مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج ٤

جواد الكاظمي

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج ٤

المؤلف:

جواد الكاظمي


المحقق: محمّد الباقر البهبودي
الموضوع : الفقه
الناشر: المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٥٥

مباح ، وفي الجمع بين تقييد الدّم بالمسفوح هنا وبين إطلاقه في قوله : حرّمت عليكم الميتة والدّم اشكال ، ومن ثمّ أخذ الشّافعيّة بظاهر الإطلاق فحرموا مطلق الدّم وان تخلّف في العروق بعد الذّبح.

ولا منافاة بين الإطلاق والتقييد هنا فيعمل على الإطلاق إلّا ما ثبت خروجه بالدّليل ، وقيّده بعضهم به ويلزمه اباحة غير المسفوح وفيه نظر وفي تفسير القاضي انّ دما معطوف على أنّ ـ مع ما في حيزه ولعلّ ذلك لاختلاف القراءة المتواترة في رفع ميتة ونصبها ولو تعيّن نصبها لكان العطف عليها لازما.

(أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) يحتمل رجوعه الى لحم الخنزير أو خنزير نفسه أو كلّ واحد ممّا تقدّم اى هو قذر أو خبيث تنفر عنه الطّباع.

(أَوْ فِسْقاً) عطف على لحم الخنزير وما عطف عليه وما بينهما اعتراض للتعليل والمراد أنّ من المحرّمات ما هو فسق لكنّه مجمل لم يبيّنه ولعلّ قوله : (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) صفة موضحة له بيّن المراد منه بها ولا يبعد أن يراد ما لم يذكر اسم الله عليه سواء ذكر عليه غير الله أم لا والإهلال رفع الصّوت بالشيء.

(فَمَنِ اضْطُرَّ) اى تناول شيئا من المذكورات (غَيْرَ باغٍ) اى غير قاصد أكل الميتة أو باغ على مضطرّ آخر مثله أو خارج على الامام (وَلا عادٍ) قدر الضّرورة وفي مرسلة البزنطي (١) عن أبى عبد الله عليه‌السلام في قول الله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ) قال : الباغي الّذي يخرج على الامام ، والعادي الذي يقطع الطّريق لا تحلّ له الميتة.

(فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لا يؤاخذه على ذلك لانّه أباحه له والآية محكمة دالّة على انّه عليه‌السلام لم يجد فيما اوحى إليه إلى تلك الغاية محرّما غير المذكورات ،

__________________

(١) انظر البرهان : ج ١ ، ص ١٧٤. والمجمع : ج ١ ، ص ٢٥٧. وفيه : غير باغ على امام المسلمين وعاد بالمعصية طريق المحقين وهو المروي عن أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما‌السلام.

١٤١

فلا ينافيه ورود التّحريم بعد ذلك بالنّسبة إلى أشياء أخر ، وعلى هذا فلو ورد خبر دالّ على تحريم شيء غيرها لا يكون ذلك نسخا للكتاب بالسنّة كما قد يتوهّمه جماعة ، لأنّ شرط النّسخ استمرار الحكم وعدم وجدان الحكم في وقت لعدم الوحي لا ينافيه التّنصيص على الحكم فيما بعد ذلك من الأوقات ، إذ نهاية عدم وجدان الحكم عدم الحكم ، وهو ليس حكما بالعدم ، حتّى يكون ورود الحكم بعد ذلك ناسخا.

على أنّ ذلك لا ينافي محرّمات أخر في تلك الحالة إذ قد يكون الحصر إضافيّا أو يكون داخلا بدليل آخر فيخصّ عموم الإباحة المفهوم من الحصر بدليل من خارج كسائر العمومات ، أو يقال : إن حاصل القول بأنّه لا محرّم سوى الأربعة انّ ما عداها ليست بمحرّمة وهذا عامّ فإثبات محرّم آخر تخصيص له لا نسخ فلا نسخ بوجه.

وقد ظهر ممّا ذكرنا أنه لا يمكن الاستدلال بها على حلّ ما عدا المذكورات الّا مع انضمام الاستصحاب وتتبع دليل التحريم فإنه بمجرّد أصالة العدم من دون الفحص والتفتيش لا يثبت الحليّة لجواز التّغيير نعم لا يجب الاستقصاء في الفحص كما بيّن في الأصول.

الثالثة :

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) وهو كلّ شراب خالط العقل فستره وذهب به من أىّ قسم كان أخذا من التّخمير وهو السّتر ، هذا عند أصحابنا ولهم في ذلك روايات دلّت عليه وتابعهم الشّافعي وقال أبو حنيفة : هو ما غلا واشتدّ وقذف بالزّبد من عصير العنب.

(وَالْمَيْسِرِ) مصدر كالموعد سمّى به القمار لما فيه من أخذ مال النّاس بيسر أو سلب يساره تقول : يسرته إذا قمرته وهو عندنا شامل لجميع أنواع القمار من النّرد والشطرنج والكعبتين حتّى لعب الصّبيان بالجوز ، وان لم يكن على رهن عند أصحابنا ، وعن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : إيّاكم وهاتين الكعبتين المشؤمتين فإنّهما من ميسر

١٤٢

العجم. وعن علىّ عليه‌السلام : انّ النّرد والشّطرنج من الميسر ، والمعنى انّهم يسألونك عن تعاطيهما.

(قُلْ فِيهِما) أي في تعاطيهما (إِثْمٌ كَبِيرٌ) وزر عظيم وقرء حمزة والكسائي كثير بالثّاء المثلّثة ومعنى الكثرة أنّ أصحاب الخمر والميسر يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة لأنّها مفسدة للعقل ومؤدية إلى ارتكاب المحرّمات وترك الواجبات كما أشعر به قوله (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ.) الآية.

(وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) من كسب المال والطّرب وحصول القوّة بشربها والتوصّل بهما إلى مصادقة الفتيان ومعاشرة الحكّام ونحو ذلك.

(وَإِثْمُهُما) لمترتّب على تعاطيهما (أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) فانّ المفاسد بالإثم عظيمة بالنّسبة إلى النّفع بل ليس هناك نفع بالنّسبة إلى الإثم إذ هو أمر فإن ولذّة قليلة والعقاب عظيم دائم.

ولعلّ ذكر النّفع للإشارة إلى أنّه أمر هيّن ليس بملتفت اليه عند العقل والشرع بل النفع الّذي يخيّله الإنسان فيه ليس بنفع حقيقة إذ ما يستلزم دخول النّار وغضب الملك الجبار ، والفضيحة في دار القرار ، وبين رسل الله وعباده الصّالحين الأبرار ، والدّخول في سلك الفجّار ، ليس بنفع عند أولي الأبصار ، والّا فالمناسب ترك ذكره في هذا المقام.

قال القاضي : ولذلك قيل : انّها محرّمة للخمر فانّ المفسدة إذا رجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل والأظهر انّه ليس كذلك لما مرّ ، أراد بما مرّ ما ذكره سابقا من عدم كون الحسن والقبح عقليّين فانّ تحريم فعل برجحان مفسدته على مصلحته من لوازم ذلك.

ولا يخفى ما في كلامه من النّظر : امّا أوّلا فلحكمه بعدم كون الآية محرّمة لها والظّاهر انّها دالّة على التّحريم إذ لا يراد من الحرام سوى ما يلحق فاعله الإثم والذنب وقد صرّح تعالى فيها بترتّب الإثم على تعاطيهما ووصفه بالكبير وكون الإثم

١٤٣

أعظم من النّفع.

وأمّا ثانيا فلانّ الفعل إذا اشتمل على مفاسد كثيرة أكثر ممّا يتخيّل أنّه منفعة فإنّ الحكمة تقتضي تحريمه وإن قلنا بالحسن والقبح الشّرعيّين فقط وأنّ أفعاله تعالى ليست معلّلة بالأغراض وأنّه يجوز خلوّ الاحكام عن علل ومصالح لانّ ذلك لا يجوز عند ظهور المفاسد ولم يقل به من يقول بالشّرعيّين ، ومن ثمّ كان أصحاب القياس لا يجوّزون كون وصف صالح للعلّية غير علّة ولا يقولون بخلوّ الحكم عن علّة مهما أمكن وان جاز الخلوّ ويحكمون بأنّ التعبد قليل بل ليس له وجود فتأمّل.

«وفي مجمع البيان» : قال الحسن : في الآية دلالة على تحريم الخمر من وجهين : أحدهما قوله : وإثمهما أكبر فإنّه إذا زادت مضرّة الشيء على منفعته اقتضى العقل الامتناع منه والثّاني انّه بيّن انّ فيهما الإثم وقد حرم في آية أخرى الإثم فقال : (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ) هذا.

واعلم انّ الظّاهر من الأخبار وهو المشهور بين أصحابنا انّ الخمر ما كانت محلّلة أصلا في الإسلام بل في سائر الأديان كانت حراما ، والّذي يظهر من الكشاف والبيضاوي أنّها كانت محلّلة في أوّل الإسلام ثمّ نزل تحريمها قال في الكشاف ونحوه قال في تفسير القاضي : روى انّها نزلت بمكّة (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. وفي استفادة التّحليل من هذه الآية نظر ، بل الظّاهر خلافه وسيجيء الكلام فيها قريبا ان شاء الله تعالى.

ثمّ قالا : انّ عمر ومعاذا ونفرا من الصّحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنّها مذهبة للعقل ومسلبة للمال فنزلت (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) الآية ، فشربها قوم وتركها آخرون.

ولا يخفى ما فيه فانّ قولهم : أفتنا. ان كان بعد فهم التحليل من الآية السّابقة فلا وجه للإفتاء بعده بل يجب عليهم متابعة قوله تعالى وارادة التّحريم بالإفتاء بعد ثبوت التّحليل لا معنى له ، وأيضا شرب قوم بعد نزول هذه الآية امّا لعدم فهمهم

١٤٤

التّحريم أيضا أو لارتكاب الإثم ، والأوّل باطل لأنّهم سألوا النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أن أفتنا في الخمر وغرضهم بيان تحريمها فنزلت ، وذلك يقتضي ظهورها في التّحريم والّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو باطل كما ثبت في محلّه.

ثمّ قالا : ودعا عبد الرّحمن بن عوف أناسا منهم فشربوا وسكروا وأمّ أحدهم فقرء أعبد ما تعبدون فنزلت (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) فقل من يشربها. ولا يخفى أنّ السّابقة أدل على التّحريم من هذه الآية فترك الأكثر الشّرب لهذه دون سابقتها نظرا إلى عدم الفهم منها بعيد.

ثمّ قالا : ودعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبى وقّاص فلمّا سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاريّ بلحى بعير فشجّه موضحة فشكى الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال عمر : اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فقال عمر : انتهينا يا رب.

ولا يذهب عليك انّ عمر مع ورود هذه الآيات وارتداع جماعة من الصّحابة عن الشّراب بعد ورود كلّ آية لم يرتدع واستمرّ على شربها مع سماع الأجوبة إلى آخر آية نزلت في ذلك وهو يعطي قلّة خوفه من الله تعالى حال حياة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ونقل في الكشاف عن علي عليه‌السلام (١) لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذّن عليها ولو وقعت في البحر ثم جفّ ونبت فيه الكلاء لم أرعه. وعن ابن عمر : لو أدخلت إصبعي فيه لم تتبعني يعنى قطعها.

ثم قال : وهذا هو الايمان حقا وهم الّذين اتّقوا الله حقّ تقاته ، والظّاهر انّه يريد وصف علىّ عليه‌السلام وابن عمر بالايمان الكامل إذ رجوع كلامه الى الجميع بعيد ويلزم منه عدم الايمان في غيرهما وكفى به شاهدا على عدم الايمان في صاحبيه.

__________________

(١) انظر كنز العرفان : ج ٢ ، ص ٣٠٥ واللفظ فيه : (ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه لم أرعه). وفي الكشاف. ج ١ ، ص ٢٦٠ مثل ما في الكتاب ، ولم أجده في الشاف الكاف. وفي زبدة البيان ج ١ ، ص ٦٣٠.

١٤٥

الثالث

في أشياء من المباحات

وفيه آيات :

الاولى [المائدة : ٤].

(يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ) اى من المطاعم والمآكل بعد ما بين لهم المحرّمات لما حصل لهم من الشبهة في موضع يحتمل التحريم ولم يكتفوا بالبراءة الأصليّة بل طلبوا النصّ.

(قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) ما لم تستخبثه الطبائع السليمة ولم تنفر عنه والظاهر انّ ذلك ممّا لم يدلّ دليل على تحريمه من عقل أو نقل فيكون مؤيّدا للحكم العقلي بالإباحة ويجتمع العقل والنّقل على اباحته ما لم يدلّ دليل على تحريمه وفهم منه حرمة المستخبثات المقابلة للطيّبات كما دلّ عليه بالمنطوق قوله : ويحرّم عليهم الخبائث.

(وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) عطف على الطيّبات ان كانت ما موصولة على تقدير مضاف اى وصيد ما علمتم ، وجملة شرطيّة جوابها فكلوا ان كانت شرطيّة ، والجوارح هنا الكلاب فقط بقرينة قوله :

(مُكَلِّبِينَ) فإنّه مشتق من الكلب اى حال كونكم صاحبي كلاب أو معلّمى كلاب وهو يقتضي كون المراد بالجوارح هنا الكلاب فقط لانّ المكلب صاحب الكلاب بلا خلاف بين أهل اللّغة والتقييد به يعطى ما ذكرناه ، إذ لو أراد مطلق الجوارح لم يحتج الى هذا التقييد بل كان أخذه مضرّا.

وقد انعقد إجماع علمائنا على أنّه لا يجوز الاصطياد بشيء من الجوارح ، بمعنى أنّه لا يحلّ مقتولها الّا مقتول الكلب المعلّم فإنّه حلال سواء كان الجارح من جوارح

١٤٦

السباع أو جوارح الطير.

وقيل : انّ المراد بها مطلق الجوارح من السّباع ذوات الأربع والطيور وإطلاق المكلبين باعتبار كون المعلّم في الأغلب كلبا ولانّ كلّ سبع يسمّى كلبا لقوله (١) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سلّط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد.

وفيه نظر إذ هو خلاف ظاهر الآية وإطلاق الكلب على غيره من السباع تجوّز بلا خلاف فلا يكون داخلا تحته مع الإطلاق وقد تظافرت أخبارنا عن أئمتنا عليهم‌السلام باختصاص حلية ما ذبحه الكلب المعلم دون غيره من الجوارح.

فان قيل : هب انّ المذكور في الآية اباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذّكر لا ينفى حلّ غيره لجواز الاصطياد بالرّمي والشبكة ونحوهما مع سكوت الآية عنها.

قلنا : ظاهر انّ الآية إذا دلّت على حلية مقتول الكلب كان حلّية ما عداه يتوقف على الدليل والأصل عدمه وفي مجمع البيان : وروى عن علىّ بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبى بكر الحضرمي عن أبى عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب فقال : لا تأكل إلّا ما ذكّيت الّا الكلاب قلت : فان قتله؟ ـ قال : كل : فانّ الله يقول : وما علّمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهنّ مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه. ثمّ قال عليه‌السلام : كل شيء من السباع يمسك الصيد على نفسها الا الكلاب المعلمة فإنّها تمسك على صاحبها وقال : إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم الله عليه فهو ذكاته وهو أن يقول : بسم الله والله أكبر.

(تُعَلِّمُونَهُنَّ) حال ثانية أو استيناف (مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ) من الحيل وطرق التأديب فيصرن معلمة بتعليمكم أو ممّا علمكم الله من اتباع الكلب الصّيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وفيه دلالة على أنّ صيد غير المعلم حرام الا أن يدرك ذكاته فيذكّيه

__________________

(١) انظر القصة ودعاء النبي (ص) على عتبة بن أبى لهب وافتراس الأسد إياه في تفسير سورة النجم مجمع البيان ج ٥ ، ص ١٧٢ ، والدر المنثور ج ٦ ، ص ١٢١ ـ ١٢٢ ، والكشاف ج ٤ ، ص ٤١٨.

١٤٧

ولا خلاف في ذلك.

وقد اختلف أصحابنا في حدّ تعليم الكلب والمشهور فيما بينهم أن يكون بحيث يذهب إذا استرسل ويقف إذا زجر ولا يعتاد أكل ما يمسكه ويتحقق ذلك بالتكرار على هذه الصفات الثلاث مرارا بحيث يعلم في العرف انّه معلم.

وقيل : هو أن يكون الكلب بحيث يفعل ما يريد صاحبه فيطلب الصّيد إذا شلاه وينعطف عليه إذا راغ من بين يديه ويمسكه له وإذا جاءه ليأخذه منه لم يحمل الصيد ويهرب منه أو يحميه عنه بالهرير عليه ، فإذا تحقق ذلك منه مرارا صار معلما وقيل : لأحد له بل متى صدر منه الترغيب أو المنع امتثل لكن ينبغي أن يعلم أنّ ذلك صار عادة له والأقوال متقاربة.

(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) يتفرع على ما تقدم ، أو جزاء الشرط كما عرفت و «من» قيل زائدة نحو كلوا من ثمره وقيل مقيدة فان بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش ، وفي الكشاف (١) الإمساك على صاحبه أن لا يأكل من الصيد فلو أكل منه كان قد أمسك على نفسه ولا ريب في أنّ الكلب إذا كانت هذه عادته لم يحل أكل ما قتله من الصيد لعدم حصول شرط التعليم وأصحابنا لا يخالفون في ذلك.

نعم لو أكل منه نادرا فالظاهر جواز الأكل على ذلك التقدير للأخبار المعتبرة الاسناد الدالة على إباحة الأكل مما يقتله الكلب المعلم وان أكل منه.

وفي صحيحة رفاعة بن موسى عن الصادق عليه‌السلام قال : سألته عن الكلب يقتل فقال : كل فقلت : أكل منه فقال : إذا أكل منه فلم يمسك عليك ، إنما أمسك على نفسه. فحمله الشيخ على ما إذا كان معتادا أو على التقية لأنّ في العامّة من يمنع من أكل الصيد إذا أكل الكلب منه والأوجه الحمل الأوّل وبه يجمع بين الأدلّة.

(وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) الضمير عائد الى ما علمتم والمعنى سموا عند إرسال الكلب المعلم وهو شرط آخر في إباحة صيده ، ويحتمل أن يعود الى ما أمسكن عليكم

__________________

(١) انظر الكشاف ج ١ ، ص ٦٠٧. وفي الشاف الكاف : «انه متفق عليه».

١٤٨

والمعنى سموا عليه إذا أدركتم ذكاته وكلا الشرطين معتبر : أما الأوّل فلعدم حليّة ما ترك التسمية فيه عمدا عند الإرسال واما الثاني فلان مقتول الكلب من الصيد انّما يحلّ إذا لم يدرك ذكاته فلو أدرك ذكاته وجب عليه التذكية حتى لو أخل بها حرم.

نعم يظهر من الشيخ في النهاية انّه إذا أدركه كذلك ولم يكن معه ما يذكيه فليتركه حتّى يقتله الكلب وهو بعيد والمشهور الأوّل وهو المفهوم من رواية على بن إبراهيم السالفة الّا أنّها تضمنت ذكر بسم الله والله أكبر والظاهر انّه غير متعين بل المعتبر ذكر الله المقترن بالتعظيم.

وهل يكفى ذكر الله مجردا فيه احتمال وبه قطع العلامة اما نحو اللهم اغفر لي أوصل على محمّد وآل محمّد ففيه قولان ، والظاهر اشتراط وقوعه بالعربيّة لتصريح القرآن باسم الله العزيز. ولا يرد أنّ مقتضى ذلك عدم الاجزاء مع ذكر أسمائه المختصّة به غير الله لأنّا نمنع أنّ المقتضى ذلك فتأمل.

(وَاتَّقُوا اللهَ) في محرماته (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) فيؤاخذكم بما جل ودق وفيه إشارة إلى الملاحظة التامة في أمر الصيد بل في غيره من الأحكام.

الثانية [المائدة ٥]

(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) أكد تحليلها بعد ما تقدم عليها وقد عرفته ولم يرد باليوم يوما بعينه وانّما أراد به الحاضر وما يتصل به من الأزمنة المستقبلة.

(وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ) اختلف في الطعام هنا فقيل : المراد به ذبائح أهل الكتاب ونسبه في المجمع (١) الى أكثر المفسّرين وأكثر الفقهاء وبه قال جماعة من أصحابنا ويؤيّده أنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ، ولأن ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل ان كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم ، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فايدة.

وقيل : المراد به ذبائحهم وغيرها من الأطعمة ، وقيل : انّه مختصّ بالحبوب

__________________

(١) انظر مجمع البيان ج ٢ ، ص ١٦٢.

١٤٩

وما لا يحتاج إلى التذكية ورواه الكليني (١) في الحسن عن قتيبة الأعشى قال : سأل رجل أبا عبد الله عليه‌السلام وأنا عنده فقال له الرجل : قال الله تعالى (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ). فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : كان أبى يقول : انّما هو الحبوب وأشباهها ونحوها ممّا دلّ على ذلك وإلى هذا القول يذهب أصحابنا وهو الصحيح.

ويدل عليه مضافا الى الأخبار انه تعالى نهى في كثير من الآيات عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه وما أهل به لغير الله وظاهر أنّ الكتابي لا يذكر اسم الله عليه.

ولو قيل : انّ محلّ النزاع ما لو ذكر اسم الله عليه والا فالمسلم مع خلو ذكر اسم الله لا تحل ذبيحته لقلنا : ظاهر انّ ما يذكره الكتابي من اسم الله ليس باسم الله تعالى حقيقة فإنّ اليهوديّ إنما يقصد الله الذي عزير ابنه والنصراني يقصد الله الذي المسيح ابنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والذكر على هذا الوجه بمثابة العدم فلا تباح الذبيحة به ، ولانّه يبعد في العرف إطلاق الطعام على الذبيحة وانّما هو في العرف عبارة عن البرّ والشعير ونحو ذلك من الحبوب.

على انا لو سلمنا ذلك لقلنا مقتضى الآية اباحة طعامهم على العموم خرج منه نحو الذبيحة وغيرها ممّا باشروه بالرطوبة لأدلة اقتضت ذلك وأوجبت التخصيص فيبقى ما عدا ذلك كالحبوب وغيرها داخلة فيه.

(وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) فيجوز لنا أن نطعمهم إياه وأن نبيعه عليهم وكذا سائر المعاملات بعوض ولا عوض وخصّ في المجمع الحليّة هنا بان تطعموهم وفيه بعد.

الثالثة [البقرة ١٧٣]

(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) قد عرفت معناها ، والتحريم المضاف الى العين ينصرف

__________________

(١) انظر الكافي : ج ٢ ، ص ١٥٠ باب ذبائح أهل الكتاب الحديث ١٠. ورواه أيضا في التهذيب ج ٩ ، ص ٦٤ الرقم ٢٧٠. والاستبصار : ج ٤ ، ص ٨١ بالرقم ٣٠٣ وهو في المرآة ج ٤ ، ص ٥٤. وفيه : «صحيح» مع شرح للحديث. وفي الوسائل ج ٣ من طبعة الأميري ص ٣٤٢ الباب ٢٦ من أبواب الذبائح الحديث ١.

١٥٠

الى المنافع كلها الا ما أخرجه الدليل إذ تقدير البعض دون بعض ترجيح من غير مرجح وذلك يقتضي تحريم التصرف فيها بأيّ وجه كان من إسراج شحمه أو ادهان حيوان به أو أكله ونحو ذلك ممّا اقتضاه العموم ولم يخرجه الدليل.

وقيل : انّ هذا التحريم ينصرف الى ما ينتفع بمثله عرفا كالأكل مثلا ويحتمل ترجيحه هنا من حيث ذكر الأكل قبله وبعده وحينئذ فتحريم غيره من الانتفاعات يعلم من دليل خارج عن الآية كالأخبار والإجماع ان كان.

(وَالدَّمَ) أطلق تحريم الدم هنا وقيّده في الآية السابقة بالمسفوح اى المصبوب فقال بعضهم : يجب حمله هنا على المسفوح لوجوب حمل المطلق على المقيد وفيه نظر :

امّا لانّ الحمل انّما يجب إذا كان بينهما منافاة وهو غير ظاهر هنا إذ يجوز تحريم مطلق الدم والدم المسفوح أيضا هذا إذا لم نعتبر مفهوم الوصف ولو اعتبرناه أمكن المنافاة واما لان قوله تعالى (لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً) الى قوله (أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) يقتضي حصر المحرمات المذكورة فيما وجد في ذلك الوقت فلا ينافيه الورود بعدها بتحريم الدم على الإطلاق وفي كلا الوجهين بعد.

والحق أن المقام لا يخلو من اشكال وقد استثنى الأصحاب المتخلف في اللّحم مما لا يقذفه المذبوح فإنّه عندهم حلال طيب ودليلهم عليه الإجماع والخبر وما في التحرز عنه من الضيق والحرج المنفيين.

(وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) خصّ اللحم بالذكر مع تحريم جميع أجزائه لحما وشحما وغيرهما نظرا إلى أنّه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر اجزائه كالتابع له فتدخل فيه أيضا وفي هذا قرينة على انّ المراد تحريم الأكل في الجميع فيبت تحريم غيره من الانتفاعات بدليل خارج عن الآية كما دل الدليل على نجاستها وهو يستلزم تحريم استعمال شيء منها فيما يشترط فيه الطهارة ونحو ذلك.

(وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) وما رفع به الصوت عند الذبح ذاكرين غير الله سواء كان الصنم أو لم يكن والإهلال في الأصل رؤية الهلال يقال : أهل الهلال وأهللته لكن

١٥١

لما جرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رئي سمى ذلك إهلالا ثمّ قيل لرفع الصوت وان كان لغيره كذا قاله القاضي ، والمفهوم عرفا من قوله : أهل به لغير الله أنّ سبب التحريم عدم ذكر الله على الذبيحة ومقتضاه اشتراط الحلية بذكر اسمه كما قال : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه.

(فَمَنِ اضْطُرَّ) اى تناول أحد الأمور المذكورة وعدم صبره عنه لمكان احتياجه الى سد الرمق الذي به الحياة (غَيْرَ باغٍ) بالاستيثار على مضطر مثله أو خارج على الإمام أو طالب أكل الميتة باللّذة (وَلا عادٍ) حد الضرورة أو بقطع الطريق وقد سلف مثله في مرسلة البزنطيّ فلا اثم عليه لا ذنب ولا تحريم عليه في التناول (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لما فعل (رَحِيمٌ) يرخص مثل ذلك حال الضرورة وقد سلف الوجه في الجمع بين الوجهين.

قال القاضي : فإن قيل : انما يفيد قصر الحكم على ما ذكر ، وكم من حرام لم يذكر قلت : المراد قصر الحرمة على ما ذكر ممّا استحلوه لا مطلقا أو قصر حرمته على حال الاختيار كأنّه قيل : انما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها. وفي الأول خفاء وفي الثاني بعد مع انّ تحريم كل محرم فإنّما هو على حال الاختيار لا الاضطرار كما يدل عليه العقل والنقل فعاد السؤال.

ويمكن أن يقال : المحرم حين النزول لم يكن الا هذه فقط كما دل عليه قوله : قل لا أجد فيما اوحى الآية فصح الحصر باعتبار ذلك الوقت ، أو انّ الحصر إضافي بالقياس الى ما حرمه جماعة من الصحابة على أنفسهم كما أسلفناه في قوله تعالى (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ). الآية أي ليس المحرم ما حرمتموه بل هذه الأشياء فتأمل.

الرابعة [الأنعام ١١٨]

(فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) متفرع على ما تقدمه من إنكار اتباع المضلين الذين يحرمون الحلال ويحللون الحرام فإنهم كانوا يقولون للمسلمين : انكم تزعمون انكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم فنزلت والمعنى كلوا ممّا ذكر اسم الله على ذبحه لا ما ذكر اسم غيره كالأصنام أو لم يذكر عليه اسم ولا ما مات حتف أنفه.

١٥٢

(إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ) فإنّ الايمان بها يقتضي استباحة ما أحلّه الله واجتناب ما حرّمه الله وفيه دلالة على وجوب التسمية على الذّبيحة كما أشرنا إليه ، وعلى أنّ ذبائح أهل الكتاب لا يجوز أكلها لأنّهم لا يسمّون الله عليها ومن سمّى منهم يعتقد أنّ الّذي يسميه هو الذي أبّد شريعة موسى أو عيسى عليهما‌السلام والّذي عزير ابنه أو المسيح فإذا لا يذكرون الله حقيقة.

والمعتبر من ذكر اسمه تعالى ذكره المقترن بالتّعظيم لانّه المتبادر المفهوم منه كأحد التّسبيحات الأربع ، وفي اجزاء ذكر الله مجرّدا احتمال قوىّ ، ويراد من ذكره ذكر اسمه المختصّ به ، وفي اجزاء الصّفة المختصّة به كالرّحمن أو القديم أو القادر على كلّ شيء وما يجرى مجراه وجهان أقواهما الاجزاء لقوله تعالى (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) وقد تقدم جانب من الكلام.

(وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا) واىّ غرض لكم في التّحرج عن الأكل (مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) عند ذبحه وما الّذي يمنعكم عنه.

(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) الواو للحال اى والحال انّه فصل لكم الحرام من الحلال بقوله : حرّمت عليكم الميتة الآية وبما أجراه على لسان نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأحكام.

واعترض بانّ قوله : حرّمت عليكم الميتة إلخ في أوّل المائدة وهي آخر ما نزل بالمدينة وسورة الأنعام مكيّة والآية تقتضي أن يكون المفصّل مقدّما على هذا المجمل ، والأولى أن يكون المراد قوله تعالى بعد هذه الآية (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً) الآية فانّ هذا القدر من التّأخير غير ضائر هذا. ويمكن أن يقال : هذه الآية من سورة الأنعام متأخّرة عن المائدة فتأمّل.

(إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) ممّا حرم عليكم فإنّه أيضا حلال لكم حال الضرورة لما في ترك التّناول من التأدية إلى هلاك النّفس ومقتضى الآية الاقتصار على ما يندفع به الضّرورة وهو سدّ الرّمق ومن جوّز الشّبع من ذلك كبعض العامّة فقد أبعد.

١٥٣

واستدلّ بها الجبائي على أنّ المكره على أكل المحرّمات لا اثم عليه لأنّه بمثابة المضطرّ في الخوف على النّفس وهو كذلك عندنا وعند الأكثر من العامّة.

(وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ) اى باتّباع أهوائهم فيحلّلون الحرام ويحرّمون الحلال (بِغَيْرِ عِلْمٍ) يستندون اليه ، ومن قرء بضمّ الياء من الكوفيّين أراد أنّهم يضلّون أتباعهم فحذف المفعول به وهو كثير.

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) المتجاوزين الحقّ إلى الباطل والحلال الى الحرام وفيه ترهيب عظيم.

ثم انّه تعالى بعد ذلك أكّد وجوب التّسمية حال الذّبح بقوله :

(وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) ظاهره تحريم أكل ما لم يسمّ عليه سواء كال عمدا أو نسيانا وبظاهره أخذ داود وهو قول جماعة من العامّة وقال الشّافعيّ : يحلّ أكلها في الحالين ان كان الذّابح مسلما استنادا الى قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ذبيحة المسلم حلال وان لم يذكر اسم الله عليه ، والخبر غير معلوم الصّحة فلا يصحّ الاستناد إليه في العموم.

والّذي قاله أصحابنا : إن تعمّد تركها مع اعتقاد وجوبها لم تحلّ لأنّها ميتة وان تركها نسيانا بعد أن يكون معتقدا لوجوبها وتحريم الأكل مع التّرك عمدا حلّ أكلها ويدلّ على ذلك بعد الإجماع الأخبار الواردة عن أصحاب العصمة عليهم‌السلام.

روى محمّد بن مسلم (١) في الصّحيح قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الرّجل يذبح ولا يسمّى قال : ان كان نسيانا فلا بأس إذا كان مسلما. وكان يحسن أن يذبح (الحديث) ونحوه من الأخبار وعلى هذا فتخصص الآية به ووافقنا في ذلك أبو حنيفة. ولو تركها جهلا بوجوبها ففيه وجهان والأحوط الاجتناب.

__________________

(١) انظر التهذيب : ج ٩ ، ص ٦٠ الرقم ٢٥٢. والكافي : ج ٢ ، ص ١٤٨ باب ما ذبح لغير القبلة الحديث ٢. والمرآة ج ٤ ، ص ٥٢. وفيه «صحيح». وهو في الوسائل ج ٣ من طبعة الأميري ص ٢٤٠ باب ١٥ من أبواب الذبائح الحديث ٢. وفي الوافي ج ١١ ، ص ٣٤.

١٥٤

(وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) وان أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فسق وخروج عن الطّاعة ويحتمل رجوع الضّمير الى ما لم يذكر اسم الله عليه ، فانّ الفسق ما أهلّ لغير الله به وتمام ما يتعلّق بأحكام الذّبيحة تعلم من الفروع.

الخامسة : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ) يعني الإبل والبقر والغنم (لَعِبْرَةً) دلالة يعتبر بها من الجهل الى العلم (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) استيناف لبيان العبرة وتذكير الضمير وتوحيده هنا نظرا الى لفظه فانّ الأنعام اسم جمع لا جمع حقيقة فيعتبر لفظه مرّة فتذكّر ومعناه اخرى فيؤنّث كما أنّث في سورة المؤمنين ، وكذلك عند سيبويه المفردات المبنيّة على أفعال كأخلاق والباس ونحوها يذكّر ضميرها تارة ويؤنّث أخرى ، ومن قال انّه جمع جعل الضّمير لبعض المفهوم منها فانّ اللّبن لبعضها وهو الإناث دون الجميع ، ويحتمل أن يراد به الجنس فلا اشكال.

(مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً) فإنّه يخلق من بعض أجزاء الدّم المتولّد من الأجزاء اللطيفة الّتي في الفرث وهو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش.

وعن ابن عبّاس : أنّ البهيمة إذا اعتلفت واستقرّ العلف في كرشها طبخته وكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما والكبد هو المتسلّط على الأصناف الثّلاثة فيقسمها فيجري الدّم في العروق واللّبن في الضّرع ويبقى الفرث كما هو ، وأنكر الأطبّاء هذا القول من حيث أنّه على خلاف الحسّ والتّجربة أمّا الحسّ فلانّ الانعام تذبح ذبحا متواليا ولا يرى في كرشها دم ولا لبن وامّا التّجربة فلانّ الدمّ لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدّم وليس كذلك.

بل التّحقيق انّ الحيوان إذا تناول العلف حصل في معدته أو كرشه هضم أوّل فما كان منه صافيا انجذب الى الكبد وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء ثم الّذي يحصل في الكبد ينطبخ فبها ويصير دما وذلك الهضم الثّاني ويكون مخلوطا بالصّفراء والسّوداء وزيادة المائيّة امّا الصّفراء فتذهب الى المرارة والسّوداء الى الطّحال والماء إلى الكلية ومنها إلى المثانة وأمّا ذلك الدّم بأنّه يدخل في الاوردة وهي العروق الثّابتة

١٥٥

من الكبد وهناك يحصل الهضم الثّالث.

وبين الكبد والضّرع عروق كثيرة فينصبّ الدّم في تلك العروق الى الضّرع وهو لحم غددي رخوا بيض فيقلب الله الدّم هناك إلى صورة اللّبن.

ثمّ إنّه تعالى أحدث في حلمة الثّدي ثقوبا صغيرة يخرج اللّبن الخالص منها وقت المصّ أو الحلب فهو بمنزلة المصفاة للّبن يخرج الطّيب الخالص منها ويبقى الكثيف فبهذا الطّريق يصير خالصا لا يشوبه الدّم ولا يستصحبه رائحة الكرش والفرث.

(سائِغاً لِلشَّارِبِينَ) سهل المرور في الحلق حتّى قيل : انّه لم يغص باللّبن قطّ فسبحان الله ما أعظم قدرته وأبدع صنعته وألطف حكمته. وفيها دلالة على اباحة لبن الانعام والحثّ على الاعتبار بها.

وقد احتجّت الشّافعيّة الذاهبة إلى طهارة المنى على الحنفيّة الذاهبة إلى نجاسته بسبب جريه في مسلك البول بهذه الآية قالوا : وليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر كما خرج اللّبن من بين الفرث والدّم وهو طاهر.

وما ذكروه من كون السلوك لا يوجب التّنجيس صحيح والسّرّ فيه أنّ المسلك من البواطن ولا حكم لها في النّجاسة وإلّا لم يصحّ صلاة أحد لعدم خلوّ النّجاسة من بواطنه وهو ظاهر وصرّح بذلك أصحابنا أيضا.

ولكنّ الظّاهر أنّ النّجاسة عند الحنفيّة ليس لسلوكه مسلك البول بل لاخبار أوجبت النّجاسة كما يعلم من محلّه وقد انعقد إجماع علمائنا على النّجاسة وتظافرت النّصوص الواردة عن أصحاب العصمة عليهم‌السلام بذلك كما يظهر لمن راجع كتبهم.

(وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ) متعلّق بمحذوف على حذف مضاف أو بإرادته منه مجازا اى ونسقيكم من عصيرهما وليس متعلّقا بنسقيكم المذكور ولا المقدّر المعطوف إذ يلزم كونه بيانا لعبرة الأنعام وهو غير ملائم ويحتمل أن يتعلّق بقوله : (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) ويكون منه تكرارا للتّأكيد كقولك : زيد في الدار

١٥٦

فيها ويحتمل خبرا لمحذوف صفته تتّخذون اى ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتّخذون منه ، وتذكير الضّمير على الوجهين الأوّلين لأنّه للمضاف المحذوف اعنى العصير أو لأنّ الثمرات بمعنى الثّمر ، والسّكر مصدر سمّى به الخمر.

(وَرِزْقاً حَسَناً) كالتّمر والزّبيب والدّبس والخلّ ونحوها. قال القاضي : والآية ان كانت سابقه على تحريم الخمر فدالّة على كراهتها وإلّا فجامعة بين العتاب والمنّة. يريد انّها إذا كانت بعد تحريم الخمر كانت جامعة بين العتاب بشرب الخمر والمنّة بالرزق الحسن بل فيها تنبيها على الحرمة أيضا لأنّه ميّز بينها وبين الرّزق الحسن في الذّكر فوجب في السّكر أن لا يكون رزقا حسنا بحسب الشّريعة. وعلى ما قلناه من عدم تحليل الخمر في وقت من أوقات الإسلام فهي للعتاب المذكور وقيل : انّ الآية منسوخة فانّ السّورة مكيّة وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنيّة.

وقيل : المراد بالسّكر الطّعم وقيل : انّ المراد بالسّكر النّبيذ وهو قول الحنفيّة قال الشّيخ في التبيان : وقد استدلّ قوم بهذه الآية على تحليل النّبيذ بان قالوا : امتنّ الله تعالى علينا وعدّد من جملة نعمه علينا أن خلق لنا الثّمار الّتي تتّخذ منه السّكر والرّزق الحسن وهو تعالى لا يمتنّ بما هو محرّم ، والقوم هم الحنفيّة المجوّزون شرب النّبيذ الى حدّ الإسكار.

وربّما احتجّوا عليه بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : الخمر حرام بعينها والسّكر من كلّ شراب ، اى حرام حيث علّق التحريم في غير الخمر بالسّكر وهو يقتضي أن يكون السّكر شيئا غير الخمر وكلّ من أثبت هذه المغايرة قال : انّه النّبيذ المطبوخ.

ثم قال الشيخ في التبيان : «والآية لا دلالة فيها من وجوه :

الأوّل ـ انّه خلاف ما عليه المفسّرون لانّ واحدا منهم لم يقل ذلك بل التّابعون من المفسّرين قالوا : ما حرم الله من الشّراب ، وقال الشّعبي منهم : انّه أراد ما خلا طعمه من الشّراب وغيره.

والثاني ـ انه لو أراد بذلك تحليل السكر لما كان لقوله : رزقا حسنا معنى لأن

١٥٧

ما أحله واباحه فهو أيضا رزق حسن فلم فرق بينه وبين الرزق الحسن والكل شيء واحد وانما الوجه فيه أنه خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها فاتخذتم أنتم منها ما هو محرم عليكم وتركتم ما هو رزق حسن واما وجه المنة فبالأمرين معا ثابتة لانّ ما أباحه فالمنة به ظاهرة لتعجيل الانتفاع به وما حرمة أيضا فظاهرة لأنه إذا حرم علينا وأوجب الامتناع ضمن في مقابلته الثواب الذي هو أعظم النعم فهو نعمة على كل حال.

والثالث ـ ان السكر إذا كان مشتركا بين السكر والطعم وجب ان يتوقف فيه ولا يحمل على أحدهما إلا بدليل وما ذكرناه مجمع على انّه مراد وما ذكروه ليس عليه دليل على انه كان يقتضي أن يكون ما أسكر منه يكون حلالا وذلك خلاف الإجماع لأنهم يقولون : القدر الذي لا يسكر هو المباح وكان يلزم على ذلك أن يكون الخمر مباحا وذلك لا يقوله أحد وكذلك يلزم أن يكون النقيع حلالا وذلك خلاف الإجماع» انتهى كلام الشيخ وهو جيد.

(إِنَّ فِي ذلِكَ) اى فيما ذكره من اتخاذ السكر والرزق الحسن بل خروج اللبن الخالص من بين الفرث والدم.

(لَآيَةً) دالة على ذلك أيضا ظاهرة (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل فيها ، فإنهم يجزمون بأنّ الذي قدر على إيجاد مثل هذه الثمرات من الشجر اليابس بل من نواه قادر على الإعادة وكذا القادر على إخراج اللبن الخالص من بين الفرث والدم قادر على ذلك أيضا.

(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) ألهمها وقذف في قلوبها على وجه هو أعلم به ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعها أن يطلق عليه لفظ الإيحاء.

(أَنِ اتَّخِذِي) بأن اتخذى وحذف حرف الجرّ قياس مع أن ويحتمل أن يكون مفسرة لانّ الإيحاء يتضمن معنى القول وتأنيث الضمير على معنى الجماعة الكثيرة والّا فلفظة مذكّر.

(مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ، وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) يتخذونه عريشا وهو سقوف

١٥٨

البيوت وذكر من التبعيضية لأنها لا تبنى في كل جبل ولا كل شجر ولا ما يعرش من كرم أو سقف ولا في كلّ مكان بل في بعضها وهو ما يوافقها ويليق بحالها.

وسمى ما يتعسل به بيتا تشبيها له بالإنسان لكون ما يبنيه مشتملا على حسن الصنيعة وصحة القسمة التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين الا بآلات وإنظار دقيقة.

ولعل ذكر النحل بعد ما تقدّم وبيان أقداره على البيت المشتمل على الأمور الغريبة والصنائع العجيبة التي لا يقدر عليها أقوى المهندسين للتنبيه على كمال القدرة بإلهام مثل هذا الحيوان مثل هذه الأفعال الغريبة العجيبة وأقداره عليها وهو دليل على كمال قدرته.

(ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) اى ألهمها أيضا أن تأكل من كل الثمرات وسائر الأشجار التي تشتهيها مرّها وحلوها (فَاسْلُكِي) ما أكلت (سُبُلَ رَبِّكِ) في مسالكه التي تحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من اجوافك أو المراد فاسلكي الطرق التي ألهمها الله إياك في عمل العسل أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا يتوعر عليك سلوكها ولا يلتبس ، فقد يحكى انها ربما اجدب عليها ما حولها فتسافر الى البلد البعيد في طلب الثمر.

(ذُلُلاً) اما حال من السبل اى حالكونها مذللة موطأة ذللها الله فلا يتوعر عليها سلوكها واما من الضمير في اسلكي اى حالكونك مطيعة منقادة لأمره غير ممتنعة.

(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها) عدل من خطاب النحل الى خطاب النّاس لانّه محل الانعام والامتنان عليهم وهم المقصودون من خلق النحل وإلهامه ذلك.

(شَرابٌ) يعنى العسل لانه مما يشرب والأكثر على أنّ الله تعالى يخلق العسل في بطن النحل ويخرجه الى فيه كالريق الذي يخرج من فم بنى آدم وظاهر البطون دال عليه وقيل : انها تلفظ من أفواهها اجزاء طلية صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وتضعها في بيوتها ادخارا فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها حصل العسل وهذا يفسر البطون بالأفواه.

١٥٩

وقيل : ان التجربة تعضد الثاني فإن الترنجبين قريب من العسل في الطعم والشكل ولا شك انه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل ولكن ظاهر الآية تعضد الأوّل.

(مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) بعضه أبيض وبعضه أحمر وبعضه اصفر وبعضه اسود ، قيل ذلك بسبب اختلاف سن النحل أو الفصل.

(فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ) اما بنفسه كما في سائر الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض إذ قل ما يكون معجون الا والعسل جزء منه مع ان التنكير مشعر بالتبعيض ويحتمل أن يكون للتعظيم.

وقيل : انّ ضمير فيه يرجع الى القرآن وشفاؤه للناس لما فيه من بيان الحلال والحرام والفتيا والاحكام وقيل : الى ما بين الله من أحوال النحل والأوّل أقوى.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فانّ من تدبّر اختصاص النّحل بتلك العلوم الدّقيقة والأفعال العجيبة حقّ التّدبّر علم قطعا انّه لا بدّ لها من قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه.

وفي الآية دلالة على حلّيّة العسل وعلى جواز اتّخاذ النّحل لأجله وعلى الاستشفاء به ، وقد يستفاد منها الحثّ على ما يعلم به الشّفاء من الأمراض كعلم الطّبّ فإنّه سبب الى معرفته في الجملة وان كان الشّافي على الحقيقة هو الله تعالى.

(وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) اى جعلكم متفاوتين في زيادته ونقصانه فمنكم غنيّ ومنكم فقير ومنكم موالي يتولّون رزقهم ورزق مماليكهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك فرزقكم أفضل من رزق مماليككم وهم بشر مثلكم ولا ريب أنّ ذلك أمر مقسوم من قبل الله وإلّا لم يكن الغافل رخى البال والعاقل ردىّ الحال.

(فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ) بمعطى رزقهم (عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) على مماليكهم فان ما يردّون عليهم رزقهم الّذي أجراه الله.

(فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ) فالموالى والمماليك متساوون في أنّ الله رزقهم فلا يتخيّل الموالي أنّهم يردّون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرّزق.

١٦٠