عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]

عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

المؤلف:

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]


المحقق: الدكتور محمّد التونجي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: عالم الكتب
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
الجزء ١ الجزء ٢

ر ج ف :

قوله : (تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ)(١) أي تزلزل الزلزلة. وقيل : هي النفخة الأولى ، و «الرادفة» الثانية. وأصل الرّجف الحركة والاضطراب الشديد. رجفت الأرض والبحر رجفا. وبحر رجّاف. والإرجاف : إيقاع الرّجفة. وقوله : (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ)(٢) هم المنافقون كانوا يتخرّصون أشياء ليرجفوا المؤمنين. وقوله : (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)(٣) قيل : الصّيحة لأنها تزلزل قلوبهم. وفي آية أخرى : (الصَّيْحَةُ)(٤). والأراجيف : جمع أرجوفة تقديرا ، وقيل : هو جمع الجمع ؛ رجفة وأرجاف وأراجيف. قوله : (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ)(٥) كقوله (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ)(٦)(وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً)(٧).

ر ج ل :

قوله تعالى : (يَأْتُوكَ رِجالاً)(٨) الرجال جمع راجل نحو : صاحب وصحاب ، ويدل عليه في مقابله : (وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ)(٩) أي يأتوك مشاة وركبانا. وسمي راجلا لأنه يمشي على رجليه. وقيل : جمع الراجل رجّالة ورجل. وقوله : (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)(١٠) من ذلك. وقرئ بكسر الجيم وسكونها في المتواتر (١١) ؛ فمن كسر قيل : إنه أتى به مفردا ، والمراد به جمع وهو لغة في رجل بمعنى راجل نحو : حذر وحذر. قال الشاعر (١٢) : [من البسيط]

__________________

(١) ٦ النازعات : ٧٩ ، و «الرادفة» من الآية بعدها.

(٢) ٦٠ الأحزاب : ٣٣.

(٣) ٧٨ الأعراف : ٧ ، وغيرها.

(٤) ٧٣ الحجر : ١٥.

(٥) ١٤ المزمل : ٧٣.

(٦) ١ الزلزلة : ٩٩.

(٧) ٢٠ النبأ : ٧٨.

(٨) ٢٧ الحج : ٢٢.

(٩) ٢٧ الحج : ٢٢.

(١٠) ٦٤ الإسراء : ١٧.

(١١) كما قرأها عكرمة وقتادة «ورجالك» ، وابن جابر «ورجالك» (مختصر الشواذ : ٧٧).

(١٢) البيت من شواهد ابن يعيش : ٥ ١٣٣ من غير عزو ، وهو أحد بيتين لقطري بن الفجاءة في اللسان ـ رجل.

٨١

أما أقاتل عن ديني على فرسي

ولا كذا رجلا إلا بأصحاب

وقيل : رجل بمعنى راجل نحو : تعب وتاعب وحذر وحاذر. ومن سكّن فيحتمل أن يكون مخفّفا من هذه القراءة ، وأن يكون مخفّفا من رجل المضموم بمعنى راجل ، وأن يكون اسم جمع لراجل نحو ركب لراكب ورجل رجل أي قويّ على المشي بالرجل وجمعه رجال. والرجل هو الذكر من بني آدم. ورجلة للمرأة المتشبّهة بالرجال ، لغة قليلة. قال (١) : [من مجزوء الرمل]

خرقوا جيب فتاتهم

لم يبالوا حرمة الرّجلة

ومنه الحديث : «كانت عائشة رجلة الرأي» (٢) أي كان رأيها رأي الرجال. ورجل بيّن الرّجولة والرّجوليّة. ومنه قوله تعالى : (وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ)(٣) أي بيّن الرجولة والجلادة. وفلان أرجل الرجلين. والرّجل : هذا العضو المخصوص ، والجمع أرجل. قال تعالى : (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(٤) واشتقّ منها رجل وراجل للماشي كما تقدّم. والأرجل : الأبيض الرّجل من الفرس والعظيم الرّجل. واستعير الرّجل للقطعة من الجراد ؛ وفي الحديث : «كأنّ [نبلهم] رجل جراد» (٥) أي جماعة منها. والرّجل : السراويل أيضا لأنه محلّ الرّجل فسمّي باسمها. ولزمان الإنسان ، يقال : كان ذلك على رجل فلان أي على رأس زمانه. وفي حديث ابن المسيّب : «ما أعلم نبيّا هلك على رجله من الجبابرة ما هلك على رجل موسى عليه‌السلام» (٦) أي على حياته ودهره. واستعير أيضا لمسيل الماء ، كما استعير له المذانب. والواحدة رجلة. والرّجلة : البقلة الحمقاء ، سمّيت بذلك لأنها تنبت موضع القدم من الرّجل. وارتجل الكلام أي قاله من غير رويّة وهو قائم على رجليه. وترجّل : نزل عن دابّته على رجليه. وترجّل النهار تشبيها بذلك لأنّ الشمس تنحطّ عن الحيطان كأنها ترجّلت. ورجّل شعره كأنه أنزله إلى حيث الرّجل. والمرجل : القدر

__________________

(١) شاهد في اللسان من غير عزو ـ مادة رجل.

(٢) النهاية : ٢ ٢٠٣.

(٣) ٢٨ غافر : ٤٠.

(٤) ٦ المائدة : ٥.

(٥) النهاية : ٢ ٢٠٣.

(٦) النهاية : ٢ ٢٠٤.

٨٢

المنصوب كأنه منتصب على رجليه. وأرجلت الشاة : علفتها الرّجلة. وأرجلت الفصيل : أرسلته مع أمّه كأنك جعلت له بذلك رجلا. وقال الثوريّ : يكره للرجل أن يجمع بين امرأتين إذا كانت إحداهما (١) رجلا لم تحلّ له الأخرى ؛ أي إذا كانا من نسب. فسّره القتيبيّ بأنه لا يجوز الجمع بين امرأتين لو قدّرت إحداهما رجلا حرمت عليه الأخرى كالأختين ، والمرأة مع عمتها وخالتها ؛ فلا يجوز الجمع بين الأختين ، ولا بين المرأة وعمتها وخالتها لهذا الضابط. وقوله في النّسب يجوز من المصاهرة. قال الهرويّ : ألا تراهم أجازوا للرجل أن يجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها؟

ر ج م :

قوله تعالى : (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)(٢) بمعنى المرجوم أي الملعون المطرود وقيل : هو بمعنى راجم لأنه يرجم غيره بالشرّ. وأصل الرّجم : الرمي بالحجارة ، وهي الرّجام. ثم يستعار في الشّتم والقتل أقبح قتلة ؛ قال تعالى : (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ)(٣) أي أقولنّ فيك قولا سيئا. وقيل : لأقتلنّك شرّ قتلة أو لأخرجنّك أو لأطرحنّ عليك الحجارة. وقوله : (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ)(٤) يحتمل جميع ما ذكرناه. ويستعار للرمي بالظنّ والحدس (٥) قال تعالى : (رَجْماً بِالْغَيْبِ) وقال زهير (٦) : [من الطويل]

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو

وما هو ضربا بالحديث المرجّم

والرّجمة (٧) : أحجار القبر. ورجمت القبر (٨) : وضعت عليه الرّجام ، والجمع رجام. وقال عبد الله بن مغفّل لبنيه : «لا ترجّموا قبري» (٩) أي لا تجعلوه رجاما بل سوّوه.

__________________

(١) وفي الأصل : إحداهن.

(٢) ٩٨ النحل : ١٦.

(٣) ٤٦ مريم : ١٩.

(٤) ١١٦ الشعراء : ٢٦.

(٥) وفي الأصل : الحدث.

(٦) من معلقة زهير (شرح القصائد العشر : ١٨١) ، وفيه : وما هو عنها بالحديث ...

(٧) وبضم الراء.

(٨) ساقطة من ح.

(٩) النهاية : ٢ ٢٠٥.

٨٣

والمراجمة : المسابّة الشديدة كالمقاذفة. والتّرجمان : تفعلان من ذلك ، لأنه يرمي بكلام من يترجم عنه إلى غيره. وقيل : معنى لا ترجموا قبري ، لا تتكلّموا عنده بكلام قبيح ولا تنوحوا عليّ عنده.

ر ج و :

وقوله تعالى : (لا يَرْجُونَ لِقاءَنا)(١) أي لا يخافون. قال ثعلب. وأنشد لأبي ذؤيب الهذليّ (٢) : [من الطويل]

إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها

وخالفها في بيت نوب عواسل

وشرح ابن عرفة هذا شرحا حسنا فقال : كلّ راج مؤمّل ما يرجوه ، خائف فواته ، فللرّاجي حالتان ؛ فإذا انفردت إحداهما ـ وهو الخوف ـ أتبعته العرب حرف نفي. وقوله : (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً)(٣) أي لا تخافون. ثم قال : ووجه ذلك أنّ الرجاء والخوف يتلازمان. قال تعالى : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)(٤).

وأرجت (٥) الناقة : دنا نتاجها ؛ وذلك لأنها جعلت لصاحبها فيها رجاء لقرب نتاجها. والأرجوان : لون أحمر من ذلك لأنّه يفرّح بلونه تفريح الرجاء. وقيل : الأرجوان : الشديد الحمرة ؛ فإذا كان دون ذلك فهو البهرمان. وفي حديث عثمان أنه : «غطّى وجهه ـ وهو محرم ـ بقطيفة حمراء أرجوان» (٦) وقوله تعالى : (وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها)(٧) أي نواحيها ؛

__________________

(١) ٧ يونس : ١٠.

(٢) ديوان الهذليين : ق ١ ١٤٣. لم يرج : لم يخش. النوب : التي تنوب تجيء وتروح.

(٣) ١٣ نوح : ٧١.

(٤) ١٠٦ التوبة : ٩.

(٥) يهمز ولا يهمز.

(٦) النهاية : ٢ ٢٠٦ ، أي شديدة الحمرة ، والكلمة معربة «أرغوان» ويقال له «نشاشتج».

(٧) ١٧ الحاقة : ٦٩.

٨٤

جمع رجا بالقصر. والرجا : الجانب والحافّة. ومنه : رجا البئر. وهو من ذوات الواو (١) ، ولقولهم رجوان فيكتب بالألف (٢). وقال ابن عباس في حقّ معاوية : «كان الناس يردون منه أرجاء واد رحب» [وصفه](٣) بصفة (٤) سعة الخلق.

فصل الراء والحاء

ر ح ب :

قوله تعالى : (وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ)(٥) أي اتّسعت. والرّحب : السعة. ومنه مكان رحب ورحيب ورحاب. ورحبة المسجد والدار ، لسعتها. واستعير ذلك في سعة الخلق فقيل : فلان رحب الصدر. كما استعير في ضدّه ضيّق الصّدر. ورحب : قاصر. فأمّا قولهم : رحبتكم الدار فلتضمّنه معنى وسعتكم. وقوله تعالى : (لا مَرْحَباً بِهِمْ)(٦) ، أي أتوا مكانا مرحبا أي واسعا من قولهم : مرحبا وأهلا وسهلا ، تقديره : أتيت مكانا رحبا لا ضيّقا ، وأهلا لا أجانب ، وطريقا سهلا لا حزنا. فهذه منصوبة بعامل مقدّر (٧) لا يظهر. ولا يجوز أن يكون مرحبا اسم لا لأنه مفرد منصوب. ولو كان اسمها لبني على الفتح.

ر ح ق :

قوله تعالى : (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ)(٨) الرّحيق من أسماء الخمر. وقيل : الرحيق : كلّ شراب لا غشّ فيه ولا كدر.

__________________

(١) بدليل ظهورها في رجاوة مصدر رجا يرجو رجوا ورجاء ورجاوة.

(٢) كعصا وعصوان.

(٣) إضافة يقتضيها السياق.

(٤) وفي الأصل : بصيغة.

(٥) ٢٥ التوبة : ٩.

(٦) ٥٩ ص : ٣٨.

(٧) بمعنى أنزل أو أقم. فلما عرف معناه المراد به أميت الفعل.

(٨) ٢٥ المطففين : ٨٣.

٨٥

ر ح ل :

قوله تعالى : (فِي رِحالِهِمْ)(١) جمع رحل. والرّحل : يطلق على ما يوضع على البعير عند ركوبه قال : [من البسيط]

يوم ارتحلت برحلي قبل بردعتي

والعيس قاطعة ميلين في ميل

والرّحال أيضا : المنازل ، ومنه الحديث : «إذا ابتلّت النّعال فالصلاة في الرّحال» (٢) أي في الدّور. ويعني أن المطر عذر في ترك الجماعة. والرّحل أيضا مصدر رحلت البعير أرحله أي جعلت عليه رحلا. ويقال : أرحلته أيضا. والارتحال : الانتقال. ورحل فلان : انتقل. وأصله أنّ المنتقل يرحل بعيره للنّقلة ، ثم عبّر عن النقلة بذلك ، وإن لم يكن فيه وضع رحل. والرّحله : الارتحال. وراحله : عاونه على الرحلة. والراحلة : البعير الذي يصلح للارتحال. وفي الحديث : «الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة» (٣) أي لا تجد فيهم من ينتفع به انتفاع الرّاحلة. وفسّره القتيبيّ بشيء غلط فيه. والراحلة : الرّحل. قال : [من الكامل]

أرمان قومي والجماعة كالذي (٤)

منع الرحالة أن تميل مميلا

والمرحّل : برد أو كساء فيه صور الرّحال ؛ قال امرؤ القيس (٥) : [من الطويل]

فقمت بها أمشي تجرّ وراءنا

على إثرنا أذيال مرط مرحّل

ويروى بالجيم ، أي فيه صورهم. وفي حديث عائشة : «أنه خرج ذات غداة وعليه مرط مرحّل» (٦). وجمعه مراحل.

__________________

(١) ٦٢ يوسف ١٢.

(٢) النهاية : ٢ ٢٠٩.

(٣) النهاية : ٢ ٢٠٩ ، مع تغيير طفيف ، بينما يطابقه في ١ ١٥ منه.

(٤) في الأصل : أرماني ، ولم يستقم لنا البيت.

(٥) من معلقته (شرح القصائد العشر : ٥٣) ، المرط : إزار خزّ معلم.

(٦) النهاية : ٢ ٢١٠ ، وفي الأصل : ذات غزاة.

٨٦

ر ح م :

قوله تعالى : (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قال ابن عباس : «هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر» يعني أنهما يدلّان على الرقّة والانعطاف في أصل اللغة ، ولكنهما بالنّسبة إلى الله تعالى كناية عن إنعامه وإحسانه على خلقه. وقيل : إنما حديث ابن عباس : «اسمان رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر» من الرّقيق فغلط الراوي. والرّحمة : مأخوذة من الرّحم ، وذلك لأنّ الرحم منعطفة على ما فيها. والرحمن أبلغ من الرحيم ، ولذلك قيل (١) : رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. لأنه في الدنيا يرحم المؤمن والكافر لإنعامه بالرزق والإفضال عليهم مؤمنهم وكافرهم. وفي الآخرة رحمته مختصّة بالمؤمنين. والرحمن مختص بالله تعالى ، ولا التفات إلى تسمية الملعون مسيلمة الكذاب بالرّحمان ولا إلى قول شاعره : [من البسيط]

وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا

وأما رحيم فيطلق على غيره. قال تعالى في صفة نبيّه بذلك : (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(٢) لمّا لم يبلغ في المبالغة درجة الرحمن. وقيل : إنما جمع بينهما لأنّ مسيلمة تسمّى بالرحمان ، وهذا فاسد لأنّ البسملة كانت قبل ظهور أمر مسيلمة. وقيل : هما بمعنى واحد كندمان ونديم. وقيل : الرحمان معرّب وأصله بالخاء المعجمة. ومنه قوله (٣) :

والرحمة : صفة ذات إن أريد بها إرادة الخير ، وصفة فعل إن أريد بها الإحسان والتّعطّف على الخلق. قوله : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ)(٤) أراد القرابات لأنهم يجمعهم رحم واحد. قوله : (وَأَقْرَبَ رُحْماً)(٥) أي رحما. يقال : رحم ورحم ورحمة (٦). ويعبّر بالرّحمة عن كلّ خير من رزق وغيره كقوله : (ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها)(٧). وكقوله : (وَلَئِنْ أَذَقْنَا

__________________

(١) في صفة الله تعالى.

(٢) ١٢٨ التوبة : ٩.

(٣) بياض في الأصل ، ولعله يريد بيت جرير ، مستفيدين من شروح اللسان ـ رحم :

أو تتركون إلى القسّين هجرتكم

ومسحكم صلبهم رحمان قربانا

(٤) ٧٥ الأنفال : ٨.

(٥) ٨١ الكهف : ١٨.

(٦) وفي الأصل : رحم. وتأتي بفتح الحاء وسكونها.

(٧) ٢٨ الإسراء : ١٧.

٨٧

الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً)(١) أي رزقا. ويعبّر بها عن الحياة والخصب كقوله : (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ)(٢) أي حياة بعد جدب. قوله : (هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي)(٣) أي التّمكين الذي مكّنني فيه ربي خير. قوله : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً)(٤) أي عطفا وصنعا. قوله تعالى : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)(٥) أشار أولا إلى أن رحمته في الدنيا تشمل الفريقين : الكافر والمؤمن ، وأنها في الآخرة مختصة بالمؤمنين. قوله : (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)(٦) قرئ نصبا على : واتّقوا الأرحام أن تقطعوها ، وجرّا على أنها مقسم بها كقولهم : أنشدك بالله وبالرّحم. ولنا فيه كلام طويل اتقنّاه في غير هذا.

فصل الراء والخاء

ر خ ا :

قوله تعالى : (رُخاءً)(٧) أي لينة طيبة. والرّخاء : الواسع ، ومنه الحديث : «ليس كلّ الناس مرخى ـ أي موسع ـ عليه» (٨) وأصل ذلك من الرّخاوة. والرّخو : ضدّ الصلب. ومنه : الحروف الرّخوة ضدّ الشديدة حسبما بيّنا ذلك في «العقد النّضيد» وغيره (٩). وأرخيت السّتر من ذلك. ومن إرخاء السّتر استعير إرخاء سرحان. وفرس مرخاء (١٠) من خيل مراخ لإرسال

__________________

(١) ٩ هود : ١١.

(٢) ٢١ يونس : ١٠.

(٣) ٩٨ الكهف : ١٨.

(٤) ١٠٧ الأنبياء : ٢١.

(٥) ١٥٦ الأعراف : ٧.

(٦) ١ النساء : ٤. نصب الأرحام : يريد : واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وشريك قرأها بالخفض. وقرأ بعضهم «تسّاءلون به».

(٧) ٣٦ ص : ٣٨.

(٨) النهاية : ٢ ٢١٢.

(٩) الحروف الرخوة ثلاثة عشر حرفا وهي : الثاء والحاء والخاء والذال والزاي والظاء والصاد والضاد والغين والفاء والسين والشين والهاء. والحرف الرّخو : هو الذي يجري فيه الصوت.

(١٠) فرس مرخاء : واسع الجري.

٨٨

ذنبها إرسال السّتر. فإن قلت : كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله : (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً)(١) فالعصوف : الشدّة ، والرّخاوة : اللّين؟ فالجواب أنها في أول خروجها تكون شديدة ثم تسلسل وتسترخي. أو أنها في تسييرها ما تحمله بمنزلة العاصفة لبعد مسافة مسيرها. وفي عدم إزعاج ما تحمله بمنزلة الرّخاء. يعني أنها جامعة بين هذين المعنيين.

فصل الراء والدال

ر د أ :

قوله تعالى : (مَعِي رِدْءاً)(٢) أي معينا. والرّدء في الحقيقة : التابع لغيره معينا له. والرّديء كالرّدء ، إلّا أنه غلب استعماله في المتأخّر المذموم. يقال : ردؤ يردؤ رداءة فهو رديء. وقرأ نافع «ردا» من غير همز (٣) ، فقيل : أصله الهمز ولكنّه نقل حركة الهمزة كما نقل ابن كثير في القرآن دون غيره (٤). وقيل : هو الزّيادة من قولهم : ردأت الغمّ ، يردئ على المئة ، أي يزيد ، ذكره الفّراء.

ر د د :

قوله تعالى : (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا)(٥). الردّ : في الأصل : صرف الشيء بذاته أو بحالة من أحواله عمّا هو عليه ؛ فمن الأوّل قوله : (وَلَوْ رُدُّوا) ، ومن الثاني : (يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ)(٦). قوله : (وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ)(٧) أي لا دافع ولا مانع ولا صارف. وقيل في قوله : (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا) قولان أحدهما : ردّهم إلى ما أشار إليه بقوله : (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ)(٨). والثاني : ردّهم إلى الحياة المشار إليها بقوله : (وَمِنْها

__________________

(١) ٨١ الأنبياء : ٢١.

(٢) ٣٤ القصص : ٢٨.

(٣) وهي قراءة أهل المدينة (معاني القرآن للفراء : ٢ ٣٠٦).

(٤) حيث إنه قرأها من غير همز «قران». وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ : كان أبو عمرو بن العلاء لا يهمز القرآن ، وكان يقرؤه كما يروى عن ابن كثير (اللسان ـ مادة قرأ)

(٥) ٢٨ الأنعام : ٦.

(٦) ١٤٩ آل عمران : ٣.

(٧) ١٠٧ يونس : ١٠.

(٨) ٥٥ طه : ٢٠.

٨٩

نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى)(١). قوله : (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ)(٢) يجوز أن يكون المعنى : فردّ الكفار أيديهم في أفواه أنفسهم غيظا وحنقا ، كقوله : (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ)(٣). ومثله قول صخر الهذليّ (٤) : [من المتقارب]

قد افنى أنامله أزمه

فأمسى يعضّ عليّ الوظيفا

وقيل : فعلوا ذلك إشارة إلى تسكيت الرّسل كما يشير الرجل بإصبعه إلى فيه ليسكت من يخاطبه. وقيل : فردّ الكفار أيدي الرّسل في أفواه الرّسل ليسكتوهم. وقيل : ردّ الكفار أيديهم في أفواه الرّسل. وكلّه محتمل. وفي ذكر الردّ تنبيه أنّهم فعلوا ذلك مرة بعد أخرى. وقوله : (فَارْتَدَّ بَصِيراً)(٥) أي رجع وصار. قوله : (يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ)(٦) أي يرجعونكم ويصيّرونكم إلى حالة الكفر بعد أن فارقتموه. والارتداد والرّدّة : الرجوع في الطريق الذي كان فيه ، إلّا أنّ الردّة اختصّت بالكفر ، والارتداد في الكفر وفي غيره. قال تعالى : (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ)(٧) ، وقوله تعالى : (فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً)(٨) ، وقوله : (وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ)(٩) أي إذا تحقّقتم أمرا وعرفتم خبره فلا ترجعوا عنه. وفي الحديث : «البيّعان يترادّان» (١٠) أي يردّ كلّ واحد منهما ما أخذ. وردّ يتعدّى لواحد إذا كان بمعنى صرف كما تقدّم ، وإلى اثنين إذا ضمّن معنى صيّر كقوله (١١) : [من الوافر].

رمى الحدثان نسوة آل سعد

بمقدار سمدن له سمودا

__________________

(١) تتمة الآية السابقة.

(٢) ٩ إبراهيم : ١٤.

(٣) ١١٩ آل عمران : ٣.

(٤) ديوان الهذليين : ٢ ٧٣. والصدر في الأصل مضطرب صوبناه منه. والأزم : العض. أزم يده : عضّها.

(٥) ٩٦ يوسف : ١٢.

(٦) ١٠٩ البقرة : ٢.

(٧) ٥٤ المائدة : ٥.

(٨) ٦٤ الكهف : ١٨.

(٩) ٢١ المائدة : ٥.

(١٠) يقول الراغب : «قيل في الخبر : البيعان يترادان» (المفردات : ١٩٣) ، وفي النهاية : ١ ١٧٣ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا».

(١١) في اللسان ـ سمد. وفيه : آل حرب.

٩٠

فردّ شعورهنّ السّود بيضا

وردّ وجوههنّ البيض سودا

واردت الناقة : تردّدت إلى الماء. واستردّ الشيء : استرجعه. والمتردّد : القصير ؛ ومنه ١٣١ الحديث : «ولا القصير المتردّد» (١) كأنه تردّد بعض خلقه على بعض. قال العجّاج (٢) : [من الرجز]

كأنّ تحتي ذات شغب سمحجا

كالقوس ردّت غير ما أن تعوجا

وردّ القاضي شهادته : لم يقبلها ، وهو بمعنى صرفها. ومنه قول ذي الرمّة (٣) : [من الطويل]

وقفنا فسلّمنا فردّت تحيّة

علينا ، ولم ترجع جواب المخاطب

وردّ الجواب : إذا أجاب عما سئل. وقول الشاعر (٤) : [من البسيط]

يا أمّ عمرو جزاك الله مغفرة

ردّي عليّ فؤادي كالذي كانا

بمعنى أرجعيه عليّ.

ر د ف :

قوله تعالى : (عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ)(٥) أي دنا لكم وقرب. وردف كان من حقّه التعدّي بنفسه. يقال : ردفت زيدا أي جئت بعده ، وإنما عدّي باللام لأنه ضمّن معنى قرب ودنا. وقيل : اللام مزيدة للتأكيد ، وفيه نظر ؛ إذ لا تزاد مقوّية إلا حيث كان العامل فرعا ، كقوله

__________________

(١) النهاية : ٢ ٢١٣ ، والحديث في صفته عليه‌السلام.

(٢) الديوان : ٢ ٥٠ و ٥١ ، وهما صدران لبيتين متواليين فيه. الشغب : المخالفة والعسر. السمحج : الطويلة على الأرض. ويتكلم على الأتان ويصفها في الشطر الثاني بعدم العوج والصلابة.

(٣) الديوان : ١ ١٩٠. فردت تحية : أي لم تقبلها ولم تجب.

(٤) البيت لجرير ، الديوان : ٥٩٤.

(٥) ٧٢ النمل : ٢٧.

٩١

تعالى : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)(١) ، أو قدّم المعمول كقوله تعالى : (لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ)(٢). وفي غير ذلك ضرورة كقوله : [من الوافر]

فلما أن توافقنا قليلا

أنخنا للكلاكل فارتمينا

والرّدف : التابع. وردف المرأة : عجيزتها. والتّرادف : التّتابع. والرادف (٣) : المتأخر ، والمردف : المتقدّم الذي أردف غيره ، ومنه قوله تعالى : (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ)(٤) أي جائين بعد ، فجعل ردف وأردف بمعنى واحد ، وأنشد (٥) : [من الوافر]

إذا الجوزاء أردفت الثّريّا

وقال غيره : معناه مردفين ملائكة أخرى. فعلى هذا يكونون ممّدين بألف من الملائكة. وقيل : عنى بالمردفين : المتقدّمين للعسكر ليخلقوا في قلوب العدوّ الرعب. وقيل في قراءة الفتح (٦) : إنّ كلّ إنسان أردف ملكا ؛ قاله الراغب (٧) وفيه نظر. وقرئ «مردّفين» (٨) والأصل مرتدفين فأدغم. وقال الفراء في قراءة الكسر : متتابعين ، وفي قراءة الفتح أي فعل الله ذلك بهم ، أي أردفهم بغيرهم. يقال : ردفته وأردفته : أركبته خلفي. وأردفته : جئت بعده. فمعنى «مردفين» ـ بالكسر ـ أي يأتون فرقة فرقة. وقال ابن الأعرابيّ : ردفته وأردفته بمعنى ، نحو : لحقه وألحقه. وهذا رأي أبي عبيدة كما قدّمناه عنه. وحقيقة

__________________

(١) ١٠٧ هود : ١١ ، وغيره.

(٢) ٤٣ يوسف : ١٢.

(٣) وفي الأصل : الرداف.

(٤) ٩ الأنفال : ٨.

(٥) صدر بيت لخزيمة بن مالك بن نهد كما في اللسان ـ ردف. والصور مذكور في المفردات : ١٩٣ من غير عزو. وعجزه :

ظننت بآل فاطمة الظّنونا

(٦) قال الفراء : ويقرأ «مردفين» بمعنى فعل بهم. أما بكسرها فمعناها : متتابعين (معاني القرآن : ١ ٤٠٤) ، وليس كما ذكر بعد سطر (في الفتح).

(٧) المفردات : ١٩٣.

(٨) وهي قراءة الخليل عن أهل مكة (مختصر الشواذ : ٤٩).

٩٢

الإرداف : الإركاب على ردف الدّابّة. والرّداف : مركب الرّدف (١). وأرداف الملوك (٢) وهي الرّدافة كالوزارة. ودابّة لا ترادف ولا تردف ـ نقله الراغب (٣) ـ وقال الهرويّ : ولا تقل : لا تردف.

ر د م :

قوله تعالى : (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً.)(٤) الرّدم : سدّ الثّلمة ونحوها بالحجر ونحوه ، وعنى بذلك السدّ. والرّدم يطلق على المردوم ، كإطلاق الضرب على المضروب ، والخلق على المخلوق. وأردمت عليه الحمّى : أطبقت. والمردم : كأنه ما يردم به. والمردّم زمانه أو مكانه أو مصدره. والرّدم : التّغييب ، ومنه : ردمت على الميت.

ر د ى :

قوله تعالى : (فَتَرْدى)(٥) أي فتهلك. والرّدى : الهلاك. يقال : ردي يردى ردى فهو رد وراد. قال القطاميّ (٦) : [من البسيط]

أيام قومي مكاني منصب لهم

ولا يظنون إلا أنّني راد

وأرداه : أهلكه. قال تعالى : (وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ)(٧)(إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ)(٨). وقوله : (إِذا تَرَدَّى)(٩) أي هلك ، وقيل : سقط في قبره أو في جهنّم.

__________________

(١) وفي الأصل : الرداف ، وهو وهم. وهو الكفل والعجيزة.

(٢) الردافة : الاسم من أرداف الملوك في الجاهلية. والردافة : أن يجلس الرّدف عن يمينه ، فإذا شرب الملك شرب الردف قبل الناس ، وإذا غزا الملك قعد الردف في موضعه وكان خليفته حتى ينصرف. وكانت الردافة في الجاهلية لبني يربوع.

(٣) المفردات : ١٩٣ ، ولا خط كيف أن الهروي يردّ عليه.

(٤) ٩٥ الكهف : ١٨.

(٥) ١٦ طه : ٢٠.

(٦) الديوان : ٨٧ ، راد : هالك. وفي الأصل والأغاني : منصت.

(٧) ٢٣ فصلت : ٤١.

(٨) ٥٦ الصافات : ٣٧.

(٩) ١١ الليل : ٩٢.

٩٣

وردّيته : أسقطته. وتردّى الصّيد : سقط ، وردّيت الحجر : رميته. والرّداء : ما يرتدى به ، كأنه يقي من الرّدى ، وهو الوشاح أيضا. وقال الأعشى (١) : [من المتقارب]

وتبرد برد رداء العرو

س رقرقت بالصيف فيه العبيرا

والمرداة (٢) : حجر تكسر به الحجارة فترديها.

فصل الراء والذال

ر ذ ل :

قوله : (الْأَرْذَلُونَ)(٣) جمع أرذل ، وهو النّذل الخسيس. والرّذل والرّذال : الشيء المرغوب عنه لرداءته ؛ قالوا له ذلك ظنّا منهم أنّ الخيرة إنّما هي بالأموال ، وقد كذبوا. وقد كان اتّبعه الأساكفة وأصحاب الصنائع والحرف الدّنيّة ، فأنفت نفوسهم أن يؤمنوا ، وقد سبقهم أولئك إلى الإيمان. وهذا كما قالته الجهلة من قريش وقد رأوا صهيبا وبلالا وخبّابا قد آمنوا. والأرذل يجمع على أراذل ؛ قال تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا)(٤) أي أخسّاؤنا وضعفاؤنا.

__________________

(١) الديوان : ٩٥.

(٢) في الأصل : والمراداة ، وفي المفردات (١٩٤) : والمرادة. وتصويبنا من اللسان.

(٣) ١١١ الشعراء : ٢٦.

(٤) ٢٧ هود : ١١.

٩٤

فصل الراء والزاي

ر ز ق :

قال تعالى : (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ)(١) أي أعطيناهم وأنعمنا عليهم به ، فالرزق يطلق تارة على العطاء الجاري نحو رزق السلطان جنده. ويكون دنيويا وأخرويا ، وتارة على النصيب كقوله : (وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ)(٢) ، وعلى ما يصل إلى الجوف ويتغذّى به كقوله عليه الصلاة والسّلام : «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله ، لرزقكم كما يرزق الطّير ، تغدوا خماصا وتعود بطانا» (٣) ، ويطلق على كلّ خير وصل إلى صاحبه نحو : رزق فلان علما. وقيل في قوله تعالى : (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ)(٤) أي من الأموال والعلوم والجاه ، لأنّ المراد ما خوّلناكم فيه من النّعم. والرزق : قد يطلق على غير ما ينتفع به لعارض يعرض فيه من بخل مالكه ، ونحوه قال : [من البسيط]

رزقت مالا ولم ترزق منافعه

إنّ الشقيّ هو المحروم ما رزقا

والرزق في الأصل مصدر كقوله : (ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً)(٥) ، على أنّ شيئا منصوب برزق المصدر. ويطلق على المرزوق كقوله : (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ)(٦) أي مرزوقهم. ويطلق على الشّكّ كقوله : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)(٧) أي عكستم القضيّة ، فجعل مكان الشكر التكذيب. وقيل : هو على

__________________

(١) ٣ البقرة : ٢ ، وغيرها.

(٢) ٧٥ النحل : ١٦.

(٣) الترمذي ، الزهد ، ٣٣.

(٤) ١٠ المنافقون : ٦٣.

(٥) ٧٣ النحل : ١٦.

(٦) ٧١ النحل : ١٦.

(٧) ٨٢ الواقعة : ٥٦.

٩٥

حذف مضافين أي تجعلون بدل شكر رزقكم تكذيبكم. قوله : (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ)(١) أي بطعام يتغذّى به كقوله : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ)(٢) أي سبب رزقكم ، وهو المطر ، وقيل : تنبيه أنّ الحظوظ بمقادير ، كما قال الآخر (٣) : [من الطويل]

وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى

ولكن أحاظ قسّمت وجدود

قوله : (رِزْقاً لِلْعِبادِ)(٤) يجوز أن يراد به ما يتغذّى به كالحبّ ونحوه ، وأن يراد ما ينتفع به من مأكول وملبوس ونحوهما ، فكلّ هذا رزق. قوله : (أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(٥) أي يفيض عليهم ربّهم النّعم الأخرويّة ، فهذا من العطاء الأخرويّ. وقد فسّر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك بأن «أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة» (٦) أي تأخذ العلقة. وقيل : تنعيم أرواحهم في الجنة كما قال : «تأوي إلى قناديل من ذهب» (٧) وهذا كلّه رزق. وإنما قال : (يُرْزَقُونَ) بعد قوله : (أَحْياءٌ) تنبيها على أنها حياة حقيقية مقترنة بالرزق ، لم يكتف بالنّهي عن طلب حسبانهم مواتا حتى أكّد ذلك بما هو من شأن الحياة ، وهو الرزق. والرازق من صفات الباري تعالى ، إلا أنّ الرازق قد يطلق على غيره ؛ فإنّ الرازق هو خالق الرزق ومعطيه ، ولا يكون هذان المعنيان لغير الله تعالى. والرازق أيضا يقال لمن تسبّب في إيصال الرزق لمرزوق ، وهذا يتّصف به غير الباري تعالى. وأما الرزّاق (٨) فلا يطلق على غير الباري لما فيه من المبالغة ، قال الله تعالى : (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)(٩). قوله : (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ)(١٠) أي لا مدخل لكم في أن ترزقوهم شيئا البتّة.

__________________

(١) ١٩ الكهف : ١٨.

(٢) ٢٢ الذاريات : ٥١.

(٣) البيت لسويد بن حذاق العبدي ويروى للمعلوط بن بدل القريعي. والبيت من شواهد اللسان ـ ماد حظظ.

(٤) ١١ ق : ٥٠.

(٥) ١٦٩ آل عمران : ٣.

(٦) سنن أبي داود ، الجهاد : ١٨.

(٧) صحيح مسلم ، الإمارة : ١٢١.

(٨) الرازق : في الأصل.

(٩) ٥٨ الذاريات : ٥١.

(١٠) ٢٠ الحجر : ١٥.

٩٦

فصل الراء والسين

ر س خ :

قوله تعالى : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)(١) أي : الثابتون المستقرّون ، والرسوخ (٢) في الأصل ثبوت الشيء بتمكّن ، ومنه : رسخ الغدير : إذا نضب ماؤه ، ورسخ تحت الأرض ، ثم استعير ذلك لمن تحلّى بالعلم ، واختلط به لحمه ودمه ، فيتحقّق عنده تحقّقا ؛ إذا عرضت له شبهة لم يختلج لها قلبه ولم يتلعثم لها لسانه ، وكان ابن عباس يصف نفسه بذلك ، وفصّل قوله : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) بقوله : (إِلَّا اللهُ). ويقول : أنا من الراسخين في العلم) وصدق ، وهذا منه إخبار لا تزكية رضي الله عنه ، كقول نبيّ الله يوسف صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(٣) ؛ لمّا لم يعرف قدره أخبر بذلك تعريفا لا تزكية لنفسه. ورسخ قدمه في العلم أو الجهل استعارة من ذلك. وأراد بالراسخين في العلم من وصفهم بقوله تعالى : (آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا)(٤).

ر س س :

قوله تعالى : (وَأَصْحابَ الرَّسِ)(٥). الرسّ : البئر التي لم تطو ، وهؤلاء قوم قتلوا نبيّهم ودسّوه في رسّ لهم. وقيل : الرسّ : واد. قال زهير (٦) : [من الطويل]

فهنّ لوادي الرّسّ كاليد للفم

__________________

(١) ٧ آل عمران : ٣.

(٢) في الأصل : والراسخون ، ولعلها كما ذكرنا.

(٣) ٥٥ يوسف : ١٢.

(٤) ١٥ الحجرات : ٤٩.

(٥) ٣٨ الفرقان : ٢٥ وغيرها.

(٦) عجز بيت لزهير (شعر زهير : ١٢). وانظر خلاف روايته في السان ـ رس. وصدره :

بكرن بكورا واستحرن بسحرة

٩٧

نقله الراغب (١) ، وفيه نظر من حيث أضاف الوادي إليه. وقيل : أصل الرسّ : الأثر القليل الموجود في الشيء ، وسمعت رسّا (٢) ، ووجدت رسّا من الحمّى. ورسّ الحديث في نفسي ، ورسّ الميت : إذا دفن وجعل أثرا بعد عين. وفي حديث أصحاب الرسّ «أنّهم كذبوا نبيّهم ورسّوه في بئر» (٣) أي دسّوه فيها. والرّسّ والرّسيس : ابتداء الشيء ، ومنه رسيس الحمّى. وقال ذو الرمة (٤) : [من الطويل]

إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد (٥)

رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح

والرسّ أيضا : الإصلاح ، ومنه حديث سلمة بن الأكوع : «إن المشركين راسّونا» (٦) أي ابتدؤونا بالصّلح. رسست : أصلحت. وقال الحجاج لرجل : «أمن أهل الرسّ والرّهمسة أنت؟» (٧) فسّره الأزهريّ بأنّهم الذين يبتدعون الكذب ويوقعونه في أفواه الناس. يقال : رسّ يرسّ. وأهل الرّهمسة : الذين يتشاورون في إثارة الفتن ؛ يرهمسون ويرهمسون. وقيل : هم أهل الخبر الذي لم يصحّ ؛ يقال : أتانا رسّ من خبر ، إن لم يصحّ ، وهم يرتسسون الخبر.

ر س ل :

الرّسل : الانبعاث على تؤدة. ومنه : ناقة رسلة : أي سهلة الانقياد ، وإبل مراسيل ، ومنه قول كعب (٨) : [من البسيط]

أمست سعاد بأرض لا يبلّغها

إلا العتاق النّجيبات المراسيل

__________________

(١) المفردات : ١٩٥.

(٢) يعني : سمعت رسا من خبر.

(٣) النهاية : ٢ ٢٢١.

(٤) الديوان : ٢ ١١٩٢.

(٥) ورواية الديوان : لم أجد. وانظر الحاشية ٤ فيه لتأييد رواية النص.

(٦) النهاية : ٢ ٢٢١.

(٧) الرجل هو النعمان بن زرعة. والحديث في النهاية : ٢ ٢٢١.

(٨) ديوان كعب : ٩. المراسيل : الخفاف التي تعطيك ما عندها عفوا.

٩٨

جمع مرسال. والرسول : المنبعث ، وتصوّر منه تارة الرّفق والمهل فقيل : على رسلك ، وتارة الانبعاث ، فاشتقّ منه الرسول. والرسول تارة على المتحمّل للرسالة ، ومنه : (إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً)(١) [فسرت] بأنها الرسول فهو بمعنى مفعول ، وتارة على القول المتحمّل كقوله (٢) : [من الطويل]

لقد كذب الواشون ما فهت عندهم

بسرّ ولا أرسلتهم برسول

أي برسالة. وقيل : على حذف مضاف ، أي برسالة رسول. ومثله (٣) : [من الوافر]

ألا أبلغ أبا حفص رسولا

فدى لك من أخي ثقة إزاري

والرسول ، تارة ، يطابق ما يراد به ، وتارة يفرد ، وإن أريد به غير الواحد. وقد جاء الاستعمالان في القرآن ؛ قال تعالى : (فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ)(٤). وقال في موضع آخر : (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ)(٥) كأنّه التفات لأصل مصدريّته. ومنه قول الآخر (٦) : [من المتقارب]

ألكني إليها ، وخير الرسو

ل أعلمهم بنواحي الخبر

ويجمع على رسل. ورسل الله : يراد بهم الملائكة ، كقوله تعالى : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا)(٧)(إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)(٨) ، وأخرى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، كقوله تعالى : (حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ)(٩)(جاءَتْهُمْ رُسُلُنا)(١٠) ، وقوله : (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ

__________________

(١) ١٥ المزمل : ٧٣.

(٢) البيت من شواهد اللسان ـ رسل من غير عزو مع اختلاف ، ثم كرره في المادة نفسها موافقة.

(٣) البيت للأسعر الجعفي كما في اللسان ـ رسل ، مع اختلاف في العجز ، بينما ذكر الراغب الصدر وحسب.

(٤) ٤٧ طه : ٢٠.

(٥) ١٦ الشعراء : ٢٦.

(٦) البيت لأبي ذؤيب : ق ١ ١٤٦.

(٧) ٦١ الأنعام : ٦.

(٨) ٨١ هود : ١١.

(٩) ١٢٤ الأنعام : ٦.

(١٠) ٣٢ المائدة : ٥.

٩٩

الطَّيِّباتِ)(١). قيل : عنى جماعة الأنبياء ، وقيل : الرسول (٢) وصفوة أصحابه (٣) فجمعهم معه تغليبا ، كقولهم : الخبيبون والمهالبة في خبيب وذوي بطانته.

والإرسال قد يكون بتخيير من لا اختيار له ، كإرسال الرياح والأمطار كقوله : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ)(٤)(وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً)(٥). وقد يكون ببعث من له اختيار كإرسال الأنبياء والملائكة. وقد يراد به التّخلية والتّرك كقوله : (أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ)(٦) ، قاله الراغب (٧) وكأنه نزعة اعتزال. والإرسال : يقابل الإمساك ، كقوله تعالى : (وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)(٨).

والرّسل من الإبل والغنم ما يسترسل في السّير ، والجمع أرسال ؛ يقال : جاؤوا أرسالا ، أي متتابعين. وفي الحديث «أنّ الناس دخلوا عليه أرسالا بعد موته» (٩) أي أفواجا متقطّعين. وجاءت الخيل رسلا ، أي متتابعة ، وقوله : (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً)(١٠). قيل : هي الرياح أرسلت كعرف الفرس ، وقيل : هم الملائكة. وقوله : (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ)(١١) ، أي على ألسن رسلك. وقوله : (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ)(١٢) أي أطلقهم من خدمتك وعبوديّتك إياهم ، من قولك : أرسلت صيدي ، أي أطلقته من ملكي. والرّسل : اللّبن الكثير المتتابع الدّرّ ، وفي الحديث : «إلا من أعطى [من] نجدتها ورسلها» (١٣) أي :

__________________

(١) ٥١ المؤمنون : ٢٣.

(٢) أي : عني به الرسول.

(٣) وفي الأصل : وصفوا به. والسياق يقتضي ما ذكرنا.

(٤) ٤٦ الروم : ٣٠.

(٥) ٦ الأنعام : ٦.

(٦) ٨٣ مريم : ١٩.

(٧) المفردات : ١٩٥.

(٨) ٢ فاطر : ٣٥.

(٩) النهاية : ٢ ٢٢٢.

(١٠) ١ المرسلات : ٧٧.

(١١) ١٩٤ آل عمران : ٣.

(١٢) ١٧ الشعراء : ٢٦.

(١٣) النهاية : ٢ ٢٢٢. ويقول ابن الأثير : النجدة : الشدّة ، والرّسل : الهينة والتأنّي. والإضافة من النهاية.

١٠٠