القول الرّشيد في الإجتهاد والتقليد - ج ١

السيّد عادل العلوي

القول الرّشيد في الإجتهاد والتقليد - ج ١

المؤلف:

السيّد عادل العلوي


الموضوع : الفقه
الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي الكبرى
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-6121-61/6
الصفحات: ٤٧٢

الأعمال اللاحقة دون السابقة؟

فلو كان الاجتهاد الأوّل الزائل بالثاني معتبراً أيضاً بالنسبة إلى الأعمال الاولى ، ولا منافاة أن يتعبّد الشارع بهذا المعنى ، فإنّه يرد على مثل هذا الاعتبار في الاجتهاد الأوّل أمران :

الأوّل : لا يزيد هذا الاعتبار على العلم الوجداني ، فلو تيقّن بقضيّة ، ثمّ زال اليقين وشكّ أنّ اليقين الأوّل هل كان تامّاً؟ أو تيقّن أنّه كان فاسداً ، فإنّه يلزم عدم اعتبار اليقين الأوّل حينئذٍ ، وكذلك فيما نحن فيه بطريق أولى ، فلا يتوهّم الإجزاء ، فإنّ ما كان في السابق لا يكون أكثر رتبة من العلم الوجداني ، وما يكون في اللاحق ينزل منزلة العلم من أوّل الأمر ، فحينئذٍ كيف يقال بالإجزاء؟ ولا يقال به إلّا على التصويب الباطل في مذهبنا.

ولا يخفى ما ذكرناه إنّما يتمّ لو كان المراد من الانكشاف باعتبار الانكشاف الواقعي الوجداني ، أمّا لو كان الانكشاف انكشافاً اعتبارياً ظاهرياً ، كما في ظهور كلمات النكاح أنّه إيجاب وقبول بتعيّن الشارع ، فالاجتهاد الثاني لم يكن من الانكشاف الواقعي عمّا في اللوح المحفوظ ، فيمكن حينئذٍ للشارع اعتبار اليقين السابق حتّى بعد الزوال مع القول ببطلان التصويب ، وكذلك في العلم الاعتباري كإقرار زيد : أنّ الدار لعمرو ثمّ رجوعه عن الإقرار الأوّل بإقرار آخر أنّها لبكر ، ويحتمل صحّة الإقرار الثاني ، كما يحتمل المطابقة للواقع في الإقرار الأوّل أنّ الدار في علم الله لعمرو ، فالإقرار الثاني ليس كشفه كشف وجداني ، وكذلك الأوّل ، ومن هذا المنطلق يقال : إنّ الدار لعمرو كما على زيد أن يدفع قيمتها لبكر ، لحجّية إقراره

١٢١

على نفسه ، فبالأوّل يلزم أنّه أتلف الدار على بكر بتسليمه لعمرو فعليه قيمتها ، باعتبار أنّها قيميّة ، وكذلك في المثليّات ، فيعتبر الإقراران مع العلم الإجمالي أنّ أحدهما مطابق للواقع. وكذلك فيما نحن فيه ، فلم يكن الانكشاف الواقعي الوجداني ، فالاجتهاد الأوّل المطابق للظهور حجّة منجّزة ومعذّرة ، كما يجب العمل بالثاني بالنسبة إلى الآثار اللاحقة ، فنقول بالإجزاء في مثل هذا المورد ، ولا يلزمه التصويب.

نعم يبقى الإشكال عليه أنّه لا دليل شرعاً على هذا الممكن العقلي ، بمعنى أنّه لم يقع في لسان الدليل ، فلا دليل على اعتبار الاجتهاد الأوّل مع وجود الاجتهاد الثاني كما لا دليل لنا على عدم ذلك ، فيلزم القول بعدم الإجزاء أيضاً ، وإن كان باعتبار التوجيه ممكناً إلّا أنّه غير واقع.

ولا يقال إنّه يتمسّك بأدلّة العسر والحرج المنفيين حتّى يكون المورد شخصيّاً فلا يثبت الاجتهاد الأوّل ، بل من جهة مذاق الشارع المقدّس وأنّ الشريعة سهلة سمحة ، فإنّه يتنافى لو قلنا بعدم الإجزاء ووجوب التدارك ، فكيف يقال بإعادة العبادات والمعاملات بعد كشف الخلاف عند تبدّل الاجتهاد الأوّل بالثاني ، والدين سهلة سمحة؟

نعم إنّما يقال بالإجزاء مع عدم الموضوع ، وإلّا فمع بقاء الموضوع كما في الذبيحة ، فإنّه لا يقال بالإجزاء بالنسبة إلى الأثر اللاحق ، فمعنى العسر والحرج هنا لا بمعنى دليل الحرج حتّى يقال إنّه من الشخصي ، بل بمعنى العسر النوعي ، وأنّ الشارع لم يحكم بمثل هذا العسر ، وهذا إنّما يتعلّق بفهم المجتهد واطمئنانه ، ومن ثمّ

١٢٢

يقال بالإجزاء.

ولكن ربما يقال إنّ الدين سهلة في الأُمور الواقعيّة ، لا فيما يكون سلوك الطريق بنحو الاشتباه ، فتأمّل.

وزبدة المخاض وما نذهب إليه في هذه المسألة وأمثالها كالآتيات ، أنّ الانكشاف لو كان واقعياً كما لو أخبر المعصوم به فيلزم فساد الأوّل والقول بعدم الإجزاء ، ولما لم يكن واقعياً بل من الانكشاف الظاهري التعبّدي الاعتباري ، فلو قيل ببطلان الأوّل واقعاً فإنّه يلزم القول بالتصويب الباطل ، فنقول بعدم البطلان واقعاً ويلزمه الإجزاء لا سيّما مع العسر والحرج واختلال النظام ولزوم الهرج ، وإلّا فالأحوط وجوباً رعاية الآثار السابقة وتداركها مع الإمكان فيما لو كان الموضوع موجوداً ، للعلم الإجمالي في وجود الحكم الواقعي بين القولين فيلزم الشبهة المحصورة ووجوب الاحتياط فيها ، ولا مانع أن تكون الذبيحة الواحدة نصفها حلال ونصفها حرام للاجتهادين وكلاهما من الدين ، وهل الدين إلّا هذا التسليم كما ورد في الأخبار الصحيحة ، فتدبّر.

حكم اختلاف المجتهدين في العبادات والمعاملات

من فروعات مسألة التخطئة ما يذكره السيّد المحقّق اليزدي في عروته الوثقى في (مسألة ٢٥) في التقليد :

من أنّه لو اختلف المجتهد الأوّل مع الثاني في العبادات كالتسبيحات الأربعة

١٢٣

فيراها أنّها مرّة واحدة في الركعتين الأخيرتين والثاني يذهب إلى تكرارها ، وفي التيمّم مثلاً يرى الأوّل كفاية الضربة الواحدة ويرى الثاني ضربتين ، وتكون الصلاة صحيحة كما يكون التيمّم ، ومن ضمّ المسألتين يعلم أنّ المستند ليس حديث (لا تعاد الصلاة) ، ثمّ قال : وكذلك المعاملات والعقود ، فلو كان عند الأوّل صحيحاً كالنكاح باللغة الفارسية وعند الثاني باطلاً ، فرجع إلى الثاني ، فإنّ الأوّل يكون صحيحاً ، نعم لو ذبح الحيوان وكان الثاني يعتقد بحلّيته لو كان الذبح بالحديد ، ويرى الأوّل مطلق ذلك ، فلو ذبح بالزجاجة ثمّ قلّد من قال بالحديدة ، فما أكله سابقاً لا يكون محرّماً ، ولكن ما تبقّى منه فإنّه لا يجوز بيعه ولا أكله فهو بحكم الميتة ، ومثل هذا الفرض لو قلّد من يقول بطهارة شيء كعدم التنجّس بالمتنجّس والثاني يقول بالتنجّس ، فما صلّاهُ في الثوب على الفتوى الاولى تكون صحيحة ، أمّا الصلوات اللاحقة فلا يجوز أن يصلّي بذلك الثوب.

هذا والقاعدة التي تبتنى المسألة عليها في العبادات والمعاملات بالمعنى الأخصّ أي العقود والإيقاعات هي قاعدة الإجزاء ، وفي غير هذه الموارد فيمكن أن يقال بمراعاة الاجتهادين ، وذلك في الموضوعات ، فإنّه في الأحكام مطلقاً العبادات والمعاملات فلا يمكن الجمع بين الاجتهادين.

إلّا أنّ صاحب الفصول ذهب إلى عدم الإجزاء وأنّه لا بدّ من تدارك الماضيات لأنّ الأصل عدم الإجزاء ، إلّا أن يقال بلزوم العسر والحرج والهرج والمرج الموجب للتلف والإتلاف بين الناس ، فإنّه لا إعادة حينئذٍ ، ويقال بالإجزاء. ولكن حسب أدلّة العسر والحرج إنّهما انحلاليان ، ولكلّ واحد من الناس حكمه

١٢٤

الخاصّ ، فإذا لم يؤدّ الإعادة إلى العسر والحرج ، فإنّه لا يسقط التكليف والإعادة ، أو يسقط بمقدار الحرج ، فدليل العسر لا يثبت الإجزاء مطلقاً.

وأمّا ما يوجب التلف والإتلاف والمنازعة بين الناس ، فيلزم رجوعهم إلى المحكمة ودار القضاء لفصل الخصومة وحلّ المنازعات ، فيرتفع الإشكال.

هذا والمحقّق الآخوند عليه الرحمة يرجع إلى القاعدة الأوّلية من عدم الإجزاء إلّا أنّه يقول لا في موارد ثبوت حديث لا تعاد وحديث الرفع ، ولم يفهم مراده ، فإنّ حديث الرفع يرفع التكليف لا أنّه يثبته ، فلسانه النفي لا الإثبات.

حكم تقليد المجتهد الثاني بعد فوت الأوّل واختلافهما

يمكن القول بصحّة تقليد المجتهد الأوّل مع منافاته للثاني ، فإنّ الشارع يعبّدنا بالأوّل ولو بحكم ظاهري ، فإنّ الاجتهاد الثاني لا ينكشف الواقع به انكشافاً وجدانياً ، ولو سئل الثاني عن حكمه الأوّل لقال يحتمل أن يكون هو الواقع ، لكنّ الأدلّة فعلاً تدلّ على الثاني ، فالشارع يمكنه أن يعبّدنا بالأوّل ولو بعد زواله ، والدليل على ذلك ما يفهم من مذاق الشارع أنّه لم يكلّف بالأحكام السابقة بشرط تداركها لو تبيّن الخلاف ، كما إنّ الشريعة سهلة سمحة ، ويلزم العسر في تدارك الماضي لا سيّما لو كان الجهل عن عذر ، وإنّ الاجتهاد الأوّل يكون عذراً ، فيكفي الموافقة الاحتمالية عند عدم الانكشاف الواقعي ، كما يدلّ على ذلك سيرة المتشرّعة ، فإنّهم لم يتداركوا أعمالهم السابقة عند تبدّل الاجتهاد ، إلّا أنّه أشكل على السيرة

١٢٥

بأنّها لم تتّصل بزمن الأئمة المعصومين (عليهم‌السلام) ، وجوابه أنّه تحقّق ذلك لكن بنحو آخر ، فإنّه حينما ترد إليهم رواية من أئمّتهم كانوا يعملون بها ، وإذا وردت اخرى تخالف الاولى عملوا بها أيضاً من دون تدارك مفاد الاولى ، كما ورد في خبرين الثاني ينسخ الأوّل من دون إعادة الأعمال الواقعة على طبق الاولى ، فهذا يدلّ على الإجزاء.

نعم يختلف الكلام في القضاء ، فإنّه لو حكم بشيء في مقام القضاء ، ثمّ تبدّل رأيه ، فإنّه لا ينقض الحكم الأوّل ، لعدم العلم بالخلاف واقعاً ، فلو قضى لزوجة بعدم الإرث في الأرض وحكم بذلك ، فإنّه لو تبدّل رأيه الاجتهادي فإنّه لا ينقض الحكم الأوّل ، نعم في زوجة ثانية وقضيّة اخرى يحكم برأيه الثاني دون الأوّل.

ثمّ هنا مباحث أُصوليّة كمسألة الإجزاء وعدمه على مسلك السببيّة في الأمارات كما يتعرّض لذلك الآخوند في كفايته ويقول بالإجزاء على مبنى السببي ، وكذا لو حكم المجتهد بمقتضى الاستصحاب أو البراءة النقليّة التي تكون من الحكم الظاهري ، ثمّ يجد طريقاً للحكم الواقعي يخالف الاستصحاب أو البراءة النقليّة ، فإنّه لا محالة يحكم بالأجزاء ، إلّا أنّه في مسألة الإجزاء لم يقل بهذه السعة بأنّه حينما لم يعلم الواقع فيستصحب الحالة السابقة ، ويجزي ذلك ما دام لم يعلم الخلاف ، وأُجيب بأنّه بالاستصحاب يلزم الحلّية والطهارة الظاهريّة ، فإذا انكشف بالانكشاف الوجداني كالأمارة فإنّه يلزم عدم الإجزاء.

ثمّ عند الآخوند الانكشاف التعبّدي كذلك وأُجيب في محلّه من علم أُصول الفقه ، فلا نتعرّض له طلباً للاختصار.

١٢٦

كلمة موجزة في تأثير عنصري الزمان والمكان في الاجتهاد

لقد مرّ علينا تعريف الاجتهاد بأنّه استفراغ الوسع لتحصيل الحجّة الشرعيّة في أفعال المكلّفين ، وقد مرّ الاجتهاد بأدوار مختلفة بين قبض وبسط ، كما اختلف معناه عند السنّة والشيعة ، فإنّه في مدرسة أبناء العامّة جعل الاجتهاد في عرض النصّ من الكتاب والسنّة ، فيفتي أوّلاً بهما وإلّا فبرأيه الاجتهادي ولو مثل القياس والمصالح المرسلة الظنّية التي لا تغني من الحقّ شيئاً ، حتّى أدّى الأمر ان اجتهدوا في مقابل النصّ ، فحرّموا ما كان حلالاً في زمن الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله) كتحريم المتعتين ، وقتلوا سيّد الشهداء سبط رسول الله الحسين بن علي (عليهما‌السلام) اجتهاداً من يزيد شارب الخمور سفّاك الدماء.

وعلى مثل هذا الاجتهاد بالرأي الذي امتاز به أصحاب المدرسة السنّية شنّ أئمة أهل البيت (عليهم‌السلام) هجوماً عنيفاً ، وتبعهم على ذلك رواتهم وأصحاب مدرسة المذهب الإمامي من العلماء الأعلام حتّى القرن السابع ، إلّا أنّ العلّامة الحلّي (قدس‌سره) المتوفّى (٦٧٦ ه‍) هذّب الاجتهاد وفتح باباً جديداً فيه وجعله في طول النصّ ، وإنّه عبارة عن عملية الاستنباط ، أي استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ، ثمّ توسّع هذا الاجتهاد ، ممّا أوجب التوسّع في علم أُصول الفقه الذي يبتنى عليه الفقه ، لما فيه من القواعد العامّة والكبريات والعناصر المشتركة السيّالة في كلّ الفقه ، وصار الاجتهاد عبارة عن

١٢٧

عملية تفاعل بين الفقه وأُصوله من أجل استنباط الحكم الشرعي.

وكان الاجتهاد مفتوح الباب في المدرسة الشيعية ، يتقدّم ويتطوّر بتقدّم العلم وتطوّر الزمان ، فيزاد على ثروته العلمية والعملية ، وتثرى مباحثه ومحتوياته بين آونة وأُخرى.

وأخيراً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران أكّد قائد الثورة الإمام الخميني (قدس‌سره) على تأثير الزمان والمكان في الاستنباط. وعقدت ندوات ومؤتمرات ومحافل علمية وحوزوية لتبيّن هذا الموقف الجديد في الاجتهاد المعاصر إن صحّ التعبير.

ومن أجل تتميم الفائدة وتعميمها نتعرّض لذلك إجمالاً وعلى نحو الإيجاز ، فنقول :

يطلق الزمان والمكان على معنيين : فتارة يراد منهما الظرفية الزمنية والمكانية للحوادث والطوارئ الحادثة فيهما ، وأُخرى يراد بهما المظروف أي الحوادث والوقائع التي تقع في الحياة وأساليبها والظروف الاجتماعية التي تقدّم الحضارة وتغيّرها. والمقصود من عنصري الزمان والمكان في الاجتهاد هو المعنى الثاني.

ثمّ لنا في الشريعة الإسلامية ثوابت ومتغيّرات ، فلا بدّ حين تفسير مدخلية الزمان والمكان في الاجتهاد ملاحظة الثوابت ، وأنّه لا تعارض بين الاجتهاد المذكور وبين الأُصول المسلّمة في التشريع الإسلامي ، فإنّ من الأُصول أنّ التشريع والتقنين من مراتب التوحيد الإلهي ، فإنّه لا مشرّع سواه كما في قوله تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا

١٢٨

يَعْلَمُونَ) (١) ، والمراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله تعالى (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).

وفي قوله تعالى (قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)(٢).

ومنها : أنّ الشريعة الإسلامية بالمعنى الأخصّ خاتمة الشرائع السماوية ، فحلال محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

روى زرارة قال : سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن الحلال والحرام قال : (حلال محمّد حلال أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره ، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره) (٣).

وقال أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام) : (ما أحد ابتدع بدعة إلّا ترك بها سنّة).

ثمّ ربما أوّل من أشار إلى مدخليّة الزمان والمكان من أصحابنا هو المحقّق الأردبيلي (قدس‌سره). حيث قال : «ولا يمكن القول بكلّية شيء بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيّات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص وهو ظاهر ، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف امتياز

__________________

(١) يوسف : ٤٠.

(٢) يونس : ١٥.

(٣) الكافي ١ : ٥٨ ، الحديث ١٩ ، وبهذا المضمون أحاديث كثيرة.

١٢٩

أهل العلم والفقهاء ، شكر الله سعيهم ورفع درجاتهم» (١).

وهناك كلمة مأثورة عن الإمام السيّد الخميني (قدس‌سره) حيث قال : إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج (السنّتي القديم) بين فقهائنا ، وبالاجتهاد على النهج الجواهري أي جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام وهذا الأمر لا بدّ منه ، لكن لا يعني ذلك أنّ الفقه الإسلامي لا يواكب حاجات العصر ، بل إنّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد ، فقد يكون لواقعة حكم لكنّها تتّخذ حكماً آخر على ضوء الأُصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده) (٢).

هذا والمحافظة على كرامة الأحكام الأوّلية المنصوصة في الشريعة الإسلامية ممّا اتّفق عليه أتباع مدرسة السنّة أيضاً ، فإنّه عندهم إنّما يقبل التغيير الأحكام الاجتهادية لا المنصوصة وذلك من خلال القياس وغيره.

قال مصطفى أحمد الزرقاء :

«وقد اتّفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الأحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحيّة ، أي التي قرّرها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة ، وهي المقصودة من القاعدة المقرّرة (تغيير الأحكام بتغيّر الزمان).

أمّا الأحكام الأساسيّة التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها

__________________

(١) موسوعة طبقات الفقهاء ١ : ٣٢٠ ، عن مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٤٣٦.

(٢) المصدر نفسه ، عن صحيفة النور ٢١ : ٩٨.

١٣٠

الأصليّة الآمرة الناهية كحرمة المحرّمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود .. إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعيّة الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها ، فهذه لا تتبدّل بتبدّل الأزمان ، بل هي الأُصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال ، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدّل باختلاف الأزمنة المحدثة» (١).

فلا بدّ عند القول بتأثير العنصرين في الاجتهاد أن يحافظ على الأصلين المتقدّمين فنحترز عن تشريع الحكم وجعله فإنّه مختصّ بالله سبحانه ، كما نقدّس ونؤيّد الأحكام الأوّليّة ، ومن ثمّ يقال للزمان والمكان تأثير في استنباط الأحكام الشرعيّة والأحكام الحكومية ، كما تعرّض إلى تفصيل ذلك بعض الأعلام.

فالأوضاع والأحوال الزمنية لها تأثير خاصّ وكبير في استنباط الحكم الشرعي ، وهذا التأثير تارة باعتبار الموضوع وأُخرى باعتبار الحكم.

توضيح ذلك : لمّا كانت القضيّة مركّبة من موضوع ومحمول فتأثير العنصرين تارة يرجع إلى ناحية الموضوع وأُخرى إلى الحكم باعتبار الملاك أو كيفيّة تنفيذ الحكم.

والأوّل : قد يراد من تبدّله انقلابه إلى موضوع آخر كصيرورة الخمر خلّا ، هذا خارج عمّا نحن فيه ، وقد يصدق الموضوع على مورد في زمان ومكان ونفس الموضوع لا يصدق على ذلك المورد في زمان ومكان آخر لمدخليّة الظروف الخاصّة

__________________

(١) موسوعة طبقات الفقهاء ١ : ٣٢١ ، المقدّمة ، عن المدخل الفقهي العام ٢ : ٩٢٤.

١٣١

فيها. كالاستطاعة في الحجّ والفقر والغنى وبذل النفقة للزوجة وما شابه ذلك كصدق المثلي والقيمي ، فربما في زمان يكون الشيء من القيميّات ، ثمّ يكون من المثليّات ، كالأواني وكصدق المكيل والموزون فربما في بلد يكون البيض بالوزن وفي آخر بالعدّ فهذا كلّه من تبدّل الموضوع باعتبار الزمان والمكان.

والثاني : كما نعتقد أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للملاكات والمصالح والمفاسد الملزمة في علم الله يشترك فيها العالم والجاهل ، وربما يكون مناط الحكم مجهولاً وربما يكون معلوماً بتصريح من الشارع المقدّس ، وفي الثاني يدور الحكم مدار مناطه وملاكه ، فإذا تبدّل الملاك يتبدّل الحكم كبيع الدم ، ففي زمان لم يكن للدم قيمة وثمن ، فكان ممّا يحرم بيعه ، وفي زمان آخر أو مكان آخر يثمّن ذلك فيجوز بيعه ، وكقطع الأعضاء فكان من المثلة ، واليوم في خدمة الطبّ لزرع الأعضاء ، فوقف الفقهاء على ملاك الحكم عبر تقدّم الزمان وتطوّر العلم.

والثالث : كتأثير الزمان والمكان في تنفيذ الحكم وكيفيّته كتقسيم الغنائم الحربيّة بين المقاتلين ، فكان من السهل ذلك في صدر الإسلام ، لقلّة أدوات الحرب بخلاف عصرنا هذا والتطوّر الهائل في الأسلحة وفي الحافلات والمدرّعات والصواريخ والقنابل والطائرات المقاتلة ، فالفقيه لا بدّ أن يتّخذ موقفاً جديداً في تنفيذ الحكم من تقسيم الغنائم فتغيّر الأوضاع والأحوال الزمنيّة تعطي للمجتهد نظرة جديدة نحو القضايا المعاصرة باعتبار القديم والحديث ، فالبيع في القديم يختلف في الجديد ، فكان منحصراً بنقل الأعيان واليوم يجوّزون بيع الحقوق والامتيازات العامّة أو الخاصّة كامتياز شركة أو مجلّة وما شابه ذلك.

١٣٢

كما يؤثّر الزمان والمكان في كيفيّة الأساليب وتعيّنها في القوانين الثابتة ، فإنّ الشارع في بعض الموارد الشرعيّة ربما لم يجدّد الأُسلوب المتّخذ فيه ، بل ترك ذلك ليختار بما يطابق الزمان والمكان كالدفاع عن بيضة الإسلام ، فإنّه قانون ثابت لا يتغيّر ، إلّا أنّ الأساليب المتّخذة لتنفيذ هذا القانون موكولة إلى مقتضيات الزمان والمكان التي تتغيّر بتغيّره ، وكنشر العلم والثقافة فهو أصل ثابت تتغيّر أساليبه بتغيّر الزمان والمكان ، وكالتشبّه بالكفّار ، فمنع عن ذلك النبيّ الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله) حتّى أمر بخضب الشيب وقال : (غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود) إلّا أنّه لمّا ازدادت رقعة الإسلام واعتنقه شعوب مختلفة وكثر فيهم الشيب تغيّر الأُسلوب ، ولمّا سئل أمير المؤمنين (عليه‌السلام) عن ذلك فقال : (إنّما قال ذلك والدين قلّ ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤٌ وما اختار) (١).

هذا ولا بدّ في تأثير عنصري الزمان والمكان في الأحكام الشرعيّة أن لا يؤثّر في كرامة حصر التشريع في الله سبحانه ، ولا يمسّ بقداسة الكبريات والأُصول الثابتة الشرعيّة ، وهذا من الفقه الحيّ الذي يتماشى مع كلّ عصر ومصر ، وهذا إنّما يتحقّق في فقه المذهب الإمامي الذي يعتقد بحياة إمامه المعصوم (عليه‌السلام).

ولا يحقّ لنا أن نفسّر التأثير بتفسير خاطئ ومردود ، بأنّه بمعنى تغيير الأحكام الشرعيّة حسب المصالح الزمنية ، حتّى يبرّر بذلك مخالفة بعض الخلفاء

__________________

(١) موسوعة طبقات الفقهاء ١ : ٣٢٧ ، المقدّمة ، عن نهج البلاغة ، قسم الحكم ، الرقم ١٦.

١٣٣

للكتاب والسنّة ، بأنّ الحاكم له الأخذ بالمصالح وتفسير الأحكام على ضوئها ، كما فعله (الثاني) في وقوع الطلاق ثلاثاً من دون التخلّل والرجوع ، فقال : (إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم) فأمضاه عليهم (١).

وإبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأيّ عنوان ، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد.

ثمّ ما ذكرناه من تأثير عنصري الزمان والمكان في الأحكام الشرعيّة وتغييرها بالمعنى الصحيح إنّما كان باعتبار مقام الإفتاء ، وكذلك الأمر في الأحكام الحكومتيّة ، حيث إنّه يقسّم الحكم إلى الحكم الشرعي والحكم الحكومتي ، والأوّل إلى الأوّلى والثانوي أي الأحكام الواقعيّة والأحكام الظاهريّة ، وعند التعارض بين الأحكام الأوّلية والثانوية تقدّم الثانية من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفي ، كتقدّم قاعدة لا حرج على الأحكام الضررية ، كالميتة يحرم أكلها إلّا من اضطرّ غير باغ ، ويرجع هذا إلى مقام الإفتاء والاستنباط.

وربما يكون التزاحم بين نفس الأحكام الواقعيّة ، فلو لم يرفع التزاحم لحصلت مفاسد ، فالفقيه الحاكم الجامع للشرائط المتصدّي لمنصب الولاء يقوم بتقديم بعض الأحكام الواقعيّة على بعض بتعيّن المورد من صغريات أيّ الكبرتين الواقعتين ، ولا يحكم الحاكم إلّا بعد ملاحظة الظروف الزمانية والمكانية ومشاورة

__________________

(١) المصدر : ٣٢٩ ، عن مسلم الصحيح ، باب الطلاق الثلاث ، الحديث ١.

١٣٤

العقلاء والخبراء في كلّ مورد بما يناسبه ، فالحاكم يرفع التزاحم في مقام الإجراء بملاحظته للزمان والمكان ، بأنّ المورد من صغريات أيّ الكبريات والأحكام الواقعيّة؟ فحكمه بتقديم إحدى الكبريين باعتبار مقام الولاية والحكم الولائي والحكومتي ، ويعرف ذلك بما عنده من المقاييس والدقّة في الظروف المحيطة بالمسألة والقضيّة ، ويحكم حكمه حكماً حكومياً ولائياً في طول الأحكام الأوّلية والثانوية ، ويسمّى بالحكم الحكومي لرفع التزاحم والحفاظ على الأحكام الواقعيّة في ظلّ العناوين الثانوية ، كالضرورة والاضطرار والتضرّر والضرار والعسر والحرج والأهمّ فالأهمّ والتقيّة والذرائع للواجبات والمحرّمات والمصالح العامّة للمسلمين ، وهذه العناوين أدوات بيد الحاكم ، يحلّ بها مشكلة التزاحم بين الأحكام الواقعيّة والأزمات الاجتماعية ، وبهذا لا يخرج حكم الحاكم الإسلامي الفقيه العادل عن إطار الأحكام الأوّلية والثانوية.

يقول العلّامة الشيخ جعفر السبحاني دام ظلّه : (وبالجملة الفقيه الحاكم بفضل الولاية الإلهيّة يرفع جميع المشاكل المماثلة في حياتنا ، فإنّ العناوين الثانوية التي تلوناها عليك أدوات بيد الفقيه يسدّ بها كلّ فراغ حاصل في المجتمع ، وهي في الوقت نفسه تغيّر الصغريات ، ولا تمسّ بكرامة الكبريات).

ثمّ يأتي بأمثلة لتوضيح المقام وتبيّن مدخليّة المصالح الزمانية والمكانية في حكم الحاكم وراء دخالتهما في فتوى المفتي ، كقضيّة التنباك وحكم الميرزا الشيرازي ، وكفتح الشوارع والتصرّف في مال الغير ، وكبيع أموال المحتكر فيما لم تنفعه النصيحة ، وكالمعاملة من الشركات الداخليّة والخارجيّة وحرمة بيع

١٣٥

العنب إذا كان يصنع منه الخمر ، إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة التي لا يمكن للفقيه الحاكم غضّ النظر عن الظروف المحيطة به ، حتّى يتّضح له أنّ المجال مناسب لتقديم أيّ الحكمين على الآخر وتشخيص الصغرى. ثمّ يتعرّض الشيخ إلى دراسة في تأثير الزمان والمكان في الفقه السنّي ، ومناقشة ذلك ، فراجع (١).

فوائد

وهنا فوائد :

الأُولى : لقد وردت بعض العناوين على المجتهد في الروايات الشريفة كالعارف بالأحكام والراوي للأحاديث والناظر في الحلال والحرام ، ووقع في لسان الفقهاء عناوين اخرى لا سيّما في العصور المتأخّرة كالمجتهد والفقيه والمفتي والقاضي وحاكم الشرع وهذه العناوين عبارة عن شخص واحد ولكن بجهات عديدة ، فإنّه بالقياس إلى الأحكام الشرعيّة الواقعيّة يسمّى مجتهداً لما يبذل من الجهد والطاقة واستفراغ الوسع للوصول إلى الواقع من الطرق الشرعيّة من الأدلّة التفصيليّة ، وتسمّى الأدلّة حينئذٍ بالدليل الاجتهادي كالأمارات كخبر الثقة والظواهر ، وبالقياس إلى الأحكام الظاهريّة يسمّى فقهاً لكونه عالماً بها على نحو العلم واليقين ، ومعنى الفقه ذلك أو الفقه كما في اللغة الفهم وهو مرادف للعلم أو ملازمه. وبالقياس

__________________

(١) موسوعة طبقات الفقهاء ١ : ٣٣٦ ، المقدّمة.

١٣٦

إلى أنّه يفتي بين الناس يسمّى مفتياً ، وبالقياس إلى أنّه يرفع خصومة المتنازعين إليه يسمّى قاضياً ، ومع قطع النظر عن الترافع إليه يسمّى حاكم الشرع بالنسبة إلى مثل الأُمور الحسبيّة كولاية الأيتام والقصّر والغائبين ، وباعتبار ولايته يعبّر عنها بولاية الفقيه ، والأعلام بين من يحدّدها بمواردها الخاصّة التي وردت في النصوص الشرعيّة من الأُمور الحسبيّة ، وبين من يقول بولايته المطلقة ، وإنّه ممّا ينتظم به أمر المعاد والمعاش للعباد ، وأنّ حكمه مثل حكم القاضي ماضٍ على العباد مجتهدين أو مقلّدين له أم لغيره أو لا يكونوا قلّدوا واحداً لاشتراك العلّة ، وهي كونه منصوباً من المعصوم (عليه‌السلام) ، ولأنّ حصول النظام لا يكون إلّا بذلك ، ولأنّه نائب المعصوم (عليه‌السلام) ، والمعروف من المتأخّرين أنّ ثبوت الهلال من مناصبه (١).

ثمّ المجتهد هذا بالقياس إلى شرائط الاجتهاد التي مرّت يسمّى أُصوليّاً رجاليا محدّثاً إلى غير ذلك.

وقيل : المجتهد لا يجوز أن يقلّد المجتهد الآخر ، لأنّه إمّا أن يقول بما يقوله فيلزم اللغو ، أو يخالفه فيلزم رجوع العالم إلى الجاهل ، فإنّه يرى نفسه عالماً وغيره المخالف جاهلاً ، وإلّا يلزم العكس ، فينتفي الاجتهاد وحينئذٍ فلا يقلّد المجتهد مجتهداً آخر ، نعم ربما يستند إلى قوله من باب التأييد والمرجّحات الاجتهادية عند المعارضة ، وكذا استناده إلى قول علماء الرجال واللغة وأمثالهما فليس من باب التقليد ، فإنّه لا يستند إلى قولهم رأساً ، بل يبذل الجهد لمعرفة المعارض وما هو الصواب في

__________________

(١) ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد : ٣٥٢.

١٣٧

الترجيح والجمع والحجّية.

ولا بدّ للمجتهد أن يكون في مقام الاستنباط من الكتاب والسنّة جازماً بدلالتهما على الأحكام الشرعيّة ، حتّى قيل : لا يكفيه الظنّ ، فليس الغاية تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي كما عند البعض كالحاجبي ومن يحذو حذوه ، حتّى فسح المجال للأخباريين بالهجوم على المجتهدين الأُصوليين بأنّهم يعملون بالظنّ ، وأنّه لا يغني من الحقّ شيئاً ، بل المجتهد يفتي بالكتاب والسنّة ويقول : هذا ما دلّ عليه الكتاب أو السنّة أو هما معاً ، وكلّما دلّ عليه الكتاب والسنّة فهو حكم الله في حقّي وحقّ من اتّبعني ، فهذا حكم الله جلّ جلاله.

الثانية : لقد ثبت في علم أُصول الفقه أنّ مدارك الأحكام والتي تسمّى بالأدلّة التفصيليّة عبارة عن الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ، فالفقيه يعتمد على هذه المدارك في مقام الاستنباط ، وهي الحجّة له ولمن يقلّده ، لما دلّت الروايات على ذلك ، فإنّه يصدق عليه العارف بالأحكام والناظر في الحلال والحرام والراوي للأحاديث ، وهذه من الأوصاف العلميّة للمجتهد كما أنّه مخالف لهواه مطيع لأمر مولاه صائناً لنفسه حافظاً لدينه من الأوصاف العمليّة ، فمثل هذا الفقيه قطعه حجّة لنفسه ولمن تبعه ، وأمّا من حصل له القطع من غير هذه الطرق باختياره أو بغير اختياره كالجفر والرمل أو الرؤيا وما شابه ذلك ، فقطعه وإن كان لنفسه حجّة ، بناء على حجّية القطع الذاتيّة سواء كان معذوراً أو مقصّراً في ذلك ، إلّا أنّه لا يجوز أن يقلّده العامي ، كما لا يكون قضاؤه نافذاً لأنّ الروايات الدالّة على الإرجاع إلى

١٣٨

القاضي والفقيه منصرفة عن ذلك ، والظاهر منها أنّها ناظرة في جواز الرجوع إلى من علم بالحكم من الطرق المألوفة كما هو واضح ، لا سيّما على القول بالاجتهاد الانفتاحي بل الانسدادي الحكومتي والكشفي أيضاً ، فإنّ العامل بالاحتياط لجهله بالحكم الشرعي لا يصدق عليه العالم والفقيه ليشمله إطلاقات أدلّة جواز التقليد ، كما إنّ ظنّه ليس حجّة في حقّ المقلّد ، للتمكّن من تقليد من يقول بالانفتاح ، فلم ينسدّ باب العلمي على المقلّد ، الذي هو من مقدّمات الانسداد.

الثالثة : يا ترى هل بحث الاجتهاد والتقليد من مباحث علم الفقه أو علم أُصول الفقه أو علم الكلام؟

عند ما نرجع إلى مصنّفات أصحابنا الإماميّة نرى الاختلاف في ذلك ، فمنهم من أدخله في علم أُصول الفقه كما جاء في خاتمة (كفاية الأُصول) للمحقّق الآخوند الخراساني (قدس‌سره) ، ومنهم من أدخله في الرسائل العمليّة التي تعدّ من كتب الفقه باعتبار بحثها عن أفعال المكلّفين كما في العروة الوثقى للمحقّق السيّد اليزدي (قدس‌سره) المعاصر للمحقّق الخراساني ، ومن الأعلام من أفرز له بحثاً مستقلا وكتاباً خاصّاً ، ومنهم من بحثه ضمن كتاب القضاء.

وعند سيّدنا الأُستاذ السيّد رضا الصدر (قدس‌سره) (١) أنّ علم الاجتهاد علم قائم بنفسه لأنّه بالنسبة إلى علم أُصول الفقه يعدّ من الغاية فلا يدخل فيه ، وإلّا لزم

__________________

(١) الاجتهاد والتقليد : ٢٣.

١٣٩

دخول البحث عن الغاية في البحث عن المغيّا ، وإنّه ليس بحكم شرعي فإنّه من الموضوعات الخارجيّة فلا يدخل في علم الفقه الباحث عن الأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة ، كما إنّه ليس من علم الكلام لأنّ الاجتهاد عبارة عن تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي ، ولا يرتبط هذا بالكلام الباحث عن الله وأفعاله ، فيكون علم الاجتهاد علم مستقلّ من العلوم الإسلامية ، وكذلك علم التقليد ، فإنّ التقليد ليس نفس فعل المكلّف حتّى يدخل في علم الفقه ، بل من العوارض الطارئة لفعله ، وكذلك بالنسبة إلى أُصولي الفقه والكلام.

١٤٠