عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]

عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

المؤلف:

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]


المحقق: الدكتور محمّد التونجي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: عالم الكتب
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
الجزء ١ الجزء ٢

أن يذرّي منه» (١) أي يرفع. وقوله تعالى : (وَالذَّارِياتِ ذَرْواً)(٢) قال عليّ رضي الله عنه : هي الرياح. والتقدير : وربّ الذاريات. ويحتمل أن يكون الله تعالى أقسم بها ، وإن لم يجز لنا نحن ذلك. وقال الحسن : ينفض مذرويه ، وقيل : هما طرفا الأليتين (٣). قال (٤) : [من الوافر]

أحولي تنفض استك مذرويها

لتقتلني فها أنا ذا عمارا

وقيل : هما طرفا كلّ شيء. وقيل : هما طرفا القوس وجانبا الرأس ، ولا يفردان بل هما تثنية مذرى تقديرا ، وللزوم التثنية ثنّيا بالواو ، وكان حقّهما أن يثنّيا بالياء لزيادة المفرد على الثلاثة ، وهذا متقن في غير هذا.

فصل الذال والعين

ذ ع ن :

قوله تعالى : (مُذْعِنِينَ)(٥) أي منقادين. والإذعان : الانقياد. ومنه مذعان للسهلة الانقياد (٦). وقيل : هو الإسراع في الطاعة. وقال الفراء : أي مطيعين غير مستكرهين. وهي معان متقاربة.

__________________

(١) من حديث أبي الزناد لابنه عبد الرحمن (النهاية) ٢ ١٦٠)

(٢) ١ الذاريات : ٥١.

(٣) في الأصل : ظرف الأوليتين.

(٤) البيت لعنترة يهجو به عمارة بن زياد العبسي ، وهو مطلع القصيدة (شرح الديوان : ٧٥). والبيت في الأصل ناقص ومضطرب.

(٥) ٤٩ النور : ٢٤.

(٦) من النوق.

٤١

فصل الذال والقاف

ذ ق ن :

قوله تعالى : (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ)(١). الأذقان : جمع ذقن. والذّقن : ملتقى اللّحيين وعليها تنبت اللّحية. وذقنته ضربت ذقنه. وناقة ذقون : تستعين بذقنها في سيرها. ودلو ذقون ضخمة حائلة تشبيها بذلك. وقالت عائشة رضي الله عنها : «مات النبيّ عليه الصلاة والسّلام بين حاقنتي وذاقنتي» (٢) قيل : هي الذقن ، وقيل : هي طرف الحلقوم وهو أقرب لقولها في آخر : «بين سحري ونحري» (٣). فقولها : «نحري» يقوّي الثاني. وذقن الرجل على يده أي وضع يده على ذقنه.

فصل الذال والكاف

ذ ك ر :

قوله تعالى : (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ)(٤) قيل : هو التسبيح والتّهليل ونحوه. وقيل : بل هو الكلام في العلم كقولك : هذا حلال وهذا حرام. وقيل : معناه ولذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربّه. قوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)(٥) أي شرفك وشرفهم ، وذلك أنه نزل بلغتهم ، وتشريفه لك أكبر من حيث نزل عليك خصوصا ، ولذلك أفرده عنهم. وقوله : (كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ)(٦) يجوز أن يكون من هذا أي فيه شرفكم على غيركم ، ويجوز أن يراد بذكركم ما تذكرون به. والذكر تارة يقال باعتبار هيئة للنفس بها يتمكّن الإنسان من حفظ ما

__________________

(١) ٨ يس : ٣٦.

(٢) النهاية : ٢ ١٦٢.

(٣) النهاية : ٢ ٣٤٦ ، السحر : الرئة. وانظر فيه تفصيلا. وقد جمعهما ابن منظور في مادة ـ ذقن.

(٤) ٤٥ العنكبوت : ٢٩.

(٥) ٤٤ الزخرف : ٤٣.

(٦) ١٠ الأنبياء : ٢١.

٤٢

يقتنيه من المعارف ؛ فهو كالحفظ ؛ إلا أنّ الفرق بينهما أنه يقال باعتبار حضوره بالقلب وباللسان. ومنه قيل : الذكر ذكران : ذكر بالقلب وذكر باللسان. وكلّ منهما على نوعين : ذكر عن نسيان وذكر لا عن نسيان بل يقال باعتبار إدامة الحفظ. وعلى هذه الأنواع مدار جميع الآيات ، كما ستمرّ بك مفصّلة.

قوله : (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)(١) أي أهل العلم من كلّ أمة. وقيل : أهل القرآن. وقيل : أهل الكتب القديمة ، يعني ممّن آمن. قوله : (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً)(٢). فالذّكر هنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، جعله نفس الذكر مبالغة أو على حذف مضاف ، وعبّر عن البعث بالإنزال تشريفا له فيكون رسولا بدلا من ذكر ، أو قيل : الذكر هو وصفه عليه الصلاة والسّلام من حيث إنه مبشّر به ومذكور في الكتب القديمة (٣). وهذا كما جعلت الكلمة وصف عيسى من حيث إنه وجد بها من غير واسطة أب كما هو المتعارف. وعلى هذا ف «رسولا» بدل أيضا. وقيل : بل «رسولا» نصب بنفس «ذكرا» (٤) أي أنه ذكر «رسولا» والمراد بشارة الكتب به. قوله : (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ)(٥) هذا من الذكر اللسانيّ ، والمراد به التكبير في أيام التّشريق والتهليل فيها وغير ذلك. قوله : (فَاذْكُرُونِي)(٦) يحتمل ذلك ، ويحتمل امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ويؤيّده : (أَذْكُرْكُمْ) أي برحمتي فهو من المقابلة كقوله : (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ)(٧) فاتّفق اللفظ واختلف المعنى. قوله : (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)(٨) يجوز أن يراد التذكير فحذف زوائد المصدر ، وأن يراد الشرف. قوله : (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ)(٩) القرآن لقوله : (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ

__________________

(١) ٧ الأنبياء : ٢١.

(٢) ١٠ و ١١ الطلاق : ٦٥.

(٣) الكلام وصف لعيسى عليه‌السلام ، كما يأتي.

(٤) وفي الأصل : ذكر.

(٥) ٢٠٣ البقرة : ٢.

(٦) ١٥٢ البقرة : ٢.

(٧) ٥٤ آل عمران : ٣.

(٨) ١ ص : ٣٨.

(٩) ٨ ص : ٣٨.

٤٣

أَنْزَلْناهُ)(١). قوله : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)(٢) هو الكتب القديمة. ويجوز أن يراد القرآن لأنه وإن تأخر إنزاله عن غيره فهو مقدّم في الرّتبة على غيره ، من حيث إنّه أشرفها ، كما أن المنزل هو عليه أشرف من أنزل عليه كتاب. قوله : (فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)(٣) ونظائر ذلك ؛ الذّكرى بمعنى التذكير. قوله : (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)(٤) التذكرة ما يتذكّر به الشيء. قيل : هو أعمّ من الدّلالة والأمارة. قوله : (فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى)(٥) قيل : تذكّرها بعد نسيانها ، وقيل : تجعلها ذكرا في الحكم. وفي الحرف قراءتان (٦) بيّنّاهما ، وما هو الصحيح في تأويلهما في غير هذا. وقد أبدى بعضهم معنى حسنا في قوله : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)(٧) وفي قوله : (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ)(٨) من حيث إنه فرّق بينهما بين المذكورين فقال : خاطب أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذين حصل لهم فضل قوة بمعرفته (٩) فقال : «فاذكروني» فأمرهم أن يتصوّروا نعمته فيتوصّلوا بها إلى معرفته. قوله : (بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ)(١٠) يجوز أن يراد أنهم يذكّرون الناس بالدار الآخرة ويزهّدونهم في الدّنيا. ويجوز أن يراد أنّهم يكثرون ذكر الآخرة لاهتمامهم بها واشتغالهم عن الدنيا ، فلا يخطرونها ببالهم فضلا عن ذكرها. قوله : (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)(١١) أي أنّ ذكر ربّك عبده برحمته ، ويجوز أن يجعل الرحمة ذاكرة له مجازا عن إصابتها إيّاه كقولك : ذكرني السلطان ، أي أصابني بخير وإن لم يلفظ باسمك. قوله : (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ

__________________

(١) ٥٠ الأنبياء : ٢١.

(٢) ١٠٥ الأنبياء : ٢١.

(٣) ٥٥ الذاريات : ٥١.

(٤) ٤٩ المدثر : ٧٤.

(٥) ٢٨٢ البقرة : ٢.

(٦) القراءة في فتح همزة إن وكسرها ؛ فمن كسرها نوى بها الابتداء فجعلها منقطعة مما قبلها ، ومن فتحها فهو أيضا على سبيل الجزاء إلا أنه أن يكون فيه تقديم وتأخير ، فصار الجزاء وجوابه كالكلمة الواحدة (معاني القرآن للفرّاء : ١ ١٨٤).

(٧) ١٥٢ البقرة : ٢.

(٨) ١٢٢ البقرة : ٢.

(٩) أي بمعرفة الله تعالى.

(١٠) ٤٦ ص : ٣٨.

(١١) ٢ مريم : ١٩.

٤٤

وَاذْكُرُوا ما فِيهِ)(١) أي ادرسوه وقيّدوه بالحفظ واعملوا به لأنّ من خالف شيئا لم يذكره وإن ملأ به فاه. قوله : (سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ)(٢) أي يعيبهم لقوله : (أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ)(٣)؟ ومنه : فلان يذكر الناس ، إذا كان عيّابا. قوله : (يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى)(٤) أي يتوب وأنّى له التوبة؟ والذّكر ضدّ الأنثى كما قابل بينهما تعالى في قوله : (الذَّكَرَ وَالْأُنْثى)(٥) ويعبّر به عن الجليل الخطير. ومنه الحديث : «القرآن ذكر فذكّروه» (٦) أي عظيم فعظّموه. ويعبّر به عن القويّ الجلد. وفي الحديث : «هبلت أمّه لقد أذكرت به» (٧) أي جاءت به ذكرا قويا. وجمعه ذكور وذكران. وكنّي بالذّكر عن العضو المعروف. والمذكر : المرأة التي ولدت ذكرا واحدا. والمذكار : من عادتها أن تلد الذكور. وقال (٨) : [من البسيط]

قد تجزئ الحرّة المذكار أحيانا

ذ ك و :

قوله تعالى : (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ)(٩) أي ذبحتم. والذّكاة : هي الذّبح الشّرعيّ بقطع الحلقوم ـ وهو مجرى الطعام ـ والمري ـ وهو مجرى الماء. واختلف في اشتقاقها ؛ فقيل : مأخوذ من ذكاة السنّ وبلوغ كلّ شيء منتهاه. ومنه : أذكيت النار : أقمت اشتعالها. وقيل : الذكاة : الحياة. ومنه : ذكت النار تذكو أي خبت (١٠) واتّقدت ، فيكون التّضعيف في «ذكّيتم» للسّلب نحو قرّدته : أزلت قراده. وقيل : الذّكاة : تطهير للحيوان وإباحة أكله (١١) منه. ومنه

__________________

(١) ٦٣ البقرة : ٢.

(٢) ٦٠ الأنبياء : ٢١.

(٣) ٣٦ الأنبياء : ٢١.

(٤) ٢٣ الفجر : ٨٩.

(٥) ٤٥ النجم : ٥٣ ، وغيرها.

(٦) النهاية : ٢ ١٦٣.

(٧) النهاية : ٢ ١٦٣.

(٨) ورد ذكره ، وفي الأصل : قد تجزى المرأة (اللسان ـ جزأ).

(٩) ٣ المائدة : ٥.

(١٠) لم ترد من الأضداد.

(١١) يعني الإنسان الذي يأكل الحيوان.

٤٥

حديث عليّ رضي الله عنه : «ذكاة الأرض يبسها» (١) يعني إذا أصابتها نجاسة فجفّت طهرت. وقيل : هي إخراج الحرارة الغريزية وذلك أنّ مادة ذ ك وتدلّ على الحرارة. وأصلها من قولهم : ذكت النار تذكو أي اتّقدت. وذكّيتها أنا أوقدتها تذكية. ومنه قيل للشمس ذكاء لحرارتها. قال (٢) : [من الكامل]

ألقت ذكاء يمينها في كافر

وابن ذكاء : الصّبح ، قال (٣) : [من الرجز]

وابن ذكاء كامن في ستر

وذلك أنّهم يتصوّرون الصبح ابنا لها ، وتارة حاجبا لها (٤). وعبّر عن حدّة الفهم وسرعته بالذّكاء من قولهم : فلان شعلة نار ، وذهنه يتوقّد. فحقيقة تذكية الحيوان : إخراج الحرارة الغريزية. ويدلّ على هذا الاشتقاق قولهم في الميت : خامد وهامد ، وفي النار الهامدة : ميتة. وذكّى الرجل : أسنّ وحظي بالذكاء لكثرة رياضته وتجاربه. وبحسب هذا الاشتقاق لا يسمّى الشيخ مذكّيا إلّا إذا كان ذا تجارب ورياضات. ولمّا كانت التجارب والرياضات قلّما تستعمل إلا في الشيوخ لطول عمرهم استعمل الذكاء فيهم ، واستعمل في العتاق من الخيل المسانّ. وعلى هذا جرى قولهم : جري المذكّيات غلاب (٥).

__________________

(١) النهاية : ٢ ١٦٤ ، وفيه أن الحديث لمحمد بن علي.

(٢) عجز لثعلبة بن صعير المازنيّ يصف ظليما ونعامة ، وصدره كما في اللسان ـ مادة ذكا :

فتذكّرا ثقلا رثيدا ، بعدما

(٣) من شواهد اللسان في مادة ذكا ، وفيه (في كفر). وصدره :

فوردت قبل انبلاج الفجر

(٤) فقيل : حاجب الشمس.

(٥) جاء في هامش ح : «الذكاء في الأصل : التوقد والمراد في العرف والمعنى المجازي ، وهو سرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب. ابن كمال». وهو من غير خط الناسخ.

٤٦

فصل الذال واللام

ذ ل ل :

قوله تعالى : (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)(١) الذّلّ بالضمّ ضدّ العزّ. والمعنى : تواضع لهما وكن لوالديك ذليلا. وقيل : الذلّ ما كان عن قهر ؛ ذلّ يذلّ ذلّا. والمعنى : كن كالمقهور لهما. والذّلّ بالكسر ضدّ الصعوبة وهو الطواعية والانقياد. وقيل : هو ما لم يكن عن قهر بل عن تأبّ وشماس (٢). وقد قرئ «جناح الذّلّ» (٣) والمعنى : لن لهما ولا تصعّب. يقال : الذّلّ والقلّ ، والذّلّة والقلّة. وذلّت الدابّة تذلّ ذلّا فهي ذلول. قوله : (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً)(٤) أي منقادة غير مستصعبة. قوله : (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً)(٥) أي سهّلت لمتناولها لدنوّها بمنزلة الدابة المنقادة. فهذا من الذّلّ. قوله : (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(٦) أي ليّنين سهلين على إخوانهم من المؤمنين ، ولم يرد أنهم هيّنون عليهم ممتهنون عندهم بدليل مقابلته بقوله (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) أي يغالبونهم ويعادونهم كقوله : (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)(٧). قوله : (وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)(٨) هي أمرهم بقتلهم أنفسهم. وقيل : هي أخذ الجزية. قوله : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ)(٩) أي لم يتّخذ وليّا يحالفه ويعاونه لذلّة. وكانت العرب تحالف بعضها بعضا لتعتزّ به. قوله : (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً) قال أبو بكر : أصلحت وقرّبت ، وأنشد لامرئ القيس (١٠) : [من الطويل]

__________________

(١) ٢٤ الإسراء : ١٧.

(٢) الفرس الشموس والشماس : الشرود والجموح والامتناع.

(٣) قراءة الكسر لسعيد بن جبير والجحدري وحماد الأسدي عن أبي بكر رضي الله عنه (مختصر الشواذ : ٧٦).

(٤) ٦٩ النحل : ١٦.

(٥) ١٤ الإنسان : ٧٦.

(٦) ٥٤ المائدة : ٥.

(٧) ٧٣ التوبة : ٩.

(٨) ١٥٢ الأعراف : ٧.

(٩) ١١١ الإسراء : ١٧.

(١٠) البيت من معلقته (الديوان : ٣٥).

٤٧

وكشح لطيف كالجديل مخصّر

وساق كأنبوب السّقيّ المذلّل

وقال ابن عرفة : مكّنت فلم تمتنع على طالب ، يقال لكلّ مطيع غير ممتنع : ذليل ، من الناس ، ومن غيرهم : ذلول. وفي الحديث : «ربّ عذق مذلّل لأبي الدّحداح» (١) قال الأزهريّ : تذليل العذوق : أنها إذا خرجت من كوافيرها التي تغطيها عمد إليها الآبر (٢) فيسهّلها ويذلّلها (٣) بإخراجها من بين السّلّاء والجريد ، فيسهل قطافها عند إيناعها. وقال مجاهد : معنى الآية : إن قام ارتفع إليه القطف ، وإن قعد تدلّى إليه. وهذا قريب المعنى من قوله : (قُطُوفُها دانِيَةٌ)(٤). قولهم : الأمور تجري على أذلالها أي على مسالكها.

فصل الذال والميم

ذ م م :

قوله تعالى : (وَلا ذِمَّةً)(٥) لذمّة قيل : هي العهد. ومنه سمّي المعاهد ذمّيّا لأنّه أعطي العهد. وقال ابن عرفة : الذمّة هي الضمان ، ومنه : هو في ذمّتي أي ضماني. وأهل الذّمّة من ذلك لأنهم أدخلوا في ضمان المسلمين. وقال أبو عبيد : الذّمّة ما يتذمّم منه. قلت : يعني أنها مشتقّة من الذّمّ ، يعني أنّه يذمّ الرجل على إضاعة ما يعاهدهم عليه أو يؤتمن ، ومثلها الذّمام والذّمّة والمذمّة. والذّمّ جمع ذمّة. وأنشد لأسامة بن الحارث (٦) : [من الطويل]

يصيح بالأسحار من كلّ صارة

كما ناشد الذمّ الكفيل المعاهد

__________________

(١) النهاية : ٢ ١٦٦ ، وفيه : «كم من ..».

(٢) وفي الأصل : الأكر ، والتصويب من النهاية ، ومن اللسان مادة ذلل.

(٣) وفي الأصل : ويذلها ، ولعل الصواب ما ذكرنا. والتذليل : تسهيل اجتناء ثمرها وإدناؤها من قاطفها.

(٤) ٢٣ الحاقة : ٦٩.

(٥) ١٠ التوبة : ٩ ، وغيرها.

(٦) هو أسامة بن الحارث الهذلي ، وليس مذكورا في شعر الهذليين. ذكر صدره في اللسان ـ مادة ذمم ، لكن عجزه مختلف تماما وهو : «تغرّد ميّاح النّدى المتطرّب» غير أن المعلق قال في الحاشية : وليس فيه أي شاهد على شيء مما تقدّم. وما ذكره المؤلف هنا يوضح ضياع عجز شاهد ابن منظور. والذمة : البئر القليلة الماء.

٤٨

وقيل : الذّمّة : الأمان ؛ ومنه الحديث : «ويسعى بذمّتهم أدناهم» (١) يعني أنّ أحد (٢) المسلمين إذا أمّن بعض الحربيين حتى يدخل بلاد جاز ذلك وحرّم اغتياله ، وإن كان المؤمّن أدناهم. وقد أجاز عمر أمان عبد على العسكر (٣). والذّمّ : اللّوم ضدّ المدح ، ومنه قوله تعالى : (مَذْمُوماً مَدْحُوراً)(٤). يقال : ذممته أذمّه ذمّا ، فأنا ذامّ وهو مذموم. وأذمّ بكذا أضاع ذمامه. وقولهم : أذهب عنهم (٥) مذمّتهم أي أعطهم شيئا لذمامهم. وبئر ذمّة أي قليلة الماء. ورجل مذمّ : لا حراك به.

فصل الذال والنون

ذ ن ب :

قوله تعالى : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا)(٦) جمع ذنب وهو كلّ معصية صغيرة كانت أو كبيرة. وأصله الأخذ بذنب الشيء ؛ يقال ذنبته ، ثم استعملت في كلّ فعل تستوخم عقباه ، ولهذا سمّي تبعة اعتبارا بما يحصل من عاقبته. والذّنب من الدابة وغيرها معروف ، ويعبّر به عن المتأخر والشيء الرّذل. قال : والأذناب : الأتباع (٧) وجئت في أذناب القوم. والذّنوب : الدلو العظيمة الملأى ؛ وإن لم تكن ملأى فهي دلو. وفي الأصل : دلو ذات ذنب. ثم يعبّر بها عن النصيب. ومنه قوله تعالى : (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً)(٨) ، وقال علقمة بن عبدة في حقّ أخيه شأس (٩) : [من الطويل]

وفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمة

فحقّ لشأس من نداك ذنوب

__________________

(١) النهاية : ٢ ١٦٨.

(٢) وفي الأصل : آحاد.

(٣) وذلك في فتح شهرياج. والخبر مروي في فتوح البلدان للبلاذري : ٣٨٢.

(٤) ١٨ الإسراء : ١٧.

(٥) وفي الأصل : عن مذمتهم ، والتصويب من اللسان ـ مادة ذمم.

(٦) ١٤٧ آل عمران : ٣.

(٧) وفي الأصل : أكباد ، ولعلها كما ذكرنا عن اللسان.

(٨) ٥٩ الذاريات : ٥١.

(٩) البيت من قصيدته المشهورة «طحابك قلب» (شرح بائية علقمة : ٣٦)

٤٩

ولمّا وصل شعره للملك الذي أسر أخاه قال (١) : نعم وأذنبة. والذّنوب أيضا : توابيع المتن وهي لحمه (٢) : والأذناب : الأتباع ، والرؤوس : الرؤساء المتبوعون. وذنب الرجل : تبعه. وفي الحديثه : «كان لا يرى بالتّذنوب أن يفتضخ بأسا» (٣) ؛ التّذنوب : البسرة التي يرى فيها الإرطاب من قبل ذنبه. ذنّبت البسرة فهي مذنّبة.

فصل الذال والهاء

ذ ه ب :

الذّهاب : المضيّ ويكون في الأعيان كقوله تعالى : (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً)(٤)(إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي)(٥). وفي المعاني كقوله تعالى : (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ)(٦). ويتعدّى بالهمزة أو بالباء نحو : (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ)(٧) ، (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ)(٨). وبين النحاة خلاف في التّعديتين ؛ هل هما بمعنى أو بينهما فرق؟ حقّقناه في غير هذا ، ويعبّر به عن الموت. ومنه قوله تعالى : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ)(٩) أي لا تهلكها تحسّرا عليهم إن لم يؤمنوا ، وقد يعبّر به عن الفوز بالشيء قوله تعالى : (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ)(١٠) أي لتفوزوا.

__________________

(١) قال الملك ذلك بعد أن طرب عند سماع قول علقمة : «فحقّ لشأس من نداك ذنوب».

(٢) وقيل : الألية والمآكم (اللسان ـ مادة ذنب).

(٣) النهاية : ٢ ١٧٠ ، من حديث أنس. وفيه بفتح ياء «يفتضخ» ، وضبطنا من اللسان.

(٤) ٨٧ الأنبياء : ٢١.

(٥) ٩٩ الصافات : ٣٧.

(٦) ٧٤ هود : ١١.

(٧) ١٧ البقرة : ٢.

(٨) ٣٣ الأحزاب : ٣٣.

(٩) ٨ فاطر : ٣٥.

(١٠) ١٩ النساء : ٤.

٥٠

والذّهب : معروف ويؤنّث بالتاء فيقال : ذهبة ، ويصغّر على ذهبية. وكميت مذهب : علت حمرته صفرة فكأنّ عليه ذهبا ؛ قال (١) : [من الطويل]

وكمتا مدمّاة كأنّ متونها

جرى فوقها واستشعرت لون مذهب

ورجل ذهب أي دهش حين رأى معدن الذهب. وفي الحديث : «كان عليه الصلاة والسّلام إذا أراد الغائط أبعد في المذهب» (٢) قال أبو عبيدة : يقال لموضع الغائط الخلاء والمذهب والمرفق والمرحاض. والذّهب أيضا مكيال معروف باليمن ، ويجمع على أذهاب ثم يجمع أذهاب على أذاهب ومنه حديث بعض الصحابة «أذاهب من برّ وأذاهب من شعير» (٣).

ذ ه ل :

قوله تعالى : (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ)(٤) أي تدهش وتتحيّر. وقيل : تسلو. يقال : ذهلت (٥) عن الشيء أذهل ذهولا فأنا ذاهل إذا انصرفت وتركته. وقيل : الذّهول : شغل يورث حزنا ونسيانا. وذهل : علم لشخص تنسب إليه القبيلة المشهورة (٦).

__________________

(١) البيت لطفيل الغنوي ، اللسان ـ مادة كمت.

(٢) النهاية : ٢ ١٧٢.

(٣) هو حديث عكرمة : «سئل عن أذاهب من برّ وأذاهب من شعير ، فقال : يضم بعضها إلى بعض ثم تزكّى» (النهاية : ٢ ١٧٤).

(٤) ٢ الحج : ٢٢.

(٥) وبكسر الهاء كما في اللسان.

(٦) وهم حي من بكر ، وهما ذهلان : أحدهما ذهل بن شيبان والآخر ذهل بن ثعلبة.

٥١

فصل الذال والواو

ذ و د :

قوله تعالى : (تَذُودانِ)(١) أي تطردان غنمهما عن غنم الناس لئلّا تختلط بها. وقيل : وجوههما نظر الناس. يقال : ذدته أذوده ذودا أي صرفته عني. وقيل : يكفّان غنمهما حتى يفرغ الحوض من الوارد ، وهو أظهر لقوله : (حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ) والذّود من الإبل ما بين الإثنين إلى التّسع للإناث خاصّة دون الذكور (٢). وفي الحديث : «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» (٣) ، وقال الآخر (٤) : [من الرجز]

ذود صفايا بينها وبيني

ما بين تسع فإلى اثنين

ذ و ق :

قوله تعالى : (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً)(٥) أي أوصلناها إليه لا يتمكّن به من ذوقها. وأصل الذّوق وجود طعم الشيء بالفم. وأصله تناول ما يقلّ دون ما يكثر ؛ يقال فيه (٦) : أكل. واختير في القرآن لفظ الذّوق في العذاب لأنّه وإن كان في العرف لما يقلّ فهو صالح (٧). فاستعمل ليعمّ (٨) الأمرين. وقوله تعالى : (فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)(٩) فاستعمل الذّوق (١٠) مع اللباس من حيث إنه أراد به الاختبار أي جعلها بحيث

__________________

(١) ٢٣ القصص : ٢٨.

(٢) والذود من الإبل عند الراغب (ص ١٨٣) : عشرة. وعند ابن دريد (الجمهرة : ٢ ٢٤٤) : من الثلاثة إلى العشرة.

(٣) النهاية : ٢ ١٧١. والذود : لفظة مؤنثة لا واحد لها من لفظها كالنّعم (النهاية) وتصغيره بغير هاء على غير قياس ، توهموا به المصدر (اللسان ـ مادة ذود).

(٤) من شواهد اللسان ـ مادة ذود.

(٥) ٩ هود : ١١.

(٦) أي : يقال له أكل إذا كثر.

(٧) أي صالح للتكثير.

(٨) وفي الأصل : ليعلم ، ولعله كما ذكرنا.

(٩) ١١٢ النحل : ١٦.

(١٠) كذا في المفردات (١٨٢) ، وفي الأصل : الذواق.

٥٢

تمارس الجوع والخوف ، أي ابتلاها ما أخبرت من عقاب الجوع والخوف. وقيل : هو على تقدير كلامين أي أذاقها الجوع والخوف ، والبسها لباسهما ، وفي الآية كلام أكثر من هذا. قوله : (إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً)(١) استعمل في الرحمة الإذاقة وفي مقابلتها الإصابة في قوله : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ)(٢) تنبيها على [أنّ](٣) الإنسان بأدنى ما يعطى من النّعمة يبطر كقوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى)(٤). وأكثر استعماله في العذاب. وقد جاء في الرحمة كما تقدّم. والذّواق : ما يذاق من طعام وشراب ؛ فعال بمعنى مفعول. وفي الحديث «لم يكن يذمّ ذواقا» (٥) وفيه في صفة أصحابه عليه الصلاة والسّلام : «لا يتفرّقون إلا عن ذواق» (٦) هذا كناية عمّا يتعلمون من العلم فإنه يقوم مقام الطّعام والشراب ؛ فإنّ العلم يحفظ أرواحهم كما يحفظ الطعام والشراب أبدان غيرهم. ويكنى بالذّوّاق عن سرعة النّكاح. وفي الحديث : «لم يكن الله ليحبّ الذّوّاقين» (٧) أي السريعي النّكاح السريعي الطّلاق. قوله : (فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها)(٨) أي خبرت مكره ، أو وصل إليها وصول المذاق (٩).

ذ و و :

ذو بحذف اللام ، وأصله : ذوي ؛ لامه ياء لأنّ عينه واو. وباب طوى أكثر من باب قوي (١٠) ، وهو في كلامهم على ضربين ؛ ضرب بمعنى صاحب فيلازم الإضافة لفظا ومعنى

__________________

(١) ٤٨ الشورى : ٤٢.

(٢) ٣٦ الروم : ٣٠.

(٣) إضافة المحقق للضرورة.

(٤) ٦ و ٧ العلق : ٩٦.

(٥) النهاية : ٢ ١٧٢.

(٦) النهاية : ٢ ١٧٢.

(٧) النهاية : ٢ ١٧٢ ، مع اختلاف طفيف.

(٨) ٩ الطلاق : ٦٥.

(٩) جاء في هامش ح : «الذوق : حالة إدراكية تشبه ذوق الطعوم كأنها عيان بعد برهان ، وقد يطلق على القوة الإدراكية التي يتوصل بها تلك الحالة» وليس من خط الناسخ.

(١٠) ورسم الجملة في الأصل : «وباب قوي أكثر من باب قوة» وهذا غير واضح.

٥٣

ولا يضاف إلا إلى اسم جنس ظاهر. وشذّت (١) إضافته للعلم ، نحو : ذي رعين ، ذي يزن ، ذي الكلاع ، وكثر في أقيال حمير ، ووجد في حجر مكتوب : «أنا الله ذو بكّة». وشّذت إضافته إلى المضمر في قولهم : [مجزوء الرمل]

إنّما يصطنع (٢) المع

روف في الناس ذووه

وقال الآخر (٣) : [من الوافر]

صبحنا الخزرجيّة مرهفات

أبار ذوي أرومتها ذووها

ويعرب بالأحرف الثلاثة نيابة عن الحركات ، ويثنّى ويجمع جمع السلامة فيقال : ذوا كذا رفعا ، وذوي كذا نصبا وجرا. وقد تقدّم في قوله : ذووه وذووها وذوي أرومتها. ومؤنثه ذوات فإذا ثنّيت فالأكثر ردّ المحذوف كقوله تعالى : (ذَواتا أَفْنانٍ)(٤). وقد يقال : ذاتا على اللفظ. ومنه قوله : بين ذات العوج. وقول أهل الكلام وغيرهم : ذات الشيء يعنون بها نفسه وعينه فيقولون : ذاته كذا أي نفسه فيستعملونها مفردة ومضافة لظاهر تارة ومضمر أخرى ، وينكرونها مقطوعة عن الإضافة ومعرّفة بأل فيقولون : ذاتك ، وذات من الذّوات ، والذات. فيجرونها مجرى النّفس ، وكلّ ذلك ليس من كلام العرب ؛ نصّ عليه الراغب (٥). وأصل وضع «ذي» التوصّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس نحو : [مررت](٦) برجل ذي مال وذي علم. وقد شذّ إفراده عن الإضافة بأنّ مجموعه جمع المذكر السالم في قول الكميت (٧) : [من الوافر]

وما أعني بقولي أسفليكم

ولكنّي أريد به الذّوينا

__________________

(١) في الأصل : وشذ.

(٢) في الأصل : يعرف ، والتصويب من اللسان مادة ـ ذو.

(٣) البيت لكعب بن زهير (الديوان : ٢١٢ ، واللسان ـ مادة ذو).

(٤) ٤٨ الرحمن : ٥٥.

(٥) المفردات : ١٨٢.

(٦) الكلمة ساقطة من الأصل ، والسياق يؤدي إليها.

(٧) الديوان : ٢ ١٠٩ ، وهو من شواهد سيبويه مع اختلاف طفيف (الكتاب : ٣ ٢٨٢). يريد بالأسفلين جمع أسفل خلاف الأعلى. والذوين جمع ذو ، ويعني أذواء اليمن.

٥٤

الذّوين : في البيت جمع ذي الواقع في أسماء ملوك حمير نحو ذي يزن وما ذكر معه. وفي الحديث في صفة المهديّ : «قرشيّ يمان ليس نسبه من ذي ولا ذو» (١) قالّ الهرويّ : يقول : ليس نسبه نسب الأذواء ـ وهم ملوك حمير كذي رعين ، وذي فاشين ، وذي يزن ـ ثم أنشد بيت الكميت. قوله : (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ)(٢) أي صاحبة وصلتكم ، وهي الحالة التي بينكم. وقوله : (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)(٣) أي خفيّاتها.

وضرب يكون بمعنى الذي وذلك في لغة طيء خاصة ، والأفصح فيها حينئذ أن تكون بلفظ ذو في الإفراد والتذكير وضدّهما ؛ رفعا ونصبا وجرا ، كقوله (٤) : [من الوافر]

فإنّ الماء ماء أبي وجدّي

وبئري ذو حفرت وذو طويت

وقد تعرب كالتي بمعنى صاحب ، قال سحيم (٥) : [من الطويل]

فإمّا كرام موسرون أتيتهم

فحسبي من ذو (٦) عندهم ما كفانيا

وقد تثنّى وتجمع وتؤنّث فإذا جمعت جمع سلامة فالأفصح بناؤه على الضمّ كقوله (٧) : [من الرجز]

جمعتها من أينق سوابق

ذوات ينهضن بغير سائق

وقد ذكرها الهرويّ في مادة ذوي ، وليس منه بالعكس كما قدّمته. وذكر الراغب (٨) ذا اسم الإشارة في مادّة «ذو» وسأتكلّم عليه في مادة ... (٩) فإنّه أليق به لما ستعرفه ، وليس من

__________________

(١) النهاية : ٢ ١٧٢.

(٢) ١ الأنفال : ٨.

(٣) ٤٣ الأنفال : ٨.

(٤) البيت لسنان بن فحل الطائي من خمسة أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة : ٥٩١. وهو من شواهد ابن يعيش في المفصل : ٣ ١٤٧.

(٥) البيت لمنظور بن سحيم وليس لسحيم كما في الحماسة ، وهو أحد بني فقعس ، والبيت من شواهد ابن يعيش (شرح المفصل : ٣ ١٤٨).

(٦) في الأصل : من ذي ، وبه يخالف القاعدة.

(٧) أنشده الفراء كما في اللسان ـ مادة ذو. وهو في الأصل مضطرب وناقص.

(٨) المفردات : ١٨٢.

(٩) بياض قدر كلمة.

٥٥

هذه المادّة في القرآن إلا ذا اسم الإشارة على رأي بعض النحاة ، وذلك أنّ الأسماء المتوغّلة في البناء لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف ، وإن ذكر بعض النحويين فيها شيئا من ذلك فللتّمرين. ومذهب البصريين أنّ ذا ثنائيّ الوضع لأنّه مبنيّ كالحرف. ومذهب الكوفيين أنه ثلاثيّ الوضع ، وأنّ أصله «ذي ي» بدليل تصغيرهم له على ذيّا ، والأصل ذييّا فحذفت إحدى الياءين غير ياء التصغير (١) وعوّض منها الألف. وقيل : بل هي عوض من ضمّ أوّله. وفيه كلام طويل حقّقناه في غير هذا ، لا غرض لنا في التّطويل به هنا إذ لا تعلّق له بالمعنى. وفيه لغة ذآ ، بالمدّ. ويقال في التوسّط ذاك (٢) وفي البعد ذلك وآلك ؛ فله ثلاث مراتب على المشهور عند النّحاة ، ومؤنثه ذي وذه ، وتي وته ، وتا وذات وتسكّن هاء ذه وته ، وتشبع وتختلس وتثنى ذات وتا وجمعهما أولى. وقد تقصر وتلحق هاء التنبيه جميعها إلا ما فيه لام البعد ، والكاف حرف خطاب جارية مجرى الاسم مطابقة. ويكون ذا موصولا مع ما أو من الاستفهامية بشرط ألا يلغى وألا يراد به الإشارة. فالأحسن حينئذ جوابه بالرفع. وإذا أبدل منه وجب الرفع. وقرئ قوله : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)(٣) برفع العفو على أنه موصول ، ونصبه على أنه غلب عليه الاستفهام. وأجمع في السّبع على نصب «خيرا» ورفع «أساطير» من قوله : (ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً)(٤)(ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)(٥) ومن البدل قوله (٦) : [من الطويل]

ألا تسألان المرء ما ذا يحاول

أنحب فيقضى ، أم ضلال وباطل؟

وقولهم : عمّا ذا يسأل هو على جعله مع ما بمنزلة اسم واحد ، ولذلك يثبت ألف ما الاستفهامية مجرورة لوقوعها حشوا (٧) ، وقول الآخر (٨) :

__________________

(١) يعني الياء الأولى.

(٢) وفي الأصل : ذلك.

(٣) ٢١٩ البقرة : ٢. يقول الفراء (معاني القرآن : ١ ١٤١) : وجه الكلام فيه النصب ، يريد : قل ينفقون العفو ، وهو فضل المال قد نسخته الزكاة.

(٤) ٣٠ النحل : ١٦.

(٥) ٢٤ النحل : ١٦.

(٦) البيت للشاعر لبيد (الديوان : ٢٥٤) وهو مطلع رثائه للنعمان.

(٧) والأصل إسقاط الألف فتقول : عمّ؟ لم؟

(٨) كذا في الأصل.

٥٦

دعي ما ذا علمت سابقته

ولكن بالمغيب حديثي

يجوز أن يكون «ماذا» كلّه بمنزلة الذي لئلا يلزم تعليق غير أفعال القلوب ، وأن يكون ذا زائدا وهو قبيح ، وأن يكون مفعول دعي مضمرا وهو الظاهر أي : دعي الأمور المعلومة. وما حينئذ استفهامية ، ولا تعليق حينئذ من غير فعل قلبيّ. قوله : (ذلِكَ الْكِتابُ)(١) أشير إليه بما للبعيد تعظيما كقوله : (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)(٢). وقيل : لأنّه نزل من السماء إلى الأرض. وقيل : لأنه وعد به قبل إنزاله. وقول المفسرين هنا أشير إليه إشارة الغائب فيه مسامحة وإلا فلا يشار إلا لحاضر أو ما في قوّته لتحقّق خبر المخبر به كقوله تعالى : (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ)(٣) يعني يوم القيامة (٤).

__________________

(١) ٢ البقرة : ٢.

(٢) ٣٢ يوسف : ١٢.

(٣) ١٠٣ هود : ١١.

(٤) جاء في الهامش حاشيتان من غير خط الناسخ : «الفرق بين الصاحب وذو أن ذو شرط أن يكون المضاف أشرف من المضاف إليه بخلاف الصاحب ؛ يقال : ذو الفرس ولا يقال صاحب الفرس ، ويقال : صاحب النور ولا يقال : ذو النور». «قوله : وبعد اللتيا والتي ، اللتيا تصغير التي على خلاف القياس ، لأن قياس التصغير أن يضم أول المصغر وهذا بقي على فتحته الأصلية ، لكنهم عوضوا عن ضم أوله زيادة الألف في آخره كما فعلوا ذلك في نظائره من اللذيا وذيا وذياك ....».

٥٧

باب الراء

فصل الراء والهمزة

ر أس :

قوله تعالى : (فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ)(١) الرأس أعلى ما في الإنسان ولذلك عبّر بها عن كلّ عال فقيل : رأس الجبل. ويعبّر بها عن أوّل الشيء ، ومنه : رأس الحول. وقيل للسيّد رأس القوم لذلك ، ومنه رجل رئيس ، ورأسة من ذلك. ويجمع الرأس على رؤوس في الكثرة وأرؤس (٢) في القلّة. ورجل أرأس : عظيم الرأس ، وهو الرّؤاسيّ أيضا. ورئاس السيف (٣) : مقبضه. وشاة رأساء : سوداء الرأس. ورأسته : أصبت رأسه ، نحو كبدته : أصبت كبده. وفي الحديث : «إنه عليه الصلاة والسّلام كان يصيب من الرأس وهو صائم» (٤).

ر أف :

قوله تعالى : (رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(٥). الرأفة : الرحمة ، فعلى هذا يكون جمع بين

__________________

(١) ٤١ يوسف : ١٢.

(٢) وآراس على القلب ، كما في اللسان ـ رأس.

(٣) في الأصل : السفينة ، وهو زلل من الناسخ. وقيل : قائمه.

(٤) النهاية : ٢ ١٧٦.

(٥) ١١٧ التوبة : ٩ ، وغيرها.

٥٨

اللفظين تأكيدا. وحسّن ذلك اختلاف اللفظين كقوله تعالى : (صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)(١) ، وقوله :

وألفى قولها كذبا ومينا (٢) [من الوافر] ١٢٤

وهند أتى من دونها النّأي والبعد (٣) [من الطويل]

وقيل : الرأفة أرقّ من الرحمة ، فهي أخصّ ، وعلى هذا فلا تكرار ولا تأكيد. يقال : رأف به يرأف رأفة ورآفة مثل كأبة وكآبة. ورؤف به أيضا بزنة ظرف ، فهو رؤوف. مثل حذر ويقظ بزنة صبور وشكور. وقد قرئ بذلك في المتواتر.

ر أو :

قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)(٤) أي لم ينته إلى علمك كقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ)(٥) والرؤية بمعنى العلم كثير. وقيل : معناه التعجب ؛ عجب الله من فعل هؤلاء الخارجين. وقال سيبويه : سألته ـ يعني الخليل ـ عن قول الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً)(٦) فقال : هذا واجب معناه التنبيه كأنه قيل : ألم تسمع [أنه] أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا؟ واعلم أنّ رأى لفظ مشترك بين معان ؛ رأى بمعنى أبصر ، وبمعنى علم ، وبمعنى ظنّ ، وبمعنى حلم في المنام ، وبمعنى ضرب رئته. وقد يتميز بعضها بالمصدر ؛ فمصدر البصريّة رؤية ، والحلميّة رؤيا ، والرأي لغير ذلك. وقد يجيء في البصرية كقوله تعالى : (رَأْيَ الْعَيْنِ)(٧). ولذلك أضافه للعين ، فإن كان على خلاف الأصل. وقوله : (أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ)(٨) ،

__________________

(١) ١٥٧ البقرة : ٢.

(٢) عجز بيت لعدي بن زيد (طبقات فحول الشعراء : ٦٣). وصدره :

فقدّمت الأديم لراهشيه

(٣) الشطر للحطيئة ، كما في اللسان ـ نأي.

(٤) ٢٤٣ البقرة : ٢.

(٥) ٢٣ آل عمران : ٣.

(٦) ٦٣ الحج : ٢٢.

(٧) ٢٣ آل عمران : ٣.

(٨) ٦٢ الإسراء : ١٧.

٥٩

وقوله : (أَرَأَيْتَكُمْ)(١) ونحوه معناها في هذا كلّه معنى : أخبرني. ويلزم حينئذ فتح التاء مفردة على كلّ حال ، استغناء بمطابقة الكاف لما يراد بها من إفراد وتذكير وضدّيهما. ولذلك لا يعلّق أخبرني ؛ فإن لم يرد بها معنى أخبرني وجب مطابقة التاء لما يراد بها. وللنحويين في «أرأيتك» الإخباريّة خلاف طويل بالنسبة إلى الفاعل (٢) ودلائل متعارضة تحقيقها في غير هذا ويفيد. «أرأيتك» بمعنى أخبرني معنى التّنبيه والتي بمعنى العلم والظنّ. والحكم يتعدّى في أحوالها الثلاثة إلى مفعولين ، وفيما عدا ذلك يتعدّى إلى مفعول واحد. ويتعدّى بالهمزة إلى مفعول آخر هو فاعل في المعنى ، فتعدّى المتعدية إلى اثنين قبل ذلك إلى ثلاثة وهو نهاية تعدّي الفعل كقوله تعالى : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً)(٣). والمتعدية لواحد يتعدّى بها إلى اثنين. وقد يقلب رأى بتقديم لامه على عينه فيقال : راء ، وأنشدوا (٤) : [من الطويل]

وكلّ خليل راءني فهو قائل

من آجلك : هذا هامة اليوم أو غد

وتحذف عينه في الاستفهام نحو : أريتك وأريتكم (٥) وهي قراءة الكسائيّ. وقد قسم بعضهم الرؤية إلى أقسام فقال : وذلك أضرب بحسب قوى النفس ؛ الأول : بالحاسّة وما يجري مجراها كقوله تعالى : (وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ)(٦) هذا مما يجري مجرى الرؤية بالحاسّة ، فإنّ الحاسة لا تصحّ على الله تعالى. والثاني : بالوهم والتخيّل نحو : رأيت أنّ زيدا منطلق. والثالث : بالتفكّر نحو : (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ)(٧). والرابع : بالعقل

__________________

(١) ٤٠ الأنعام : ٦. أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم كلمة تقولها العرب عند الاستخبار بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني. وتاؤها مفتوحة أبدا (النهاية : ٢ ١٧٨).

(٢) في الأصل كلمة «ماذا» واختلاف النحويين منصبّ على الكاف ؛ فقال الفراء والكسائي : لفظها لفظ نصب وتأويلها تأويل رفع.

(٣) ٤٣ الأنفال : ٨.

(٤) البيت لكثير كما في الديوان : ٤٣٥.

(٥) وفي الأصل : أرأيتك وأرأيتكم.

(٦) ٩٤ التوبة : ٩.

(٧) ٤٨ الأنفال : ٨.

٦٠