عن محمّد بن مسلم الثقفي ، فإنّه قد سمع من أبي وكان عنده وجيهاً.

وفي كتاب تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام (١) : إنّ الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما‌السلام) أوّل من أمليا على أصحابهما قواعد علم أُصول الفقه.

وقد اختلف أبناء العامّة فيمن صنّف أوّلاً في الأُصول ، فقيل : أبو حنيفة المتوفّى ١٥٠ ، وقيل : محمّد بن الحسن الشيباني المتوفّى ١٨٢ أو ١٨٩ ، وقيل : محمّد

__________________

(١) الصفحة ٣١٠. للسيّد محسن الصدر (قدس‌سره).

٦٦

ابن إدريس الشيباني المتوفّى ٢٠٥ ه‍.

وذهب من أصحابنا إلى أنّ أوّل من صنّف وكتب في الأُصول هو هشام بن الحكم المتوفّى ١٧٩ ، وكتابه في الألفاظ ومباحثها ، ثمّ يونس بن عبد الرحمن وكتابه اختلاف الحديث ومسائله (١).

هذا وفي الغيبة الكبرى ، فقيل أوّل من عمل بالأُصول وفتح باب الاجتهاد في المصطلح الشيعي هو أبو محمّد حسن بن علي بن أبي عقيل النعماني ، ويسمّى بالقديم الأوّل وكتابه (التمسّك بحبل آل الرسول) في الفقه ، ثمّ محمّد بن أحمد بن داود بن علي ابن الحسن المتوفّى ٣٦٨ وكتابه (مسائل الحديثين المختلفين) ، ثمّ أبو علي محمّد بن أحمد بن جنيد الإسكافي المتوفّى ٣٨١ المسمّى بالقديم الثاني وكتابه (كشف التمويه والإلباس على إعمار الشيعة في أمر القياس وإظهار ما ستره أهل العباد في الرواية عن أئمة العترة في أمر الاجتهاد).

ثمّ تصدّى للفتيا الشيخ المفيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان المتوفّى ٤١٣ وكتب في الأُصول ، ثمّ تلميذه علم الهدى السيّد المرتضى المتوفّى ٤٣٦ وكتابه في الأُصول (الذريعة إلى أُصول الشريعة) ، ثمّ تلميذه شيخ الطائفة الشيخ الطوسي المتوفّى ٤٦٠ وكتابه (عدّة الأُصول) ، ثمّ لقرن كأنّه توقّف الاجتهاد اعتماداً على فتاوى الشيخ حتّى جاء دور الشيخ الحلّي محمّد بن إدريس المتوفّى ٥٩٨ وكتابه

__________________

(١) لقد تحدّثت عن السير التاريخي لعلم أُصول الفقه بالتفصيل في (ملامح أوّليات علم أُصول الفقه).

٦٧

(السرائر) ، ثمّ انتهى أمر الزعامة الشيعية إلى المحقّق الحلّي المتوفّى ٦٧٦ وكتابه القيّم في الفقه (شرائع الإسلام) وفي الأُصول (نهج الأُصول إلى معرفة الأُصول) و (المعارج) ، ثمّ جاء دور العلّامة الحلّي أبو منصور جمال الدين حسن بن يوسف ابن علي بن مطهر المتوفّى ٧٢٦ وله مصنّفات في الأُصول منها (مبادئ الوصول إلى علم الأُصول) ، وحتّى القرن العاشر الهجري كان الأعلام في شعاع فتاوى العلّامة وآراءه وأفكاره ، واستمرّ الأمر حتّى عصر جمال الدين حسن بن زين الدين العاملي ابن الشهيد الثاني المتوفّى ١٠١١ وكتابه في الأُصول (معالم الدين وملاذ المجتهدين).

ثمّ مرّت أدوار ثلاثة على أُصول الفقه :

١ ـ فترة السكون في القرن ١١ و ١٢ فكان الغالب على كتب الأُصول إنّها تدور حول المعالم ، وتغلّب الخطّ الأخباري آن ذاك على الحوزات العلميّة.

٢ ـ فترة الحياة والتوسّع في الأُصول من القرن ١٣ بظهور المحقّق آقا أحمد باقر ابن محمّد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني ، فجمع بساط الأخباريين ، وكتب في الأُصول كثير من الأعلام كالميرزا أبي القاسم الجيلاني المعروف بالميرزا القمّي المتوفّى ١٢٣١ وكتابه في الأُصول القوانين ، والشيخ الأعظم الشيخ الأنصاري المتوفّى ١٢٨١ وكتابه (فرائد الأُصول) المعروف بالرسائل.

٣ ـ دوران التلخيص في بداية القرن ١٤ ، والذي تصدّى لذلك المحقّق الشيخ محمّد كاظم الخراساني المتوفّى ١٣٢٩ وكتابه المعروف (كفاية الأُصول) الذي صار كالقوانين والمعالم والرسائل مدار الدروس الحوزويّة حتّى عصرنا الراهن.

٦٨

ثمّ الاجتهاد هو الغاية لعلم أُصول الفقه ، الذي هو العلم بالقواعد الممهّدة والتي تقع كبرى لاستنباط الحكم الشرعي ، وبهذا يخرج عن علم أُصول الفقه ، وإلّا يلزم دخول الغاية في المغيّا ، كما أنّه من الموضوعات الخارجيّة فليس بحكم شرعي فلا يكون داخلاً في علم الفقه ، كما إنّه ليس من مباحث أُصول الدين لخروجه عن موضوعه ، فقيل : هو علم مستقلّ من العلوم الإسلاميّة ، إلّا أنّ عند السلف الصالح منهم من يدخله في الأُصول وربما استطراداً كما في كفاية المحقّق الخراساني ، ومنهم من يدخله في الفقه ، وربما بملاحظة أدنى مناسبة في ذلك ، وكذلك الكلام في التقليد ، فتأمّل.

ما ذا تعرف عن الأخباريّة :

لقد ظهرت صولة الأخباريين ، وهم طائفة من الشيعة وعلماؤهم الأعلام في القرن الحادي عشر ، وظهورهم الأوّل كان في نهاية الغيبة الصغرى ، واستفحلوا في القرن الثاني عشر ، وانهزموا في نهايته ، ولم يبقَ منهم إلّا الشاذّ النادر.

وخلاصة معتقداتهم الفقهيّة أنّهم يأخذون بالأخبار مطلقاً حتّى الضعاف في مقام العمل بالأحكام الشرعيّة ، وعندهم من الأُصول المسلّمة وجوب الاحتياط في كلّ شيء ، فما يحتمل وجوبه فهو واجب ، وما يحتمل حرمته فهو حرام ، ويرجعون إلى الكتب الأربعة بما فيها من الضعاف ، ولا يؤمنون بظواهر الكتاب الكريم ، بل يأخذون بالنصوص فقط ، بناءً على أنّه إنّما يعرف القرآن من خوطب به ، وهم أهل البيت (عليهم‌السلام) ، كما لا يعتقدون بالأدلّة العقليّة في الأحكام الشرعيّة ، ومن ثمّ

٦٩

يرون أنّ الاجتهاد بدعة ، وأنّ المجتهدين عيال على أبناء العامّة ، وما عندهم من الفتاوى أساسه منهم ، فهم بعداء عن مذاق أهل البيت (عليهم‌السلام) ومذهبهم. حتّى وصل الأمر بهم في أيام زعامتهم في كربلاء في القرن الثاني عشر يخاف أن يحمل كتاب أُصولي ، خوفاً من بطشهم وتكفيرهم.

ثمّ يعدّ مؤسس الأخبارية هو ميرزا محمّد أمين الأسترآبادي المقتول سنة ١٠٢٢ في الكاظمية المقدّسة ، وكتابه (الفوائد المدنية) كتبه عند ما كان ساكناً في المدينة المنوّرة ، ومن طريف ما ينقل عنه أنّه رأى في عالم الرؤيا النبيّ الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله) يخاطبه قائلاً : (قم وأنقذ ديني من الأُصوليّين)!! وفي عصرهم كانت كتب الأُصول تتبادل في الخفية ، حتّى بزغ شمس الوحيد البهبهاني فثار على الروح الأخبارية فولّت هاربة ، وأرجع المياه إلى مجاريها الطبيعية التي كانت من عصر الأئمة (عليهم‌السلام) وحتّى بداية الغيبة الكبرى ، وإلى يومنا هذا.

فالأخباري يركّز على الأخبار ولهذا سمّي بها ، فيعتقد أنّ العقل وإن كان يميّز بين الخير والشرّ ، إلّا أنّ تشخيصه ليس بحجّة ، كما أنّ الأخبار في الكتب الأربعة قطعيّة الصدور إلّا ما لا يعمل به الشيخ في التهذيب ، كما لا يعمل بالقرآن الكريم إلّا بمدد من الروايات ، كما لا يعمل بالظنّ ، ولا معنى عنده لتقسيم الناس إلى مجتهد ومقلّد ، بل على الجميع العمل بالأخبار (١).

__________________

(١) فرهنگ تشريحى اصطلاحات أصول : ٢٩.

٧٠

مقدّمات الاجتهاد

لو قلنا بملكة الاجتهاد ، وأنّها تحصل بالممارسة ومعرفة علوم تسمّى مقدّمات الاجتهاد أو نقول بالاجتهاد الفعلي وأنّه استخراج الحكم من الحجّة ، فإنّه يتوقّف على تلك المقدّمات أيضاً. وعند الفاضل التوني (١) أنّ المجتهد في عصر الغيبة يفتقر في مقام الاستنباط إلى معرفة علوم تسعة ، ثلاثة من العلوم الأدبيّة ، وهي : اللغة والصرف والنحو ، وثلاثة من المعقولات ، وهي : الأُصول والكلام والمنطق ، وثلاثة من المنقولات ، وهي : تفسير آيات الأحكام ومعرفة الأحاديث أي علم الدراية وعلم الرجال.

وعند الغزالي (٢) عبارة عن ثمانية من العلوم.

أقول : يتوقّف استنباط الأحكام الشرعيّة وتحصيل الحجّة على الحكم الواقعي أو الظاهري لعمل نفسه ولمقلّديه على مقدّمات ومبادئ ترجع إلى حصول قوّة الاستنباط وإلى عمل نفسه والإفتاء به ، وأمّا مقدار معرفة تلك المقدّمات فباعتبار أنّ الحجّة تحصل من الكتاب والسنّة فلا بدّ من الاطّلاع على العلوم العربية ومعرفة مفرداتها بمقدار ما يحتاج إليه في فهم الكتاب الكريم والأخبار الصادرة عن

__________________

(١) الوافية في أُصول الفقه : ٢٥٠.

(٢) المستصفى من علم الأُصول ٢ : ٣٥٣.

٧١

المعصومين (عليهم‌السلام) من جهة اللغة والنحو والصرف وعلوم البيان حتّى يعرف الحقيقة من المجاز وما شابه في المحاورات العرفيّة ، ولا يحتاج إلى التوغّل والانغمار في ذلك حتّى يغفل عن ذي المقدّمة.

كما على الفقيه أن يعرف المحاورات العرفية وفهم الموضوعات المتعارفة بينهم ، ففي تشخيص الموضوعات قيل هو عيال على العوام لما يحمل من العلوم واختلاف الأقوال والآراء ممّا يوجب صعوبة معرفة الموضوع ، وقيل : عليه أن يجرّد نفسه من معلوماته ثمّ ينظر إلى الموضوع ، فما يفهمه يكون حجّة له ولغيره ، وإلّا يلزم رجوع العالم إلى الجاهل ، وقيل : في عدم المعرفة للموضوع يكون غير عارف فيرجع إلى من يعرف من العرف العامّ ، فلا يصدق رجوع العالم إلى الجاهل حينئذٍ.

يقول سيّدنا اللنگرودي دام ظلّه : يتوقّف الاجتهاد على الانس بالمحاورات العرفيّة وفهم الموضوعات الدارجة بينهم والاحتراز عن خلط دقائق العلوم الفلسفيّة والعقليّات الدقيقة في المعاني العرفيّة السوقيّة الدارجة ، فإنّه كثيراً ما يقع الخطأ لأجله في فهم معاني الكتاب والسنّة ، وقد وقع كثير من المشتغلين بل الأعاظم في خلاف الواقع من جهة خلط الاصطلاحات الرائجة في العلوم العقليّة والقواعد العقليّة ، بالمعاني العرفيّة الرائجة بين أهل المحاورة المبني عليها الكتاب والسنّة (١).

__________________

(١) الدرّ النضيد ١ : ٤٨.

٧٢

وأمّا العلوم المعقولة ، فلا يخفى أنّ شرف العلم بشرف المعلوم ، ولمّا كان موضوع علم الكلام هو الله سبحانه وما يتعلّق به ، كان علم الكلام أشرف العلوم ومقدّم عليها ، وعلى كلّ مكلّف أن يعرف ذلك ويلمّ به بالمقدار اللازم في التوحيد والمعاد وما بينهما من النبوّة والإمامة بالاجتهاد لا بالتقليد ، إلّا أنّ المجتهد عليه أن يعرف من ذلك بالمقدار الذي لا يكون مقلّداً ، بل بالنظر والاستدلال على معتقداته الصحيحة.

وأمّا المنطق ، كلّما كان النظر الاجتهادي متوقّف على الاستدلال والتفكّر والاستنتاج ، وربما يخطأ في ذلك فيحتاج إلى آلة قانونية تعصم ذهنه عن الخطأ في الفكر ، فلا بدّ من معرفة الحجّة من القياس والتمثيل والاستقراء ومقدّماتها من الحدود والرسوم وما يتعلّق بها من مباحث الألفاظ من دون التوغّل فيها حتّى ينسى ذي المقدّمة.

وأمّا أُصول الفقه ، فإنّه بمنزلة المنطق للفلسفة ، فهو العمدة والمقدّمة الأساسية للفقه ومسائله وفروعه ، وقد دوّن أُصول الأُصول الأئمة الأطهار (عليهم‌السلام) كإملاء الإمامين الصادقين (عليهما‌السلام) كما جمع ذلك بعض الأعلام كالسيّد الشبّر في أُصوله الأصليّة.

والعجب من الأعلام بين مفرط ومفرّط في حكم أُصول الفقه ، فمنهم من يرى أنّ تدوينه بدعة كما عند الأخباريين وأنّه يوجب محو الدين ، ومنهم من يذهب إلى معاني دقيقة وعقليّة في مباحثها كالمشتقّ والمعنى الحرفي وما شابه ، والأولى وخير الأُمور أوسطها ، بأن يشتغل بمعرفة مسائل أُصول الفقه بالمقدار الذي يحتاجه

٧٣

منها في استنباط الأحكام الشرعيّة ، وترك الفضول فيها ، وصرف العمر فيما هو الأهمّ من معرفة علم الفقه الذي يعدّ من علوم النجاة في الدنيا والآخرة ، كما جاء في الحديث النبويّ الشريف : إنّما العلم ثلاث : آيةٌ محكمة (علم العقائد) ، وسنّة قائمة (علم الأخلاق) ، وفريضةٌ عادلة (علم الفقه).

ثمّ معظم ما يتوقّف عليه الاجتهاد هو حجّية خبر الثقة والظواهر والأوامر والنواهي والمطلقات والعموم والأُصول العمليّة والتراجيح وغيرها (١).

وأمّا علم التفسير ومعرفة الكتاب العزيز فإنّه يكفي أن يكون بمقدار ما يتوقّف على معرفة ألفاظ آيات الأحكام ولو بالمراجعة إليها حال الاستنباط ، والفحص عن معانيها لغةً وعرفاً ، ومعرفة الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والمجمل والمبيّن والعامّ والخاصّ ، وشأن النزول وما ورد من تفسير الأئمة (عليهم‌السلام) وكيفيّة الاستدلال بها.

وأمّا معرفة علمي الدراية والرواية بأن يعرف أقسام الخبر ، ومعنى الصحيح والموثّق والحسن والضعيف في صحّة صدور الخبر ، ثمّ معرفة جهة الصدور وأنّها للتقيّة أو غيرها ، فيقف على مذاق الأئمة (عليهم‌السلام) ، كما حكى عن زرارة لمّا اتي له بخبر قال إنّه (عليه‌السلام) (أعطاه من جراب النورة) على أنّه ما جاء به لم يكن من الحكم

__________________

(١) يقول صاحب الدرّ النضيد : ٥٠ ، نعم لا بدّ فيها من الاقتصاد والاعتدال لا على نحو التفريط الذي ذهب إليه الأخباريون ، ولا على الإفراط الذي ابتليت به حوزات العلميّة ، فإنّ كلّا منها انحراف عن جادّة الصواب. ويذكر المصنّف وجه ذلك ، فراجع.

٧٤

الواقعي إنّما صدر للتقيّة.

ولو تضلّع في الأخبار بتقوى وإخلاص ، فإنّه يفهم منها ما لا يفهمه غيره ، وحتّى في كثير من الموارد يعرف كيف يرفع التعارض بين الأخبار ، بل يراها كلّ من معدن واحد ، ولا اختلاف بينهما كما ورد عن داود بن فرقد قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‌السلام) يقول : (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ، إنّ الكلمة لتصرف على وجوه ، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب) (١).

وما عن أبي حيون مولى الرضا عن الإمام الرضا (عليه‌السلام) قال : من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم. ثمّ قال (عليه‌السلام) : إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن ، فردّدوا متشابهها إلى محكمها ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتهلكوا) (٢).

وهذا كلّه لما جاء في حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين ، وأنّهما لن يفترقا إلى يوم القيامة ، فكلّ ما في القرآن الكريم هو عند العترة الطاهرة (عليهم‌السلام) ، وكلّ ما عندهم هو في القرآن لإطلاق عدم الافتراق ، وإذا كان القرآن له سبعون بطناً ، وأنّه يحمل وجوه ، وأنّه غضّ جديد لا يبلى ، ويتماشى مع كلّ عصر ومصر ، فكذلك كلمات المعصومين (عليهم‌السلام) (٣) ، فهما من منبع واحد ، من العليّ الأعلى ، الفرد الصمد

__________________

(١) الوسائل ، باب ٩ من صفات القاضي ، الحديث ٢٧.

(٢) المصدر ، الحديث ٢٢.

(٣) راجع الدرّ النضيد ١ : ٥٤.

٧٥

الواحد الأحد جلّ جلاله.

فالمجتهد لا بدّ أن يقف على معرفة أوّليات علوم الحديث.

وأمّا علم الرجال : فلا يخفى أنّه يحتاج الفقيه إلى معرفة حال ثقاة الرجال الواقعين في أسناد الأخبار الواردة في بيان الأحكام الشرعيّة وتمييزهم عن غيرهم حتّى يعرف حال السند ، وما هو المقبول وما هو المردود ، ولا يتمّ الاستدلال بالخبر إلّا عند اجتماع شرائط العمل بالخبر ، كصحّة الصدور وجهته ودلالته وأن لا يكون مخالفاً لكتاب الله ولا للخبر المتواتر المفيد للعلم والقطع ولا لحكم العقل المستقلّ ، ثمّ الذي يتكفّل لبيان صحّة الصدور هو علم الرجال.

هذا ما هو المشهور عند الأعلام في مبادئ الاجتهاد ، وما يحتاجه المجتهد من المقدّمات في مقام عمليّة الاستنباط.

وقيل : يحتاج المجتهد أيضاً أن يفحص عن فتاوى الأصحاب ويعتني بمقالاتهم لا سيّما قدماءهم الذين من دأبهم الفتوى بمتون الأخبار كالصدوقين وشيخ الطائفة ومن يحذو حذوهم ، فإنّهم أساطين الفقه وقربوا من عصر الأئمة وعندهم ما ليس عند المتأخّرين وهذا من الحسن.

هذا والمحقّق الآخوند في كفايته القيّمة يتعرّض لمبادئ الاجتهاد أيضاً ، ويذكر علوماً ثلاثة ، وهي :

١ ـ العلوم العربيّة : أي اللغة والصرف والنحو ، والوجه في ذلك ، أنّ غالب المسائل عند استنباطها وأكثر الوقائع والحوادث عند استخراج حكمها من أدلّتها ومداركها إنّما يتمّ بالرجوع إلى الكتاب الكريم والسنّة الشريفة ، ومعرفتهما متوقّفة

٧٦

على معرفة اللغة والصرف والنحو ، ولكن هذا لا يعني أنّ قولهم حجّة ، بل عند المراجعة إليهم ربما يحصل الوثوق والاطمئنان أنّ معنى الآية الشريفة والخبر الشريف هو هذا المعنى ، فمن أجل حصول الوثوق نقول بالرجوع إليهم.

ثمّ ليس المراد من معرفة هذه العلوم حضورها في الذهن ، بل المقصود أنّه عند المراجعة يفهم ذلك.

٢ ـ علم التفسير كذلك في الجملة ولو بالمراجعة ، والتفسير بمعنى كشف القناع عن الظاهر ، ويطلق على معنيين ، فتارةً يكون اللفظ في نفسه مجملاً كقوله تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) ، ففي التفسير يرفع الإجمال عن اللمزة والهمزة ، فربما تكون الآية مجملة في نفسها أو في ألفاظها. وأُخرى يكون للفظ ظهوراً ، ولكن التفسير يبيّن خلاف ذلك كقوله تعالى (إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) ، فإنّه بظهوره يدلّ على الوجوب ، ولكن التفسير يذكر دلالته على الاستحباب فيكون التفسير بمعنى بيان خلاف الظاهر ، وبهذا يتّضح أنّ كتب التفسير ليست المصادر لهذه المعرفة ، فإنّه لا بدّ أن يكون التفسير حجّة ، وذلك فيما إذا كان ينتهي إلى قول المعصوم (عليه‌السلام) أو إلى النقل المتواتر ، فلا بدّ أن يرجع إلى ما فيه السند في مراد الشارع المقدّس. ومن هذا المنطلق نجد بعض الأعلام قد كتب في آيات الأحكام التي يستدلّ بها وبيان الروايات فيها مسنداً ، فمراد معرفة التفسير للمجتهد هذا المعنى ، فتدبّر.

٣ ـ علم الأُصول : وهو العمدة للمجتهد ، فما من واقعة يستنبطها المجتهد من مصدر التشريع الإسلامي أعني الكتاب والسنّة ، إلّا وهي متوقّفة على مقدّمة أو

٧٧

مقدّمات نقّحت ودرست في علم الأُصول ، ويعبّر عنها بالكبريات والعناصر المشتركة والقواعد العامّة ونتائج علم الأُصول.

ولا يخفى أنّه لا فرق بين المجتهدين وبين الأخباريين في هذا المعنى ، فإنّه لا بدّ في الاستنباط من انضمام مقدّمة تذكر في نفس المسألة أو في مقدّمة الكتاب كما في الحدائق الناضرة للمحقّق الأخباري البحراني (قدس‌سره) ، فكيف يدّعي الأخباري عدم نفع علم الأُصول. ولو كان الأساس والأُصول محرّماً فكيف يبتني عليه الفقه ، ومجرّد أن يجمع هذا العلم ويدوّن في كتاب ويسمّى بعلم الأُصول لا يستلزم كلّ هذا الهجوم من الأخباريين ، وكذلك مجرّد أنّه لم يكن كتاباً في عصر النبيّ في علم الأُصول لا يعني بطلانه ، وإلّا يلزم بطلان وحرمة علم المنطق والنحو والصرف وغير ذلك من العلوم التي نعدّها إسلامية مباشرة أو بالواسطة والمقدّمة.

ولا يخفى كما ذكرنا أنّ هذه المسائل والقواعد الأُصوليّة كانت من عصر النبوّة والإمامة ، إلّا أنّها مختصرة ومجملة ، ثمّ بمرور الزمن وكثرة الشبهات توسّعت المباحث الأُصوليّة ، فإنّ اجتماع الأمر والنهي وأنّه لا يجوز والتركيب الاتّحادي كان في عصر الصادقين وفي روايات زرارة. فلا يتمّ الفقه من دون أُصوله ، فإنّها مقدّمة لها كمقدّمة المنطق للفلسفة.

هذا والآخوند ذكر هذه العلوم الثلاثة ولم يتعرّض إلى علم الرجال ، فلا بدّ من بيان ذلك.

فقد قيل كثير من الروايات المسندة في الكافي هي غير مسندة في الفقيه ، وهذا يعني أنّ الشيخ الصدوق عليه الرحمة يرى عدم ضرورة نقل السند ، فإنّه يذكر من

٧٨

باب الزينة. ولكن هذا لا يتمّ ولا يصحّ ، فإنّ من الأخبار ما هي مقطوعة ومرسلة ، فلو ثبت بنحو الموجبة الكلّية أنّ الروايات في الكتب الأربعة كلّها مسندة ، ولكثرة سندها وتوافقها فلا نحتاج إلى السند ، فإنّه يثبت حينئذٍ أنّ السند إنّما يذكر للزينة والتبرّك مثلاً ، ولكن أنّى لهم ذلك فإنّ القضيّة على نحو الموجبة الجزئيّة ، كما إنّ بعض الروايات يتعدّد فيها السند ومنه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود ، فلا بدّ من إحراز السند حينئذٍ ، وبهذا نقول يحتاج المجتهد إلى علم الرجال أيضاً.

وأمّا مقولة الصدوق في بداية كتابه الشريف أنّ ما أوردته في الفقيه حجّة بيني وبين الله فهذا كان في بداية أمره ، وإلّا فإنّه لا يحتمل أنّ الصدوق عمل بكلّ الروايات المذكورة في الفقيه ، فقد نقل عن مجاهيل وعن عائشة وأنّ الإخوة في السند لا يتوارثون في زمن الظهور وأمثال ذلك ، فكيف يعمل بمثل هذه الروايات.

فإمّا أن يكون نظره الشريف في البداية أن ينقل ما هو حجّة ، ثمّ في مقام الإفتاء لم يجد الدليل المحكم على المسائل فنقل هذه الروايات ، أو كان نظره باعتبار الغالب ، فإنّه غالباً لا ينقل إلّا الحجّة بينه وبين الله سبحانه (١).

__________________

(١) ومن الأعلام من يذهب إلى صحّة ما جاء في الفقيه بناءً على ما عند القدماء من الصحّة دون مصطلح المتأخّرين الذي تصدّى له السيّد ابن طاوس واشتهر في زمن العلّامة عند تقسيم الخبر إلى أربعة أقسام كما في علم الدراية ، وذكرت ذلك بالتفصيل في (دروس الهداية في علم الدراية) وفي تصحيح كتابي شيخ الطائفة التهذيب والاستبصار يأتي النزاع في تصحيح رواياتهما على مبنى القدماء دون المتأخّرين.

٧٩

ثمّ الكليني ليس في كلامه ما يدلّ بالصراحة أنّ ما ينقله كلّه حجّة ، وإن قيل بذلك لا سيّما بناءً على مبنى القدماء في الصحّة ، كما جاء في مقدّمة الكتاب (١).

نعم في الأخبار التي لها حكم واحد بإسناد متعدّدة ، أو عمل المشهور بها فيدلّ على التسالم عليها ، فمثل هذا لا يحتاج إلى السند ، وربما الفقيه أحرز ذلك للقرائن الخاصّة في الرواية. وعلى كلّ حال فإنّ الفقيه المجتهد لا يستغني عن علم الرجال.

وأمّا علم المنطق فلم يذكره الآخوند كذلك ، ولا يحتاجه الفقيه في مقام الاستنباط ، فإنّ الجميع يعرف أنّه في القياس لا بدّ أن تكون الكبرى موجبة كلّية وإن لم يعرفوا المصطلحات ، فليس علم المنطق من مبادئ الاجتهاد ، وكذلك علم الكلام ، فإنّ المراد ما يتوقّف عليه الاجتهاد لا ما يتوقّف عليه الإسلام ، كما إنّ الإيمان متوقّف على الولاية وليست هي من مقدّمات الاجتهاد.

فتحصّل أنّ الاجتهاد إنّما يتوقّف على العلوم العربيّة الثلاثة وعلم الأُصول والتفسير بالمعنى المذكور وعلم الرجال.

__________________

(١) لا سيما في قوله عليه الرحمة : (وقلت إنّك تحبّ أن يكون كتاب كافٍ يجمع فيه من جميع فنون الدين ما يكتفي به المتعلّم ويرجع إليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم‌السلام) ض ، والسنن القائمة التي عليها العمل ، وبها تؤدّي فرض الله وسنن نبيّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله)) ، بأمثال هذه العبارة ذهب بعض الأعلام كالسيّد ابن طاوس والمحدّث النوري إلى صحّة ما في الكافي ، فتأمّل وراجع الدرّ النضيد ١ : ٧٠ ، ومناقشة الكاتب للسيّد الخوئي (قدس‌سره).

٨٠