القول الرّشيد في الإجتهاد والتقليد - ج ١

السيّد عادل العلوي

القول الرّشيد في الإجتهاد والتقليد - ج ١

المؤلف:

السيّد عادل العلوي


الموضوع : الفقه
الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي الكبرى
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-6121-61/6
الصفحات: ٤٧٢

عزوجل في خلقه (١).

وكيفيّة الاستدلال أنّ الله يطالب عبده بالعلم والمعرفة ، ولا يتمّ ذلك في الاحتياط.

وأُجيب :

أوّلاً : لمّا كان المقصود من الاحتياط هو إتيان جميع المحتملات فإنّه يدرك الواقع ويصل إلى ما يصل إليه العلم أيضاً ، فالنتيجة واحدة.

ثانياً : ظاهر الحديث الشريف أنّه ناظر إلى من يعصي الله سبحانه ولم يعمل بتكاليفه الإلهيّة ، والمحتاط إنّما يصدق عليه أنّه في أعلى مراتب الإطاعة والانقياد.

ثالثاً : الأمر في الحديث إرشادي ، وليس فيه ما يدلّ على الوجوب النفسي للتعلّم حتّى يتنافى مع الاحتياط ، فوجوب التعلّم ولزومه إرشاد إلى امتثال التكاليف والأحكام ، وإنّ الجهل فيها لا يكون عذراً لترك المكلّف به.

وقيل : أنّ وجوبه طريقي وليس بنفسي ، والشاهد عليه أنّ السؤال أوّلاً عن العمل (هلّا عملت) لا عن التعلّم ، ولكن الظاهر أنّ السؤال عن التعلّم أوّلاً (أكنت عالماً).

هذا ، ومجمل الأقوال في وجوب التعلّم ثلاثة :

فمن الأعلام كما نسب إلى المحقّق الأردبيلي وجماعة من المتأخّرين من يذهب إلى الوجوب النفسي وأنّه يستحقّ الإنسان العقاب على نفس ترك التعلّم ،

__________________

(١) جامع أحاديث الشيعة ١ : ٥ ، وأمالي الشيخ المفيد ، وبحار الأنوار ٢ : ٢٩ ١٨١.

٢٢١

فإنّه يعاقب مطلقاً سواء طابق عمله الواقع أو لم يطابق.

ومنهم كما نسب إلى المشهور يذهب إلى الوجوب الطريقي ، فلا عقاب إلّا مع مخالفة الواقع.

ومنهم كما يظهر من المحقّق النائيني (قدس‌سره) ـ : أنّه يستحقّ العقاب على ترك التعلّم المؤدّي إلى ترك الواقع ، فالعقاب يكون على نفس ترك التعلّم عند المخالفة للواقع ، وعلى القول المشهور يكون على نفس مخالفة الواقع.

إشكال وجوابه

قيل : إنّما يتمكّن المكلّف من الاحتياط فيما لو اجتهد أو قلّد في عدم اعتبار الجزم بالنيّة ، وإلّا فلو كان الجزم بالنيّة معتبراً ، لما تمّ الاحتياط إلّا بالتشريع المحرّم أي إدخال ما ليس في الدين في الدين ، فإنّه يلزمه البدعة وهي ضلالة ، والضلالة في النار وإلّا هذا المعنى أشار إليه الآية العظمى السيّد الشاهرودي (قدس‌سره) في تعليقته على العروة الوثقى قائلاً على كلمة الاحتياط الواردة في عبارة الماتن : (بعد أن اجتهد أو قلّد في مسألة عدم اعتبار الجزم بالنيّة ، وإلّا لا يتمكّن من الاحتياط أصلاً إلّا بالتشريع المحرّم).

وأُجيب :

أوّلاً : إنّه لم يثبت اعتبار الجزم بالنيّة.

وثانياً : لا يلزم في الاحتياط أن يكون الترديد دائماً ، فإنّه يكون مع الجزم بها

٢٢٢

في العبادات والمعاملات.

فالأوّل كما لو دار الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين كالتسبيحات الأربعة في الركعتين الأخيرتين ، فإنّه يأتي الاحتياط بالأكثر عند عدم احتمال كون المشكوك فيه مضرّاً. كما يكفي للمحتاط حصول الوثوق بما يفعل.

والثاني : كما لو أجرى العقد حال وجود جميع ما شكّ في اشتراطه فيه. كما قد لا يكون الترديد في النيّة مضرّاً حال الاحتياط كما في الشكّ في الضمان يؤدّي المثل أو القيمة معاً ، وكما لو احتاط في عدم التصرّف بالعوض والمعوض عند الشكّ فيما يحتمل اشتراطه في العقد. بل ربما يقال لا يضرّ الترديد في النيّة بالاحتياط في الواجبات التوصّلية مطلقاً.

مناقشات جواز الاحتياط وأجوبتها

لقد أورد الأعلام مناقشات عديدة في جواز الاحتياط ، فمنهم من أنكر ذلك مطلقاً ، ومنهم من قال بالمنع مع التمكّن من العلم التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد ، ومنهم من جوّز ذلك مطلقاً في المعاملات بالمعنى الأعمّ والأخصّ ، وفي العبادات مطلقاً الواجب النفسي أو الضمني ، فيما أوجب التكرار أم لم يوجب ، سواء أكان الشكّ في أصل المحبوبيّة أو في كيفيّتها ، ومنهم من قال بالتفصيل في هذه الموارد.

والظاهر أنّ المناقشات إنّما هي في تحقّق موضوع الاحتياط لا أصل جوازه ، والأقوى جواز الاحتياط الذي بمعنى إتيان جميع المحتملات مطلقاً في المعاملات

٢٢٣

والعبادات ، تمكّن من الامتثال التفصيلي أو لم يتمكّن ، استلزم التكرار أو لم يستلزم ، كان الاحتياط في التكليف المستقلّ النفسي أو الضمني إلى غير ذلك.

والمقصود من المعاملات بالمعنى الأعمّ الواجب التوصّلي بمعنى تحقّق المتعلّق في الخارج كيف اتّفق ، مثل تطهير النجس بغسلتين أو ثلاث ، أو بالمطلق أو المضاف ، وغاية ما ينافيه أدلّة وجوب التعلّم وذكرنا أنّه إرشادي أو من الواجب النفسي التهيّؤ والمقصود منه عدم معذّرية الجهل عند مخالفة الواقع ، ويحصل المؤمّن من العقاب ودرك الواقع بالاحتياط ، بل قيل : ربما يكون أقوى من الاجتهاد والتقليد.

والمقصود من المعاملات بالمعنى الأخصّ العقود والإيقاعات ، والاحتياط فيها جائز خلافاً للشيخ الأنصاري والشهيد الثاني لاشتراطهما الجزم في الإنشاء ، فلا يكون جازماً بإنشاء صيغة النكاح المتكرّرة أو صيغة الطلاق بالجملة الفعليّة والإسميّة ، ولكن لا يضرّ الاحتياط فيه ، فإنّ الترديد فيه باعتبار الممضى شرعاً لا في الإنشاء نفسه ، والمنشئ جازم بنيّته ، وإنّما الشكّ في أمر خارج عن جملة إنشائه وهو إمضاء الشارع وحكمه بصحّة النكاح أو الطلاق ، وذكرنا أنّه ربما يتحقّق الإنشاء مع القطع بعدم الإمضاء فكيف مع الترديد ، كما لا انفكاك بين الإنشاء والمنشأ.

والمحتاط إنّما يقصد إيجاد علقة زوجيّة ، أو يبرزها بمبرز لفظي ، فإنّ الإنشاء إمّا بمعنى إيجاد المعنى باللفظ أو إبراز الوجود الاعتباري في نفس المتكلّم بمبرز ، فالترديد فيما هو الممضى شرعاً لا فيما أنشأه المنشئ ، وترتّب الأثر شرعاً على عقد أو إيقاع غير مرتبط بالترديد في قصد الإنشاء ، ومن هذا المنطلق جرت سيرة السلف

٢٢٤

الصالح على الاحتياط في صيغ النكاح بعدم الاكتفاء بواحدة.

أمّا الاحتياط في العبادات التي يعتبر فيها قصد القربة والامتثال ، وهو مصبّ المناقشات فالمشهور يمنع منه مع التمكّن من العلم التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد.

والكلام فيه تارة مع التمكّن وأُخرى مع عدمه ، والأوّل مثل الصلاة في ثوبين يعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما ، فأفتى المشهور كما هو المختار بجواز الاحتياط ، ومنع المحقّق الحلّي منه ، وأفتى بالصلاة عارياً لسقوط شرطيّة الستر عند ذلك ، واختصاصها بصورة العلم التفصيلي بالطهارة ، واستدلّ بوجهين :

الأوّل : بأنّ الاحتياط بصلاتين تشريع محرّم.

الثاني : وأنّ التكرار يوجب إلغاء قصد الوجه المعتبر.

وأُجيب : إنّ الاحتياط يعني إتيان ما يحتمل أنّه من الدين برجاء إحراز ما هو الواقع فيه وهذا ليس من التشريع ، وإدخال ما ليس في الدين ، ثمّ لا يعتبر قصد الوجه مطلقاً ، وإن قيل به فهو في صورة التمكّن منه ، وإلّا يلزم عدم جواز العمل بالاحتياط في العبادات مطلقاً ، وهو كما ترى.

وأمّا مع التمكّن من العلم التفصيلي ، فتارةً لا يستلزم الاحتياط تكرار العمل كالشكّ في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال ، ويكون الشكّ تارةً في العبادة النفسيّة ، وأُخرى في جزئيّة شيء أو شرطيّته ، فيكون الشكّ في عبادة ضمنيّة ، وأُخرى يستلزم التكرار كاشتباه القبلة ، والأوّل تارة الشكّ في خصوصيّات الطلب والمحبوبيّة بعد إحراز أصلهما ، وأُخرى في أصل الطلب والمحبوبيّة كالشكّ في الوضوء بعد غسل الجنابة.

٢٢٥

وفي المسألة وجوه ، بل أقوال ، والمقصود بيان المناقشات في الباب.

فقيل : مقتضى أدلّة وجوب التعلّم لزوم تعلّم الأحكام تفصيلاً بالاجتهاد أو التقليد ، فلا يجوز الاكتفاء بالاحتياط مع التمكّن ، وأُجيب بأنّه من الواجب الإرشادي أو النفسي التهيّئي ، ولا ملازمة بين العلم والعمل لإمكان إحراز الواقع والعلم به بالاحتياط ، فالمقصود من وجوب التعلّم إرشاد إلى عدم مخالفة الواقع وعدم معذّرية الجهل.

وقيل : يخلّ الاحتياط باعتبار قصد الوجه والتمييز بعد اشتراطهما للإجماع ولحكم العقل بحسنهما في العبادة ، وأُجيب : إنّما يعتبر ذلك عند المتكلّمين وشرذمة من الفقهاء ، وربما الإجماع باعتبار حكم العقل ، وقيل فيه إنّه من الكلام الشعري الذي لا أساس له ، كما إنّ العقل لا يستقلّ بذلك ، ولو تمّ فيكون في الواجبات النفسيّة دون الضمنيّة ، فيمكن أن يؤتى بالصلاة وجوباً حتّى لو لم يكن بعض أجزائه يتّصف بذلك ، ولا يحتاج أن يقصد الوجوب في كلّ جزء وشرط ، فالحسن في المجموع بما هو مجموع ، ومع الشكّ تجري البراءة ، فلم يدلّ على اعتبارهما شرعاً ، ولو كان لبان ، وعدم الدليل دليل العدم.

وقيل : لازم الاحتياط الشكّ في صدق الامتثال مع التمكّن من العلم التفصيلي ، والحاكم في المقام قاعدة الاشتغال للشكّ في صدق الإطاعة والامتثال المتأخّر عن الأمر المتأخّر عن المأمور به ، فلا مجال للبراءة حينئذٍ فإنّها لو كانت فيما لو كان الشكّ في أصل التكليف والأمر.

وأُجيب : من المسلّم عدم اعتبار قصد الوجه في تحقّق الإطاعة عند العرف

٢٢٦

والعقلاء ، وأنّ الفرق بين العبادة وغيرها قصد القربة ، فمن يأتي بالجزء أو الشرط رجاءً يعدّونه ممتثلاً ، حتّى لو تمكّن من العلم التفصيلي ، كما قد صرّح الشيخ الأنصاري بعدم اعتبارهما في العبادة ، كما يتمسّك بالإطلاق المقامي أن يكون المولى في مقام بيان تمام الحكم في نفي قصد الوجه ، فيكون من الدليل الاجتهادي ومعه لا مجال للدليل الفقاهتي من الأُصول العمليّة حينئذٍ. كما إنّ مقتضى الأصل هو البراءة لا الاشتغال ، فإنّ الشكّ فيه ليس في مفهوم العبادة ، بل في الواقع منها ، فالقول بعدم صحّة الامتثال الإجمالي في الأمر العبادي إذا لم يستلزم التكرار مع التمكّن من الامتثال التفصيلي غير وجيه.

وقيل بالتفصيل بين المعلوم أصل الطلب فيجوز فيه الاحتياط وبين ما لا يعلم فلا احتياط ، فمع تعلّق الطلب وإن كان عنوان الوجوب والاستحباب مشكوكاً لكن لا ينافي الاحتياط وإتيان العمل بداعي الأمر للعلم بوجوده وتعلّقه بالفعل ، ولا يمكن إتيانه بقصد الوجه فإنّه غير معتبر ، وأمّا إذا لم يعلم أصل المحبوبيّة كالوضوء بعد غسل الجنابة فلا مجال للاحتياط مع التمكّن من العلم التفصيلي فإنّه لم يتحقّق البعث في الاحتياط حينئذٍ ، فالاحتياط وإن يعدّ امتثالاً إلّا أنّه في طول امتثال العلم التفصيلي ، ولو شكّ في العرض والطول فالحاكم قاعدة الاشتغال للشكّ في كيفيّة الامتثال ، فإنّه من الشكّ في التعيين والتخيير.

وأُجيب : إنّ العلم الإجمالي كالتفصيلي في عرض واحد كما يشهد به العرف ، فكلاهما مطيعان ومنقادان ولا فرق في ذلك بين العبادي وغيره إلّا باعتبار قصد القربة ، كما لا فرق بين الواجب النفسي والضمني ، وسواء أكان أصل المحبوبيّة معلوماً

٢٢٧

أو غير معلوم ما لم يستوجب الاحتياط تكرار العمل.

وأمّا لو استوجب ذلك ، فهل يصحّ الاحتياط مع التمكّن من العلم التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد كالصلاة بالجهر والإخفات والقصر والتمام عند الشكّ بهما.

فقيل : الاحتياط في هذا المورد يستلزمه الإخلال بقصد الوجه والتمييز ، فإنّ حقيقة الطاعة أن يكون الانبعاث عن بعث مولوي ، والداعي إلى الفعل إرادة المولى ، ولا يتوقّف هذا على معرفته بنحو إلزامي أو غيره عند العقلاء ، فلو كان قصد الوجه معتبراً فلا بدّ أن يكون بأمر شرعي ، ولا دليل لنا على ذلك ، كما إنّ الاحتياط غير مخلّ بقصد الوجه ، للإتيان بداعويّة امتثال الأمر الوجوبي المتعلّق بأحدهما ، وهي غير متميّزة ، إلّا أنّه يخلّ بقصد التمييز وهو غير معتبر ، والشكّ فيه يرجع إلى اعتبار قيد في المأمور به شرعاً زائداً عمّا يعتبره العقد ، والمرجع حينئذٍ البراءة.

وقيل : لازم الاحتياط في مثل هذا المورد لزوم اللعب والعبث عند العقلاء ، وذلك عند التمكّن من التفصيلي ، فلا يقع مصداقاً للامتثال لمذموميّته.

وأُجيب : إنّ الاحتياط مع التكرار لا يلازم العبثيّة واللعب واللغوية لتعلّق غرض عقلائي بذلك كما لو كان العلم التفصيلي يوجب المئونة الزائدة على الاحتياط كالرجوع إلى المصادر والتحقيق ، وكيفيّة الامتثال لا يضرّ بصحّته ، فيصحّ حينئذٍ الاحتياط في العبادات وإن استلزم التكرار.

ويذهب المحقّق النائيني (قدس‌سره) إلى أنّ مراتب الامتثال عند العقل أربعة :

١ ـ التفصيلي : مطلقاً بالعلم الوجداني كالقطع أو العلم العادي كالأمارات

٢٢٨

والأُصول المحرزة للواقع.

٢ ـ الإجمالي : كالاحتياط في الشبهات المقرونة بالعلم الوجداني والشكّ.

٣ ـ الظنّي.

٤ ـ الاحتمالي : كما في الشبهات البدويّة أو المقرونة بالعلم الوجداني عند تعذّر الامتثال الإجمالي والظنّي.

ولا تصل النوبة إلى الرابع إلّا بعد تعذّر الثالث ، وكذلك الثالث بالنسبة إلى الثاني. والكلام في الأُوليين فقيل في عرض واحد ، وقيل بتقديم التفصيلي مع الإمكان على الإجمالي ، فيلزمه بطلان الاحتياط مع التمكّن من التفصيلي بالاجتهاد والتقليد وهو الأقوى.

وحقيقة الإطاعة والامتثال هو الانبعاث عن بعث مولوي ، ومع تكرار العمل في مقام الاحتياط لا يتحقّق ذلك ، فإنّ الداعي في أفراد الاحتياط هو احتمال تعلّق الأمر به. ولا يخفى أنّه بعد العمل يعلم بتحقّق ما ينطبق عليه المأمور به ، ولكن المطلوب في العبادات أن يكون ذلك حين العمل والانبعاث عند احتمال البعث وإن كان نحواً من الطاعة ، إلّا أنّ رتبته متأخّرة عن التفصيلي ، فمن ادّعى القطع بتقديم الامتثال التفصيلي على الامتثال الإجمالي في الشبهات الموضوعيّة والحكميّة مع التمكّن من إزالة الشبهة بالاجتهاد أو التقليد لا يكون مجازفاً في دعواه.

ومع الشكّ يقال بالاشتغال للشكّ في التعيين والتخيير (١).

__________________

(١) الدرّ النضيد ، عن فوائد الأُصول ٤ : ٩٣.

٢٢٩

وأُجيب :

أوّلاً : إنّه لا دليل لنا على انحصار الإطاعة في الانبعاث عن البعث القطعي ، بل ربما يعمّ الانبعاث عن احتمال البعث ووجود الأمر أيضاً ، بل ربما يقال إنّه أطوع من القطعي.

وثانياً : ليس الانبعاث عن بعث المولى وأمره الواقعي ، وإلّا لزم عدم التخلّف ، لعدم تخلّف المراد عن الإرادة الإلهيّة ، بل الباعث ربما يكون تصوّر أمر الآمر وما يترتّب عليه من الثواب عند الإطاعة والعقاب عند المعصية ، وهذا يتمّ مع احتمال البعث أيضاً ، فيكون الباعث عن المبادي الموجودة في نفس المطيع من خوف النار وحبّ الجنّة أو شكراً لله سبحانه ، وهذا المعنى موجود في كلا الامتثالين سواء العلم بالأمر أو احتماله.

وثالثاً : إنّما يكون العلم دخيلاً في داعويّة الأمر إلى الفعل لا أنّه داعياً إليه ، وغاية ما يقتضيه الاحتياط مع التكرار هو فقدان التمييز ولا يضرّ ذلك لعدم اعتباره كما مرّ.

ورابعاً : لا يستقلّ العقل بكون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال الجزمي ، بل شأنه إدراك إتيان ما تعلّق به أمر المولى من دون أن يكون له دخل في الحكم بوجوب شيء أو بعدمه.

ثمّ لو ثبت أنّ الإجمالي في طول التفصيلي في ما يوجب التكرار لكان ذلك في الامتثال الإجمالي في الأجزاء أو الشرائط أيضاً ، والحال لا إشكال في جواز الاحتياط فيهما.

٢٣٠

ثمّ الأصل عند الشكّ هنا هو البراءة ، فإنّ الشكّ إنّما هو باعتبار العلم بالأمر في تحقّق الطاعة وعدمه ، فهو من قبيل الأقلّ والأكثر لا التعيين والتخيير ، فالشكّ في اعتبار أمر زائد في عبادية العبادة وهو لزوم الانبعاث عن بعث المولى دون احتماله ، فتأمّل.

الفارق بين احتياط العامي والمجتهد :

من الواضح اختلاف احتياط العامي عن المجتهد ، فهما يشتركان في أصل الاحتياط بمعنى إتيان جميع المحتملات ويختلفان في موارده ، فشأن العامي أن يكون عارفاً بموارد الاحتياط في خصوص الفتاوى بين الأحياء ، وأمّا المجتهد فيحتاط فيها وفي غيرها.

فالاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد ويجوز في الجملة ، ويوجب الخروج عن عهدة التكليف الثابت في الشريعة ، ولا فرق في ذلك بين العامي العارف بموازين الاحتياط والعالم بها ، إنّما الفرق هو أنّ العامي إنّما يحتاط في خصوص الفتاوى الموجودة ، لكون وظيفته الأخذ بفتاويهم ، وأمّا المجتهد فيحتاط فيها وفي غيرها ، فيلاحظ آراء الفقهاء مطلقاً الأحياء والأموات ، ولا بدّ له أن يعرف ذلك اجتهاداً.

فاحتياط العامي موضوعاً وحكماً وهو من كان على أبواب الاجتهاد هو الرجوع إلى أقوال المجتهدين الذين يصحّ له المراجعة إليهم ، وأمّا المجتهد فاحتياطه بمعنى الاحتياط من جميع الجوانب ، فهو أوسع دائرة من احتياط العامي.

وعن الإمام كاشف الغطاء عليه الرحمة : (إنّ للناس بطريق الاحتياط

٢٣١

وطريق الصلح غنى عن المجتهد في أغلب الفتاوى والأحكام ، ويسهل الخطب على من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد).

ثمّ العمل بالاحتياط لا يكاد يتحقّق إلّا بعد معرفة الاحتياط وموارده اجتهاداً أو تقليداً وإلّا فلا يقدر على الاحتياط ولا يكاد يحصل له المؤمّن من العقوبة كما هو واضح ، والحاكم بوجوب المعرفة هو العقل ، فوجوبها إرشادي من باب لزوم المطابقة للواقع.

صور الاحتياط وموارده

لقد اتّضح ممّا مرّ أنّ أصل الاحتياط إنّما يكون مع الشكّ ، وأنّه يختلف بحسب متعلّقاته وبذلك يتولّد للاحتياط صوراً وموارد.

فمتعلّق الشكّ قد يكون واقعة واحدة وقد يكون واقعتين :

والأولى على نحوين :

فتارةً يحتمل وجوبها مع القطع بعدم حرمتها ، حتّى لا يكون الأمر من باب دوران الأمر بين المحذورين ، كالواجب والحرام الذي يستحيل فيه الاحتياط ، فالاحتياط فيه يكون بإتيان الفعل ، سواء كان الوجوب المحتمل استقلاليّاً كالدعاء عند رؤية الهلال ، أو ضمنيّاً كجلسة الاستراحة بعد السجدة الثانية في الركعة الأُولى والثالثة.

وتارةً يحتمل حرمتها مع القطع بعد وجوبه فالاحتياط يكون في الترك

٢٣٢

كشرب التتن والنظر إلى الأجنبيّة في المرآة والماء.

والثانية : فيما لو تعدّدت الواقعة فالاحتياط فيها على أنحاء :

فتارةً يكون في الجمع بين الفعلين ، وأُخرى في تركهما معاً ، وثالثةً يكون الاحتياط في فعل أحد الفعلين وترك الآخر.

والأوّل : على نحوين :

فتارةً مع عدم تكرار أصل الواجب كالإخفات والجهر في صلاة الظهر يوم الجمعة ، فينوي أحدهما بنيّة القراءة الواجبة ، والآخر بنيّة الاستحباب بعنوان الذكر أو القرآنيّة المطلقة ، أو في كليهما بنيّة القرآنيّة.

وأُخرى مع التكرار في أصل الواجب كصلاة الظهر والجمعة في يوم الجمعة.

والثاني : كما إذا علم بحرمة أحدهما لا بعينه مع العلم بعدم وجوب الآخر كترك الخنثى لبس اللباس المختصّ بالرجال والمختصّ بالنساء.

والثالث : فيما يكون الاحتياط في فعل أحد الفعلين وترك الآخر ، كما إذا علم بوجوب الأوّل أو حرمة الثاني كتردّد الدم في المرأة بين الحيض والاستحاضة ، فتجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة.

هذا والاحتياط ربما يكون واجباً كما في الشبهات الحكميّة في العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة أو في الشبهة الحكميّة قبل الفحص ، وقد يكون مستحبّاً وغير واجب كما في الشبهات الموضوعيّة مطلقاً أو البدويّة الحكميّة بعد الفحص كما ذكر في أُصول الفقه. وهذا الاحتياط حسن عقلاً وشرعاً ما لم يستوجب العسر والحرج والوسوسة واختلال النظام ، فإنّ الاحتياط حينئذٍ في ترك الاحتياط.

٢٣٣

عودٌ على بدء :

لا زلنا وإيّاكم في المسألة الاولى من كتاب الاجتهاد والتقليد في (منهاج المؤمنين) و (العروة الوثقى) ، وكان البحث حولها في دروسنا الحوزوية خلال ستّة أشهر ، وذكرنا فيها شيئاً من التفصيل ليكون اللّبنات الاولى في المسائل الآتية ، ولزيادة الفائدة سنختم كلّ مسألة إن شاء الله تعالى بذكر بعض الفتاوى والآراء الفقهيّة لجمع من الأعلام (١) والآيات العظام ، وهم كما يلي :

١ ـ الجواهري : الشيخ علي بن الشيخ باقر بن الشيخ محمّد حسن (المتوفّى : ١٣٤٠).

٢ ـ الفيروزآبادي : السيّد محمّد بن السيّد محمّد باقر الفيروزآبادي (المتوفّى : ١٣٤٥).

٣ ـ النائيني : الميرزا حسن النائيني (المتوفّى : ١٣٥٥ ه‍).

٤ ـ الحائري : الشيخ عبد الكريم الحائري (المتوفّى : ١٣٥٥).

٥ ـ آقا ضياء : الشيخ آقا ضياء الدين العراقي (المتوفّى : ١٣٦١).

٦ ـ الأصفهاني : السيّد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني (المتوفّى : ١٣٦٥).

٧ ـ كاشف الغطاء : الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (المتوفّى : ١٣٧٣).

__________________

(١) أخذنا ذلك من العروة الوثقى مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام ، طبع مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة ، سنة الطبع ١٤١٧.

٢٣٤

٨ ـ البروجردي : السيّد حسين البروجردي (المتوفّى : ١٣٨٠).

٩ ـ الشيرازي : الميرزا السيّد عبد الهادي الحسيني الشيرازي (المتوفّى : ١٣٨٢).

١٠ ـ الحكيم : السيّد محسن الطباطبائي الحكيم (المتوفّى : ١٣٩٠).

١١ ـ آل ياسين : الشيخ محمّد رضا آل ياسين (المتوفّى : ١٣٧٠).

١٢ ـ الخوانساري : السيّد أحمد الخوانساري (المتوفّى : ١٤٠٥).

١٣ ـ الخميني : السيّد روح الله الموسوي الخميني (المتوفّى : ١٤٠٩).

١٤ ـ الخوئي : السيّد أبو القاسم الخوئي (المتوفّى : ١٤١٣).

١٥ ـ الگلپايگاني : السيّد محمّد رضا الگلپايگاني (المتوفّى : ١٤١٤).

وأمّا فتاوى الأعلام في المسألة الأُولى :

فقد قال صاحب العروة الوثقى آية الله العظمى السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (المتوفّى : ١٣٣٧) في الاجتهاد والتقليد :

مسألة ١ ـ يجب على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً.

ففي قوله : (يجب) ،

قال السيّد الگلپايگاني : (بإلزام العقل).

وفي قوله : (مكلّف) ،

قال السيّد الفيروزآبادي : (ملتفت).

٢٣٥

وفي قوله : (عباداته) ،

قال السيّد الخميني : (وكذا في مطلق أعماله كما يأتي).

وقال الفيروزآبادي : (في غير المعلومات منها كما سيجيء).

وفي قوله : (ومعاملاته) ،

قال السيّد الگلپايگاني : (بل وعاديّاته أيضاً كما سيأتي منه (قدس‌سره) في مسألة ٢٩).

وقال السيّد الحكيم : (وسائر أفعاله وتروكه كما سيأتي).

وقال السيّد الشيرازي : (أي ما يحتاج إليه في أُموره وأفعاله التي يشكّ في حكمها).

وفي قوله : (أو محتاطاً) ،

قال كاشف الغطاء : (بناءً على ما ذكره في المسألة الثالثة والخامسة تكون القسمة ثنائيّة إلّا بتكلّف لا يخلو من نظر).

٢٣٦

(المسألة الثانية في العروة)

قال السيّد اليزدي (قدس‌سره) :

مسألة ٢ : الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان أو لا ، لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفيّة الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد.

وجاء في الغاية القصوى (١ : ٥):

في قوله : (الأقوى جواز العمل) ، قال : في معاملاته وعباداته بل رجحانه عقلاً ونقلاً بشرط عدم استلزامه أحد المحاذير من الوسوسة وفقدان الجزم وقصد التمييز ومخالفة الاحتياط من جهةٍ أُخرى ، كالاحتياط في صورة انحصار الماء بالقليل الملاقي بالمتنجّس مع عدم سعة الوقت لتكرار الصلاة ونحوها ممّا هو مجتنب عنه ومتبرّأ منه.

وفي قوله : (بالاحتياط) ، قال : سواء أكان بالتكرار بإتيان فعلين أم أزيد أم التكرار بترك شيئين أو أزيد أو الاحتياط بالفعل والترك معاً كما في جمع المرأة بين تروك ذات الحمرة وأفعال الطاهرة في بعض

٢٣٧

الموارد ، أو الاحتياط في فعل واحد أو ترك واحد وسيأتي منه (قدس‌سره) التصريح ببعض هذه الصور.

وفي قوله : (لكن يجب) ، قال : بوجوب عقلي في عباداته ومعاملاته.

__________________

أقول : لقد تعرّضنا إلى المسألة الأُولى وعرفنا معنى الوجوب والمكلّف وعلائم بلوغه والعبادات والمعاملات لغةً واصطلاحاً ومعنى الاجتهاد والتقليد والاحتياط كذلك ، ثمّ الأُستاذ يتعرّض لبيان صور الاحتياط وموارده تبعاً لما جاء في العروة الوثقى ، ونحن نقتفي آثارهما ، فنذكر أوّلاً المسألة الثانية في العروة ثمّ ما يذكره في المسألة الثالثة ومن ثمّ يعلم ما جاء في منهاج المؤمنين ، وسنتّبع هذا الديدن في المسائل والفروعات الآتية إن شاء الله تعالى.

والمختار جواز العلم بالاحتياط مطلقاً حتّى عند التمكّن من الاجتهاد أو التقليد ، فإنّ العقل يحكم بتحقّق الامتثال به ودرك الواقع بإتيان جميع المحتملات ، ولا يمنع منه ما دلّ على وجوب تعلّم الأحكام ، فإنّه من الحكم الإرشاديّ أو النفسي التهيّئي كما مرّ بالتفصيل كما لا يضرّه القول بالجزم في المعاملات بالمعنى الأخصّ ، ولا يردعه الإخلال بقصد الوجه والتمييز لعدم اعتبارهما.

ولا فرق في العمل بالاحتياط بين المجتهد وغيره ، فما ذكره السيّد اليزدي (قدس‌سره) للتوضيح فقط ، والمراد من جواز الاحتياط ما لم يخلّ بالنظام فإنّه من الإخلال غير مشروع في نفسه مطلقاً ، وأمّا ما يستلزم العسر والحرج فقيل نفيهما يدلّ على

٢٣٨

نفي وجوب الاحتياط وهو لا ينافي جوازه ، فالاحتياط المستلزم للوقوع في الحرج داخل في البحث حينئذٍ.

آراء الأعلام :

في قوله : (أو بالتقليد) ،

قال السيّد الشيرازي : إن كانت الكيفيّة من المسائل النظريّة.

٢٣٩

المسألة الثانية في المنهاج

قال سيّدنا الأُستاذ المرعشي (قدس‌سره):

٢ ـ وقد يكون الاحتياط في الفعل أو الترك والجمع بين أمرين مع التكرار والأقوى جواز الاحتياط ، ولو كان مستلزماً للتكرار مع صدق الإطاعة عليه وأمكن الاجتهاد أو التقليد.

(المسألة الثالثة في العروة)

قال السيّد اليزدي (قدس‌سره):

مسألة ٣ : قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً ، وكان قاطعاً بعدم حرمته ، وقد يكون في الترك ، كما إذا احتمل حرمة فعل ، وكان قاطعاً بعدم وجوبه ، وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار ، كما إذا لم يعلم أنّ وظيفته القصر أو التمام.

جاء في الغاية القصوى (١ : ٦):

في قوله : (قد يكون) : قد عرفت بعيد هذا في الحاشية أنّ الوجوه

٢٤٠