القول الرّشيد في الإجتهاد والتقليد - ج ١

السيّد عادل العلوي

القول الرّشيد في الإجتهاد والتقليد - ج ١

المؤلف:

السيّد عادل العلوي


الموضوع : الفقه
الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي الكبرى
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-6121-61/6
الصفحات: ٤٧٢

كلّ الموضوعات الخارجيّة.

ومنها : في صحيح أو موثّقة إسحاق بن عمّار (بن حيان الصيرفي الكوفي فتكون الرواية صحيحة فإنّه من الإمامية الثقات وإن كان الساباطي كما في فهرست الشيخ فتكون موثّقة فإنّه فطحيّ المذهب).

عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) ، سألته عن رجل كانت له عندي دنانير ، وكان مريضاً فقال : إن حدث لي حدث فأعطِ فلاناً عشرين ديناراً وأعطِ أخي بقية الدنانير ، فمات ولم أشهد موته ، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي : إنّه أمرني أن أقول لك : انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي فتصدّق منها بعشرة دنانير ، اقسّمها في المسلمين ، ولم يعلم أخوه أنّ عندي شيئاً؟ فقال (عليه‌السلام) : أرى أن تصدّق منها بعشرة دنانير.

فكونه صادقاً موثّقاً يؤخذ بقوله ، ولم تكن الرواية في باب الخصومات للانصراف كما يشهد قوله (ولم يعلم أخوه أنّ عندي شيئاً) فلا تعارض ما ورد من البيّنة (شهادة عدلين) في خصوص رفع الخصومات وربما يقال بمعارضة هذه الروايات مع موثّقة مسعدة الدالّة على الحصر وأنّ البيّنة شهادة عدلين.

وأُجيب بضعف السند ، وأنّها لا تقاوم هذه الصحاح ، فلا تصلح للمعارضة كما لا تصلح للردع عن السيرة.

كما إنّ الظاهر في الروايات الدالّة على شهادة العدلين في مثل ثبوت الهلال والطلاق والعتق والرضاع وموت الزوج أنّها ناظرة إلى عمل القاضي فتدخل في باب الحكم والقضاء الذي يشترط في بيّنتها شهادة العدلين أو البيّنتين كما في الزنا.

٣٨١

الثالث : الروايات الشريفة ،

وهي على طوائف مختلفة يمكن أن يصطاد منها حجّية خبر الثقة ، فيكون كالقاعدة المصطادة ، ومن الأخبار الشريفة :

١ ـ ما دلّ على ثبوت الوقت بأذان الثقة (١).

٢ ـ ما دلّ على ثبوت عزل الوكيل بإخباره (٢).

٣ ـ ما دلّ على ثبوت الوصيّة به (٣).

٤ ـ ما دلّ على ثبوت استبراء الأمة بإخبار الرجل إذا كان بائعاً (٤).

٥ ـ ما دلّ على ثبوت أصل النجاسة بخبره (٥).

٦ ـ ما دلّ على النهي عن إعلام الغير بنجاسة ثوبه في أثناء الصلاة ، فلولا ثبوت النجاسة بمجرّد الإعلام لم يكن وجه لهذا النهي (٦).

وموارد اخرى يقف عليها المتتبّع.

إلّا أنّه ورد على الاستدلال بها أنّها في موارد جزئيّة ، لا يظهر منها استفادة العموم في كلّ الموضوعات والموارد.

__________________

(١) الوسائل : كتاب الصلاة ، باب ٣ من أبواب الأذان والإقامة.

(٢) الوسائل : كتاب الزكاة ، باب ٢ من أبواب الزكاة.

(٣) الوسائل : كتاب الإرث والوصايا ، باب ٩٧ من أبواب الوصايا.

(٤) الوسائل : كتاب النكاح ، باب ٥ من أبواب نكاح العبيد.

(٥) الوسائل : كتاب الصلاة ، باب ٣٣ من أبواب مقدّمات الصلاة.

(٦) الوسائل : كتاب الطهارة ، باب ٤٧ من أبواب النجاسات. نقلاً عن الدرّ النضيد ٢ : ٣٩٣.

٣٨٢

الرابع : من باب عموم الأدلّة ، فإنّ الأدلّة الدالّة على حجّية خبر الثقة في الأحكام تدلّ بالعموم على حجّيته في الموضوعات أيضاً ، ففي الحكم لا يخبر الراوي عن الحكم ابتداءً ، بل المخبر به في كلامه ظهور كلام الإمام ، وهذا إخبار عن الموضوع ، فدليل حجّية خبر الثقة عن الحكم بنفسه ، دليل لحجّية خبره عن الموضوع.

وأُشكل عليه : أنّ ظهور كلام الإمام غير ملحوظ استقلالاً ، بل الملحوظ الاستقلالي هو الحكم دون غيره. إذ الظهور ملحوظ آلة وفانياً في الظاهر ، وإخبار الراوي إنّما يكون عن الحكم حقيقة لا عن الموضوع ، وإسراء حكم موضوع غير ملحوظ استقلالاً إلى موضوع ملحوظ مستقلا من قبيل القياس ، بل هو القياس نفسه (١).

الخامس : من باب تنقيح المناط والأولويّة.

فإنّ الشارع قد اهتمّ بأحكامه وما يترتّب عليه من الثواب والعقاب ، واعتمد في إيصالها أو نفيها على خبر الثقة ، فبطريق أولى أنّه يعتمد عليه في إثبات الموضوع الذي دونه في ترتّب المهامّ.

وأُجيب : ربما يعتمد الشارع في إثبات الموضوعات بخبر الثقة بما يرتبط به من موضوعات أحكامه فلا يعمّ الموضوعات كلّها ، ومع هذا الاحتمال فلا يقال بالتعدّي

__________________

(١) الاجتهاد والتقليد : ٣١١.

٣٨٣

والأولوية ، كما أنّا نعلم أنّه قد تصرّف الشارع في ثبوت بعض الموضوعات بالبيّنة الواحدة ، وهي شهادة عدلين أو البيّنتين ، فكيف يقال بالأولوية.

السادس : سيرة المتشرّعة.

فإنّ المتشرّعة كما يقولون بحجّية خبر الثقة في الأحكام في رواية الراوي ، فإنّهم لا يفصّلون فيما يرويه من لفظ الإمام كما في حكاية الأدعية والأذكار أو يخبرون عمّا تفضّل به الإمام في غير الأحكام أو يخبرون عن فعله (عليه‌السلام) من غير أن يقصدوا به إفادة حكم شرعي ، وهذه الحكايات كلّها إخبار عن الموضوع.

وأُجيب عنه : إنّ مثل هذه السيرة المتشرّعة لا يستفاد منها الإطلاق والعموم حتّى تشمل خبر الثقة في جميع الموضوعات ، فإنّها من الدليل اللبّي كالإجماع ، فيؤخذ فيها بالقدر المتيقّن.

يقول بعض الأعلام بالتفصيل في حجّية خبر الثقة في الموضوعات ، بأنّ الإخبار عن الموضوع تارةً يكون إخباراً عن الحكم الكلّي بمدلوله الالتزامي ، فهو حجّة ، وأُخرى لا يكون كذلك بل يكون إخباراً عن الحكم الجزئي ، فيكون الأوّل كالإخبار عن قول المعصوم (عليه‌السلام) فإنّه من الموضوع الخارجي لازمه الحكم الكلّي ، فالإخبار يحكي عن موضوع خارجي ، وأدلّة حجّية خبر الثقة تدلّ على حجّيته في الموضوعات الخارجية التي تقع في طريق إثبات الحكم الكلّي ، فلا تعارضها موثّقة مسعدة ، فإنّها تدلّ على عدم الحجّية في الموضوعات التي تقع في طريق إثبات الحكم الجزئي.

٣٨٤

وإذا كان خبر الثقة حجّة في الأحكام بالدلالة المطابقية ، فكذلك حجّة في ما يقع طريقاً للأحكام بالدلالة الالتزامية. والشهادة بالاجتهاد أو الأعلمية من إثبات الموضوع في طريق الحكم الكلّي ، فمدلوله المطابقي هو أصل الاجتهاد وهو إخبار عن الموضوع ، ومدلوله الالتزامي هو ثبوت الحكم الكلّي الذي يؤدّي إليه نظر المجتهد ، نظير أخبار زرارة عن قول المعصوم الذي هو إخبار عن الموضوع يكون أيضاً إخباراً عن الحكم الكلّي ويكون حجّة على المجتهد.

يقول السيّد الحكيم في مستمسكه (١) :

وتوهّم اختصاص أدلّة حجّية خبر الثقة بالإخبار عن الحسّ فلا تشمل الإخبار عن الاجتهاد الذي هو أمر حدسي ، مدفوع بأنّ الإخبار عن الاجتهاد من قبيل الإخبار عن الحسّ كالإخبار عن قول الإمام (عليه‌السلام) ودلالتهما على الحكم الكلّي بالالتزام إنّما هو بتوسّط الحدس ، غاية الأمر أنّ الحدس في الثاني من المجتهد وحجّة عليه ، والحدس في الأوّل من المجتهد وحجّة على العامي المقلّد له. وعلى هذا المبنى يكفي توثيق رجال السند بخبر الثقة ، وكذا في إثبات المعنى بإخبار اللغوي الثقة ، ولو قلنا بحجّية خبر الثقة في الموضوعات كما عليه بناء العقلاء فالحكم أظهر ، لكنّه محلّ تأمّل ، لإمكان دعوى تحقّق الردع عنه.

وأُجيب عنه : بأنّ أدلّة حجّية خبر الثقة بناءً على سيرة العقلاء غير مختصّة بالموضوعات التي تحكي عن الحكم الكلّي بل تعمّ مطلق الموضوعات. كما أنّ

__________________

(١) مستمسك العروة الوثقى ١ : ٣٨.

٣٨٥

الإخبار عن الاجتهاد لا يلزم أن يكون خبراً عن الحكم الكلّي بمدلوله الالتزامي ، بل به يثبت ملكة الاجتهاد أعمّ من أن تكون فعليّة وإخبار عن الحكم الإلهي أو بالقوّة. ثمّ الفرق بين قول زرارة واجتهاد المجتهد ، فإنّ في الأوّل لا يرى للموضوع الخارجي وهو قول المعصوم (عليه‌السلام) واسطة أصلاً ، بخلاف الإخبار عن الاجتهاد ، فلا يعدّ إخباراً عن الحكم. وفي الكلّ تأمّل ونقاش.

فتحصّل : أنّه يثبت اجتهاد المجتهد أو أعلميّته بالعلم الوجداني الحاصل بالاختبار ، أو الشياع المفيد للعلم ، بالبيّنة أي شهادة عدلين ، وخبر الثقة على قول. والأحوط عدم الإثبات به.

آراء الأعلام :

في قوله : (بشهادة عدلين) ،

قال السيّد الخوئي : لا يبعد ثبوته بشهادة عدل واحد بل بشهادة ثقة أيضاً مع فقد المعارض وكذا الأعلميّة والعدالة.

وفي قوله : (للعلم) ،

قال السيّد الخوانساري : الظاهر كفاية الوثوق والاطمينان.

٣٨٦

(المسألة الحادية والعشرون في العروة)

قال السيّد اليزدي (قدس‌سره):

مسألة ٢١ إذا كان مجتهدان لا يمكن العلم بأعلمية أحدهما ولا البيّنة ، فإن حصل الظنّ بأعلمية أحدهما تعيّن تقليده ، بل لو كان في أحدهما احتمال الأعلمية يقدّم ، كما إذا علم أنّهما متساويان أو هذا المعيّن أعلم ولا يحتمل أعلمية الآخر ، فالأحوط تقديم من يحتمل أعلميّته.

وفي غاية القصوى (١ : ١٥) قال سيّدنا الأُستاذ :

في قوله : (لا يمكن) : في المسألة صور تظهر هي وحكمها بالتأمّل.

وفي قوله : (تعيّن تقليده) ، قال : لا مساغ للعمل بالظنّ بل الأحوط لو لم يكن الأقوى الأخذ بأحوط الأقوال في صورة مخالفتها ، والتخيير في صورة التساوي.

٣٨٧

وفي قوله : (يقدّم) ، قال : على تأمّل.

__________________

أقول : عطفاً على ما سبق في مسألة تقليد الأعلم ودورانه بين ما زاد على الواحد واختلاف مراجع التقليد في الفتوى مع العلم بالمخالفة أو عدم العلم.

والسيّد اليزدي في المسألة ١٢ قال بالاحتياط الوجوبي في تقليد الأعلم مع الإمكان ، كما كان الأقوى ذلك فيما إذا علم بوجوده في الخارج ، أو احتمل أعلميّته مع العلم بوجود الخلاف في الفتوى ، إذا لم يكن قول غير الأعلم موافقاً للاحتياط.

فتعيين تقليد الأعلم إنّما ذهبنا إليه في صورة العلم بالمخالفة بينه وبين غيره إجمالاً أو تفصيلاً ، وإن لم يعلم المخالفة فإنّه مخيّر في تقليد أيّهما شاء ، لوجود الحجّية في قولهما ، فإنّ تقليد الأعلم حجّته فعليّة وغيره شأنيّة ، فإن لم يثبت تقليد الأعلم فتكون الأُخرى فعليّة أيضاً ، ومع عدم الترجيح فيكون مخيّراً بينهما.

وفي مفروض المسألة إذا لم يعلم بالمخالفة فهو مخيّر في تقليد أيّهما شاء ، ومع العلم التفصيلي أو الإجمالي بالمخالفة ، فإنّه يأخذ بأحوط القولين إن أمكن الاحتياط ، وإلّا فيقلّد الأعلم.

ويظهر من السيّد اليزدي (قدس‌سره) أنّه فرق بين من ظنّ بأعلميّته فيتعيّن تقليده وبين من يحتمل أعلميّته فالأحوط تقديمه ، والظاهر عدم الفرق بين صورتي الظنّ بالأعلميّة واحتمالها.

ومسألة الظنّ بأعلميّة أحدهما أو احتمالها ذات صور :

٣٨٨

الاولى : يحتمل تساويهما في الأعلمية ، أي يحتمل أن يكون زيد مثلاً أعلم من عمرو ويحتمل العكس.

الثانية : يحتمل أعلمية أحدهما دون الآخر ، لا على التعيين.

الثالثة : يحتمل أعلميّة أحدهما على نحو التعيّن ، وكذلك الظنّ في الصور الثلاثة.

ثمّ إمّا أن يعلم بمخالفتهما من حيث الفتوى تفصيلاً أو إجمالاً في المسائل المبتلى بها أو لا يعلم ، ثمّ مع العلم إمّا أن يتمكّن من الاحتياط بين القولين أو لا يتمكّن ، كما إمّا أن يكون قول غير الأعلم موافق للاحتياط أو غير موافق. فلا بدّ من القول بالتفصيل خلافاً للسيّد اليزدي الذي يظهر من كلامه الإطلاق.

والأقوى أو الأحوط وجوباً تقليد الأعلم في صور العلم بالخلاف ، مع عدم كون قول الآخر موافقاً للاحتياط ، ولا يمكن الأخذ بأحوط القولين على قول ، وكذلك الحكم فيمن ظنّ أو احتمل فيه الأعلمية دون الآخر ، أمّا مع عدم العلم بالمخالفة واحتمال الأعلميّة فيهما فنقول بالتخيير بينهما.

ويذهب السيّد الخوئي (قدس‌سره) كما في تقريراته : عند مخالفتهما من حيث الفتوى تفصيلاً أو إجمالاً فإنّه يؤخذ بأحوط القولين ، لمناقشته في أدلّة التخيير وحكمه بتساقط الفتويين (١).

__________________

(١) الدروس ١ : ١١٧ ، وجاء في التنقيح ١ : ٢١٣ : ذكرنا عند التكلّم عن مسألة وجوب الفحص عن الأعلم أنّه إذا لم يشخّص الأعلم من المجتهدين ، ولم يتمكّن من

٣٨٩

وذهب المشهور إلى القول بالتخيير عند المعارضة والتكافؤ وعدم الرجحان في أحد الأطراف ولا يجب الاحتياط ، بناءً على تحقّق الإجماع على التخيير بين الفتويين المختلفين والروايات الدالّة على التخيير بين الخبرين بضميمة عمل الأصحاب الجابر لضعفها ، وإلحاق الفتويين بالخبرين حكماً.

__________________

تحصيل العلم بأعلميّة أحدهما مع العلم بمخالفتهما في الفتوى فإن تمكّن من الاحتياط وجب لما مرّ غير مرّة من أنّ الأحكام الواقعيّة قد تنجّزت على المكلّفين بالعلم الإجمالي بوجود أحكام إلزاميّة في الشريعة المقدّسة ، ولا طريق للعامي إلى امتثالها سوى العمل على طبق فتوى الأعلم وهو مردّد بين شخصين ومعه لا مناص من الاحتياط تحصيلاً للعلم بالموافقة لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب كما هو الحال في بقيّة موارد العلم الإجمالي.

ولا أثر للظنّ بالأعلميّة أو احتمالها في أحدهما حينئذٍ ، لأنّ أدلّة الحجّية غير شاملة للمتعارضين ومعه لم يجعل شيء من الفئويين المتعارضين حجّة وعلى المكلّف ليجب الأخذ بما ظنّ أو احتمل حجّيته ، بل الوظيفة وقتئذٍ هو الاحتياط حتّى يقطع بخروجه عن عهدة ما علم به من التكاليف الإلزامية.

وأمّا إذا لم يتمكّن من الاحتياط إمّا لعدم سعة الوقت للجمع بين الفئويين ، وإمّا لأنّ أحدهما أفتى بوجوب شيء والآخر بحرمته ، فلا محالة يتخيّر بينهما للعلم بوجوب تقليد الأعلم وهو مردّد بين شخصين ، ولا مرجّح لأحدهما على الآخر ، وفي هذه الصورة إذا ظنّ بأعلميّة أحدهما أو احتملها وجب الأخذ به.

ثمّ فرق بين الصورتين بأنّه في الصورة الأُولى عند التعارض يوجب السقوط وفي الثانية لا يمكن الاحتياط لتعذّره فلم يجب عليه العمل إلّا بفتوى أحدهما ، فما أفاده الماتن لا يمكن المساعدة على إطلاقه ، بل يقال بالتفصيل.

٣٩٠

فإذا كان أحدهما المعيّن مظنون الأعلميّة أو محتملها فإنّه عقلاً من باب الاشتغال العقلي ودورانه بين التعيين والتخيير يقدّم قوله ، فإنّ قوله حجّة على كلّ حال وحجّية الآخر غير ثابتة وغير محرزة.

وقيل : إذا لم يتمكّن من الجمع بين القولين احتياطاً لضيق الوقت أو للزومه الجمع بين المحذورين فإنّه يتخيّر بينهما فيما لم يعلم بالمخالفة تفصيلاً أو إجمالاً.

والظاهر أنّ الأخذ بمظنون الأعلميّة أو محتملة في التقليد الابتدائي. هذا وكان المفروض أنّ السيّد (قدس‌سره) يشير إلى الطرق الأُخرى غير العلم بالأعلميّة والبيّنة من الطرق المثبتة كالذي يوجب الوثوق والاطمئنان من العلم العادي ، وأخبار العدل الثقة على قول.

آراء الأعلام :

في قوله : (فإن حصل الظنّ) ،

قال الشيخ الحائري : هذا في الابتداء ، أمّا العدول إلى من ظنّ أو احتمل أعلميّته فالاحتياط في تركه.

وقال السيّد الفيروزآبادي : إن كان الأخذ بقول الأعلم من باب وجود المرجّح في أحد الطريقين تعبّداً فالاكتفاء بالظنّ مشكل وبالاحتمال أشكل ، وهكذا الإشكال إن كان من باب بناء العقلاء.

وفي قوله : (تعيّن تقليده) ،

قال الشيخ آقا ضياء : مع عدم احتمال أعلميّة غيره ، وإلّا فاتّباع الظنّ بالترجيح

٣٩١

نظر ، بل العقل يحكم بالتخيير في الأخذ بأيّ واحدٍ منهما ، اللهمّ إلّا أن يدّعى بأنّ مظنون الأعلميّة رأيه أقرب إلى الواقع ما لم يكن قول غيره مطابقاً للاحتياط فيتبع حينئذٍ أحوطهما فتأمّل.

وقال السيّد الخميني : على الأحوط فيه وفي ما بعده.

وقال السيّد الخوانساري : لا دليل على حجّية الظنّ ، بل الظاهر لزوم الاحتياط.

وقال السيّد الخوئي : الظاهر أنّه مع عدم العلم بالمخالفة يتخيّر في تقليد أيّهما شاء ، ومع العلم بها ولو إجمالاً يأخذ بأحوط القولين ، ولا اعتبار بالظنّ بالأعلميّة فضلاً عن احتمالها هذا فيما إذا أمكن الأخذ بأحوطهما ، وإلّا وجب تقليد من يظنّ أعلميّته أو يختصّ باحتمال الأعلميّة على الأظهر.

وقال السيّد الشيرازي : بالشروط المتقدّمة في تقليد الأعلم ، وكذلك في الصورة التالية.

وفي قوله : (فالأحوط) ، قال السيّد الحكيم : بل هو الأقوى.

وقال الشيخ النائيني : بل الأقوى.

٣٩٢

المسألة الثانية عشر والثالثة عشر في المنهاج

قال سيّدنا الأُستاذ (قدس‌سره):

١٢ ـ ويشترط في المجتهد أُمور : البلوغ والعقل والإيمان والعدالة والرجوليّة والحياة فلا يجوز تقليد الميّت ابتداءً ، وأن لا يكون متولّداً من الزنا ، وأن يكون صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه.

١٣ ـ والأقوى جواز تقليد المجتهد المتجزّى فيما استنبطه كما هو حقّه.

(المسألة الثانية والعشرون في العروة)

جاء في العروة الوثقى :

مسألة ٢٢ ـ يشترط في المجتهد أُمور : البلوغ والعقل والإيمان والعدالة والرجوليّة والحرّية على قول ، وكونه مجتهد مطلقاً ، فلا يجوز تقليد المتجزّي ، والحياة فلا يجوز تقليد الميّت ابتداءً ، نعم يجوز

٣٩٣

البقاء كما مرّ ، وأن يكون أعلم فلا يجوز على الأحوط تقليد المفضول مع التمكّن من الأفضل ، وأن لا يكون متولّداً من الزنا ، وأن لا يكون مقبلاً على الدنيا وطالباً لها ، مكبّاً عليها ، مجدّاً في تحصيلها. ففي الخبر : من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوامّ أن يقلّدوه.

وفي الغاية القصوى (١ : ١٥):

في قوله : (يشترط في المجتهد أُمور) ، قال السيّد الأُستاذ : في اعتبار بعض تلك الأُمور تأمّل ، ثمّ إنّ هناك أُموراً أُخر قيل باعتبارها فيه ، كعدم كونه كثير التبدّل في الرأي ، وعدم كونه حسن الظنّ بعلمه ، معجباً بنفسه في العلميّات بحيث يصدّه ذلك عن البحث والتنقيب والغور والدقّة وإعمال النظر في مستند الحكم ، وعدم كونه بليداً غير متفطّن بمعاضل المسائل ، وعدم كونه معوجّ السليقة ، وعدم كونه متسرّعاً إلى الفتوى ، وعدم كونه لجوجاً عنوداً ، وعدم كونه مفرطاً مكثاراً في الاحتياطات إلى غير ذلك ، وتفصيل هذه الشروط وما يتوجّه على القول باعتبارها موكول إلى محلّه.

وفي قوله : (البلوغ) ، قال : على الأحوط الأولى.

وفي قوله ، (العقل) ، قال : الحكم في عدم جواز الرجوع في المجنون الإطباقي مسلّم ، وأمّا الأدواري فالظاهر عدم المانع من الرجوع إليه في حال إفاقته ، إلّا أن يكون هناك إجماع على العدم ، كما

٣٩٤

ادّعي هذا بالنسبة إلى حديث التقليد ، وأمّا البقاء ففيه تفصيل يطلب من محلّه.

وفي قوله : (الإيمان) ، قال : لو تمّ الإجماع وسائر الوجوه التي تمسّك بها غير بناء العقلاء.

وفي قوله : (العدالة) ، قال : الحال فيها هو الحال في اشتراط الإيمان.

وفي قوله : (الرجولية) ، قال : الحال على المنوال.

وفي قوله : (الحريّة) ، قال : لا مستند لها سوى بعض الوجوه الاستحسانية التي لا اعتداد بها في الفقاهة ، فالأقوى عدم اعتبارها.

وفي قوله : (فلا يجوز تقليد المتجزّي) ، قال : الأقوى جواز تقليده فيما استنبطه كما هو حقّه.

وفي قوله : (وأن يكون أعلم) ، قال : قد مرّ التأمّل فيه.

وفي قوله : (وأن لا يكون متولّداً من الزنا) ، قال : لو تمّ الإجماع المدّعى أو أصالة التعيين في الدوران بين التعيين والتخيير ، أو فحوى اعتباره في الإمامة وغيرها ممّا تمسّك بها.

وفي قوله : (وأن لا يكون مقبلاً) ، قال : إن كان بحيث ينسيه هول المطّلع ويوقعه في المهالك فلا وجه لذكره بعد اعتبار العدالة واشتراطها ، وإن كان المراد به شيئاً زائداً على العدالة كالزهد البالغ والورع الأكيد ، فلا دليل على اعتباره سوى ما توهّم من الخبر المروي في التفسير

٣٩٥

المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه‌السلام) وسبيل الخدشة إليه مفتوح سنداً ودلالة كما بيّن في محلّه.

وفي قوله : (ففي الخبر من كان) ، قال : إشارة إلى المرويّ في كتابي التفسير والاحتجاج.

تمّ قولهما رفع الله مقامهما وحشرنا في زمرتهما مع محمّد وآل محمّد (عليهم‌السلام).

__________________

أقول : لقد ذكر السيّدان عليهما الرحمة شرائط المجتهد وعندهما عبارة عن أحد عشر شرطاً ، وإن اختلفا في الموارد ، كما هناك شرائط أُخرى قد اختلف فيها الأعلام ، والظاهر أنّ هذه الشرائط إنّما هي شرائط مرجع التقليد وليس المجتهد بما هو مجتهد ، فإنّ قوله وفتواه حجّة على نفسه ، وإن لم يكن واجداً لهذه الأوصاف والشرائط.

ثمّ قيل : الظاهر أنّ هذه الأوصاف ما عدا العقل إنّما هو باعتبار الشرع المقدّس ، وإلّا فإنّ بناء العقلاء وسيرتهم على عدم اعتبار هذه الشرائط في الرجوع إلى الخبراء في كلّ فنّ وعلم كالرجوع إلى الطبيب الخبير ، فلا يشترط فيه سوى العقل ، وفيه تأمّل.

ويقع الكلام في مقامين :

الأوّل : طرح المسألة باعتبار عقل العامي وما يفهمه بنفسه.

الثاني : طرحها باعتبار عقل المجتهد وما يقتضيه الأدلّة الشرعيّة.

٣٩٦

المقام الأوّل

لقد مرّ الكلام بالتفصيل في مسألة أصل التقليد وتقليد الأعلم وتقليد الميّت ، إنّ العقل الارتكازي في العامي وفطرته السليمة تدعوه إلى التقليد أوّلاً ، لأنّه يعلم إجمالاً أنّ ذمّته قد اشتغلت بتكاليف شرعيّة ، وإنّه لم يخلق عبثاً ، ولا بدّ من إفراغ الذمّة والخروج عن عهدة التكاليف ، ومن باب رجوع الجاهل إلى العالم ، كما يحكم به العقل والفطرة ، لا بدّ من تقليد العالم العارف بالأحكام وهو المجتهد ، ثمّ العقل يحكم أيضاً مع وجود الأعلم والعلم بالمخالفة في الفتاوى لا بدّ من الرجوع إليه ، كما أنّه يرجع إلى المجتهد الحيّ دون الميّت ابتداءً. والعقل حينئذٍ يحكم أيضاً أنّه إنّما يرجع إلى المجتهد الجامع لشرائط التقليد التي يحتمل دخالتها في الرجوع إليه ، فإنّه لو رجع إلى من يشكّ في شرط من شرائطه فإنّه يشكّ في إفراغ ذمّته. إلّا إذا رجع إلى من يصحّ الرجوع إليه وأفتى بعدم الشرط المشكوك فيه ، فتدبّر.

المقام الثاني

وهو تارة باعتبار الأصل الأوّلي ، وأُخرى باعتبار الأدلّة الظاهرة :

فمقتضى الأصل الأوّلي في المسألة ، هو أنّه إذا شكّ في اعتبار شرط في حجّية فتوى المجتهد الفقيه هو اعتباره. لأنّه من الشكّ في مقام الامتثال وسقوط التكليف

٣٩٧

المعلوم إجمالاً. وبعبارة اخرى كما في علم أُصول الفقه ، إنّ الشكّ تارةً يكون في أصل التكليف فهو مجرى أصالة البراءة ، وأُخرى يكون الشكّ في إسقاط التكليف في مقام الامتثال والمعلوم ولو إجمالاً ، فإنّه مجرى أصالة الاحتياط وقاعدة الاشتغال العقلي. والمقام من الثاني فيقال باشتراط الشرط المشكوك ، إلّا أن يقوم دليل على عدم اعتباره شرعاً.

فالأصل الأوّلي في باب المناصب والولايات هو عدم ولاية أحد على أحد إلّا ما خرج بالدليل القطعي ، كولاية النبيّ والإمام المعصوم (عليه‌السلام) (١) ، ففي ولاية المجتهد لو شكّ في شرط ، فإنّه لا بدّ من اعتباره ، فإنّه مع عدمه يشكّ في حجّية الفتوى ، إلّا أن يقوم دليل معتبر شرعاً على عدم اعتباره واشتراطه.

والدليل العامّ على مشروعيّة أصل التقليد والأعلمية وكونه حيّاً ، هو بناء العقلاء وسيرتهم المبتني على العقل على رجوع الجاهل إلى العالم ، فيرجع غير المجتهد إلى المجتهد في معرفة الأحكام الشرعيّة للعمل بها.

وأمّا باعتبار الأدلّة الظاهرة فاشترط في المفتي ومرجع التقليد شروط :

الشرط الأوّل البلوغ :

يشترط في المجتهد أن يكون بالغاً وقد ذكرنا سنّ البلوغ والكلام يقع فيه

__________________

(١) وكذلك الأصل الأوّلي في باب التقليد والاتباع هو عدم المشروعية وعدم حجّية رأي أحد من البشر على أحد في كلّ شأن من الشؤون ، إلّا ما خرج بالدليل ، كالنبيّ والإمام المعصوم (عليهما‌السلام) ، والفقيه المجتهد من باب رجوع الجاهل إلى العالم.

٣٩٨

باعتبارين : تارة باعتبار النظر إليه مجرّداً عن الشرائط الأُخرى المعتبرة في المجتهد كالعدالة والحياة ، وأُخرى مع ملاحظتها ، بمعنى أنّه يبحث في شرط البلوغ أنّه هل يصحّ الرجوع إلى المجتهد الجامع لجميع الشرائط ما عدا البلوغ أم لا يصحّ ، بل لا بدّ من بلوغه أيضاً؟

فقيل : الظاهر أنّ مورد البحث هو الثاني ، فما يقال في الإشكال على عدم اعتبار البلوغ ، أنّه لا يطمئنّ إلى آراء الصبي واستنباطه بعد رفع القلم عنه ، وأنّه لا رادع له في ارتكاب المعاصي ، لا وجه له. وفيه تأمّل.

ثمّ اختلف الأعلام في اشتراط واعتبار البلوغ ، فمنهم من نفى ذلك ، ومنهم من أثبت.

حجّة النافين وجوه :

الأوّل : بناء العقلاء ، فإنّهم يرجعون إلى الصبيان أصحاب الصنعة والخبرة ، كما يرجعون إلى الطبيب الصبي من غير احتشام.

وأُجيب عنه : بأنّ ذلك من الفرد النادر والنادر كالمعدوم ، ثمّ مسؤولية المرجعية تختلف عن مثل الطبّ الذي هو مجرّد علم ، فإنّ المرجع على عاتقه زعامة المسلمين فكيف يفوّض إلى صبيّ وهو موضع اتهام.

الثاني : الإطلاقات الواردة في أصل التقليد ، فإنّها تصدق على غير البالغ أيضاً بأنّه من أهل الذكر ، وأنّه العالم والناظر في الحلال والحرام ، والراوي للحديث.

وأُجيب عنه : بالانصراف فإنّه يمنع الإطلاق ، فإنّه ينصرف إلى

٣٩٩

ما هو المتعارف ، لا إلى من كان نادر الوجود كالصبيّ البالغ مرتبة الاجتهاد ، وهذا ممّا يوجب الشكّ في الإطلاق فلا يستدلّ به. كما أنّه على فرض الإطلاق قد قيّد بالروايات الدالّة على الرجوليّة ، كقول الإمام الصادق (عليه‌السلام) في حديث أبي خديجة :

(ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا) (١).

(اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا).

فأمر (عليه‌السلام) بالرجوع إلى الرجل. كما أنّ المتبادر من كلمة (منكم) في مقبولة عمرو بن حنظلة (ينظران من كان منكم فمن روى حديثنا ونظر في حلالنا) كون الراوي من الرجال. كما إنّ المتبادر من الجمع المحلّى بالألف واللام في قوله (عليه‌السلام) (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه) أنّه من الرجال.

إلّا أن يقال إنّ ذكر الرجولة لا باعتبار ما يقابلها من الصباوة ، باعتبار الغالب في ذلك. كما في روايات الشكّ في الركعات في قوله (إذا شكّ الرجل) فلا خصوصيّة للرجل في مقام الشكّ ، بل يعمّ المرأة والصبي كما أنّ المقابلة باعتبار المرأة لا باعتبار الصبي.

حجّة المثبتين وجوه :

الأوّل : الإجماع وتسالم الأصحاب واتفاقهم على اعتبار ذلك.

__________________

(١) الوسائل : باب ١ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥.

٤٠٠